من «الأوراق: أخبار الشعراء» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
أبو عبد الله محمّد بن أبى العبّاس السّفّاح
له شعر قليل، وكان المنصور ولاه إمارة البصرة فى أول خلافته وأمه أم سلمة بنت يعقوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة المخزومى حدّثنا الحسن بن عليل العنزى قال حدثنى إسحاق بن عبد الله الحمرانى، قال ولى المنصور محمد بن أبى العباس البصرة فقدمها ومعه حماد بن عمر المعروف بعجرد مولى بنى عقيل.
وكان كثير الطيب يملأ لحيته بالغالية إذا ركب، فلقبوه بأبى الدّبس وفيه يقول بعض أهل البصرة يهجوه:
صرنا من الرّبح إلى وكسإذ ولى المصر أبو الدّبس
ما شئت من لوم على نفسهوجنسه من أكرم الجنس
حدّثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب، قال حدثنا التوجى قال:
مر أعرابى بحماد عجرد، وهو يلعب مع الصبيان فى يوم شديد البرد وهو عريان، فقال «تعجردت يا غلام» قسمى عجردا قال أبو خليفة والمتعجرد المتعرى والعجرد أيضا الذهب حدّثنى يحيى بن على قال حدثنى أبى عن إسحاق الموصلى قال:
كان حماد عجرد فى ناحية محمد بن أبى العباس أمير المؤمنين وهو أدّبه وكان محمّد يهوى زينب بنت سليمان بن على لما قدم البصرة أميرا عليها من قبل عمه أبى جعفر المنصور، فخطبها فلم يزوجوه لشىء كان فى عقله، وكان حماد عجرد. وحكم الوادىّ المغنى ينادمانه، فقال محمد لحماد قل فيها شعرا، فقال حماد على لسان محمد، وغنى فيه حكم الوادى فى طريقة خفيف الثقيل- ليس عن يحيى الطريقة-
زينب ما ذنبى وماذا الّذىغضبتم فيه ولم تغضبوا
والله ما أعرف لى عندكمذنبا ففيم الهجر يا زينب
فجعل أهل البصرة يغنون فيه، فلما مات محمد بن أبى العباس طلب محمد بن سليمان أخو زينب بنت سليمان حمادا ليقتله، فهرب منه واستجار بقبر سليمان بن على، وكتب إلى محمد.
من مقرّ بالذّنب لم يوجبالله عليه بسىّء إقرارا
يا ابن بنت النّبىّ إنّى لا أجعل إلّا اليك منك الفرارا
وهى أبيات كثيرة، فلم يؤمنه فرجع إلى جعفر بن أبى جعفر المنصور فأجاره وقال «لا أرضى أو تهجو محمد بن سليمان» فهجاه فقال:-
قل لوجه الخصىّ ذى العار إنّىسوف أهدى لزينب الأشعارا
وهى أبيات، وسنحكم هذا فى أخبار حماد عجرد إذا ذكرناه إن شاء الله.
حدّثنا الحسن بن يحيى الكاتب قال سمعت عمرو بن بانة يقول من شعر محمد بن أبى العباس فى زينب بنت سليمان:
قولا لزينب لو رأيت تشوّقى لك واشترافى
وتلفّتى خوف الوشاة وكان حبّك غير خاف
قال وفيه لحكم الوادى لحن فيه فى طريقة الثقيل الاول، ومن اشعار محمد فيها:
أحببت من لا ينصفورجوت من لا يسعف
نسب تليد بينناوودادنا مستطرف
بالله أحلف جاهداومصدّق من يحلف
إنّى لأكتم حبّهاجهدى لما أتخوّف
والحبّ ينطق إن سكتّبما أجنّ ويعرف
فأما قوله المشهور فيها- وقد روى لحماد عجرد مما يرويه اكثر الناس له- أنشدنيه أبو ذكوان وأبو خليفة والغلابى لمحمد بن أبى العباس
يا قمر المربد قد هجت لىشوقا فما أنفكّ بالمربد
أراقب الفرقد من حبّكمكأنّنى وكّلت بالفرقد
أهيم ليلى ونهارى بكمكأنّنى منكم على موعد
علّقتها رىّ الشّوى طفلةقريبة المولد من مولدى
جدّى إذا ما نسبت جدّهافى الحسب الثّاقب والمحتد
سوف أوافى حفرتى عاجلايا منيتى إن أنت لم تسعدى
والله لا أنساك فى خلوةيا نور عينى ولا مشهد
حدّثنى أحمد بن على قال لما قال عمرو بن سندى مولى ثقيف فى حماد عجرد، ويعرض بمحمد بن أبى العباس
ما امرؤ يصطفيك يا عقدة الكلب لا يداع سرّه ببصير
لا ولا مجلس أجنّك للذّات يا عجرد الخنا بستير
قال المنصور لمحمد بن أبى العباس «مالى ولعجرد يدخل عليك» حدّثنا الحارث بن أبى أسامة قال حدثنا المدائنى قال كان محمد ابن أبى العباس نهاية فى الشدة، فعاتبه المهدى فغمز محمد بركابه حتى انضغطت رجل المهدى فى الركاب، فلم تخرج حتى رد محمد الركاب بيده فأخرجها، وولاه عمه المنصور إمارة البصرة سنة سبع وأربعين ومائة، فخطب زينب بنت سليمان فلم يزوجوه إياها ولم ترده، فكان يعمل فيها الاشعار فمن شعره فيها:
قولا لزينب لو رأيت تشوّقى لك واشترافى
وتلذّذى كيما أراكوكان شخصك غير خاف
ووجدت ريحك ساطعاكالبيت جمّر للطّواف
وتركتنى وكأنّماقلبى يغرّز بالأشافى
حدّثنا الغلابى قال حدثنا عبد الله بن الضحاك عن هشام ابن محمد قال دخل دحمان المغنى مولى بنى مخزوم ويعرف بالاشقر على محمد بن أبى العباس وعنده حكم الوادى- ونسب إلى ذلك لانه من وادى القرى- فأحضر محمد عشرة آلاف درهم وقال: من سبق
منكما إلى صوت يطربنى فهذه له، فابتدأ دحمان فغنى شعر قيس بن الحطيم فى طريقة الثقيل الاول:
حوراء ممكورة منعّمةكالماء شفّ وجهها نزف
فلم يهش له، فغنى حكم الوادى فى شعر لمحمد يقوله فى زينب فى لحن خفيف:
زينب مالى عنك من صبروليس لى منك سوى الهجر
وجهك والله وإن شفّنىأحسن من شمس ومن بدر
لو أبصر العاذل منك الّذىأبصرته أسرع بالعذر
فطرب وضرب برجله وقال خذها، وأمر لدحمان بخمسة آلاف درهم، وفى غير هذا الخبر: أنه سمى حكم الوادى لكثرة غنائه.
حدّثنا أبو ذكوان قال حدثنا العتبى قال كان محمد بن أبى العباس جوادا قويا وكان يلوى العمود ويلقيه إلى أخته ريطة فترده، قال وكان ممدحا، وفيه يقول حماد عجرد:
أرجوك بعد أبى العبّاس إذ بانايا أكرم النّاس أعراقا وعيدانا
فأنت أكرم من يمشى على قدموأنضر النّاس عند المحل أغصانا
لو مجّ عود على قوم غضارتهلمجّ عودك فينا المسك والبانا
ومما يغنى فيه من شعر محمد وهو عندى من ملح كلامه أنشدنيه أبو موسى محمد بن موسى مولى بنى هاشم بالبصرة سنة أربع وسبعين ومائتين:
أسعد الصّبّ يا حكموأعنه على الألم
وأدر فى غنائهنغما تشبه النّعم
أجميل بأن ترىنائما وهو لم ينم
لائمى فى هوى زينب أنصف ولا تلم
لبس الجسم حلّةفى هواها من السّقم
ومن شعره
بنفسى من منعت نفعها المحبّ وما منعت ضيرها
لها صفو ودّى ولكنّنىحرمت على ودّها خيرها
سقتنى عن غيرها سلوةفلست أرى حسنا غيرها
حدّثنا الغلابى قال حدثنا محمد بن عبد الرحمن قال لما أراد محمد ابن أبى العباس الخروج من البصرة قال:
أيا وقفبة البين ماذا شببت من النّار فى كبد المغرم
رميت جوانحه إذ رميتبقوس مشدّدة الأسهم
وقفنا لزينب يوم الوداععلى مثل جمر الغضا المضرم
فمن صرف دمع جرى للفراق وممتزج بعده بالدّم
ومات محمد بن أبى العباس فى أول سنة خمسين ومائة، فقال حماد عجرد يرثيه:
صرت للدّهر خاشعا مستكينابعد ما كنت قد قهرت الدّهورا
حين أودى الأمير ذاك الّذىكنت به حيث كنت أدعى أميرا
كنت فيما مضى أجير به الدهر فأصبحت بعده مستجيرا
يا سمىّ النّبىّ يا ابن أبى العبّاس حقّقت عندى المحذورا
سلبتنى المنون إذ سلبتنيك سرورى فلست أرجو سرورا
ليتنى متّ حين متّ لا بلليتنى كنت قبلك المقبورا
أنت ظلّلتنى الغمام بنعماك ووطّأتنى وطاء وثيرا
لم تدع إذ مضيت فينا نظيرامثل ما لم يدع أبوك نظيرا
النص من طبعة شركة أمل بالقاهرة (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع