من «الأوراق: أخبار الشعراء» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
أبو إسحاق ابراهيم بن المهدىّ
حدّثنا يحيى بن على عن احمد بن يحيى بن جابر قال حدثنى هبة الله بن ابراهيم بن المهدى أن محياة الطائفية ام ولد المنصور كانت بعثت بشكلة أم ابراهيم إلى الطائف فنشأت هناك ففصحت وقالت الشعر وأنشدنى لها شعرا فى أخ كان لها يقال له احمد وهو:
أحمد تفديه شباب فهرمن كلّ ما ريب وأمر نكر
قد جاء مثل الشّمس غبّ قطرفى حسن بدر واعتدال صدر
بنىّ أحشائى وذخر ذخرىشدّ إلهى بأبيك ظهرى
وزاده ربّ العلى من عمرىوذبّ عنه خائفات الدّهر
وعنك ما أدرى وما لا أدرى
قال وابراهيم شاعر عالم بالغناء مقدم فى الحذق، بايعه اهل بغداد
بعد قتل محمد الامين، فلما ظهر قواد المأمون استخفى فلم يزل كذلك مدة طويلة إلى أن قدم المأمون بغداد، ثم ظهر عليه فعفا عنه فعمل فيه اشعارا وشكلة من سبى دنباوند قتل ابوها شاهمرد وسبيت هى وبخترية أم منصور بن المهدى، فوهبها المنصور لمحياة أم ولد له فوهبتها للمهدى وولد إبراهيم بن المهدى غرة ذى القعدة سنة اثنتين وستين ومائة وتوفى فى أول سنة أربع وعشرين ومائتين، وقيل فى آخر سنة ثلاث وعشرين بسر من رأى.
حدّثنا يموت بن المزرع قال حدثنى الجاحظ قال أرسل إلى ثمامة يوم جلس المأمون لابراهيم بن المهدى، وأمر باحضار الناس على مراتبهم فحضروا، فجىء بابراهيم فى قيد فسلم، فقال له المأمون:
«لا سلم الله عليك، ولا حفظك» فقال: «على رسلك يا أمير المؤمنين، فلقد اصبحت ولى ثأرى، والقدرة تذهب الحفيظة، ومن مد له فى الامل هجمت به الأناة على التلف، وقد أصبح ذنبى فوق كل ذنب، وعفوك فوق كل عفو، فان تعاقب فبحقك، وإن تغفر فبفضلك» فقال له المأمون إن هذين أشارا على بقتلك- وأومأ الى المعتصم وإلى ابنه العباس- فقال قد أشارا بما يشار بمثله فى مثلى، وما غشاك فى عظم الخلافة ولكن الله عودك من العفو عادة، فانت تجرى عليها دافعا ما تخاف بما ترجو، فقال: أطلقوا عمى، فقد عفوت عنه
فقال بعقب هذا:
وعفوت عمّن لم يكن عن مثلهعفو ولم يشفع اليك بشافع
إلّا العلوّ عن العقوبة بعد ماظفرت يداك بمستكين خاضع
فرحمت أطفالا كأفراخ القطاوعويل عانسة كقوس النّازع
قسما وما أدلى اليك بحجّةإلّا التّضرّع من مقرّ خاشع
ما إن عصيتك والغواة تمدّنىأسبابها إلّا بنيّة طائع
وهذه قصيدة طويلة أولها:
يا خير من ذملت يمانية بهبعد الرّسول لآيس أو طامع
وله فى عفوه أشعار كثيرة منها قصيدة أولها:
أعنيك يا خير من تعنى بمؤتلفمن الثّناء ائتلاف الدّرّ فى النّظم
أثنى عليك بما جدّدت من نعموما شكرتك إن لم أثن بالنّعم
وفيها
رددت مالى ولم تمنن علىّ بهوقبل ردّك مالى ما حقنت دمى
فنؤت منه وما كافأنها بيدهى الحياتان من موت ومن عدم
البرّ لى منك وطء العذر عندك لىفيما أتيت فلم تعذل ولم تلم
وقام علمك بى فاحتجّ عندك لىمقام شاهد عدل غير متّهم
تعفو بعدل وتسطو إن سطوت بهفلا فقدناك من عاف ومنتقم
حدّثنا محمد بن موسى بن حماد قال حدثنا عبد الوهاب بن محمد ابن عيسى قال استخفى ابراهيم عند بعض أهله من النساء، فوكلت بخدمته جارية جميلة، وقالت لها: أنت له، فان أرادك لشىء فطاوعيه وأعلميه ذلك حتى يتسع له. فكانت توفيه حقه فى الخدمة والاعظام، ولا تعلمه بما قالت لها، فجل مقدارها فى نفسه، إلى أن قبل يوما يدها فقبلت الارض بين يديه فقال:
يا غزالا لى اليهشافع من مقلتيه
والّذى أجللت خدّيه فقبّلت يديه
بأبى وجهك ماأكثر حسّادى عليه
أنا ضيف وجزاء الضّيف إحسان اليه
وعمل بعد ذلك فيه لحنا من طريق الهزج حدّثنى عبد الله بن محمد بن على الكاتب قال حدثنا ابو العيناء قال سمعت إبراهيم بن الحسن بن سهل يقول: لم يكن ابراهيم بن المهدى يصدق أن عفو المأمون عنه يدوم، ويرى أنه سيلحق به جملة، فكان يتعهر ويتهتك ويغنى لكل أحد، ولا يخلى المأمون فى كل وقت من مدح حدّثنا أحمد بن يزيد المهلبى قال حدّثنا أبى قال كتب ابراهيم ابن المهدى الى عمرو بن بانة- حين ظهر ورضى عنه المأمون- يدعوه
فكتب اليه عمرو: أخاف سخط أمير المؤمنين. فكتب اليه ابراهيم:
ليس يخلو أمير المؤمنين من أن يكون راضيا عنى فما يكره أن تسرنى، أو ساخطا فما يكره أن تعرنى، وما تخرج عن هاتين.
حدّثنى الحسن بن يحيى الكاتب قال سمعت هبة الله بن ابراهيم ابن المهدى يقول حين أخذ أبى ابراهيم كتب إلى المأمون رقعة فقرأها قبل أن يراه وهو أول شعر قرأه له:
أيا منعما لم تزل مفضلاأدام الضّنى سخطك الدّائم
ظلمت فان قلت لا بل ظلمت فانّى أنا الكاذب الآثم
وأستغفر الله من زلّتىفانّى من جرمها واجم
يفزّ الحليم ويكبو الجواد وينبو لدى الضّربة الصّارم
فهأ انا ذا العائذ المستجير فاحكم بما شئت يا حاكم
عصيت وتبت كما قد عصىوتاب إلى ربّه آدم
فقل قول يوسف لا تثربنّ فقد يغفر الغافر الرّاحم
فلست إلى زلّة عائدايد الدّهر ما قعد القائم
قال فحل ذلك أكثر ما كان فى نفسه حدّثنا عون بن محمد قال حدثنا محمد بن راشد قال دخلت يوما الى ابراهيم بن المهدى فتجارينا ذكر الدول فأنشدنى لنفسه:
فلله نفسى إنّ فىّ لعبرةوللدّهر نقض للقوى بعد إبرام
غدوت على الدّنيا مليكا مسلّطاورحت وما أحوى بها قبس إبهام
حدّثنا عون قال أنشد ابراهيم بن المهدى المأمون شعرا يعتذر فيه فقال له حين فرغ منه: قد أفرط شكرك، كما أفرط جرمك، والاحسان محاء للاساءة.
وأنشدنى عون له بعقب هذا وكان يستجيده:
ونهيت نومى عن جفونى فانتهىوأمرت ليلى أن يطول فطالا
نظر العيون على العيون هو الّذىجعل العيون على العيون وبالا
حدّثنا محمد بن يحيى بن أبى عباد قال حدثنى أبى قال كان إبراهيم ابن المهدى قد ترك الغناء فى آخر أيامه، وذاك أنه غنى المعتصم صوتا بشعر له فى طريقة الثقيل الثانى فى الاصبع الوسطى نوحيا على عمد:
ذهبت من الدّنيا وقد ذهبت منّىهوى الشّيب بى عنها وولّى بها عنّى
فان أبك نفسى أبك نفسا نفيسةوإن أحتسبها أحتسبها على ضن
وجعل يغنى ويبكى، فقال له المعتصم: ما هذا يا عم؟
قال: حلفت بين يدى الرشيد أنى إذا بلغت الستين لم أشرب ولم أغن، قال ومن يشهد بهذا؟ قال جماعة قد بقى منهم مسرور الخادم، فسأله عن ذلك فشهد له، فأعفاه عن الغناء الشرب والغناء فما عاد لذلك إلى أن مات.
حدّثنى الحسين بن يحيى قال سمعت عبد الله بن العباس بن
الفضل بن الربيع يقول بلغ ابراهيم بن المهدى من حسن الغناء والعلم إلى نهاية ما بعدها، حتى انه كان يجاذب اسحاق الموصلى ...
صنعة حسنة شبه بها صنعة الاوائل، منها أنه غنى فى شعر مروان ابى حفصة من طريقة الثقيل الاول:
طرقتك زائرة فحىّ خيالهاحسناء تخلط بالجمال دلالها
حدّثنا يحيى بن على عن ابيه عن ابراهيم بن على بن هشام ان اسحاق كتب إلى ابراهيم بن المهدى بجنس صوت صنعه مجزأ واجزاء لحنه فغناه ابراهيم من غير أن يسمعه والصوت:
حيّيا أمّ يعمرقبل شحط من النّوى
فقلت لا تعجلوا الرّواح فقالوا ألا بلى
وهذا مما لم يسمع بمثله من فعلهما، والذى فعله ابراهيم بن المهدى اشد واعجب، واللحن الذى عمله اسحاق فى هذا الشعر من الثقيل الثانى وللهذلى فيه لحن فى طريقة خفيف الثقيل الاول.
وكان ابراهيم بن المهدى ينسب الثقيل الاول الذى عليه الناس جميعا إلى الثقيل الثانى، وينسب الثقيل الثانى إلى الثقيل الاول، وتابعه على ذلك عمرو بن بانة، وكان احد غلمانه «ومن شعر ابراهيم»
الشّيب شين والخضاب عذابولكلّ حىّ مهجة ستصاب
قالت أمامة شبت يا ابن محمّدشيبا وشاب أمامة الأتراب
وهذا معنى مليح، يقول وقد شبت أنت أيضا، ومثله لكعب بن زهير وهو أوضح من هذا:
ألا بكرت عرسى تلوم وتعذلوغير الّذى قالت أعفّ وأجمل
أريت من الشّيب العجيب الّذى رأتفهل أنت منّى ويب عيرك أمثل
كلانا علته كبرة فكأنّمارمته سهام فى المفارق نصّل
يقول نحن وإن شبنا على أمرنا فى اللهو والبطالة، فكان سهام الشيب نصل لا زجاج عليها، حين اصابتنا فلم تغن شيئا. فأخذها ابو نواس فقال وخلط:
خلق الشّباب وشرّتى لم تخلقورميت من عوض الشّباب بأفوق
وليس من ذاك لانه يقول رميت بسهم فى اللهو مكسور الفوق لأنى شيخ. يقال خلق [الثوب] يخلق وأخلق يخلق ومن مليح ما يشبه هذا ما حدثنى به الحسن البلعى عن أبى حاتم السجستانى قال قرأت على الاصمعى شعر حسان ومرت قصيدته:
منع النّوم بالعشاء الهموم
إلى ان بلغت:
لم تفقها شمس النّهار بشىءغير أنّ الشّباب ليس يدوم
فقال الاصمعى: آه، أخبر والله أنها كبيرة!
حدّثنا ميمون بن هارون قال سمعت الفضل بن مروان يقول كان ابراهيم بن المهدى أصح الناس رأيا لغيره وأفسدهم رأيا لنفسه.
فقيل له فى ذلك فقال أنا أنظر فى أمر غيرى برأى سليم من الهوى ويغلب على رأيى فى أمر نفسى ما أهواه حدّثنا يحيى بن على قال أخبرنى أبى عن يوسف بن ابراهيم وهو ابن خالة إبراهيم بن المهدى قال حضرت ابراهيم بن المهدى واسحاق بن ابراهيم الموصلى يتلاحيان فى التجزئة والقسمة فى الغناء، فقلت لهما أراكما توجبان لهما له معنيين ومعناهما واحد، فقال لى ابراهيم لا لوم عليك فيما أنكرت من باب التجزئة والقسمة، لأن المنطق يوجب ما قلت، ولكن أصحاب صناعة اللحون إذا أرادوا وضع صوت حزؤا شعره على اجزاء معلومة ثم قسموا اللحن على تلك الاجزاء فالتجزئة عندهم تجزئة الشعر، والقسمة قسمة اللحن على الاجزاء.
قال ولم يكن أحد بعد اسحق أعلم بالغناء من ابراهيم حدّثنى يحيى بن على قال حدثنى أبو العبيس بن حمدون عن عمرو بن بانة قال رأيت ابراهيم بن المهدى يناظر اسحق فى الغناء، فتكلما فيه بما فهماه ولم أفهم منه شيئا، فقلت لهما لئن كان ما أنتما فيه من الغناء فما نحن منه فى قليل ولا كثير.
حدّثنى محمد بن سعيد قال حدثنى أبو أمامة الباهلى عن الحسين ابن الضحاك وحدثناه المغيرة بن محمد المهلى أن الحسين بن الضحاك شرب عند ابراهيم بن المهدى يوما فجرت بينهما ملاحاة فى الدين
والمذهب، فدعا له ابراهيم بنطع وسيف وقد أخذ الشراب منه وانصرف الحسين غضبان فكتب ابراهيم يعتذر اليه ويسأله أن يحيبه فقال الحسين:
نديمى غير منسوبإلى شىء من الحيف
سقانى مثل ما يشرب فعل الضّيف بالضّيف
فلمّا دارت الكأسدعا بالنّطع والسّيف
كذا من يشرب الخمرمع التّنّين فى الصّيف
فلم يعد لمنادمته مدة، ثم إن ابراهيم تحمل عليه ووصله، فعاد لمنادمته.
حدّثنا أحمد بن محمد أبو اسحاق الطالقانى قال حدثنى عبيد الله ابن محمد بن عبد الملك الزيات قال لما وثب ابراهيم بن المهدى على الخلافة اقترض من مياسير التجار مالا فأخذ من عبد الملك جدى عشرة آلاف دينار، وقال أرادها إذا جاءنى مال، ولم يتم أمره واستخفى.
ثم ظهر فطولب بالاموال، فقال انما أخذتها للمسلمين وأردت أن اقضيها من أموالهم، والامر إلى غيرى. فعمل أبى محمد بن عبد الملك قصيدة يخاطب بها المأمون ومضى بها الى ابراهيم بن المهدى فأقرأه اياها وقال: والله لئن لم تعطنى المال الذى اقترضته من أبى
لأوصلن هذه القصيدة الى المأمون، فهاب ابراهيم أن يقرأ المأمون مثلها، وقال خذمنى بعض المال ونجم بعضه ففعل أبى ذلك وأحلفه أنه لا يظهر القصيدة فى حياة المأمون ووفى له بباقى المال، والقصيدة
ألم تر أنّ الشّىء للشّىء علّةتكون له كالنّار تقدح بالزّند
كذلك جرّبنا الأمور وانّمايدلّك ما قد كان قبل على البعد
وظنّى بابراهيم أنّ مكانهسيبعث يوما مثل أيّامه النّكد
رأيت حسينا حين صار محمّدبغير أمان فى يديه ولا عقد
فلو كان أمضى السّيف فيه بضربةيصيّره بالقاع منعفر الخدّ
إذا لم يكن للجند فيه بقيّةفقد كان ما بلّغت من خبر الجند
هم قتلوه بعد أن قتلوا لهثلاثين ألفا من كهول ومن مرد
وما نصروه عن يد سلفت لهولا قتلوه يوم ذلك عن حقد
ولكنّه الغدر الصّراح وخفّة الحلوم وبعد الرّأى عن سنن القصد
فذلك يوما كان للنّاس عبرةسيبقى بقاء الوحى فى الحجر الصّلد
يعنى بهذا الحسين بن على بن عيسى بن ماهان أخرج محمد الامين على رؤوس الناس حاسرا حتى حبسه فى مدينة ابى جعفر فى الخضراء فلما كان الغد قال له الجند: كن فى حيلة أرزاقنا. فدفعهم الحسين يومين ثم هرب فى اليوم الثالث فتبعه تميم مولى أبى جعفر وغالب فى جماعة
فقتلوا وجاؤا برأسه الى محمد وأخرجوا محمدا وهو عطشان قد كاد يتلف فردوه الى الخلافة
وما يوم إبراهيم إن طال عمرهبأبعد فى المكروه من يومه عندى
تذكّر أمير المؤمنين قيامهوأيمانه فى الهزل منه وفى الجدّ
أما والّذى أمسيت عبدا خليفةله شرّ أيمان الخليفة والعبد
إذا هزّ أعواد المنابر باستهتغنّى بليلى أو بميّة أو هند
ووالله ما من توبة نزعت بهلديك ولا ميل اليك ولا ودّ
ولكنّ إخلاص الضّمير مقرّبالى الله زلفى لا تخيب ولا تكدى
أتاك بها طوعا اليك بأنفهعلى رغمه واستأثر الله بالحمد
فلا تتركن للنّاس موضع شبهةفانّك مجزىّ بمثل الّذى تسدى
فقد غلطوا للنّاس فى نصب مثلهومن ليس للمنصور بابن ولا المهدى
فكيف بمن قد بايع النّاس والتقتببيعته الرّكبان غورا إلى نجد
ومن صكّ تسليم الخلافة سمعهينادى بها بين السّماطين من بعد
وأىّ امرىء يسمى بها قطّ نفسهففارقها حتّى يغيّب فى اللّحد
وتزعم هذا النّابتيّة أنّهإمام لها فيما يجنّ وما يبدى
يقولون سنّىّ فأيّة سنّةتقوم بحون؟؟ اللّون ثغل القفا جعد
وقد جعلوا رخص الطّعام بعهدهزعيما له باليمن والكوكب السّعد
إذا ما رأوا يوما غلاء رأيتهميحنّون تحنانا إلى ذلك العهد
وأقبل يوم العيد يرجف حولهرجيف الجياد واصطكاك القنا الجرد
ورجّالة يمشون بالبيض قبلهوقد تبعوه بالقضيب وباليرد
فان قلت قد زان الخلافة غيرهفلم يؤت فيما كان حاول من جدّ
فلم أجزه إذ خيّب الله سعيهعلى خطإ إن كان منه ولا عمد
ولم أرض بعد العهد حتّى رفدتهوللعمّ أولى بالتّغمّد والرّفد
فليس سواء خارجىّ رمى بهاليك سفاه الرّأى والرّأى قد يردى
تعاوت له من كلّ أوب عصابةمتى يوردوا لا يصدروه عن الورد
ومن هو فى بيت الخلافة يلتقىبه وبك الآباء فى ذروة المجد
فمولاك مولاه وجندك جندهوهل يجمع القين الحسامين فى غمد
وقد رابنى من أهل بيتك أنّنىرأيت لهم وجدا به أيّما وجد
يقولون لا تبعد من ابن ملمّةصبور عليها النّفس ذى مرّة جلد
فدانا فهانت نفسه دون ملكناعليه على الحال الّتى قلّ من يفدى
على حين أعطى النّاس صفق أكفّهمعلىّ بن موسى بالولاية والعهد
فما كان فينا من أبى الضّيم غيرهكريم كفى باقى القبول وفى الرّدّ
وجرّر إبراهيم للموت نفسهوأبدى سلاحا فوق ذى منعة نهد
فأبلى ومن يبلغ من الأمر جهدهفليس بمذموم وإن كان لم يجدى
فهذى أمور قد يخاف ذوو النّهىمغبّتها والله يهديك للرّشد
حدّثنا يحيى بن على قال حدثنى أبو أيوب المدينى قال حدثنى ابراهيم بن على قال قال ابراهيم بن المهدى «ثلاثة أشياء من الغناء إن لم يكن لصاحبها طبع لم يمكنه معرفتها، منها. المعرفة بالغناء، فلو أدركها إنسان بفهم وعقل وادب لأدركها احمد بن يوسف، وهو اجهل الناس بالغناء. ودخول الحلق فى الوتر لو بلغه احد بغير طبع لبلغه اسحق مع تقدمه فى هذا الشأن وعلمه به، وما دخل حلقة فى وتر قط. وغناء الصوت على مثال واحد [لو بلغه أحد] بغير طبع لقدر عليه علّوية فى حذقه وإحسانه، ولكنه يحبس موضعا ويحث موضعا، ومثل من كان كذا مثل الصبى الذى يعوج سطوره. فلا ينفع فيه التعليم حدّثنا أحمد بن يزيد المهلى قال حدثنى أبى عن اسحق قال طهرت بعض ولدى فكتب الى ابراهيم بن المهدى لولا أن البضاعة قصرت عن الهوى لأتعبت السابقين إلى برك، وحسبك ان تطوى
صحيفة البر وليس لى فيها برة، وقد بعثت اليك ما المبتدأ به ليمنه والمختوم به لطيبه ورائحته، جراب ملح، وجراب أشنان.
حدّثنا عون بن محمد قال حدثنى هبة الله بن ابراهيم بن المهدى مرات وكان ابن خالته يوسف بن ابراهيم الخراسانى أصدق الناس، قال كان الرشيد يحب أن يسمع إلى ابراهيم فخلا به مرات الى ان سمعه ثم حضر معه سليمان بن ابى جعفر فقال لابراهيم: عمك سيد ولد المنصور بعد أبيك، وهو يحب أن يسمعك، فلم يتركه حتى غنى بين يديه شعر الاحوص
إذ أنت فينا لمن ينهاك عاصيهوإذ أجرّ اليكم سادرا رسنى
قال فأمر له بألف درهم- ثم قال له ليلة، ولم يبق فى المجلس عنده غير جعفر بن يحيى: أنا أحب أن أشرف جعفرا بأن تغنيه صوتا فغناه فى صوت صنعه فى طريقة الرمل والشعر للدارمى:
كأنّ صورتها فى الوصف إذ وصفتدينار عين من المصريّة العتق
فأمر له الرشيد بمائة ألف دينار.
حدّثنى عون بن محمد قال كان ابراهيم بن المهدى يشنأ محمد بن عبد الملك الزيات فلما ولى وزارة المعتصم قال ابراهيم:
يا بؤس يوم كاسفإن لم يغيّر فى غده
لأمّة وزيرهاعاصر زيت بيده
يظهر نصحا وجههوغشّه فى كبده
حدّثنا محمد بن موسى بن حماد قال حدثنا محمد بن صالح قال كان ابراهيم بن المهدى مع احسان المأمون يشنؤه ويعيب افعاله، وله فى ذلك أشعار منها:
صدّ عن توبة وعن إخباتولها بالمجون والقينات
ليس ينفكّ مازجا فى يديهخمر قطربّل بماء الفرات
ما يبالى إذا خلا بأبى عيسى وشرب من بدّن عطرات
أن يغصّ المظلوم فى حومة الجور بداء بين الحشا واللهاة
حدّثنى عون بن محمد الكندى كاتب حجر بن احمد الحويمى بفارس- وما رأيت قط شيخا أكمل منه من نظرائه، ولا أسند ولا أصدق، رأى الناس قديما فكان يروى الحرفين والثلاثة، ولوادعى كل شىء جازله، وكانت معه اصول ابيه بخط عون فلو انكر أنها أصوله لصدق- قال حدثنا اسحاق الموصلى قال كان إبراهيم بن المهدى لا يزال ينازعنى فى الغناء، فقلت له يوما يا سيدى انت ابن الخلفاء واخو الخلفاء وإذا بلغت ما تريد من الغناء فانت أنت فيه، واذا قصرت قلت كسلت ولم أنشط، وتفعل ما تريد. وأنا أغنى على كل حال وفى كل وقت فقال: صدقت فى هذا ونقصت من الاستحقاق. فقلت فى نفسى والله لأبغضنه ما قلت، فقلت يا سيدى قد غنيت لنفسك أصواتا كثيرة، فهل قمت على حق صوت منها حتى استوفيته كله؟ فقال أعطيتنى برك هاريق، وعقوقك جملة
حدّثنا عون بن محمد الكندى قال حدثنى الحسين بن الضحاك- سنة عشرين ومائتين- وابراهيم بن المهدى حى، قال دخل ابراهيم إلى المأمون فقال: يا امير المؤمنين ان الله فضلك فى نفسك على، وألهمك الرأفنو العفو عنى، والنسب واحد، وقد هجانى دعبل فانتقم لى منه، فقال وما قال لك، لعله قوله:
نفر ابن شكلة بالعراق وأهلهفهفا اليه كلّ أطيش مائق
إن كان إبراهيم مضطلعا بهافلتصلحن من بعده لمخارق
ولتصلحن من بعد ذاك لزلزلولتصلحنّ وراثة للمارق
أنّى يكون وليس ذاك بكائنيرث الخلافة فاسق عن فاسق
فقال هذا من هجائه، وقد هجانى بأقبح منه، فقال لك فى أسوة لأنه هجانى فاحتملته فقال فى
إنّى من القوم الّذين سيوفهمقتلت أخاك وشرّفتك بمقعد
شادوا بذكرك بعد طول خمولهواستنقذوك من الحضيض الأوهد
فقال ابراهيم زادك الله يا أمير المؤمنين حلما وعلما، فما تنطق العلماء إلا عن فضل علمك، ولا يحلمون إلا اتباعا لحلمك.
وأنشدنى عبد الله بن المعتز لابراهيم بن المهدى
من قال فى النّاس قالوا فيه ما فيهوحسبه ذاك من خزى ويكفيه
من نمّ فى النّاس لم تؤمن عقاربهعن الصّديق ولم تؤمن أفاعيه
كالسّيل يجرى ولا يدرى به أحدمن أين جاء ولا من أين يأتيه
لو فرّ من رزقه عبد إلى جبلدون السّماء لألفى رزقه فيه
حدّثنا عون بن محمد قال حدثنا محمد بن راشد قال رأيت احمد بن يوسف الكاتب يناظر إبراهيم بن المهدى فى دار المأمون فى أمر بنى هاشم وتقديم بعضهم على بعض، فعلاه إبراهيم فصاحة وحجة، فسر من ذلك، وقلت لابراهيم: قد رأيت هذا الذى لا يطاق منحطا فى يدك فقال إبراهيم: والله لو رأيتنى فى يد جعفر بن يحيى لرأيت دون هذا فى يدى، وما رأيت أكمل من جعفر قط.
حدّثنا عبد الله بن المعتز قال حدثنى إبراهيم بن إسحاق قال أنشدنى ابو يعقوب اسحاق بن سليمان بن المنصور لابراهيم بن المهدى
أنا أفدى على الهجران زيناوإن كنّا على عمد كنينا
وما زينا بتفدية أردناولكنّا عنينا من عنينا
أقول وقد رأيت لهاسماءمن الهجران مقبلة الينا
وقد سحّت عزاليها بصدّحوالينا الصّدود ولا علينا
قلت انا: واظنه كنى عن زينب ولعلية فى الكناية أخبار نحيىء بها بعد فراغنا من أخبار ابراهيم وابنه هبة الله إن شاء الله.
حدّثنى عبد الله بن المعتز قال كتب ابراهيم بن المهدى إلى بعض
اصحابه فى يوم غيم:
إن كنت تنشط للصّبوح فانّهيوم أغرّ محجّل الأطراف
وأرى الغمامة كالعقاب محلّقامسودّة الأوساط والأكناف
طورا تبلّك بالرّذاذ وتارةتهمى عليك بدلوها الغرّاف
فانعم صباحا وائتنا متفضّلاودع الخلاف فليس يوم خلاف
حدّثنا عبد الله قال كتب ابراهيم الى طاهر كتابا منه: زادك الله للحق قضاء، وللشكر أداء. أبلغنى رسولى عنك ما لم أزل أعرفه منك، والله يمتعنى بك، ويحسن فى ذلك عنى جزاءك، ومع ذلك فانى اظن أنى علمتك الشوق لأنى ذكرته لك، فهيجته منك والسلام.
«وفصل منه الى منصور بن المهدى» وما الحق إلا حق الله، فمن أداه فلنفسه، ومن قصر عنه فعليها، نسأل الله أن يعمرنا بالحق، ويصلحنا بالتوفيق ويحصننا بالتقوى.
«والى العباس بن موسى» عبد الرحمن بن عبد الله، من لا أحتاج إلى وصف حاله لك، ولعلى عرفتها بعدك، غير أنى أحب مسرته بقضاء حقه، وواجب حرمته فى مودته وموالاته. وقد جعلك ممن يحافظ على ذلك ومثله، أراك الله ما تحب أن تحفظنى ونفسك فيه، وتوليه ما جعلك الله أهله وجعله حقيقا به.
وفى كتاب له:
لو عرفت فضل الحسن لتجنبت القبيح، وأنا وإياك كما قال زهير
وذى خطل فى القول يحسب أنّهمصيب فما يلمم به فهو قائله
عبأت له حلمى وأكرمت غيرهوأعرضت عنه وهو باد مقاتله
وإن من إحسان الله إلينا وإساءتك إلى نفسك، أنا صفحنا عما أمكننا، وتناولت ما أعجزك، فله الحمد كما هو أهله.
وفصل له:
لم يبق لنا بعد هذا الجنس شىء نمد أعيننا اليه إلا الله الذى هو الرجاء قبله ومعه وبعده.
فصل له:
أما الصبر فمصير كل ذى مصيبة، غير الحازم يقدم ذلك عند اللوعة طلبا للمثوبة، والعاجز يؤخر ذلك الى السلوة. فيكون مغبونا نصيب الصابرين. ولو أن الثواب الذى جعل الله لنا على الصبر كان على الجزع لكان ذلك اثقل علينا، لأن جزع الانسان قليل وصبره طويل، والصبر فى أوانه أيسر مؤونة من الجزع بعد السلوة. ومع هذا فان سبيلنا من أنفسنا على ما ملكنا الله منها ان لا نقول ولا نفعل ما كان لله مسخطا، فأما ما يملكه الله من حسن عزاء النفس، فلا نملكه من أنفسنا.
وفصل له:
وصل كتابك السار المؤنس، فكان سر طالع إلى وأحسنه موقعا منى، إذ كنت أستعلى بعلوك وأرى نعمتك تنحط الى، ويتصل بى ما يتصل بالادنين من لحمتك، وحملة شكرك، ومظان معروفك والمفيمين على تأميلك. فلا أعدمنى الله ما استجنى ولا.
أزال عنى ظلك ولا أفقدنى شخصك.
وله:
كتبت اليك ونحن فى عافية مجددة، والحمد لله المتطول بالنعمة المرجو للمزيد، ولست وإن باعدتك الدار منى، ونأى بك الزمن عنا بمقصى القلب عن برك بالذكر، والعناية، ولا اللسان بالدعاء والمسئلة: ولا النية فى الاخلاص والمحبة لاحياء العهد بالمكاتبة، وتجديد الوصلة بالمراسلة فان النبى ﷺ قال التواصل بين الناس فى الحضر التزاور وفى السفر التكاتب.
قلت أنا: وأنشدنى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر لنفسه فى معنى التزاور والتكاتب:
حقّ التّنائى بين أهل الهوىتكاتب يسخن عين النّوى
وفى التّدانى لا انقضى عمرهتزاور يشفى غليل الجوى
وأنشدنى عبد الله بن المعتز لابراهيم بن المهدى:
قليت الصّبى وهجرت الغوانىوسلّمت معترفا للزّمان
وأعنقت منطلقا فى القياد بعد الجماح وجذب العنان
كذاك الفتى وصروف الّزمان يحدثن شأنا له بعد شان
رأيت الحياة ولذّاتهامعلّقة بليال فوان
رأيت الحياة ولذّاتهامعلّقة بليال فوان
وإنّى صبور لما نابنىسريع إلى كلّ حقّ عرانى
وليس يرى خائفا من أجرت ولا خائبا سعيه من رجانى
نداى يمدّحنى مادحىويبكى علىّ به من رثانى
أحبّ الوفاء إذا ما وعدت وألّا يعاب بمطل ضمانى
كذلك عوّدنى والداىفعوّدت نفسى الّذى عوّدانى
وقال:
وإنّى وواهى ملككم مثل سائقطليحا يزجّيها على الأين راكب
إذا صدقتنى النّفس عنكم تقول لىأتدرى هداك الله من ذا تعاتب
فوالله ما أدرى إذا ما ذكرتكمأأعفو لكم عن ذنبكم أم أعاقب
بلى ليس لى إلّا تغمّد ذنبكموإن لم يكن فيكم من الذّنب تائب
وإنّى وأمّى أمّكم وأبى لكمأب عنكم لى لو أردت مذاهب
وقال:
وقد تلين ببعض القول تبذلهوالوصل فى جبل صعب مراقيه
كالخيزران منيعا منك مكسرهوقد يرى ليّنا فى كفّ لاويه
فتلك همّ فؤاد أنت صاحبهلو أنّها مرّة كانت تجازيه
وإنّ فى طول ما ضنّت عليه لمايسليه لو أنّ شيئا كان يسليه
وقال:
أطعت الهوى وعصيت الرّشدولم تملك الصّبر عمّن تودّ
وفيها يقول:
إذا اللّيل أسبل سربالهعلى الأرض واسوّد وجه البلد
رعيت الكواكب حتّى الصّباح ودمعى كاللؤّلؤ المنسرد
فمن ظالعات ومن غائراتوآخر فى حيرة قد رقد
ومن ضاجعات بأفق المغيبيراقبها كارتقاب الرّصد
وما النّاس إلّا عدوّ الشّقىّوإلّا صديق أمرىء قد سعد
إذا ما الزّمان بأخلافهطواك كطىّ الثّياب الجدد
يفيض عليك قداح الرّدىلتأخذ منها بقدح نكد
فما أنت إلّا أسير لهوإن أمكن الحيد عنه فحد
هب الدّهر لم يتحامل علىسواك فهل لك منه القود
وإن يسقك اليوم من آجنصرى لا يذاق ولا يزدرد
فقد كان يسقيك من صفوهنطاف الغوادى بذوب الشّهد
كذاك تجىء صروف الزّمان على ما أردت وما لم ترد
وقد يسبق الفوت وشك العجول ويدرك حاجته المتّئد
وإن خلّط الدّهر فاصبر علىتلوّنه فمع اليوم غدّ
عذارى الغداة من الأطيبينأهل القباب الطّوال العمد
من آل أبى الفضل عمّ الّنبىّوجدّى فأكرم بعمّ وجدّ
وقال:
إذا سال وادى الشّيب فى مفرق الفتىوقنّع منه عمّة المتلثّم
فيا قبح ما تحكى المراة لعينهويا بعده من كلّ عيش ومنعم
وقال:
أبا قاسم إنّى أراك صبابةكأنّك من لحمى خلقت ومن دمى
وإنّى لأهوى أن أربّ صنيعةاليك بالاء كرام وأنعم
أيادى كريم طيّب النّفس بعدهاإذا ما الأيادى أتبعت بالتّندّم
وقال أيضا وله لحن فيه
مضى اللّيل إلّا أنّ ليلى لا يمضىوأنّ جفونى لم تروّ من الغمض
إذا صدّ عنك الدّهر يوما بوجههتقاضاك من إحسانه سالف القرض
وقال
تحامانى الصّديق وغاب عنّىثقات صنائعى وهم حضور
وقلّوا فى البلاد وكان عهدىبهم زمن الرّخاء وهم كثير
فلم يك فى يدى منهم وممّاذخرتهم له إلّا الغرور
أيا عجبا أما فى النّاس ممّنتقلّد نعمتى رجل شكور
وقال
ألم تعلمى يا آل فهر بن مالكرميت بنفسى دونكم فى المهالك
بلى فاعلمى يا آل فهر بأنّنىأخوك الّذى أعطاك حقّ إخائك
أخوك الّذى يقرى عدوّك صارماحساما ويقرى درّه فى شفائك
أجود بمالى دون مالك تارةوطورا أقيم الغرّ تحت لوائك
وقال:
وقد يصدق السّيف يوم الوغاأخاه وإن كان رثّ القراب
كأنّ سنا بارق مستطيربين ذؤابته والذّباب
كذاك الرّجال يكون الفتىصليبا وذو الشّيب صلب النّصاب
وقال من قصيدة:
بكلّ جلالة عيساء حرفعلنداة وأعنس عجرفىّ
إذا شدّت بها الأنساع أصغتكما أصغى النّجىّ إلى النّجىّ
وراغية ثنتك عن التّصابىكما ثنت الضّعيف يد القوىّ
هناك شكوت ما تلقى إليهاكما يشكو الفقير إلى الغنىّ
تساقط وهى فاترة المآقىتساقط مهجة الظّبى الرّمىّ
وتجرى الخمر بعد النّوم منهاعلى سمطين من درّ نقىّ
شكت إشراف قيّمها عليهاكما يشكو اليتيم من الوصىّ
أرتك محاسنا منها اختلاساتضىء إضاءة البرق الخفىّ
كتخليل الألوّة ثمّ زالتزوال الفىء فى ظلّ العشىّ
ويلذع مهجتى ذو العذل فيهاكلذع السّوط خاصرة البطىّ
كأنّ اللّيل زيد اليه ليلمقيم فاستمرّ على الشّجىّ
وقال من أبيات
فلا حيّى الوجه الّذى جئتنا بهإذا حيّت الوجه الكريم المجالس
يشيم بنى كعب وما أنت منهمكما شامت الغبراء قيسا وداحس
وقال
هو الحرّ أخلاقا وبرّا وشيمةوعقلا وخير القوم من أوتى العقلا
تراه طليقا وجهه متهلّلاكأنّ صقيلا من عوارضه يجلى
وقال
يا أيّها المتشاوس المتغاضبالمعرض الجانى العبوس القاطب
لا أنت لى سلم فتنصرنى ولاحرب إذا نصب العدوّ مناصب
قلب الزّمان هواك عن منهاجهإنّ الزّمان لكلّ حال قالب
وقال
يا عائبى عند أعدائى ليرضيهموبائعى بيسير ماله خطر
أظهرت أنّك لا أنت العدوّ ولاأنت الولىّ الّذى يصفى ويدّخر
فما تحوّل من سلمى ولا أجإركن ولا خسفت شمس ولا قمر
وقال
أراه فى فعله عدوّاوكنت أعتدّه صديقا
صيّر عذب الشّراب مرّاوزاد ضيق الحياة ضيقا
وقال
هيف الخصور قواصد النّبلقتّلننا بنواظر نجل
كحل الجمال جفون أعينهافغنين عن كحل بلا كحل
وقال يرثى ابنه احمد وهو اكبر ولده
نأى آخر الأيّام عنك حبيبفللعين سحّ دائم وغروب
يؤوب إلى أوطانه كلّ غائبوأحمد فى الغيّاب ليس يؤوب
تبدّل دارا غير دارى وجيرةسواى وأحداث الزّمان تنوب
أقام بها مستوطنا غير أنّهعلى طول أيّام المقام غريب
وكان نصيب العين من كلّ لذّةفأمسى وما للعين فيه نصيب
كأن لم يكن كالغصن فى ميعة الضّحىزهاه النّدى فاهتزّ وهو رطيب
كأن لم يكن كالصّقر أوفى بشامخ الذّرى وهو يقظان الفؤاد طلوب
كأن لم يكن كالرّمح يعدل صدرهغداة الطّعان لهذم وكعوب
يفضّ الحديد المحكم النّسج حدّهويبدو وراء الفرن وهو خضيب
وريحان قلبى كان حين أشمّهومؤنس قصرى كان حين أغيب
كأنّى منه كنت فى نوم حالمنفى لذّة الأحلام عنه هبوب
جمعت أطبّاء العراق فلم يصبدواءك منهم فى البلاد طبيب
ولم يملك الآسون نفعا لمهجةعليها لأشراك المنون رقيب
وإنّى وإن قدّمت قبلى لعالمبأنّى وإن أخّرت منك قريب
وإنّ صباحا نلتقى فى مسائهصباح إلى قلبى الغداة حبيب
حدّثنا يموت بن المزرع قال قال المأمون: ما هجى ابراهيم بن المهدى فيما ادعاه على كثرة هجائه بأشد من قول الجاحظ فيه «هو خليفة، إذا خطب رأى آخر عمله» حدّثنى أحمد بن يزيد المهلبى قال حدثنا حماد بن اسحاق قال قال جعفر بن يحيى لابراهيم بن المهدى- وكان يسميه خليلى وكانا متصافيين جدا- يا خليلى ان هذا الرجل يعنى الرشيد قد تغير لنا، وبان ذلك لى، وأنا أحب أن أستظهر برأيك، فتفقد ذلك اليوم.
وكانا قد اجتمعا عند الرشيد للشرب.
قال وكان ابراهيم أجود الناس رأيا لغيره وأضعفهم رأيا
لنفسه، وستل عن ذلك فقال: أنظر لغيرى بجوارح سليمة من الهوى، وأميل فى رأى نفسى إلى ما أشتهى. قال فتفقد ابراهيم ذلك، فانصرف قبل جعفر، فوقف له خلف حائط فى طريق جعفر ومعه غلام واحد، وصرف سائر غلمانه وأمر باطفاء شموعه، فانصرف جعفر، فلما صار بذلك الموضع عدا وحده وصاح يا خليلى، فأجابه ابراهيم وقال: من أين علمت أنى هاهنا. وانّما قدرت أن أؤذنك بموقفى؟ فقال له جعفر علمت أنك لا تنصرف إلى منزل حتى تعرفنى ما أردت وليس فى طريقك مكان يخفى فيه أثرك غير هذا الموضع فعلمت أنك فيه، كيف رأيت الرجل؟ قال رأيته يجد إذا هزلت، ويهزل إذا جددت، وهذه نهاية التغيير فقال صدقت والله يا خليلى، ونحن نستكفى الله بوادره حدّثنا عون بن محمد الكندى قال حضرت مع أبى وعمى دار بعض ولد العباس بن محمد لنعزيه على ميت لهم، فجاء ابراهيم بن المهدى فتشوفه الناس وقاموا له- وذلك قبل العشرين ومائتين- قال ولم أكن رأيته قط، فاذا أنا برجل سمين آدم غليظ الشفة، حسن العين، حسن الانف، فتكلم فى التعزية فأحسن وحفظ الناس كلامه ولم أسمع أنا ما قال جين جاء، ثم نهض فقال «تابع الله النعم لديكم، وأحسن العوض لكم، وأخلف عليكم، ولقى الله فلانا أزكى عمله، وقبل حسنته، وغفر قبيحه» حدّثنا الحسن بن اسحق قال سمعت حماد بن اسحاق يقول:
كانت يد ابراهيم بن المهدى فى يد أبى العتاهية بمكة وهو ينشد
عجبا عجبت لغفلة الانسانقطع الحياة بغرّة وتوانى
فكّرت فى الدّنيا فكانت منزلاعندى كبعض منازل الرّكبان
مجرى جميع الخلق فيها واحدوكثيرها وقليلها سيّان
أبغى الكثير إلى الكثير مضاعفاولو اقتصرت على القليل كفانى
لله درّ الوارثين كأنّنىبأخصّهم متبرّما بمكانى
قلقا لتجهيزى إلى دار البلامتحرّيا لكرامتى بهوانى
متبرّما منّى، إذا نشر الثّرىفوقى طوى كشحا على هجرانى
فقال له قائل لو قرأتما كان أنفع لكما، فقال له ابراهيم هذه اخلاق حث على مثلها القرآن حدّثنا الحسين بن فهم قال حدثنى محمد بن أحمد بن هارون قال لما لبس ابو العتاهية الصوف كتب اليه ابراهيم بن المهدى:
إنّ المنيّة أمهلتك عتاهىوالموت لا يسهو وقلبك ساهى
يا ويح ذا البشر الضّعيف أما لهعن غيّه قبل الممات تناهى
وكّلت بالدّنيا تبكّيها وتندبها وأنت عن القيامة لاهى
العيش حلو والمنون مريرةوالدّار دار تفاخر وتباه
فاجعل لنفسك دونها شغلا ولاتتجاهلنّ لها فانّك داهى
لا يعجبنّك أن يقال مفوّهحسن البلاغة أو عريض الجاه
أصلح فسادا من سريرتك الّتىتلهو بها وارهب مقام الله
ما الزّهد من رجل ألدّ مكذّببالبعث غير ضلالة وسفاه
وأرى المفالة غير صالحة وإنأظهرت غير مقالة الأوّاه
إنّى رأيتك مظهرا لزهادةنحتاج منك لها إلى أشباه
إن كان لبس الصّوف حجّتك الّتىتدعو النّجاة فانّنى لك ناهى
ما فى يديك من اللّباس إذا غوتمنك السّريرة غير حبل واهى
لا شىء يقبل منك إلّا ما بهحكمت عليك نواطق الأفواه
والأمر بعد عليك ويحك واسعما لم تسوّ إلهنا باله
فقال أبو العتاهية: أنا عيى بجواب مثله، وماله عندى إلا ما يحب.
حدّثنا احمد بن محمد بن اسحق قال حدثنا على بن محمد النوفلى قال اعتل ابراهيم بن المهدى فى سنة اربع وعشرين ومائتين وأوصى وصية شهد بها لجماعة من بنى العباس رحمة الله عليه ثم أوصى لولد أبى بكر وعمر وعثمان وطلحة وسائر ولد العشيرة رحمة الله عليهم ولأولاد الأنصار ولم يوص لولد على عليه السلام
بشىء، فقال الواثق: قبح الله فعله، ترك أهله وخالف رسول الله ﷺ فى قوله «أدانيك أدانيك» والله لا أمضاها أمير المؤمنين على هذه الصفة، فلما توفى أمر المعتصم بالله أن يجعل لولد على ﵇ من الوصية كما لولد العباس ﵇، وأمضاها على ذلك.
قال واشتدت علة إبراهيم بن المهدى فى شهر رمضان من سنة أربع وعشرين ومائتين، وجعل يشرب الماء فلا يروى، ووجه إلى المعتصم يطلب ثلجا، وكان قد عز وجوده فى ذلك الوقت، فأمر أن تصرف وظائف الثلج كلها اليه، فلما مات ركب المعتصم وصلى عليه، وكبر خمسا، وانصرف قبل أن يدلى فى قبره، وتقدم إلى هارون الواثق أن يتولى ذلك، ويقف إلى أن يجن، ففعل كارها وانصرف.
وكان الواثق ينعى عليه ما فعله فى أمر وصيته فى هذا الوقت وبعد ذلك لما أن ولى الخلافة، وهجاه قوم لسبب وصيته [بأهاج] ترك ذكرها لموضعه من النسب والخلافة.
«تمت أشعار ابراهيم بن المهدى- يتلوه ابنه هبة الله بن ابراهيم»
«بسم الله الرّحمن الرّحيم»
النص من طبعة شركة أمل بالقاهرة (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع