تجاوز إلى المحتوى

من «المعاني الكبير في أبيات المعاني» لابن قتيبة (ت ٢٧٦هـ)

باب الحيتان والضفادع

قال ذو الرمة:

عينا مطلحبة الأرجاء طاميةفيها الضفادع والحيتان تصطخب

أراد فيها الضفادع تصطخب وفيها الحيتان.

وقال الشماخ يذكر حماراً:

توجسن واستيقنّ أن ليس حاضرعلى الماء المقعدات القوافز

يعني الضفادع، ويقال: أرسح من ضفدع.

وقال آخر وذكر الضفادع:

يدخل في الأشداق ماء ينصفهكما ينق والنقيق يتلفه

ينصفه أي يبلغ الماء نصف أشداقه والضفدع لا ينق حتى يكون الماء في فمه ماء، وأما قوله: والنقيق يتلفه - فإنه ذهب فيه إلى قول الآخر والبيت للأخطل:

ضفادع في ظلماء ليل تجاوبتفدلّ عليها صوتها حية البحر
للشاعر الأخطل، من قصيدة «ألا يا اسلمي يا هند هند بني بدر»

والحيات تأكل الضفادع أكلاً ذريعاً. وقال أوس بن حجر:

فباكرن جوناً للعلاجيم فوقهمجالس غرقي لا يحلأ ناهله
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «صحا قلبه وأقصر اليوم باطله»

جون يريد غديراً كثير الماء وإذا كثر الماء وكثر عمقه اسود في العين، وقوله: غرقي - كقولك فلان غرق في النعيم، وجعل لها مجالس حول الماء لأنها تظهر على شطوط الأنهار والمياه في المواضع التي تبيض فيها من خوق الرعد وكذلك السرطان والسلحفاءوالرقّ. وقال زهير:

يخرجن من شربات ماؤها طحلعلى الجذوع يخفن الماء والغرقا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «إن الخليط أجد البين فانفرقا»

انما تخرج لما أعلمتك لا لما ذكر من خوف الغم والغرق، وهذا البيت مما غلّظ فيه زهير، والشربات شبيهة بالحياض في أصول النخل تملأ ماء لتشرب النخلة - واحدتها شربة. وقال أبو الأخرز

تسمع القنقن صوت القنقن

زعم بعض العلماء أنه أراد الضفدع قال والضفدع جيد السمع إذا ترك النقيق وكان خارجاً من الماء وهو في ذلك الوقت حذر.

وقال الطرماح:

يخافتن بعض المضغ من خيفة الردىوينصتن للسمع انتصات القناقن

يقال أنه أراد الضفادع واحدها قنقن، ويقال أنهم المهندسون الذين يعرفون مواضع المياه، وإنما يترك النقيق إذا خرج من الماء لأنه لا يقدر عليه حتى يكون في فمه ماء كما أعلمتك، والعلاجيم منها الذكور والسود. وقال أبو وجزة وذكر حميراً وردت ماء:

تنحاز منهن أمة خلقتجدا مذبحة منها بأوداج

أي تنحاز من الحمر في الماء أمة يعني السمك وهي مذبوحة بأوداجها، جدا لا أللبان لها، وكان بعض العلماء يزعم أنه أراد القطا ينحاز من الحمر عند الماء، مذبوحة أراد الأطواق في أعناقها كأنه أثر الذبح وكان يرييه حذا والقطاة حذّاء. وقال الكميت:

يؤلف بين ضفدعة وضبّويعجب أن نبرّ بني أبينا
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «يؤلف بين ضفدعة وضب»

اليمن أصحاب بحر فلذلك نسبهم إلى الضفادع وبنو نزار أصحاب بر فلذلك نسبهم إلى الضباب، ويقال في المثل: لا يكون ذلك متى تجمع بين الضفدع والضب، وبين الأروى والنعام.

وقال الكميت:

وعطفت الضباب أكف قومعلى فتح الضفادع مرئمينا
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «يؤلف بين ضفدعة وضب»

مرئمين أي عاطفين من قولك رئمت الناقة ولدها، وإنما أراد من ادعى من نزار إلى اليمن، والأعراب تزعم أن الضب خاطر الضفدع أيهما أصر على الماء وكان الضفدع حينئذ ذنب وكان الضب لا ذنب له فخرجا من الكلأ فصبرت للضفدع يوماً فنادت: يا ضب وردا وردا. فقال الضب:

أصبح قلبي صرداًلا يشتهي أن يردا
للشاعر الضب، اقرأ القصيدة

ونادت في اليوم الثاني يا ضب وردا وردا، فقال الضب:

أصبح قلبي صرداًلا يشتهي أن يردا
للشاعر الضب، اقرأ القصيدة
إلا عراداً عرداًوصلّيانا بردا

فلما كان في اليوم الثالث نادت أيضاً فلم يجبها وبادرت إلى الماء واتبعها الضب فأخذ ذنبها. وقال ابن هرمة:

وقال الضب للضفدع في بيداء قرواح
تأمل كيف تنجو اليوم من كرب وتطواح
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «ألم تأرق لضوء البرق»
فإني سابح ناجوماأنت بسبّاح
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «ألم تأرق لضوء البرق»

وقال رؤبة:

والحوت لا يكفيه شيء يلهمهيصبح ظمآناً وفي البحر فمه

وصف طباعه واتصاله بالماء وأنه شديد الحاجة إليه وإن كان غرقاً فيه.

النص من طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من كتاب الذباب والبعوض

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.