تجاوز إلى المحتوى

من «المعاني الكبير في أبيات المعاني» لابن قتيبة (ت ٢٧٦هـ)

الأبيات في الضب

قال خداش بن زهير:

فإن سمعتم بجيش سالك سرفاأو بطن مرفأ خفوا الجرس واكتتموا
للشاعر خِداش العامِري، اقرأ القصيدة
ثم أرجعوا فأكّبوا في بيوتكمكما أكب على ذي بطنه الهرم
للشاعر خِداش العامِري، اقرأ القصيدة

الهرم الضب ها هنا، وجعله هرماً لطول عمره، وذو بطنه ولده والضب يأكل حسوله ولذلك قيل: اعق من ضب، كأنه قال ارجعوا عن الحرب التي لا تستطيعونها إلى أكل الذرية والعيا، ويقال ذو بطنه قيئة وأنه يقيء ثم يرجع فيأكله كالكلب والسنور. وقال آخر:

يعود في ثعّة حدثان مولدهفإن اسنّ تغدي نجوه كلفا

الثع القيء ثع الرجل ثعا إذا قاء. وقال عملّس بن عقيل بن علّفة:

أكلت بنيك أكل الضّب حتىوجدت مرارة الكلإ الوبيل

وقال لأبيه:

أكلت بنيتك أكل الضّب حتىتركت بنيك ليس لهم عديد

وقال آخر وذكر حاسداً:

ترى الشزّ قد أفنى دوابر وجههكضب الكدى أفنى براثنه الحفر

قال: الضب لا يتخذ جحره إلا في كدية وهو الموضع الصلب وإلا في ارتفاع عن المسيل ولذلك تنقص براثنه وتكل لأنه يحفر في الصلابة يعمق في الحفر. وقال كثير:

فإن شئت قلت له صادقًوجدتك بالقفّ ضباً جحولا
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «توهمت بالخيف رسما محيلا»
من اللاء يحفرون تحت الكدىولا يتبعن الدماث السهولا

وإنما يحفر في الصربة خوفاً من انهيار الجحر عليه. وقال كثير:

ومحترش ضبّ العداوة منهمبحلو الرقي حرش الضباب الخوادع
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «بكى سائب لما رأى رمل عالج»

تريد الدخول فيصاد. وقال الأصمعي في قولهم: هذا أرجل من الحرش إن الضب قال لابنه: إذا سمعت صوت الحرش فلا تخرجن، فسمع الحسل صوت الحفر فقال لأبيه: أهذا الحرش؟ فقال: يا بني هذا أجل من الحرش، فأرسلت مثلاً، وقوله: ضب العداوة يعني الحقد الكامن في القلب، وإنما سمي ضبا لأن الضب إذا خدع في جحره وصف عند ذلك بالمكر والخبث فيقولون: خب ضب

وأخدع من ضب، فشبه الحقد الكامن الذي يعسر استلاله بالضب إذا خدع في جحره أي دخل وهو حينئذ أخبث ما يكون وأعسر صيداً. وأنشدوا في ذلك:

كأنهما ضبّان ضبا مفزةكبيران غيداقان صفر كشاهما
قان يحبلا لا يؤاخذا في حبالةوإن يرصدا يوماً يخب راصداهما

وقال كثير:

ومازالت رقاك تسل ضغنيوتخرج من مكامنها ضبابي

أي أحقادي. وقال آخر وهو الفزاوي:

وحسل له نزكان كانا فضيلةًعلى كل حاف في البلاد وناعل

النزك أير الضب وله أيران وللضبة حران، ويقال أيضاً أن للسقنقور مثل ذلك وللحردون مثل ذلك، ويقال أير الضب كلسان الحية الأصل واحد والفرع اثنان، وأنشد الكسائي:

تفرقتم لا زلتم قرن واحدتفرق أير الضب والأصل واحد

وقالت حبى المدينة

وددت بأنه ضبّ وأنيضبيبة كدية وجدت خلاء

تمنت أن يكون لها حران وأن لزوجها أيرين. وقال الطرماح وذكر فلاة:

يقيم بها الذئب الأزلّ وقوتهذوات المرادي من مناق ورزّح

ذوات المرادي الضباب والمرادي الصخور واحدها مرادة والضب سيء الهداية فإذا حفر لنفسه حجراً حفره عند صخرة ليجعلها علماً له لأنه لا يأمن أن يغلط فيلح على ظربان أو وبر فيأكله، ولذلك يقال في المثل: كل ضب عند مرداته، والمناقي السمان، والرزح المهازيل.

إذا استعكدت منه بكل كدايةمن الصخر وافاها لدى كل مسرح

استعكدت تحرزت، والكداية الصخرة، وافاها الذئب لدى كل موضع تسرح فيه. وقال ابن أحمر:

أبلغ سراة بني رفاعةألصق بالغطارف منهم الزهر
بكعترة الضب الذليلة تحرنبي على أرحائها الخضر

عترته قرابته تحرنبي تنتفش، والخضر من نعت الأرحاء يقول هي من صخر أخضر وهو أصلب ليس بكذّان ولا رخو، يريد المرداة التي يحفر عندها يجعلها علماً لسوء هدايته، يقال أضل من ضب، و: من ورل. وقال أعرابي في ضب صاده:

يقول أهل السوق لما جيناهذا وربّ البيت إسرائينا

أراد إسرائيلا فأبدل من اللام نوناً، وهذا بمعنى قول الفقيه ورأى رجلاً يأكل لحم ضب فقال: أعلم أنك قد أكلت شيخاً من مشيخة بني إسرائيل يريد أنه مسخ، وقال أعرابي وهو أبو الوجيه العكلي.

وأفطن من ضب إذا خاف حارشاًأعدّ له عند التلمس عقربا

قال أبو حية العكلي: العقارب مسالمة للضباب والضب لا

يأكل الجراد ولا يقربها فهي تلج في جحره وتجتمع عنده كما تألف الخنافس العقارب، فأما الأعرابي فإنه زعم أنه يعد العقرب فإذا أدخل الحارش يده لسعته. وأنشد ابن الأعرابي لابن دعمي العجلي:

سوى أنكم جربتم فجريتمعلى دربة والضبّ يختل بالتمر

وقالوا: والضب يعجب بالتمر عجباً شديداً ويحتال لصيده وكذلك العقرب تعجب بالتمر وتصاد به. وقال آخر وهو سالم ابن دارة:

وما التمر إلا آفة وبليةعلى كل هذا الخلق من ساكني البحر
وفي البر من سمع وذئب وعقربوخنفسة تسعى وثرملة تسري
وقد قيل في الأمثال إن كنت راعياًعذيرك إن الضب يختل بالتمر

وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال لرجل من أهل الطائف الحبلة أفضل أم النخلة؟ فقال: الحبلة أترببها وأتشببها وأستظل في ظلها، والبلح يرمّق بها، فقال عمر: تأبى ذلك عليك الأنصار، ودخل عليه ابن عبد الرحمن بن محض الأنصاري فقال له عمر مثل ذلك فقال: الزبيب إن آكله أضرس، وإن أتركه أغرث، ليس كالصقر في رؤوس الرقل، الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل،

خرفة الصائم وتخفة الكبير، وصمتة الصغير، وخرسة مريم، ويحترش به الضباب من الصلفاء يعني الصحراء، والخرسة ما تطعمه النفساء.

وقال دريد بن الصمة:

وجدنا أبا الجبار ضبّاً مرئّساًله في الصفاة برثن ومعاول

قالوا: الضب يقاتل الحية يضربها بذنبه فربما قتلها وربما وقذها وذلك هو المذّنب لأنه يخرج ذنبه من جحره إذا أرادت الحي الدخول عليه والحية تدخل على كل ذي جحر وتخرجه، ولذلك قالوا في المثل " أظلم من حية " والمرئس الذي يخرج رأسه من جحره وإذا فعل ذلك غلبته الحية وربما قتلته. وقال رؤبة وذكر امرأة:

تسألني من السنين كم ليفقلت لو عمرّت عمر الحسل
أو عمر نوح زمن الفطحلوالصخر مبتل كطين الوحل

صرت رهين هرم أو قتل

قالوا: الضب لا يلقي سناً أبداً حتى يومت، والضب طويل العمر فإذا هرم اكتفى باليسيروربما تبلّغ ببرد الهواء وعاش بالنسيم

كالأفعى، وتقول العرب: أروى من ضب، لأنه عندهم لا يحتاج إلى شرب الماء. وقال عبدة بن الطيب:

ما كنت أول ضب نال تلعتهغيث فأمرع واسترخى به الدار

قالوا: الضب إذا أمن وخلا له وجوه وأخصب نفخ وكش نحو كل شيء يريده وتطاول له، وبه ضرب المثل. قال ابن ميّادة:

وأنّي لقيس من بغيض تناصرإذا أسد كشّت لفخر ضبابها

وقال آخر وهو دملج بن عبد المجاب:

إذا كان بيت الضب وسط مضبةتطاول للشخص الذي هو حابله

المضبة مكان الضباب ومجتمعها وليست تكون إلا في موضع بعيد من الناس ولا تكون بقربها حية ولا ورل ولا ظربان فحينئذ يأمن ويتطاول. وقال ابن ميّادة:

ترى الضّب إن لم يرهب الضب غيرهيكشّ له مستكبراً أو يطاوله

وقال آخر:

أعام بن عبد الله إني وجدتكمكعرفجة الضّب التي تتذلل

العرفجة لينة وعودها لين فالضب يعلوها ويتشوف عليها، شبههم في لينهم وضعفهم بالعرفج، ولست تر الضب أبدا ًوهي سامية

برأسها تنتظر وتترقب. وقال آخر وهو الفزاري:

ترى كل ذيّال إذا الشمس عارضتسما بين عرسيه سموّ المخايل

يعني الضب، ويروي أن الضب قال لصاحبه:

أهدموا بيتك لا أبالكوزعموا أنك لا أخالك

وأنا أمشي الحيكى حوالك

يقال فلان يحيك في مشيته إذا تبختر فيها، يقول: كيف زعموا أنه لا أخالك وأنا أخوك وأمشي التبختر حواليك. وقال آخر:

وأنت لو ذقت الكشى بالأكبالم تركت الضّب يعدو بالواد

الكشية شحم بطنه، يقول: لو عرفت طعمها مع الأكباد لصدت الضب ولم تتركه، والمكن بيض الضب، يقال ضبة مكون، وروي عن بعض الصالحين أنه قال: ضبة مكون أحب إليّ من دجاجة سمينة. وقال أبو الهندي:

ومكن الضباب طعام العريبولا تشتهيه نفوس العجم
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة

وقال آخر وهو جران العود:

قريت الضب من حبي كشاهاوأيّ لوية إلا كشاها
فلولا أن أصلك فارسيلما عبت الضباب ومن قراها

اللوية الطعام الطيب واللطف يرفع للصبي والشيخ. وقال آخر:

مناتين أبرام كأن أكفّهمأكفّ ضباب انشقّت في الحبائل

انشقت علقت: يقال: أقصر من إبهام الضب، واقصر من إبهام الحباري وأقصر من إبهام القطاة، أراد صغر أكفهم.

النص من طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من كتاب الذباب والبعوض

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.