من «المعاني الكبير في أبيات المعاني» لابن قتيبة (ت ٢٧٦هـ)
الأبيات في النحل والعسل
قال الكميت يذكر النساء:
كأن حديثهن غريضٌ مزنٌبما تقري المخصّرة اللسوبُ
الغريض الطري، والمزن السحاب، شبه حديثهن بماء السماء حين نزل، تقرى تجمع، والمخصّرة النحل، واللسوب التي تلسع، يقال لسبته لسبا. وقال الشماخ:
كأن عيون الناظرين تشوفهابها عسل، طابت يدا من يشورها
المعنى كأن عيون الناظرين التي تشوفها تلك الظعائن من حلاوة
النظر إليها بها عسل، وقال الأصمعي: المعنى كأن عيون الناظرين إليها تشوفها عسل بالمرأة أي طيب يجدونه في النظر كطيب العسل، والعسل تذكر وتؤنث، يشورها يجبنيها، وقوله طابت يدعو لليدين بالطيب.
تناول شوراً من مجاجات شمّذباعجازها صفر لطاف خصورها
والشور ما جني من العسل، والمجاجات ما مجته من أفواهها، شمّذ بأعجازها رافعات لأذنابها.
وقال ابن مقبل وذكر النواقيس:
كأن أصواتها من حيث تسمعهاصوت المحابض يخلجن المحارينا
المحابض عيدان تكون مع المشتار يشتار بها العسل، والمحارين جمع محران وهو الذي لا يريم مكانه، يصف نحلا جلاهن المشتار بالمحابض فإذا نزع النحل من أماكنهن من الإشتيار حرنّ فلم يرمن، يخلجن يجذبن، وروى ابن الأعرابي: صوت المشاور يفزعن المحارينا، وقال شبه أصوات النواقيس بأصوات العيدان التي تضرب بها النحل لتنفر من أماكنها فيتمكن من الإشتيار، وقال بعضهم المحابض الأوتار، والمحارين حب القطن، أي كأنها أصوات منادف ينزعن بها حب القطن من القطن.
وقال أبو ذؤيب وذكر خمراً:
بأرى التي تهوي إلى كل مغربإذا اصفر ليط الشمس حان انقلابها
الأرى العمل والأرى العسل جميعاً يقول: الخمر بعمل التي تهوى التي تطير، والمغرب كل شيء وأراها من حرف أو غيره، وليط الشمس لونها وأصل الليط الجلد والقشر.
بأرى التي تأري اليعاسيب أصبحتإلى شاهق دون السماء ذؤابها
أراد بعمل العسل التي تعملها اليعاسيب وهي ذكور النحل، ذؤابها أعاليها جمع ذؤابة.
جوارسها تأرى الشعّوف دوائباًوتنصبّ ألهاباً مصيفاً شعابها
الجوارس الأواكل، في الحديث " نحل جرست العرفط " تأرى الشعوف أي تعمل في الشعوف وهي أعالي الجبال، دوائباً في العمل، وتنصب ألهاباً أي تنحدر فيها واللهب الهواء بين شرفين، وقوله مصيفاً شعابها أي هو بارد يصطاف فيه، ويقال مصيفاً أي عادلاً معوجاً من ضاف السهم إذا عدل، ويروى كرابهان وهي مجاري الماء واحدها كربة.
إذا هبطت به تصعد نفرهاكقتر الغلاء مستدرّاً صيابها
نفرها ما نفر منها، تصعده أي شق عليه الجبل، والقتر نصل سهم الأهداف، مستدر درير، صيابها قواصدها، والغلاء المغالاة - شبه مر النحل بمر سهام الأهداف.
تظلُّ على الثمراء منها جوارسٌمراضيعُ صهبُ الريش زغبٌ رقابها
الثمراء جبل ويقال شجر، مراضيع أي معها أولادها، صهب الريش أراد صفر الأجنحة.
فلما رآها الخالدي كأنهاحصى الخدف تهوى مستقلاً إيابها
أجد بها أمراً وأيقن أنهلها أو لأخرى كالطحين ترابها
يريد أن مآباً منها قد استقل وطار، أجد أمراً أي جد بها أمره واعتزم كما تقول قمر به عيناً أي قرت عينه به، أراد به أنه اعتزم على أن يدلي نفسه وأيقن أنه للجبل أي يصل إلى وقبتها فيأخذ ما فيها، أو الأخرى يعني الأرض إن انقطع حبله وسقط والتي كالطحين ترابها هي الأرض.
فقيل تجنّبها حرام وراقهذراها مبيناً عرضها وانتصابها
حرام إسم المشتار، يقول خوّفها وحذرها، وراقه أعجبه ذرى العسل ولا يرى إلا أعاليه لأنه مطرور بالشمع، عرضها عرض الشهد وانتصابها في السماء يريد قرصة الشهد.
فأعلق أسباب المنية وارتضىثقوفته إن لم يخنه انقضابها
أسباب المنية تلك الحبال لأنه على خطر فإن سقط كان سبب
منيته، والثقوفة والثقافة واحد وهو الحذق، وانقضابها انقطاعها.
تدلّى عليه بين سبٍّ وخيطةبجرداءٍ مثل الوكف يكبو غرابها
السب في كلام هذيل مثل السبب، والخيطة الوتد، يقول هو بين الحبل والوتد في أعلى الجبل، والوكف النطع، جرداء صخرة ملساء يزل عنها الغراب من ملاستها.
فلما جلاها بالأيام تحيزتثبات عليها ذلّها واكتئابها
جلاها طردها وأخرجها والإيام الدخان، تحيزت انحازت وتميزت قطعاً قطعاً، ثبات جماعات الواحدة ثبة.
وقال أيضاً وذكر خماراً جلب خمراً:
فبات بجمع ثم تمّ إلى منىفأصبح راداً يبتغي المزج بالسحل
فجاء بمزج لم ير الناس مثلههو الضحك إلا أنه عمل النحل
راداً أي مرتاداً يطوف يبتغي عسلاً يمزج به خمره، والمزج العسل والسحل النقد، يقال سحله مائة درهم مثل نقده، والضحك الثغر يقول جاء بعسل هي الثغر بياضاً، قال الأصمعي سألت بن أبي طرفة عن الضحك فقال أظنه أراد المضحك أي بياض الثغر.
وقال ابن الأعزابي يقال للطلع الضحك والأغريض، يقال ضحك النخل وهو أن ينشق كافوره عن طلعه.
يمانيةٌ أحيا لها مظّ مأبدوآل قراس صوب أسفية كحل
المظّ الرمان البري تأكل النحل نوره، ومأبد بلد، قراس أجبل معروفات لهذيل، كحل د، أسفية جمع سفى والسفى والرمى سحابتان شديدتا الوقع عظيمتا القطر ليس لهما جدا على الأرض وهما سوداوان من سحاب الحميم والخريف.
وقال:
وما ضرب بيضاء يأوي مليكهاإلى طنف أعيا براق ونازل
الضرب العسل الأبيض الذي قد صلب يقال قد استضرب العسل، والطنف ما نتأ من الجبل، ومليكها أميرها وهو اليعسوب.
نهال العقاب أن تمر بريدهوترمي دروءاً دونه بالأجادل
الريد الناحية من الجبل، والدروء العوج يقال بين القوم درء، والأجادل الصقور.
تنمّى بها اليعسوب حتى أقرَّهاإلى مألف رحب المباءةعاسل
تنمى ارتفع بهذا النحل حتى جعلها في مألفه، والمباءة مرجع الإبل أي مبيتها الذي تأوي إليه فضربه مثلاً، عاسل كثيرة العسل كما يقال لابن وتامر:
فلو كان حبلٌ من ثمانين قامةوتسعين باعاً نالها بالأنامل
يقول لو كان الحل الذي يتدلى به إلى الوقبة ثمانين قامة أو تسعين باعاً لناله يده. وقال سعدة بن جؤية:
أرى الجوارس في ذؤابة مشرففيه النسور كما تحبى الوكب
يقول هو وعر ففيه النسور قد استدارت فكأنهم الركب قد نزلوا واحتبوا.
من كان معنقة وكل عطافةمما يصدقها ثوّاب يزعب
يعني الهضبة معنقة طويلة العنق، وعطافة منحنى هضبة أخرى ينعطف، وثواب ما يثوب أي يجتمع في الوادي، ويزعب يتدافع يقال مر الوادي يزعب ومر الرجل يزعب بحمله، وقوله مما يصدقها - يقول إذا رأيتها رأيت لها مخيلة يصدقها ما يثوب من الماء.
منها جوارس للسراة وتأتريكربات أمسلة إذا تتصوّب
تأتري تفتعل من الأرى وهو العمل، والكربات مواضع من الوادي فيها غلظ، وأمسلة بطون الأودية التي تسيل، ويروي: وتحتوي كربات، أي تغلب عليها، وقوله: للسراة أي من السراة.
فتكشّفت عن ذي متون نيركالريط لاهفٍّ ولا هو مخربُ
تكشفت النحل عن ذي متون أي عسل له طرائق بيض وشبهها بالربط في البياض، والهف الخالي الذي ليس فيه شيء مخرب أخذ من الخراب، أراد قرص العسل.
وكأن ما جرست على أعضادهاحيث استقّل بها الشرائع محلب
أعضادها أجنحتها، يريد أنها تحمله عليها وشبه ما تحمله من الشمع بحب محلب، قال الأصمعي: ولا يدري من أين تجيء بالشمع، والشرائع طرائق في الجبل شرعت فيه لترعى.
حتى أشبَّ لها وطال إيابهاذو رجلة شئن البراثن جحنب
يقول أبطأ رجوعها وطال حبسها في مسرحها واستمكن مناخذه ذو رجلة صبور على المشي، وقوله: شئن البراثن - والبرثن لا يكون للإنسان إنما هو للسباع فاستعاره، والجحنب القصير.
معه سقاء لا يفرّط حملهصفن وأخراص يلحن ومسأب
يقول لا يخلف سقاءه أين ذهب، والصفن وعاء فيه أداته، والأخراص أعواد يخرج بها العسل وهي المشاور، ومسأب سقاء ضخم.
صب اللهيف لها السبوب بطغيةتنبي العقاب كما يلطّ المجنبُ
السبوب الحبال جمع سبّ وهو في كلامهم مثل السبب، يقول دلى حباله يربطها في شيء ثم دلى، الطغية الهضبة من الجبل صعبة، والمجنب الترس، يلط يستر وكل ما حجبت شيئاً فقد لططت دونه، وإنما أراد أن هذه الطغية كالترس من ملاستها، ثم زاد في الكلام شيئاً من صفة الترس، أراد كالترس الملطوط.
وكأنه حين استلم بريدهامن دون وقبتها لقى يتذبذب
يقول المشتار كأنه شيء ألقي فهو يتذبذب أي يتطوّح، ووقبتها حرفها، والريد شبيه بالحيد.
فقضى مشارته وحطَّ كانهخلق ولم ينشب بها يتسبب
مشارته أي ما اجتناه من العسل، وحط تدلى كأنه ثوب خلق، ولم ينشب أي لم يعلق وانخرط منحطاً، يتسبسب ينسل.
فأذال ناصحها بأبيض مفرطمن ماء ألهاب عليه التألّب
ناصحها خالصها، ازاله أي فرقه يعني قرص الشهد، بماء أبيض، مفرط يعني غديراً مملوءاً من ماء ألهاب، واللهب شق في الجبل، والتألب شجر، يريد أن الماء ظليل فهو بارد صاف.
وقال أيضاً:
وما ضربٌ بيضاء يسقي ذنوبهادفاق فعروان الكراث فضيمها
ذنوب بلد، وعروان واد، والكراث شجر، وضيم واد.
أتيح لها شثن البنان مكزّمأخو حزن قد وقّرته كلومها
أتيح قدّر لها، شثن البنان خشنها، مكزم قصير الأصابع كزها قد أكلت أظفاره الصخر، أخو حزن جمع حزنة وهو المكان الغليظ، وقرته كلوم تلك الصخرة أي صيرت به وقرات وهي الآثار.
قليل تلاد المال إلا مسائباوأخراصه يغدو بها ويقيمها
يقول هو قليل أصل المال إلا هذه المسائب والأخراص، وقد فسر فيما تقدم، يقيمها يسوي عوجها.
رأى عارضاً يهوي إلى مشمخرّةٍقد أحجم عنها كل شيءٍ يرومها
رأى عارضاً من نحل كأنه عارض من سحاب، مشمخرة هضبة طويلة.
فما برح الأسباب حتى وضعنهلدى الثوال ينفي جثّها ويؤومها
يقول ما برحت به الحبال حتى وضعته لدى الثول وهي النحل، والجث ما ليس بخالص من عسلها كأنه ما يعلو العسل من أجنحتها وصغارها، ويؤومها يدخن عليها والإيام الدخان يقام آم يؤوم أوماً.
فلما دنا الابراد حط بشورهإلى فضلات مستحير جمومها
الابراد العشى، حط بما اشتار من العسل إلى بقايا من ماء غدير ليغسله، ومستحير كثير قد تحير، وجمومها ما جم عنها.
وقال أبو ذؤيب:
وأشعثٌ ما ل فضلات ثولعلى أركان مهلكة زهوق
تأبّط خافة فيها مسابفأصبح يقتري مسداً بشيق
الخافة السفرة كالخريطة تكون معه، مساب أراد مسأباً فترك الهمز وهو سقاء العسل، يقتري يتبع، مسداً أي حبلاً، شيق أعلى الجبل، والمعنى يتبع شيقاً بمسد فقلب.
على فتخاءٍ تعلم حيث تنجووما في حيث تنجو من طريق
فتخاء يعني رجله فيها اعوجاج ولين.
وقال المسيب بن علس يصف النحل:
سود الرؤوس لصوتها زجلمحفوفة بمسارب خضر
بكّرت تعرّض في مراتعهافوق الهضاب بمعقل الوبر
وغدت لمسرحها وخالفهامتسربل أدما على الصدر
المسارب مجاري الماء، يقول لما سرحت هي ترعى خالفها إلى وقبتها.
فأصاب ما حذرت ولو علمتحدّبت عليه بضيق وعر
أصاب ابعسل، حدبت عليه عطفت عليه بمكان وعر،
تركت مرعاها،
فهراق في طرف العسيب إلىمتقبّل لنواطف صفر
حتى تحدر من غواربهأصلاً بسع ضوائن وفر
العسيب الزق، نواطف ما نطف من العسل أي قطر، والمتقبل لها الزق، يقول فصب في فم الزق إلى داخله حتى نزل من أعالي الجبل عشياً بسبع أسقية من جلود الضأن، وفر واسعة.
وقال يصف العسل:
ويظل يجري في جواشنهاحتى يروح مقصر العصر
يقول العسل يجري في صدور النحل، مقصر من قصر العشى.
وقال النابغة الجعدي في هذا المعنى وذكر امرأة:
وكأن فاهاً بات مغتبقاًبعد الكرى من طيّب الخمر
شرقاً بماء الذوب أسلمهللمعتفين معاقل الوبر
بكرت تبغي الخير في مسلمخروفة ومسارب خضر
حتى إذا غفلت وخالفهامتسربل أدما على الصدر
صدع أسيد من شنوءة مشاءٍقتلن أباه في الدهر
الذوب العسل، شرق مختلط، يعني جازر العسل، صدع المتوسط بين الطويل والقصير من الرجلين، قتلن أباه يقول
كان أبوه جازر عسل فقتلته النحل يريد أنه سقط عن موضعهن فمات.
يمشي بمحجنة وقربتهمتلطفاً كتلطف الوبر
فأصاب عرّتها ولو شعرتحدبت عليه بضيق وعر
حتى تحدّر من منازلهاأصلاً بسبع ضوائن وفر
وقال أبو ذؤيب وذكر النحل:
تدلى عليها بالحبال موثّقاًشديد الوصاة نابل وابن نابل
أي شديد الحفظ لما أوصى به، نابل حاذق.
إذا لسعته النحل لم يرج لسعهاوخالفها في بيت نوب عوامل
لم يرج لم يخف، وخالفها إلى بيوتها كما قال المسيب.
وخالفها، متسربلاً أدما على الصدر
ويروي حالفها أي لازمها ولم يتركها، والنوب النحل التي تنوب أي تذهب وتجيء عوامل تجيءبالشمع.
وقال المسيب:
وتظل عاملة كذي النّذر
قالوا والنحل تقتسم الأعمال بينها فبعضها يعمل الشمع وبعضها يعمل البيوت وبعضها يسقي الماء في الثقب ويلطخها بالعسل ومنها ما يعمل العسل. وقال:
فحطّ عليها والضلوع كأنهامن الخوف أمثال السهام النواصل
النواصل السهام التي سقطت نصالها، قال الأصمعي: السهم إذا
استرخى تقعقع، يقول: فتسمع لضلوع هذا نقيضاً ورجفاناً من الخوف، وقال غيره: السهم إذا سقط نصله خف فلا يستوي إذا رمي به ولكنه يضطرب فشبه رجفان ضلوعه باضطراب السهام النواصل.
وقال كثير:
إذا النبل في نحر الكميت كأنهاشوارع دبر في حشافة مدهن
الحشافة الماء القليل، والمدهن نقرة في الصخرة يبقى فيها الماء.
النص من طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع