تجاوز إلى المحتوى

من «التمام في تفسير أشعار هذيل» لابن جني (ت ٣٩٢هـ)

وقال عبد الله بن مسلم بن جندب

" من الطويل ":

فقولوا لها قولا رفيقاً أعلهاسترحمني من زَفرةٍ وعويلِ

كان ينبغي لاختصاص " لعلّ " بالاستقبال ألا يجمع بيتها وبين السين كما لم يجمع بين " إن " والسين وسوف، وكذلك " إن " إذا لم تكن أيضا " من الطويل ":

لعلك إنْ دَهْرٌ أصابك صرفهستذكرني يوماً إذا ذًقْتَ دائيا

وقال عبد الله أيضا " من البسيط ":

لكنه شاقه أنْ قيل ذا رَجَبٌيا ليت عدَّةَ حولي كله رجبا

يحكي الكوفيون: " ليت زيدا قائما " على أن " ليت " هي الناصبة للاسمين جميعا، عندنا نحن بخلاف ذلك، بل هي عندنا على بابها من نصب الاسم ورفع الخبر، فأما ما أنشده صاحب الكتاب من قوله:

يا ليت أيامَ الصبا رواجعا

فانه حمله على فعل محذوف. قال كأنه قال: " أقبلت رواجع "، فكذلك هذا أيضا كأنه قال: يا ليت عدّة حولي كله بدلت أو سميت رجبا.

وقال عبد الله أيضا " من الطويل ":

وجَنَ عليك الليل دانٍ رواقهوراعيت للهم النجومَ الدوانيا

يجوز أن يكون " دانٍ " في موضع نصب وأراد " دانيا رواقه " إلا أنه أجرى المنصوب مجرى المرفوع والمجرور كقوله

يا دارَ هِنٍ عفت إلا أثافيهابين الطوى، فصارات فواديها

وقوله " من المتقارب ":

إذا كان هادي الفتى في البلادصدْرَ القناة أطاع الأميرا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «غشيت لليلى بليل خدورا»

وقوله " من الرجز ":

سوّى مساحيهن تقطيط الحقق تقليل ما قارعن من سم الطرق وهو كثير جدا. ويجوز أن يكون تقديره: وجن عليك الليل رواقة دان، يجعل الجملة في موضع الحال، ثم قدمت الخبر على المبتدأ كما تقول في الصفة: مررت برجل قائم أبوه، يريد: أبوه قائم، ثم قدمت.

وفيها:

مع الشَّوْقِ يوم الأربعاء لقيتهافما بال يوم الأربعاء وماليا

قال: فلما سمع أبو السائب المخزومي بهذا البيت قال: لا بل ما باله وبال يوم الأربعاء. ينبغي أن تكون ألف " بال " منقلبة عن واو لامرين، أحدهما: انها عين، وهذا واضح، والآخر: انه من معنى البول وان غمض الطريق إليه، وذلك انه معني ما حالك وما بالك سواء، ويقال: هو بحال سوء وبال سوء، والحال: الحمأة وكأنها سميت لاستحالتها ونتنها، وقد ساغ عنهم أن الاستحالة مصروفة إلى التغير والكراهة كقولهم: قد استحال فلان عن المودة أي فسد بعد صلاح، ولا يقال: قد استحال فلان عن القطيعة إلى الصلة، ولا عن الشر غلى الخير، وإذا ثبت بذلك أن الحال في أكثر أمرها إلى التغير المقترن بالفساد، وكان البال بمعنى الحال لم يمتنع أيضا أن يكون من معنى البول لفساده كما إن الحال هي من معنى الحمأة، وقد تقصيت هذا الفصل في موضع آخر من كلامي وتعليقي.

النص من طبعة مطبعة العاني ببغداد (١٣٨١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التمام في تفسير أشعار هذيل»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.