تجاوز إلى المحتوى

من «قشر الفسر» لأبي سهل الزوزني (ت ٤٤٥هـ)

قافية السِّين

وقال في قصيدة أولها:

(هذي برزتِ لنا فهجتِ رسيسا ..................)

إنْ كنتِ ظاعنةً فإنَّ مدامعيتكفي مزادَكمُ وتروي العيسا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هذي برزت لنا فهجت رسيسا»

قال أبو الفتح: هذا نقيض قوله فيما تقدمه:

ولا سقيتُ الثَّرى والمَزنُ مُخلفُهدَمعاً يُنَشِّفُه مِن لوعةٍ نَفَسي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أظبية الوحش لولا ظبية الأنس»

لأنه ذكر هناك أن نفسه يُنشِّف دُموعه، فيذهب بها، وها هنا ذكر أن مدامعه تكفي المزاد وتروي العيس، وهذا يدُّلك على كثرتها وثباتها، ولكل واحد منهما وجه ويجوز أن يكون المعنى: أن لو جمعت دموعي لكفت المذاد وأروت العيس إلا أن الحرارة تُنشِّفها، فلا يكون على هذا في الكلام ردٌّ ولا تدافعٌ.

قال الشيخ: البيت الأول في قصيدة، ومنفرد بمعنى لطيف دون هذا المعنى، وهذا البيت في قصيدة أخرى ومنفرد بمعنى أخر حسنٍ شريف، وأي تنافٍ وتناقض بينهما، وليسا في كلمة واحدة، وكل واحد منهما مؤدٍّ معناه أحسن إثارة بأحسن عبارة؟

والرجل يقول: إن كنت راحلة، فقد كُفيت الماء الذي هو ملك أمرك، فإن مدامعي تملأ من أدمكم وتروي إبلكم لتواليها وانصباب عزاليها، وليس فيه ولا فيما تقدمه

وما يليه ذكر حرارة النفس والنَّشف ولا ذكر شيءٍ يؤثر فيما تقدم من الوصف والكشف، فليت شعري ما الذي تراءى بخاطره فيه حتى ألحق به ما ينافيه؟

حاشا لمثِلكِ أنْ تكونَ بخيلةًولمثلِ وجهكِ أنْ يكونَ عبوسا
ولمثلِ وصلِكِ أنْ يكونَ ممنَّعاًولمثلِ نيلِكِ أنْ يكونَ خسيسا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هذي برزت لنا فهجت رسيسا»

قال أبو الفتح: حاشا لكِ أن تعتقدي البُخل، وأن تمنعي وصلك بالنية وإن لم يكن بالفعل.

قال الشيخ: ليس من البيتين شيء منوط بالاعتقاد والنية، وإنما هو الفعل الصرف والعمل البحت، فيقول: حاشا لمثلك في روعتك وجمالك وكرم خصالك أن تبخلي وتعبسي وأن تهجري ولا تصِلي ولا تُبرزي نيلك ولا تُكثري.

وبهِ يُضَنُّ على البريِّةِ لا بهاوعليه منها لا عليها يُوسى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هذي برزت لنا فهجت رسيسا»

قال أبو الفتح: أي به يضن على البرية لا بالبرية عليه، ووجه الضن هنا أن يكون فيهم مثله حسداً لهم عليه، وعليه منها لا عليها يُوسى، أي: عليه منها يُحزن إذا هلك لا عليها إذا هلكت. أي: ليس فيهم من مستحق للحزن عليه إذا هلك غيره، ويجوز أن يكون أراد أن يُوسى عليه أن يكون منها، لأنه أشرف منها، فإذا عُدَّ منها فقد بُخس حقه، واستحق أن يُحزن له إذ كان يرفعها وتضعه.

قال الشيخ: ذكر ما عنده، وعندي أن الرجل يقول: فيه يُضن على البرية أن تُفدى به لا بالبرية عليه أن يُفدى بهم والأسى من جملتهم على فقده يكون لا على جملتهم دونه.

وقال من قصيدة أولها:

أَنْوَكُ مِنْ عبدٍ ومِنْ عِرسهِمَنْ حكَّم العبدَ على نفْسهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أنوك من عبد ومن عرسه»

قال أبو الفتح: الهاء في عرسه تعود على من، ومن مرفوعة بالابتداء، وخبرها أنوك، كما تقول: أحسن من هندٍ ومن أخيه زيدٌ، والتقدير: الذي يحكم العبد على نفسه أنوك من عبدٍ ومن عرس نفسه.

ويجوز أن يكون الهاء في عرسه تعود على العبد، فيصير التقدير الذي يُحكم العبد على نفسه أنوك من عبدٍ ومن عرس العبد، والنوك: الحُمق، والأنوك: الأحمق.

قال الشيخ: المعنى هو الثاني دون الأول، فإن عرس من الذي في البيت لم تجنِ جنايةً تتسخ وترخص في صنعتها بالنوك، وضرب المثل بها فيه، وليس المعنى إلا ردَّ الهاء إلى العبد.

ما من يرى أنَّكَ في وعدهِكمَنْ يرى أنَّكَ في حبسْهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أنوك من عبد ومن عرسه»

قال أبو الفتح: يقول أنا في حبس كافور، وهو يظن أني مقيمٌ على انتظار وعده. خاطب نفسه بالكاف على قراءة من قرأ: (أعلمُ أنَّ اللهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ).

قال الشيخ: المعنى عندي أنه يلوم نفسه بمهاجرة سيف الدولة إلى كافور، فجعل

يخاطب نفسه، ويقول: كنت في وعد سيف الدولة، فاضطربت واغتررت حتى وقعت في حبس كافور، وليس المرء الذي ترى نفسك في وعده كالذي ترى نفسك في حبسه، وشتان ما واعدٌ بالخير وحابسٌ على الضيم والضير.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «قشر الفسر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.