تجاوز إلى المحتوى

من «قشر الفسر» لأبي سهل الزوزني (ت ٤٤٥هـ)

قافية الباء

قال في قصيدة أولها:

(لا يحزنُ اللَّهُ الأميرَ فإنَّني ..................)

كأنَّ الرَّدى عادِ على كُلِّ ماجدٍإذا لمُ يَعوِّذْ مجدَهُ بُعيوبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»

قال أبو الفتح: أي يجعل ما يعيب به مجده كالعوذة الصارفة العين عنه، وعاد من التعدي والظلم، أي: يحوج العافي والطالب إلى أن يسأله ليكون ذلك عوذة لنعمته من إصابتها بالعين.

قال الشيخ: لست أعرف بين هذا التفسير وبين المعنى قرابة، فإن الرجل يقول: كأن الردى يأخذ كل ماجد مُبرأ عن العيوب مهذب لا غميزة فيه مثل هذا المرثي الذي لم تكن فيه عيوب، فجعلها عوذة لنفسه لتقيه عين الكمال، كما قيل: الآخرة تختار الخيار وتترك الأشرار، وكما قيل: أعمار الكرام مشاهرة وأعمار اللئام مداهرة،

وكما قيل:

...............إنَّ الكرامَ قليلةُ الأعمارِ

وكما قيل:

وآخر إلاَّ عيبَ فيه لناظرٍيردُّ بهِ عينَ الكمالِ وناظرَه

في أشباه لهذا كثير، ولست أدري، ما هذا من ذاك الذي ذكره وفسره؟ وأي مجال هنا لطلاب نواله وإحواجهم إلى سؤاله؟ وهبهم سألوه، فأي عوذة فيه لنعمته من إصابتها بالعين؟

فُعوِّضَ سيفُ الدَّولةِ الأجرَ إنَّهُأجَلُّ مُثابِ مِن أجلُ مُثيبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»

قال أبو الفتح: الهاء في إنه تعود على الأجر، والمثاب المصدر هاهنا، ومثله المصاب، أي: المصيبة، والمثيب الله تعالى، كأنه قال: إن الأجر أجل ثواب من الله الذي هو أجل مثيب، ويحوز أن يكون الهاء في إنه لسيف الدولة، أي: إن سيف الدولة أجل من أُثيب من عند الله، والأجر إنما يستحق عن الصبر لا عن المصيبة، وإنما يُستحق عن المصيبة العوض، والأجر والثواب أشرف من العوض، لأن الثواب إنما يستحقه الإنسان بما يفعله

مختاراً من الطاعة، والعوض إنما يكون مستحقاً عن المصائب التي لم يخترها الإنسان، والتفضل دون ذينك، ولهذا قيل: منازل الاستحقاق أشرف من منازل التفضل.

قال الشيخ: أورد فصلين وذكر معنيين، وقد قلنا: إن الشاعر لا يريد ببيت يقوله غير معنى واحد فما عداه تعسف وخدش، وعندي إن المتنبي يقول: فعوض سيف الدولة الأجر عن

صبره على مصابه ليكون عوضاً عن مصيبته، فإن سيف الدولة أجل مثاب في الخلق من أجل مُثيب، وهو الخالق عز وعلا. وقد ذكر هو هذا المعنى في الفصل الأخير دون هذا التفسير، فإنه منع سيف الدولة استحقاق الأجر والثواب عوضاً عن المصاب، وهو يستحقهما، فإنه آثر الصبر وترك الجزع مختاراً، ولم يأته اضطراراً، ولو آثر الجزع على الاصطبار لم يُمنع من هذا الإيثار.

وقال في قصيدة أولها:

(فَديناكَ من ربعِ وإنْ زدتنا كَربا ..................)

لها بَشَرُ الدُّرِّ الذي قُلِّدتْ بهِولم أرَ بدراً قَبلَها قُلِّدَ الشُّهْبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

قال أبو الفتح: الشُّهب جمع شهباء، يعني الدُّرة، ويجوز أن يكون عنى بالشُّهب جمع أشهب، يعني الكواكب لذكره البدر، وهذا هو القول،

ويجوز أيضاً أن يكون جمع شهاب، وهو النجم.

قال الشيخ: هو كما قال أولاً: الشهب جمع شهباء، وهي الدرة، يدلك على ذلك قوله: لها بشر الدُّر الذي قُلدت به.

ثم قال: ولم أرَ بدراً قبلها قُلد الشُّهبا.

وليت شعري، أية شبهة تعترضه حتى يكون جائزاً أو تمكن حمل الشهب على وجه أخر؟ والرجل يقول: لها بشر الدُّر الذي قلدت به، جعل بشرها بشر الدُّر الذي جُعل قلادتها، فكيف يجوز أن يقول: ولم أر بدراً قبلها قُلد الكواكب أو النجوم بعد أن جعل الدُّر قلادتها؟ ولقد أبدع في صنعة رد عجز البيت إلى صدره بذكر الدُّر فيهما أحسن الإبداع، وتعجب في مكان التعجب، إذ لا يُرى بدر مُقلداً دُّراً، ويُرى بين بعض الشهب الكواكب، وكأنه قلادة، فهذا يُرى وذاك لا يُرى، فالمتنبي تعجب مما لم يُعهد، ولم يرد.

وقوله: يجوز أن يكون عنى بالشهب جمع أشهب، يعني الكواكب لذكره البدر، وهذا هو القول: نعم لكنه القول المردود الرديء، لأن البدر قد يُرى مُقلداً بعض الشهب، ولا يُرى مُقلداً الدُّر، وليس يوجب ذكره البدر، إذ عنى بالشُّهب الكواكب لكونها في السماء بعدما يفسد المعنى به من هذه الوجوه المذكورة، وكيف يجوز أن

يقول: لها بشر الدُّر الذي هو قلادتها، ولم أر بدراً قبلها قُلد الكواكب؟ وهذا لو قال: لها بشر الدُّر الذي هو قلادتها إلى

الكواكب الذي قُلدت بها لجاز أن يقول: ولم أر بدراً قبلها قُلد الكواكب، وهذا أوضح من أن يُحتاج معه إلى كل القال والقيل.

وليسَ يصِحُّ في الإفهامِ شَيءٌإذا احتاجَ النَّهارُ إلى الدَّليلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتيت بمنطق العرب الأصيل»
فُحبُّ الجبانِ النَّفسَ أوردَهُ التُّقىوحبُّ الشُّجاعِ النَّفسَ أوردَهُ الحَربا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

قال أبو الفتح: يرد الشجاع الحرب إما ليُبلي بلاء حسناً يُشرف ذكره في حياته، وإما ليُقتل فيُذكر بالصبر والأنفة بعد موته، كقولها:

نهينُ النُّفوسَ وهَونُ النُّفوسِ يَومَ الكريهةِ أبقى لها
للشاعر الخنساء، من قصيدة «ألا ما لعينك أم ما لها»

فهذا يحتمل وجوهاً: إما أن يكون أراد إنك إذا رآك قرنك، وقد ألقيت نفسك للتهلكة يئس من فرارك، فهرب هو فسلمت أنت، وإما أن يكون مثل قوله تعالى: (ولا تَحسَبَنَّ الذين قُتلوا في سبيلِ اللهِ أمواتاً بل أحياءُ)، وإما أن يكون أراد أنك إذا مت على هذه الحال فقد أبقيت لك من حسن ذكرك ما يقوم لك مقام الحياة.

قال الشيخ: ولو كان أراد به ما فسره لقال: وحب الشجاع الصيت أو الذكر أو المدح أو الأجر، وليس في الغنى شيء عندي مما فسر أنه يرد الحرب ليبلي ما يشرف به ذكره في الحياة أو ليُقتل فيذكر بالصبر والأنفة وما بعده إلى أخر تفسيره، فكله حب الصيت والذكر لا حب النفس على الحقيقة وما يدفعه دافع فحاطب ليل. والمعنى عندي إن حب الجبان نفسه يورده التُّقى لاستبقائها، وحب الشجاع النفس يورده الحرب لعطائها المُنى وإعلائها ولقهر مناوئه وأخذه من الملك ومن نعيم الدنيا والغنى والثروة وما يشتهيه فيتقلب ناعماً فيه كما قال في موضع آخر:

فإن تَكُن الدَّولاتُ قسماً فإنَّهالمن وردً الموتَ الزُّؤامَ تدولُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»
لمن هَّونَ الدُّنيا على النَّفسِ ساعةًوللبيضِ في همامِ الكُماةِ صليلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»

وكما قال:

ويا آخذاً من دهرهِ حقَّ نفسهِومثُلك يُعطَى حقَّه ويُهابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
ويختلفُ الرِّزقانِ والفعلُ واحدٌإلى أن تَرى إحسانَ هذا لذا ذنْبا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وقال أبو الفتح: يقول إن الرجلين يفعلان فعلاً واحداً، فيُحرم أحدهما ويُرزق الأخر، فكأن الإحسان الذي رُزق به هذا هو الذنب الذي حُرم به هذا.

قال الشيخ: هذا جميل حسن إلا أنه ليس بتفسير البيت، فإنه لم يُفسر لهذا وأهمله ومر عليه مُعرضاً عنه. وعندي أنه يقول: إلى أن ترى إحسان الجبان إلى نفسه بكلأتها عن اعتراض المعاطب واقتحام المتالف ذنباً للشجاع بتعريض نفسه للهلك وبذل مهجته للسفك، وترى إحسان الشجاع إلى نفسه بتسليطها على الأمم وترفيهها في النعم وتمليكها أزمة مطالب الهمم، وتبليغها أقاصي مرامي المرام وتحكيمها في صنوف النقض والإبرام بتورد الخطوب وتقحم الحروب ذنباً للجبان بتوقيه والرضا بما هو فيه من الضر والعيش المر وسوء الحال ومقاساة الفقر والإقلال، وفعلهما حب النفس ورزقاهما مختلفان، هذا بحب النفس محدود فقير، وذاك بحب النفس أمير كبير أم خطير.

وقال في قطعة أولها:

(ألا ما لسيفِ الدَّولةِ اليومَ عاتبا؟ ..................)

أهذا جزاءُ الصِّدقِ إنْ كنتُ صادقاً؟أهذا جزاءُ الكذْبِ إنْ كنتُ كاذبا؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا ما لسيف الدولة اليوم عاتبا»

قال أبو الفتح: أي إن كنت صدقت في مدحك، فليس هذا الإقصاء والإبعاد جزاءي، وإن كنت قد كذبت فيه فقد تجملت لك في القول، فهلا تجملت لي في المعاملة.

قال الشيخ: لم يقصه ولم يبعده، وإنما رخص للسامري في دمه لما أنشده:

وا حرَّ قلباهُ...... ..................

وكان المجلس محفلاً غاصاً بوجوه أعيان العرب، فلما فرغ من الإنشاد، وانصرف اضطرب المجلس، وتفاوضوا فيها، فقام السامري، وقال: أصلح الله الأمير لترخص لي في دمه، فقال: شأنك، فخرج وسد فم الطريق عليه بغلمانه، فلما بصر بهم مكن يده من قائم سيفه، وحمل عليهم وخرق سدهم، ومضى وتوارى عند صديق له بحلب، وكتب إلى سيف الدولة من مأواه بهذه الأبيات بعد أيام. وعندي أنه يقول: أهذا جزاء الصدق؟ أي: إباحة دمي جزاء صدقي في هذا العتاب والرُّخص في نفسي جزاء كذبي فيه، والمعنى أنه لا أستحق القتل صادقاً كنت في هذه القصيدة التي أولها:

وا حرَّ قلباهُ مِمَّن قلبُه شَبِمُ ..................

وآخره:

.........قد ضُمِّنَ الدُّرَّ إلاَّ أنَّهُ كَلِمُ

أم كاذباً، فإن كنت صادقاً فجزائي الإعتاب أو كاذباً فجزائي التكذيب والجواب، فأما القتل فليس عنهما بجزاء، وبعد: فمواجهة ملك بأنه يجوز ويمكن أن أكون كاذباً في مدحك من القبائح والفضائح، على أن له وجهاً في تعسف العرب وتعجرف طباعهم، لكنه ليس بجميل، ولا تُباح نفس شاعر يمدح، أحسن فيه أم أساء، وصدق أم كذب. ولهذا قال في السامري:

أسامرِّيُّ ضٌحكةَ كلِّ رائيفَطَنتَ وأنتَ أغبَى الأغبياءِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
صَغُرتَ عنِ المديحِ فقلت: أُهجىكأنَّكَ ما صَغُرتَ عن الهِجاءِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أسامري ضحكة كل راء»
وما فكَّرتُ قلبكَ في مُحالٍولا جرَّيتُ سيفي في هَباءِ

وقال في قصيدة أولها:

(أيدري ما أرابكَ ما يُريبُ؟ ..................)

يُجَمشُكَ الزَّمانُ هوىً وحُباًوقد يُؤذَى منً المِقَةِ الحبيبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيدري ما أرابك من يريب»

روى أبو الفتح: وقد يؤذي بكسر الذال.

قال الشيخ: أول البيت ناقص لروايته (يؤذي بالكسر)، والعادة تنقضه وتنفيه، ولا تُرخص يحال فيه، فإن الرجل جعل الزمان محب سيف الدولة، وهو حبيبه، لهذا المعنى قال: يُجمشك بهواه وحبه إياك، ثم قال: ولا بدع ولا عجب، فقد يؤذى الحبيب من المقة والحب، فالزمان يؤذيك بهذه الشكاية كما يؤذي العاشق المعشوق بالضم والشم والعناق واللثم والتقبيل والرشف والعض والقرص والمص وأشباهها، وما هي لجفوة بل لصبوة، فهذا تجميش العشاق، وهذه الشكاة تجميش الزمان إياك من الهوى والاشتياق، وفسر هذا بالحبيب، ويؤذي من فرط المحبة والمقة، فمن رواه بالكسر فماذا يكون معناه؟ وكيف يلائم أول البيت آخره؟ وإذا كان الحبيب المؤذي له فمن المؤذى؟ وعلى هذه الرواية يجب أن يكون سيف الدولة يجمش الزمان ويعله ويمرضه، ويكون محب الزمان والزمان حبيبه، وهذا محال كما ترى. والحبيب لا يؤذي إلا بالصد والهجر والدلال والفراق وأشباهها، ولا مكان لها هاهنا، وإذا كان سيف الدولة المجمش، فلابد أن يكون هو المؤذي البتة، فإذا لا وجه لكسر الذال هنا بحال.

فَقَرطْها الأعنَّةَ راجعاتٍفإنَّ بعيدَ ما طلبتْ قريبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيدري ما أرابك من يريب»

قال أبو الفتح: تقول العرب: قرط فلان فرسه العنان، يستعمل ذلك على وجهين: أحدهما أنه طرح اللجام في رأس فرسه، وربما استعمل للفارس إذا مد يده بعنانه حتى يجعلها في قذال فرسه للحضر، والبيت يحتمل أمرين وراجعات، أي بلد إلى بلد العدو فإن بعيد ما طلبت قريب عليها لسرعتها.

قال الشيخ: ذكر تقريظ الأعنة والعود إلى بلد العدو، وأصاب فيهما غير أنه لم يفسر المعنى كما يتصور، والمتنبي يقول قبله:

وأنتَ المَلكُ تُمرضُه الحشايالهمَّتهِ وتشفيهِ الحروبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيدري ما أرابك من يريب»

يحثه على مراجعة بلد الروم ومقاساة الحروب ليبرأ من شكاته، ويعاجل بمعافاته متئداً غير مسرع كما قال حتى يجعل الأعنة في قذاله للحُضر، والبيت لا يحتمل الأمرين، لا يحتمل إلا طرح اللجام في رأس الفرس لقوله:

...............فإنَّ بعيدَ ما طلبت قريبُ

فإنه لا يحتمل غير قولك: ألجم الخيل، وعاود الروم متأنياً، فإن الأمد البعيد قريب عليها لميعتها وسبلها ومرحها وقوتها، ولا يحسن أن تقول: ألجم الخيل وعاود العدو مسرعاً متعجلاً، فإن البعيد قريب عليها، فإن هذه اللفظة تقتضي أن يكون القريب بعيداً عليها حتى تحتاج أن تعجل وتسرع، وقد تبين أن البيت ر يحتمل الأمرين، وإنما

يحتمل طرح اللجام في رأس الفرس دون الحُضر، وهذا كقوله فيه:

وكاتبَ مِن أرضٍ بعيدٍ مرامُهاقريبٍ على خيلٍ حواليكَ سُبَّقِِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»
إذا داءٌ هَفا بُقراطُ عنهُفلم يُوجدْ لصاحبهِ ضريبُ

قال أبو الفتح: جواب إذا، فلم يوجد، أي: وليس يوجد لصاحبه شبيه، كذا قال لي وقت القراءة عليه، واستعمل (لم) في موضع (ليس) لمضارعتها لها بالنفي.

قال الشيخ: ذكر هذا القدر وما فسر معناه، وهو محوج إلى شرح وبسط، فإنه يقول: كل بعيد عليك قريب، وكل عسير يسير، فأنت بقراط المقاصد والأدواء، كما أن بقراط كان إمام المعالجات والأدواء، ولا نظير لك فيها كما لا نظير له في هذه، أي: لا يتعذر عليك تحصيل مطلوب واستخراجه، كما لا يتعذر عليه تدبير داء وعلاجه. يريد إذا داء زل بقراط عن حسمه، وليس يوجد له نظير يقوم بقطعه، وإذا خطب لا يقوم سيف الدولة

بكفايته، فلا يوجد له ضريب يقوم بإماطته، وهذان لا يكونان، فعليك بقصد من تريد وأخذ ما تروم، فلن يعوزك مراد، وإن عز مطلبه، ولن يعجزك مرام، وإن ضاق مذهبه، ويدلك عليه قوله فيها:

وكيفَ تُعِلُّكَ الدُّنيا بشيءٍوأنتَ بعلَّةِ الدّنُيا طبيبُ؟
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وكيفَ تنوبُكَ الشَّكوى بداءٍوأنتَ المُستغاثُ لما ينوبُ؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيدري ما أرابك من يريب»

وقال من قصيدة، وهو مطلعها:

بغيركَ راعياً عَبثَ الذُئابُوغيرَكَ ضارباً ثَلَمَ الضِّرابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

قال أبو الفتح: نصب راعياً وضارباً على التمييز، وإن شئت على الحال.

قال الشيخ: شرحه ليس في الشرط، لأن الشرط أن أشرح من معاني هذه الأبيات كل ما كان فيه خلل إذ جرى عليه غلط، فأما ما لم يشرح معناه فلا. وأشرح هذا الواحد، وإن كان خارجاً عن الشرط، ولا أشرح بعده مثله. قرأت في جمع ابن خالويه لديوان أبي فراس الحمداني أن طائفة من بني كلاب اجتازت بقرب حلب على مرحلة منه، فحمل بعضهم حملاً من قطيع قيمته خمسة دراهم، فنهض سيف الدولة بنفسه وجيشه إلى بني كلاب ومن ضامهم من سائر القبائل حتى أوقع بهم، وقالع وقتل واستباح، ونفاهم عن تلك البوادي كلها، وطهر منهم تلك البلاد بأسرها، وأنفق عليها خمسين ألف دينار كماً، فقال فيه شاعره المتنبي:

(بغيركَ راعياً عَبِثَ الذِّئابُ ..................)

وإذا عرفت القصة فهمت، واستبنت معناه، وتصورت مغزاه.

إذا ما سرتَ في آثارِ قومِتَخاذلتِ الجماجمُ والرِّقابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

قال أبو الفتح: أصل التخاذل التأخر، يقال: ظبية خذول، إذا تأخرت عن المرعى، وإذا تأخرت الجمجمة والرقبة فقد تأخر الإنسان، أي: لما سرت وراءهم كأن رؤوسهم تأخرت لإدراكك إياهم، وإن كانت في الحقيقة قد أسرعت، ويجوز أيضاً أن تكون قد تخاذلت لما لقيت من سيوفك، أي: تساقطت لما ضُربت بالسيوف، وتخاذلت رجلاً السكران والشيخ إذا ضعفتا.

قال الشيخ: الفصل الأخير خير من الأول، وإن كان غير مستوفى ولا كاف ولا مقنع،

ومعناه عندي إنك إذا سرت في آثار قوم هربوا منك، تخاذلت الجماجم والرقاب، أي: ضربت الرقاب حتى خذلت الجماجم، وطيرت الجماجم حتى خذلت الرقاب، وقريب منه قوله في هذه الوقعة لسيف الدولة:

مضَوا مُتسابقي الأعضاءِ فيهالأرجلِهم بأرؤسهم عِثارُ

وأخذه الخوارزمي، فقال في عضد الدولة:

وطلَّقتِ الجماجمُ كلَّ قَحفٍوأنكرَ صحبَةَ العُنُقِ الوريدُ
وتحتَ ربابهِ نَبتوا وأثُّواوفي أيَّامهِ كثُروا وطابوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

قال أبو الفتح: أي هم منك وبك، فأنت جدير بالرحمة لهم والعطف عليهم.

قال الشيخ: هو عندي الاسترقاق والاستعطاف فيما سبق هذا البيت. وهذا كالذي قبله، وهو:

وإن يكُ سيفَ دولةِ غيرِ قيسٍفمنُه جُلودُ قيسٍ والثِّيابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

نسبهم إليه بأنهم منه كانوا وبآلائه كثروا ونشئوا وتحت ظله ونعمائه نبتوا وأثوا وبسعادة أيامه وإقبال دولته تأثلوا وتجملوا.

ولو غير الأميرِ غزا كِلاباًثناهُ عنْ شُموسِهمُ ضَبابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

قال أبو الفتح: ضرب ذلك مثلاً، أي كان له مشتغل بما يلقى منهم من قبل الوصول إليهم وإباحة حريمهم، ويمكن أن يكون كنى بالشموس عن النساء وبالضباب عن المحاماة دونهم.

قال الشيخ: نعم كنى بالشموس عن نسائهم وعن عجاج الحرب بالضباب، أي: كما أن الضباب يحجب الشمس، ويكف عنها الأبصار كان العجاج، أي: عجاج الحرب يكف الأبصار عن ملاحظة نسائهم فضلاً عن السبي لو غزاهم غير سيف الدولة، والعبارة بالضباب عن المحاماة محال فاسد، وإن كان عجاج الحرب للمحاماة دونهم، وهذا هو الملح الصرف والحسن البحت والسحر الطلق والحذق المحض الذي عمله في الكناية عن النساء بالشموس، وعن العجاج بالضباب، والذي هو الحجال الحائل بين سيف الدولة ونسائهم، فبطل متى قيل: كنى بالضباب عن المحاماة، إذ لا قرابة ولا تشبيه ولا مشاكلة بين الضباب والمحاماة كما هي حائلة بين العجاج الذي هو معنى الضباب وبين المحاماة، يوضحه قوله بعده:

ولاقى دون ثايِهمُ طًعِاناًيُلاقى عندَهُ الذِّئبَ الغُرابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»
ولا ليلٌ أجنَّ ولا نهارٌولا خيلٌ حملنَ ولا رِكابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

قال أبو الفتح: هذا يشبه قوله:

.........تخاذلتِ الجماجمُ والرِّقابُ

قال الشيخ: لست أعرف تشبيهاً جامعاً بحال بينهما، وليت شعري ما الذي أوهم فيه حتى فسره تفسيراً وجدت تصوره فيه عسيراً، وإنما معناه عندي ما تقدمه، وهو:

ولكن ربُّهم أسرى إليهمفما نَفَعَ الوقوفُ ولا الذَّهابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»
ولا ليلٌ أجنَّ ولا نهارٌولا خيلٌ حملنَ ولا ركابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

يقول: لو غير الأمير غزا صرفه عن نسائهم عجاج الحرب وطعان جامع بين الذئاب والغراب على الجيف والجثث، ولكن ربهم قصدهم، فما نفعهم في قصده ولا خلصهم عن يده الوقوف والدفاع ولا الذهاب والإسراع، ولا ليل أظلم عليهم فخفرهم بظلامه، ولا نهار أضاء لهم فبصرهم بضيائه، ولا خيل حملتهم ولا ركاب نقلتهم فنجت بهم عنه.

وقال في قصيدة أولها:

(يا أختَ خيرِ أخٍ... ..................)

أجِلُّ قَدرَكِ أنْ تُسمَيْ مُؤبَّنةًومنْ يَصفكِ فقدْ سمَّاكِ للعربِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

قال أبو الفتح: أي أجلك أن أسميك في المرثية، ولكني إذا وصفت ما كان فيك من المحامد والمحاسن عُرفتِ، لأن ذلك مما لا يوجد في غيرك.

قال الشيخ: هذا جميل، ولكن الرجل يقول غير هذا، وهو أنه يقول: إذا وصفتك بقولي: يا أخت خير أخ، يا بنت خير أب، علمت العرب قاطبة أن خير أخ سيف الدولة وخير أب أبو الهيجاء، فعُرفتِ بهذه الصفة دون التسمية، فهذه الصفة جامعة بين مدح الأخ والأب والأخت، ويدلك على صحة ما قُلنا قوله في المصراع الثاني:

...............كنايةَ بهما عن أشرفِ النَّسبِ
غدرتَ يا موتُ كم أفنيتَ مِن عَددِبمن أَصبتَ وكم أسكتَّ منَ لَجَبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

قال أبو الفتح: أي غدرت بها يا موت لأنك كنت بها تصل إلى إفناء عدد الأعداء وإسكات لجبهم، أي: كانت فاضلة تُغزي الجيوش وتُبير الأعداء.

قال الشيخ: هذا الشرح شر من الأول، ولو كان ينظر فيما قبل من الأبيات وفيما بعدها لما

وقعت له هذه الهفوات، وتفسيره في البيت الذي يليه:

وكم أصبحتَ أخاها في منازلَةٍوكم سألتَ فلم يبخَلَ ولم تَخِبِ

فبهذا البيت تعلم وتتبين أنه أراد بقوله: بمن أصبت، سيف الدولة لا أخته، وبعد: فلم نسمع أن أخت أمير مثل سيف الدولة تُباشر تجهيز الجيوش وتوجيه السرايا إلى الأعداء، وهو حي يرزق.

يا أحسنَ الصَّبرِ زُرْ أولَى القُلوبِ بهاوقلْ لصاحبهِ: يا أنفعَ السُّحُبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

قال أبو الفتح: أي زر قلب سيف الدولة، لأنه أولى القلوب بها، وصاحبه سيف الدولة، أي قل لسيف الدولة: يا أنفع السُّحب، وصار أنفع السُّحب، أن عطاءه هناء بلا منٍّ ولا أذى، والسحاب قد تُحرق صواعقه ويُهلك برده.

قال الشيخ: تهنؤ عطائه عن المنِّ والأذى مثل الوعد والمطال الحسن، لا عن مثل الصواعق والإتلاف بالبرد، فإنها بعيدة تقع في النُّدرة وطول العهد والفرط بعد الفرط والصقع بعد الصقع، وعندي إنه يريد بقوله: يا أنفع السُّحب أن عطاءها ماء وعطاءك خلع وحباء وأموال، ولعطائها انقطاع وانقضاء ولعطائك دوام وبقاء، وله نفاد وفناء ولعطائك ذكاء وبقاء، كقوله فيه:

تجفُّ الأرضُ مِن هذا الرَّبابِولا ينفكُّ غيثُكَ في انسكابِ
وإنْ سَرَرنَ بمحبوبِ فَجَعنَ بهِوقدْ أتينَكَ في الحالينِ بالعجبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

قال أبو الفتح: أي جمعُهن بين هاتين الحالين وإتيانُهن بهما عجب.

قال الشيخ: ما يريد أن الليالي تجمع بين هاتين الحالين في وقت واحد، وإتيانُهن بهما فيه عجب، لأنها لا تسُر بمحبوب وتفجع به في وقت واحد وحالة واحدة، وإنما يقول: وإن سُررت بمحبوب فجعن به بعد السرور، ويُعجبنك في حال الإتيان به وفي حال الفجيعة به، أي: يأتينك به من حيث لا تحتسب، تتعجب من وصوله إليك وحصوله في يديك، ثم يفجعنك به من حيث لا ترتقب، تتعجب من وجه ارتجاعه عنك واعتصائه عليك، فقد أتينك في حال الهبة بالارتجاع بالعجب، وهذا كثير

في شعره كما يقول:

...............وأعجبُ من ذا الهجرِ والوصلُ أعجَبُ

وكما يقول:

فتولَّوا بغُصَّةٍ كلَّهم منهُ وإن سرَّ بعضَهم أحيانا
رُبَّما تُحسِنُ الصَّنيعَ ليالهِ ولكن تُكدِّرُ الإحسانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صحب الناس قبلنا ذا الزمانا»

وكما يقول:

فما يُديمُ سروراً ما سُررتَ بهولا يَرُدُّ عليكَ الفائتَ الحزَنُ

وكما يقول:

أشدُّ الهمِّ عندي في سرورٍتَيقَّنَ عنه صاحُبه زوالا

وفي نظائر لها كثيرة.

وقال في قصيدة أولها:

(فهمْتُ الكتابَ أبرَّ الكُتُبْ ..................)

فَطوعاً له وابتهاجاً بهِوإن قَصَّرَ الفعلُ عمَّا وجَبْ

قال أبو الفتح: كأنه استزاده في هذا البيت، ويجوز أن يكون أراد بقوله إن الذي يجب عليه أكثر من السمع والطاعة.

قال الشيخ: ما أرى في هذا البيت استزادة ولا أن الذي يجب له أكثر من السمع والطاعة، وما

أدري كيف ذهب إليهما، وكلاهما شائن، ولمعنى البيت مباين، وإنما يقول: وهو جوابه عن كتاب لسيف الدولة، ورد عليه من حلب، وهو بالكوفة يستعيده إلى حضرته بعد منصرفه من مصر:

فهمتُ الكتابَ أبرَّ الكُتُبْفسمعاً لأمرِ أميرِ العربْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فهمت الكتاب أبر الكتب»
وطوعاً له وابتهاجاً بهِوإن قَصَّرَ الفعلُ عمَّا وجَبْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فهمت الكتاب أبر الكتب»

أي: سمعاً له وطاعة وابتهاجاً بأمره الوارد وكتابه الواصل، وإن قصر الفعل عن تقديم الواجب في مثاله من المبادرة إلى حضرته والمسارعة إلى خدمته، كأنه كان قاصراً في الوقت عن ارتسام رسمه وائتمار أمره.

وما قلتُ للبدرِ: أنتَ اللُّجينُولا قلتُ للشَّمسِ: أنتِ الذَّهَبْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فهمت الكتاب أبر الكتب»

قال أبو الفتح: ضرب هذا مثلاً، أي: لم أنتقص من مدحك ومناقبك شيئاً كما ينتقص

البدر

بأن يُشبه باللُّجين والشمس بأن تُشبه بالذهب، أي: لم أهجك فتتنكر لي.

قال الشيخ: هذا التفسير كما تراه، وما للهجاء في البيت موضع ومكمن، وعندي أنه يقول: ما وصفت معاليك إلا بحقها، ولا مدحت مآثرك إلا على وجهها، ولا وضعت كلامي منها إلا في موضعها، وما بخستك حظاً فيها، ولا نقصتك شيئاً منها، وما أحلت ولا غيرت وصفاً عن الواجب، ولا بدلت، فما قلت للبدر: أنت اللُّجين، وهو الذهب، فهذا بخس، ولا قلت للشمس: أنتِ الذهب، وهي الفضة، وهذا تغيير وعسف، لكن وصفت كل شيء من معاليك بوصفه، وخرجت إليه من تمام حقه، ووفيته كمال نعته، فما القلق منه والغضب فيه؟ والبدر يُشبه بالذهب لما فيه من الصفرة والشمس بالفضة والماء الصافي لما فيها من النقاء والصفاء كما قيل:

وكأنَّ يدَ البَدرِ المقابلِ فجرَهتَسُلُّ على ترسٍ منَ التِّبرِ مرهفا

وكما قيل:

وماءٍ كعينِ الشَّمسِ لا تقبلُ القَذَىإذا درجت فيه الصَّبا خلتَه يعلو
أيا سيفَ ربِّكَ لا خلقِهِويا ذا المكارم لا ذا الشُّطَبْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فهمت الكتاب أبر الكتب»

قال أبو الفتح: أي أنت بأن تُسمى ذا المكارم أحرى منك بأن تُسمى ذا الشطب، لأنك فوق أن تُسمى بالسيف، كقوله:

وندعوكَ الحسامَ وهل حسامٌيعيشُ بهِ منَ الموتِ القتيلُ؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رويدك أيها الملك الجليل»

أي: ينبغي أن تُسمى سيف الله ذا المكارم.

قال الشيخ: ما فيه تسميته بالمكارم وغيرها، وكيف يكون ذلك، والرجل يقول: يا سيف ربك لا خلقه؟ وهو كقوله فيه:

قد كنتَ تُدعى سيفَ دولةِ هاشمٍفَالآنَ تُدعى سيفَ ربِّ العالَمِ

وكقوله:

...............وفي يدِ جَّبار السَّماواتِ قائِمَه

وكقوله:

فأنتَ حسامُ المُلكِ واللهُ ضاربٌوأنتَ لواءُ الدّينِ واللهُ عاقدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

ويا ذا المكارم يا ذا الشُّطب، أي: ويا سيفاً ذا المكارم، لا ذا أثر، أي: طرائق فرنده وآثار

جواهر مكارمه ومآثره.

فأخبثْ بهِ طالباً قَتْلَهمْوأخبثْ بهْ تاركاً ما طَلبْ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال أبو الفتح: أي ما أخبثه في الحالين جميعاً، يعني الدُّمستق.

قال الشيخ: ما للخبث والطلب؟ نعم أخبث بالدُّمستق في كل حال، وأخبث به في كل طلب لقتال، والرجل يقول: فأخبث بالدُّمستق طالباً قتل أهل الثُّغور، وأخبث به تاركاً ما طلب من الظفر بهم والفخر فيه، أي: ما أخيبه في الحالين طالباً قتلهم وتاركاً مطلوبه إذا فاجأته يا سيف الدولة فألجأته إلى الهرب، فاستعاض من الظفر الذي رامه بقتلهم انهزاماً ومن الفخر الذي أمله عاراً وملاماً، فما أخيبه من هذا الظفر وما أخيبه من الصيت المنتظر، ويدلك عليه قوله قبله:

بذا اللَّفظِ ناداكَ أهلُ الثُّغورفَلَّبيتَ والهامُ تحتُ القُضُب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فهمت الكتاب أبر الكتب»
فكانوا له الفخرَ لَّما أتَىوكنتَ لهً العُذرَ لَّما ذَهَب
سبقتَ إليهم مناياهُمومنفعةُ الغوثِ قبلَ العطَب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فهمت الكتاب أبر الكتب»

وقال في قصيدة أولها:

(دمعٌ جرى فقَضى في الرَّبعِ ما وَجبا ..................)

جاءتْ بأشجعِ من يُسمَى وأسمحِ مَنْأعطى وأبلغِ منْ أملَى ومنْ كَتبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دمع جرى فقضى في الربع ماوجبا»

قال أبو الفتح: أي جاءت عجل بإنسان هذه حاله، وإن شئت كان المعنى جاءت هذه المرأة المُشيب بها بإنسان هذه حاله، أي: شبهت نفسها به، فجاءت بذكره.

قال الشيخ: ما لعجل في قوله: (جاءت) مجال أو مقال، وما للمشيئة والشرط مكان، وإنما جاءت به هذه المرأة لا غير.

إذا بدا حجبتْ عينيكَ هيبتُهُوليسَ يحجبُه سترٌ إذا احتجبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دمع جرى فقضى في الربع ماوجبا»

قال أبو الفتح: أي لجلالته، وقوله: وليس يحجبه، يحتمل تأويلين: أحدهما أن حجابه قريب لما فيه من التواضع والتيقظ، فليس يقصر أحد أراده دونه، وهذا مما يُوصف به ذو الفضل والشهامة. والآخر أنه وإن احتجب بالستر فليس يخفى عليه شيء مما وراءه لشدة مراعاته للأمور وانصبابه إلى السياسة والتدبير، وهو محتجب كلا محتجب.

قال الشيخ: قوله (لجلالته) صحيح، وهو كمال قال في سيف الدولة:

كأن شعاعَ عينِ الشَّمس فيهِففي أبصارنا منه انكسارُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

وما في المعنى لا ذاك ولا هذا البتة، وإنما هو كقوله في بدر بن عمار:

أصبحتَ تأمرُ بالحجابِ لخلوةٍهيهاتَ لستَ على الحجابِ بقادرِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أصبحت تأمر بالحجاب لخلوة»
وإذا احتجبتَ فأنتَ غيرُ مُحَجَّبٍوإذا بطنتَ فأنتَ عينُ الظَّاهرِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أصبحت تأمر بالحجاب لخلوة»
مَن كانَ ضوءُ جبينهِ ونوالُهلم يُحجبا لم يحتجب عن ناظرِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أصبحت تأمر بالحجاب لخلوة»
لا يُقْنِعُ ابن عليٍّ نيلُ مرتبةٍيشكُو محاولُها التَّقصيرَ والتَّعَبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دمع جرى فقضى في الربع ماوجبا»

قال أبو الفتح: أي لا يقنع بنيل هذه المنزلة العظيمة التي يشكو طالبها قصوره عنها وتعبه بطلبها وشدة معاناته لما قرب منها.

قال الشيخ: أومأ إلى شيءٍ من معناه وما شرح ما عناه، وهو يقول: لا يُقنع ابن عليّ وجود منزلة يقف طالبها بين القصور عنها والتعب فيها، ولا يجدها أي منزلة يتعب طالبها ويعجز عن وجودها لبعدها على الطلاب وإبائها على الخطاب، لا يقنعه وجودها، وتسمو به إلى أجل وأعلى منها، والدليل على صحة ما قُلنا أنك لا تقف مما شرحه على ما شرحناه لك.

مُبرقعي خَيلِهم بالبِيضِ مُتَّخِذيهامَ الكُماةِ على أَرماحهم عّذَبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دمع جرى فقضى في الربع ماوجبا»

قال أبو الفتح: أي جعلوا مكان براقع خيلهم حديداً على وجوهها ليقيها الحديد أن يصل إليها، وجعلوا شعر هام الكماة وهم الأبطال عذباً لرماحهم.

قال الشيخ: ليس مما فسره من المصراعين شيء، لأنه لا يقال: البيض من جميع الأسلحة

إلا السيوف خاصة دون البيض والدروع والجواشن والتجفاف والبراقع والأسنة وغيرها من أجناسها، ثم أي مدح في أن يبرقع خيلهم بالحديد، فإن الناس معهم فيه سواء من أراده قدر عليه؟ وما أراد بهام الكماة شعرها، ولو أراد لقال: شعر الكماة، والشعر لا يُشبه العذب، لأن العذبة العُقدة التي تكون في علاقة السوط. والرجل يقول: يبرقعون خيلهم في الهيجاء بسيوفهم التي في أيديهم لحذقهم بالضرب وقدرتهم عليه واعتيادهم له بحيث تقي أيديهم في الضراب ضروب الأسلحة عن رؤوس خيلهم ووجوهها حتى تكون كالبراقع لها في حراستها وحياطتها، ويجعلون رؤوس الكماة على رؤوس رماحهم كالعذب على علائق السياط، ويحسن أن يُشبه تلك العقد بالرؤوس كما قيل:

غدا أعداؤهُ ولهم بنودٌوراحوا في الرِّماحِ وهم بنودُ

قال في قصيدة أولها:

(بأبي الشُّموسُ الجانحاتُ غَوارِبا ..................)

أوحَدْنني فوجدنَ حزناً واحداًمتناهياً فجعلنَه لي صاحبا

قال أبو الفتح: أي أفردنني ممن أحب، ووكَّلنني بنهاية الحزن.

قال الشيخ: فسر فاختصر، وشرح فقصر، وإن كان أشار إليه، فإنه يقول: أوحدنني: أفردنني، الخطوب عنه الأهل والوطن والأحبة والمال والنعمة وكل ما يُتمتع بمكانه ويُستأنس بإتيانه، ووجدن حزناً واحداً بالغاً النهاية فقرنَّه وجعلنه صاحبي، وما قنعن بإفرادي عن ثمرات الدنيا حتى جعلن حزناً بهذه الصفة صاحباً لي زيادة في السوء بي.

هذا الذي أبصرتُ منه حاضراًمثلُ الذي أبصرتُ منهُ غائبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بأبي الشموس الجانحات غواربا»

قال أبو الفتح: يقول حضر أو غاب فأمره في الشرف والكرم واحد لشهرته ووضوحه، إذا نصب (مثل) جعل (هذا) مرفوعاً و (الذي) خبره، ونصب (مثل) ب (أبصرت) وإذا رفع (مثل) رفع (هذا) بالابتداء، وجعل (الذي) مبتدأً

ثانياً و (مثل) خبر الذي، والجملة خبر (هذا) والعائد على (هذا) من الجملة التي هي خبر الهاء في (منه).

قال الشيخ: معنى هذا مختص عندي بالجود والسخاء، ألست ترى قوله قبله؟

ومخيبُ العُذَّالِ ممَّا أمَّلوامنهُ وليس يردُّ كفّاً خائبا

ثم قال:

هذا الذي أبصرتُ منه حاضراًمثلُ الذي أبصرتُ منه غائباً
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بأبي الشموس الجانحات غواربا»

أي: هو طبع لا تكلُّف وسخاء لا رياء، فحاله في الخلاء والملاء غاب أم شهد وقرُب أم بعُد واحدة، كقوله:

...............وواحدُ الحالتينِ: السِّرِّ والعَلَنِ

وقال في قصيدة أولها:

(ضُروبُ النَّاسِ عُشَّاقٌ ضروبا ..................)

تظلُّ الطَّيرُ منه في حديثِتردُّ بهِ الصَّراصرَ والنَّعيبا

قال أبو الفتح: الصرصرة: صوت البازي، نعب الغراب إذا صاح ومد عنقه وحركها، أي

هل سبيل إلى وقعة تكثر فيها القتلى، فتجتمع عليها الطير فينعب الغراب، ويصرصر البازي؟ وجعل أصوات الطير المجتمعة عليها كالحديث بينها.

قال الشيخ: ما أُنكر مما فسره غير كون البازي هناك، وما البُزاة والجيف، فإنها لا تقع عليها، ولا تأكل منها ولا تقربها بحال، فليت شعري كيف يخفى هذا على أحد اللَّهم إلا أن تكون بزاة تلك الديار تُساعد الطير والنسور والرخم وما أعرف لها نظيراً غير قول بعضهم حين قال في بيت له:

ولقدُ بليتُ بنابِ ذيبٍ غاضِ ..................

فسأله وقال: ما عنيت به؟ قال: الذي يأكل الغضا، فأقبل على القوم، وقال: يا قوم: أذيب بلادكم يأكل الغضا؟ فإن ذئب بلادنا لا يأكله، والصرصرة: صوت الغراب.

أَدمْنا طَعنَهمْ والقتلَ حتَّىخلطْنا في عِظامِهمُ الكُعوبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ضروب الناس عشاق ضروبا»

قال أبو الفتح: أدمنا: أي خلطنا وجمعنا، ويُدعى للمتزوجين: أدم الله بينهما، قال:

إذا ما الخبزُ تأدمُه بلحمٍفذاكَ أمانَة اللهِ الثَّريدُ

أي: تخلطه، أي جعلنا القتل مخلوطاً بالطعن إلى أن جعلنا كعوب القنا في عظامهم. قال الشيخ: كله فاسد، وكيف ذهب من الإدامة إلى الخلط؟ ولعله جعله من الأدم، وليس كذلك فإنه من الإدامة لا غير، ولا يجوز هنا أن يكون خلطنا، لأن أحداً لا يقول: خلطنا طعنهم والقتل حتى خلطنا في عظامهم الكعوبا، ثم الخلط الأول لابد له من أن يكون بشيء أو في شيء كالخلط الثاني، ولو أراده لقال: أدمنا قتلهم بالطعن حتى لا، ولكنه أدمنا طعنهم وقتلهم من الإدامة حتى خلطنا كعوب الرماح

في عظامهم لكثرة الطعن، كقول الآخر:

تُعِدُّ لَكُم جَزرَ الجَزورِ رماحُناويمسِكنَ بالأكبادِ منكسراتِ

وكقوله:

إذا اعوجَّ القنا في حامليهِوجازَ إلى ضُلوعِهمُ الضُّلوعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»
ونالت ثأرها الأكبادُ منهافأولتها اندِقاقاً أو صُدوعا
شديدُ الخُنزوانةِ لا يُباليأَصابَ إذا تنمَّرَ أم أُصيبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ضروب الناس عشاق ضروبا»

قال أبو الفتح: الخنزوانة: الكبر، وتنمر: أوعد وتهدد، وأراد: أأصاب، فحذف همزة الاستفهام ضرورة أي: إذا أوعد عدوه لم يرجع على ما خيلت.

قال الشيخ: هذا أيضاً فاسد عندي كله،

ومعناه: شديد التكبر إذا لبس جلد النمر وتخلق بأخلاقه في الحرب لا يبالي أقَتل أم قُتِل وملك أم هلك، ويدلك على صحته (أُصيب).

وقال في قصيدة أولها:

(أَعِيدُوا صَباحي فهو عندَ الكَواعِبِ ..................)

فإنَّ نَهاري ليلةٌ مدلَهِمَّةٌعلى مُقَلةِ مِن فقدِكم في غياهبِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال أبو الفتح: العرب إذا وصفت الشدة شبهت النهار بالليل لإظلام الأمر، ومدلهمة: سوداء، أي لما غبتم لم أبصر بعدكم شيئاً لأني بكيت حتى عميت، وإن شئت كان معناه: أي لا أهتدي لرشدي، ولا أحصل أمري مذ غبتم عني.

قال الشيخ: ليس عندي مما فسره معنى مستقيم لائق بالبيت ملائم له، فإن الرجل يقول: كنت أي الدنيا بهم، فلما فقدتهم أظلمت الدنيا في عيني فرأيت الجو أكلف والنهار أربد والأفق أغبر، فأما الشدة التي عبر عنها فهي غير هذا، وتكون عبارة عن احتدام الحروب واشتداد الخطوب كقول النابغة:

إنِّ لأخشى عليكم أن يكونَ لكممن أجلِ بغضائِهم يومٌ كأيَّامِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «قالت بنو عامر خالوا بني أسد»
تبدو كواكُبه والشَّمسُ طالعةٌلا النورُ نورٌ ولا إظلامُ إظلامِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «قالتْ بنو عامرٍ : خالوا بني اسدٍ»
ولابُدَّ مِن يومٍ أغرَّ محجَّلٍيطولُ استماعي بعدهُ للنَّوادبِ

قال أبو الفتح: أي يوم مشهور، أقتل فيه أعدائي فأسمع بعده صياح النوادب عليهم.

قال الشيخ: زلت قدمه عن الغرض المورود والمعنى المقصود، وقوله: ولابد من يوم، هو يومه لا يوم الأعداء، لأنه لا شك له في يومه، وألف شك في يوم الأعداء على يده، لأنه يعلم يقيناً أنه لابد له من حلول يومه ووقوعه له، ويم قتله الأعداء غير يقين، وغير جائز أن يُعبر عنه ب (لابد) فإنه مشكوك فيه، ولابد من حلول موته به، فهو يقول: تخوفني تلك المرأة خوض الهلاك في طلب المعالي، وتأمرني بالإمساك عن مصادمة الليالي، ولم تدرِ أن العافية السافرة عن العار شر من العافية السافرة عن البوار لما فيها من ضروب الامتحان وصنوف الهوان الذي يتمنى الكريم فيه الموت، كما قيل:

ليسَ مَن ماتَ فاستراحَ بميتٍإنَّما الميتُ مَيِّتُ الأحياءِ
للشاعر ابن الرعلاء، من قصيدة «ربما ضربة بسيف صقيل»

وكما يقول المتنبي:

غير أنَّ الفتى يُلاقي المناياكالحاتٍ ولا يُلاقي الهَوانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صحب الناس قبلنا ذا الزمانا»

ثم قال: تخوفني ما تُخوف، وتصرفني عما تصرف، ولابد كيفما كنت أعلى رأيها أم على رأيي من يوم الأجل: يوم أغر محجل لشهرته يطول استماعي بعده للنوادب، أي: لن يندبه، كقوله:

ولوَ أنَّ الحياةَ تبقى لحيٍّلعددنا أضلَّنا الشُّجعانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صحب الناس قبلنا ذا الزمانا»
وإذا لم يكن مِنَ الموتِ بُدٍّفمِنَ العجزِ أن تكونَ جبانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صحب الناس قبلنا ذا الزمانا»

ولعل قوماً تحملهم جلافة طباعهم وكثافة أفهامهم وغلظ خواطرهم على الاعتراض على ما قلنا بقوله: يطول استماعي، فيقولون: كيف يصح استماعه وهو ميت، فنقول: كلام العرب جار على الاستعارة والاتساع في العبارة والمبالغة في الإبانة والمجاز دون الحقيقة، فإنها إن ردت إليها، ووقفت عليها بطلت حلاوة اللفظ، وذهبت طلاوة المعنى، وكم نطق القرآن بما قلنا، والنظم والنثر فيه السيل والليل، كقوله تعالى: (إنَّا سنُلقي عليكَ قولاً ثقيلاً)، وقوله تعالى: (أيحبُّ أحدُكم أن يأكل لحمَ أخيهِ ميتاً)، وقوله تعالى: (إنَّا اعتدنا للظالمين ناراَ بهم سُرادقُها)،

وقوله تعالى: (أفمن يمشي مُكباً على وجههِ أهدى)، وقوله تعالى: (فأذاقها اللهُ لباسَ الجوعِ والخوفِ) في نظائر لها لا تُحصى، وكقول النبي صلى الله عليه وعلى آله: (وهل يُكبُّ النَّاسَ على مناخرهم في نار جهنَّم إلاَّ حصائدُ ألسنتهم) وقوله: (لو جعل لأبن آدم واديانِ من ذهبٍ لابتغى لهما ثالث، لن يملأ جوفَ ابن آدمَ إلاَّ التُّرابُ، ويتوبُ اللهُ على من تابَ)، وكقول بعض الأعراب: (اتبعناهم فخصفنا مواقع أخفاف رواحلهم بحوافر خيلنا، ثم مددنا أرشية الرماح فاستقينا بها أرواحهم)، وكقول النابغة:

تمخَّضتِ المنونُ له بيومٍأنَى ولكلِّ حاملةٍ تَمَامُ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «ولست بذاخر لغد طعاماً»

وكقوله:

كتمتُكَ ليلاً بالجَمومينِ ساهراًوَهميَّنِ هَّماً مُستًكِنّاً وظاهرِا
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كتمتك ليلاً بالجمومين ساهرا»

وكقول بشار:

إذا ما غضبنا غضبةً مُضرَّيةًهتكنا حجابَ الشَّمسِ أو مَطرت دًما
للشاعر القحيف العقيلي، اقرأ القصيدة

فهذه كلها على سبيل الاستعارة والمجاز والتوسع في الكلام والإيجاز دون الحقائق التي إن طالب بها معترض حكم عليه بصدأ الفهم وطبع الطبع وعمى القلب وعدم الذهن وتبلُّد

الخاطر وفساد مزاج البصيرة وجمود هواء الذكاء وحرارة الظرف، فكذلك قال الرجل: يطول استماعي بعده، أي بعد ذلك اليوم للنوادب، أي: يطول بكاؤهن عليَّ وهو، وإن لم يكن في الحقيقة مستمعاً لها، فكأنه مستمع، إذ بكاؤهن عليه، ويدلك على صحة ما قلنا أول البيت وهو قوله:

ولابُدَّ مِن يومٍ أغرَّ محجَّلٍ ..................

البيت الذي يتلوه، وهو قوله:

يهونُ على مثلي إذا رامَ حاجةًوقوعُ العوالي دونَها والقواضبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»
كثيرُ حياةِ المرءِ مثلُ قليلهايزولُ وباقي عيشهِ مثلُ ذاهبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

والدليل على فساد ما فسره أبو الفتح أنه ألف بُد من ظفره بالعدو وقتله له، وألف شك فيه، والعدو ربما يظفر به ويقتله، ولا يصح أن يعبر ب (لابد) إلا عما لا شك في أنه واقع كائن، فأما ما يكون فيه شك فلا، وما أبعد طرق أصحاب اللغة والإعراب عن دقائق معاني الإشعار ولطائف المغازي فيها، وليت شعري ما يقول المنكر

له في قول الشاعر؟

رياضٌ يُغازلنَ الضُّحى والأصائِلاويَمرينَ أخلافَ السَّحابِ خوائِلا

فإن جاز أن يكون الليل ساهراً والرياض التي ليست بحي ناطق ولا عامل تغازل الأصائل والضحى، وتمري أخلاف السحاب، وتستدر الحيا، وهي لا تقدر على شيء جاز أن يستمع الميت النوح والندبة والبكاء، وهو لا يقدر على شيء منها، وإنما أراد الشاعر بمغازلتها الضحى والاصائل طيب الوقتين فيها لنضارة زهراتها وغضارة نباتها ورفيف أنوارها وإشراقها وإسفارها، كأنها تغازل الوقتين، فتبسط منهما بنشرها فتستأنس وتنشر كأنها تمري السحاب إذا وقفت عليها تجودها، وإلا فلا مغازلة هناك في الحقيقة ولا مري، فإنها لا تقدر على شيء من هذا، ولكنها لما كانت لها وتسببها فكأنها تعلمها، كذلك هذا الاستماع لما كانت الندبة له وعليه كأنه تسمعه وإن كانا لا حس ولا فعل لهما، ويدلك عل صحة ذلك قول الله تعالى: (سآوي إلى جبلٍ يعصمني منَ الماءِ)، واللاجئ إليه يعصم به نفسه، وليس الجبل يعصمه، وإنما يعصم من يعلم ويعرف وينصر ويخذل عن غير أمر الله الذي هو نازل به، فإن جاز ذلك جاز أن يستمع الميت أيضاً، وهو جماد كالجبل لا يقدر على شيء، وقالوا للصدى: ابنة الجبل، فإن جاز أن يكون أو يقال له: ابنة الجبل جاز ذلك أيضاً، وأوضح من

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «قشر الفسر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.