تجاوز إلى المحتوى

من «قشر الفسر» لأبي سهل الزوزني (ت ٤٤٥هـ)

قافيةُ الهمزة

قال المتنبي على قافية الهمزة:

القلبُ أعلمُ يا عذولُ بدائهِوأحقُّ منكَ بجفنهِ وبمائهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»

فسره أبو الفتح، فقال: أي يصرف الدمع إلى حيث يريد، لأنه مالكه، والهاء في (مائه) تعود على الجفن، ويجوز أن يصرف إلى القلب، وفيه بُعد.

قال الشيخ: هو عندي مشوب الصواب بغيره، لأنه يقول: القلبُ أعلمُ منكَ بدائهِ، وإذا كان أعلم بدائه كان أعلم بعلاجه ودوائه، وهو البكاء الذي يخفف وطأة الأحزان عن القلوب، ويفثأ لوعة الشوق والنزاع إلى المحبوب، فمالك تصده عما فيه شفاؤه بعذلك، فترده عن تعاطيه بجهلك؟ ويوضح هذا المعنى قوله بعده:

...............وأحقُّ منكَ بجفنهِ وبمائهِ

والطبيب مل لم يقف على الداء لم يُصب في العلاج والدواء، ولو أراد به أنه يصرف الدمع إلى حيث يريد لقال: أملك يا عذول لدمعه، والهاء في (مائه) تعود على الجفن لا غير، ولا وجه لصرفها إلى القلب في المعنى، والجفن حائل من القلب وإناء، وإن كان جائزاً في العربية، وكان ينظر إلى بيت أبي تمام:

لا تسقني ماَء الملامِ فإنَّنيصَبٌّ قدِ استعذبتُ ماَء بُكائي
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قدك اتئب أربيت في الغلواء»
ما الخِلُّ إلاَّ مَنْ أوَدُّ بقلبهِوَأَرى بطَرفِ لا يرى بسِوائِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»

قال أبو الفتح: أي ليس لك خليل إلا نفسك، فلا تلتفت إلى قول أحد، قال: إنني خليلك، أي: قد فسد الناس، كقوله:

خليلُكَ أنتَ لا من قلتَ خِلِّيوإن كَثُرَ التَّجمُّلُ والكلامُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ويجوز أن يكون المعنى: ما الخل إلا من لا فرق بيني وبينه، فإذا وددت فكأني بقلبه أود، وإذا رأيت فكأني بطرفه أرى، أي: إنما يستحق أن أسميه خلاً من كان كذا.

قال الشيخ: وهذا أيضاً مشوب عندي، لأن الفصل من شرحه الأول يبين البيت، ولا يلائمه، فإن قوله:

(ما الخِلُّ إلاَّ مَنْ أوَدُّ بقلبهِ ..................)

غيره بلا خلاف.

وقوله: خليلك أنت...

نفس المخاطب بلا دفاع، وشتان ما هما، والفصل الثاني أقرب إلى المعنى، وإن كان قاصراً عن أدائه بجميع أجزائه، فإنه يقول: ما الخل إلا من أود لا فرق بيني وبينه كما فسره غير أنه يريد: ما الخل إلا من يكون باطنه باطني وظاهره ظاهري، فإذا وددت شيئاً فقلبه يوده، وإذا رأيت شيئاً فطرفه يراه ولا يرده، إغراقاً في الوداد وغلواً في المصافاة والاتحاد وموافقات في نظرات العين وخطرات الفؤاد، والإنسان إذا وافق صديقه بقلبه وفاقاً صادقاً كانت الحواس الخمس التي هي جواسيسه وخدمه تبعاً له في وفاقه ومدداً لمراده في رفاقه. وتمام المعنى أنه يود بقلبه وهو يرى بطرفه، وإذا كان يرى بطرفه، فهو أيضاً يود بقلبه، فإن سبب الود نظر العين، ألا ترى إلى قوله؟

ومَا هيَ إلاَّ نظرةٌ بعدَ نظرةٍإذا نزلت في قلبهِ رحَلَ العَقلُ

وقوله:

يا نظرةً نفتِ الرُّقادَ وغادرتفي حَدَّ قلبي ما حييتُ فُلولا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»
كانت منَ الكحلاءِ سُؤلي إنَّماأجَلِي تمثَّل في فؤاديَ سُولا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»

وقوله:

فلو طُرحَت قلوبُ العشقِ فيهالما خافت منَ الحَدَقِ الحِسانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

وقوله، وإن كان في غير الحب:

كَأنِّي عَصَت مُقلتي فيكموَكاتَمتِ القلبَ ما تُبصِرُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رضاك رضاي الذي أوثر»

وكأن الجميع ينظر إلى قول الأول:

إنَّ لِلَّهِ في العبادِ مناياسَلَّطتها على القُلوبِ العَيونُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يا جفونا سواهرا أعدمتها»
إنَّ المُعينَ على الصَّبابةِ بالأسَىأَولى برحمةِ رَبُها وإِخائِه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»

قال أبو الفتح: أي إن المعين على الصب، أي: ذي الصبابة، بالأسى أولى بأن يرحمه ويكون أخاه، إما لأنه هو الذي جنى عليه ما جنى، وإما لأنه هو أعرف الناس بدوائه وأطبهم بدائه، ويجوز أيضاً أن يكون له قوله على الصبابة، أي: مع ما أنا فيه من الصبابة وهذا القول أكشف من الأول، أي: لا معونة لي عنده إلا إيراده عليّ الأسى والحزن، كقولهم:

عتابك السيف، أي: لا عتاب عندك لكن السيف.

قال الشيخ: هذا الشرح أحوج عندي من بيت المتنبي إلى الشرح، ولست أعرف بقوله: وإما لأنه أعرف الناس بدوائه وأطبهم بدائه معنى وفائدة إلى أخر تفسيره لهذا البيت، والشاعر لا يقصد ببيت يقوله غير معنى واحد فما يزاد عليه يدل على الجهل بمراده في إصداره وإيراده عنه. وعندي أن معنى البيت: كف العذل والملامة عن نفسه كيلا يزيد في حزنه وبثه، فيقول: إن المعين على الشوق الذي يؤذيه بالعذل، وهو أسى المشوق أولى بأن يرحمه ويؤاخيه، ويؤيده، قوله بعده:

مَهلاً فإِنَّ العَذْلَ منْ أسقامهِوَتَرَفُّقاً فَالسَّمْعُ مِن أَعضائهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»

وهذا قريب من قول ابن الرومي:

فَدَعِ المُحِبَّ منَ الملامةِ إِنَّهابئسَ الدَّواَء لموجَعٍ مِقلاقِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «لا تكثرن ملامة العشاق»
لا تُطفِئنَّ جوىَّ بلومٍ إنَّهُكالرِّيحِ تُغري النَّارّ بالإِحراقِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «لا تكثرن ملامة العشاق»

وما أكثر ما قيل في هذا المعنى، كقول الحسن بن هانئ، وإن لم يكن في العشق:

دَع عَنَكَ لومي فإنّّ اللَّومَ إِغراءُ ..................

وكقول أبي فراس:

اللَّومُ للعاشقينَ لُومُلأنَّ خَطبَ الهوى عظيمُ
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «اللوم للعاشقين لوم»

في نظائر لها تضيق عنها صدور الصحف، ولا تسعها بطون الكتب.

مَهلاً فَإنَّ العذلَ منْ أسقامهِوترفُّقاً فالسَّمعُ من أعضائهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»

قال أبو الفتح: أي أرفق برب هذه الصبابة يعني نفسه، فإن العذل أحد أسقامه، وترفق به لأنه كثير الأسقام، فعذلك أحد أسقامه، وترفق به فإن السمع من أعضائه، أي: لا تعنف عليه بالعذل، فيذهب سمعه في جملة أعضائه الذاهبة، فإنك إن لم ترفق به ذهب سمعه، ولم

يسمع لك عذلاً.

قال الشيخ: هذا المعنى عندي مدخول، لأن العذل ليس من جنس الأسقام والسمع غير ذاهب بالعذل، ولم يسمع ذهاب سمع به، ولا أحد قاله. وعندي: أنه يكفه عن العذل، ويقول: لا تعذله، فإن العذل من ضروب أسقامه التي تحل به وتؤلمه، والسمع من أعضائه التي تؤلم السقم، فكما أن الصداع يؤلم رأسه، والرمد يؤلم عينه، فكذلك سائر أعضائه في سائر الأجسام تؤلمها سائر الأسقام.

فَأتيتَ مِن فوقِ الزَّمانِ وتحتهِمُتَصلْصِلاً وأمامهِ وورائِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»

قال أبو الفتح: أي أحطت بالزمان الذي هو أم النوائب، ولم تعبأ بالنوائب.

قال الشيخ: الملوك لا تُمدح بأن لا تعبأ بالنوائب، سيما إذا كان المادح مثل المتنبي والممدوح مثل سيف الدولة، وعندي يقول: فأتيت الزمان ضابطاً وباهراً وقاهراً له من جوانبه علواً وسُفلاً وأماماً ووراء، حتى لم يتفرغ عن الشغل بنفسه إلى إنشاء النوائب لأهله، فانقطعت عني وعن غيري.

وقال في قصيدة أولها:

(أَمِنَ ازديارَكِ في الدُّجى الرُّقباءُ ..................)

أسَفي على أسَفي الذي دلَّهْتِنيعن علمِهِ فبهِ عَليَّ خَفاءُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

قال أبو الفتح: أي أنا أحزن لذهاب عقلي حتى أني قد خفي عليّ حزني، فإنما ذلك لما لقيت فيكِ من الجهد.

قال الشيخ: ذهاب العقل هاهنا قلق، وإن كان في معناه طرف منه، وإن الرجل يقول: أسفي على أسفي لا على ذهاب عقلي، والأسف: الحزن على الفائت، فهو يقول: أسفي على الذي حيرتني عن معرفته بأنواع الأحزان والهموم في حاضر الأحوال، فلست أعرفه ولا أتأسف على ما فاتني من وصالك ونوالك وإحسانك وإجمالك وإنعامك وإفضالك لما ألقى منك في العاجل من الهم الناصب والبلاء الواصب، ومن شغل اليوم بنفسه لم يتفرغ للتأسف على ما فاته في أمسه، فكأنه ينظر إلى قول الأول:

بَلَى إِنَّها تَعفو الكُلومُ وَإنَّمانُوَكَّلُ بالأدنى وإن جَلَّ ما يمضي
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
نَفَذَتْ عَليَّ السَّابريَّ ورُبَّماتَندَقُّ فيهِ الصَّعدةُ السَّمراءُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

قال أبو الفتح: السابري يعني به الثوب الرقيق، وكذلك كل ثوب رقيق عندهم سابري.

ومعنى البيت: إن عينك نفذت ثوبي إليّ فتمثلت في حشاي، فإن قيل: كيف تندق الصعدة في الثوب الرقيق؟ قيل: معناه إذا طُعن بقناة اندقت القناة دون العمل فيه، فكأن ثوبه درع عليه ما كان جسمه من تحته، ويجوز أن يكون عنى بالسابري الدرع، فيكون على هذا: نفذت نظرتك الدرع إلى قلبي ولكلا القولين مذهب.

قال الشيخ، قد تعسف فيه وما أنصف، وإنما هو الدرع هاهنا لا غير كما قال أخيراً. ويجوز أن يكون عني عنى بالسابري: الدرع، أي نفذت نظرتك الدرع إلى قلبي، والأول فاسد مدخول، وهذا واضح مقبول.

مَنْ نفعُه في أنْ يُهاجَ وَضَرَّهُفي تَركهِ لو يَفطُنُ الأعداءُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

قال أبو الفتح: إذا هيج انتُفع بذلك شوقاً إلى الكفاح ومقارعة الأعداء، وإذا تُرك من ذلك، ولم يوجد سبيل إليه استُضر به، وهو كقوله أيضاً:

ذَريني والفلاةَ بلا دليلٍووجهي والهجيرَ بِلا لِثامِ
فَإنَّي أستريحُ بذا وهذاوأَتعَبُ بِالإنِاخَةِ والمُقامِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وكقوله:

قُحٍّ يَكادُ صَهيلُ الجُردِ يَقذِفهُعَن سَرجِهِ مَرَحاً بِالعِزِّ أو طَرَبا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ويجوز أن يكون أراد أنه إذا هيج استباح حريم أعدائه، وأخذ أموالهم، فانتفع به، وإذا ترك من ذلك قلت ذات يده فاستضر به، ويؤكد أيضاً هذا قوله:

ولاَ مَلكا سِوى مُلكِ الأعاديوَلا وَرِثاً سِوى مَن يَقتُلانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

وهذا كقول أخت الوليد بن طريف:

فَتىً لا يُحبُّ الزَّادَ إلاَّ مِنَ التُّقىولا المالَ إلاَّ مِن قناً وَسيُوفِ
للشاعر الفارعة بنت طريف، اقرأ القصيدة

قال الشيخ: القول الأول فاسد من حيث لا ينتفع بالهيج للشوق إلى الحرب بحال، ولا يستضر بإعراض عن هذا الشوق وإضرابه إلا أن يقترن به غيره، والمعنى كما قال في أبي العشائر:

يَضرِبُ هامَ الكُماةِ ثُمَّ لهُكَسبُ الذي يَكسِبونَ بِالمَلَقِ

وكما قال في سيف الدولة:

حَتى إذا فَنِيَ التُّراثُ سَوى العُلىقَصَدَ العُداةَ مِن القَنا بِطِوالهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا الحلم جاد به ولا بمثاله»

يقول: إذا هيج انتفع بأموال الأعداء وأزداد به في الثراء، وإذا ترك استضر بتركه لخروجه بالعطاء عن ملكه وتعذر العوض من مال العداة بعد تفرق ماله في العفاة، وشرحه فيما يليه:

فَالسِّلمُ يَكسرُ من جَناحَي مالهِ ..................

مُتَفرقُ الطَّعمينِ مُجتمِعُ القُوىفَكأنَّهُ السَّراءُ والضَّراءُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

قال أبو الفتح: قوله متفرق الطعمين، يقول: فيه حلاوة لأصدقائه ومرارة لأعدائه، وقوله: مجتمع القوى، أي: هو مع ذلك إنسان واحد، وقواه مجتمعة غير متباينة، وهذا كقول الهذلي:

حُلوٌ ومُرٌّ كَعِطفِ القِدحِ مِرَّتُهُبِكُلِّ إنيٍ حَذاهُ اللَّيلُ ينتَعِلُ
للشاعر المتنخل، من قصيدة «ما بال عينك تبكي دمعها خضل»

وقال تأبط شراً:

وَلَهُ الطعَّمانِ أريٌ وَشريٌوَكلا الطعَّمينِ قد ذاقَ كُلُّ

وقال أبو نؤاس:

...............كالدَّهرِ فيه شراسَةٌ وَلِيانُ

يقول: فكأنه مخلوق من السراء والضراء لكثرة ما يعتادهما ويأتيهما، وهذا كقول الله

تعالى: (خُلِقَ الإنِسانُ مِن عَجَلٍ).

قال الشيخ: في هذا الفصل من الفساد ما يعيا على التعداد، أوله قوله: أي هو مع ذلك إنسان واحد يؤدي لو كان الممدوح شخصين ونفسين لأم شخوصاً ونفوساً في جلد واحد، وما يمنعه من اجتماع قواه له، وهو إنسان واحد؟ والناس كلهم بل الحيوان كلها بهذه الصفة، تجتمع قوى كل حي فيه عند بلوغه. قوله: مجتمع القوى، أي: بالغ أشده يعمل ما يعمل على بصيرة دون جهل الصبا وسكر الشبيبة، فطعماه في مكانيهما على الاستحقاق، يحلو حيث يجب، ويمر حيث يجب، وقوله: مجتمعة غير متباينة أردأ مما مضى، فإن قواه لو كانت متباينة كان ميتاً لا حياً. والبيت الذي نحله الشنفري في مرثية تأبط شراً لأبن أخته أو لخلف الأحمر على لسانه كما قيل يرثي به تأبط شراً. و

له قطعة قرأتها في ديوانه، يرثي بها الشنفري، وديوانه ناطق بها، وأولها:

على الشنفري ساري الغمامِ ورائحٌغزيرُ الكلى أو صَيِّبُ الماءِ باكرُ

وفيها:

فلا يَبعدَنَّ الشَّنفرَي وسِلاحهُ الحديدُ وشَدٌّ خَطوُهُ مُتواتِرُ
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «على الشنفرى ساري الغمام فرائح»

وكتاب (مقاتل الفرسان) لأبي عبيدة يوضح لك ما ذكرناه، ويبسط ما اختصرناه، وقوله: فكأنه مخلوق من السراء والضراء لكثرة ما يعتادهما ويأتيهما فاسد، وأنهما شرح الطعمين، أي: كأنه السراء في الحلاوة والضراء في المرارة، كما قال:

دانٍ بعيدٍ مُحبٍّ مُبغِضٍ بَهِجًأغَرَّ حُلوٍ مُمِرٍّ لَيِّنٍ شرِسِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أظبية الوحش لولا ظبية الأنس»

وكما قال:

مُمقِرٌ مُرٌّ على أعدائِهِوعًلى الأدنينَ حُلوٌ كالعَسَل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إن تقوى ربنا خير نفل»

وليس يقول: حلو منها حتى حسن به تشبيهه بقوله تعالى: (خُلِقَ الإنسانُ مِن عَجَلٍ).

احمَد عُفاتَكَ لا فُجِعتَ بِفقدِهِمفَلتَركُ ما لم يَأخذُوا إعطاءُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

قال أبو الفتح: قوله لا فجعت بفقدهم، حشو في غاية الملاحة والظرف وهو يحتمل أمرين أحدهما، وهو أكشفهما وأقربهما إلى ظاهر البيت، أنه دعا بأن لا يفقدهم، يقول: لا عدمت القصاد والطلاب إذ كانوا لا يقصدون إلا ذا ملك وسروٍ وثروة.

قال الشيخ: قوله لما ذكر من انتفاعه كلام مجهول غير معلوم، ولست أرى ذكراً لانتفاعه بهم قبله وبعده، والثاني فاسد لأن المستميحين يقصدون هؤلاء وغيرهم، ومعناه أنه يقول: لا رزئتهم ولا أصبت المصيبة بفقدهم، فإن الرزء والفجيعة عنده فقد العفاة والمجتدين لا فقد الأولاد والأعزة والأموال كما يقول في فاتك:

لا يَعرفُ الرَّزَء في مالٍ ولا ولَدٍإلاَّ إذا حَفَزَ الضِّيفانَ تَرحالُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
لا تَكثُرُ الأموالُ كَثرةَ قِلةٍإلاَّ إذا شَقِيتْ بِكَ الأحياءُ

قال أبو الفتح: قوله كثرة قلة، يقول: إنما تكثر الأموات إذا قل الأحياء، فكثرتهم كأنها في الحقيقة قلة، وقوله: شقيت بك، يريد شقيت بفقدك، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، وإنما تشقى به الأحياء لمفارقتهم إياه.

قال الشيخ: قوله شقيت بفقدك الأحياء مدخول من القول فاسد، فإنه ما جرى في الرسم أن ينعي المادح نفس الممدوح إليه، ولا أن يمدحه بفقده وموته، وهب أن الأحياء تشقى به

لمطارقتهم إياه، فكيف تكثر به الأموات؟ أيموتون بموته أم تضرب أعناقهم على قبره؟ أم كيف؟ هذا محال من الوجوه كلها كما ترى. ومعناه: لا تكثر الأموات كثرة هي في الحقيقة قلة، لأن كثرة الأموات من قلة الأحياء، فهي قلة في الحقيقة، لأن الاعتبار بالحي دون الميت والفائدة فيه لا في الميت، إلا إذا شقيت بعداوتك الأحياء حتى تقتلهم، فتكثر الأموات حينئذ بقلة الأحياء، والدليل عليه ما يتلوه، وهو:

والقلبُ لا ينشَقُّ عمَّا تحتَهُحتَّى تحُلَّ بهِ لكَ الشَّحناءُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

أي: والقلب لا ينشق عما فيه حتى تحل بالقلب لك الشحناء والبغض، فحينئذ ينشق القلب.

فَغَدوتَ واسمُكَ فيهِ غيرُ مُشاركٍوالناسُ فيما في يديكَ سَواءُ

قال أبو الفتح: أي لم يشارك اسمك فيك، لأن لا يكون للإنسان أكثر من أسم واحد، زيد وعمرو ونحو ذلك، والناس في مالك سواء غنيهم وفقيرهم وقريبهم وبعيدهم، فقد استووا كلهم في آلائك ومننك.

قال الشيخ: لست أرى مدحاً أن اسمك فيك غير مشارك من حيث أن له اسماً واحداً لا اسمين، فإن

العالمين فيه شرع، وعندي أنه يقول: واسمك غير مشارك، أي: مع ما جمعته من محاسنك ومعاليك ومآثرك التي تفرقت بها عن العالمين، واستأثرت بها دون الناس أجمعين، فلا شريك له فيك إذ لا سمي لك يوازيك في مفاخرك ويضاهيك، فالمسمون باسمك كثير، وليس لك في خصائص خصالك وغرائب أفعالك منهم نظير، فاسمك إذاً مختص منك بشخص لا شبيه لك في معاليه غير مشارك فيك بشخص في معانيه، والناس شركاؤك في ملكك، وطبقاتهم فيه سواء معك حكمهم فيه كحكمك وأمرهم فيه أمرك.

لو لَم تكُن مِن ذا الورى اللَّذْ منكَ هوعَقِمتْ بِمَولدِ نْسلِها حَوَّاءُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال أبو الفتح: يقول لو لم تكن من ذا الورى الذي كأنه منك، لأنك جماله وشرفه وأنفس أهله لكانت حواء في حكم العقيم التي لم تلد، ولكن بك صار لها ولد، ولولا أنت لصار ولدها كلا ولد.

قال الشيخ: ليس في البيت تشبيه بكأنه ولا بما معناه، ولو لم يكن هذا الممدوح لما كانت حواء في حكم العقيم، فإنها إذا ولدت لم تكن عقيماً، ومعناه إنه يقول: لو لم تكن من ذا

الورى الذي منك هو، لأنهم يتقلبون في نعمك وأفضالك، ويتعيشون بجاهك ومالك، فهم منك وبك، لأنهم منك نشئوا وبإحسانك نفذوا وفي نعمائك تربوا عقمت حواء، فلم تكن تلد، إذ لم يكن لنسلها معنى، وفيهم خير وفائدة، لو لم تكن منهم، كقوله:

ولولا كَونُكم في النَّاسِ كانواهُذاءً كالكلامِ بلا معاني
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وقال في قصيدة، وهو أولها:

أَلا كُلُّ ماشِيَةً الخَيزلىفِدى كُلِّ ماشيَةِ الهَيذَبَى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»

قال أبو الفتح: الخيزلى مشية فيها تفكك وتخزل من مشي النساء، يقول: كل امرأة تفكك في مشيها فداء كل ناقة تُسرع في سيرها.

قال الشيخ: شتان مشي الجمال ومشي ربات الحجال، ومن يجعل المعشوق فداء هجان النوق؟ وقبيح أن يقال: فدت كل امرأة متفككة في مشيها كل ناقة سريعة السير، وإنما يُفدى الجنس بالجنس أو بأكرم منه، ولقد أراد بماشية الخيزلى أن هذه البراذين والرماك الأهلية التي تعودت المشي الضعيفة والخطى القريبة الحقيقة في القرى والأمصار كمشي النساء، وليست من آلة قطع المهامه القفار، ولا من سفائن البراري كالعراب والمهاري، فقال: فدت هذه الماشيات النوق التي تستبق الرياح وتستبقي الأرواح، وتفوت الأسود الكساح.

وكُلُّ نَجاةٍ بَجاويَّةٍخَنُوفٍ وما بي حُسنُ المِشَى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»

قال أبو الفتح: يقول إنما أحب كل ناقة هذه صفة مشيها، ولا أحب المرأة الحسنة المشي، والمشي: جمع مشية، يصف نفسه بالجفاء والبدوية.

قال الشيخ: نعم يقول وفِدى كل ناقة هذه صفتها، فما يعجبني حسن المشى التي لا تقدر على اختراق المهامه وإنتقاذ الأحرار عن المكاره.

وشِعرِ مَدَحتُ بهِ الكركدنَّبينَ القريضِ وبينَ الرٌّقى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»

قال أبو الفتح: الكركدن كناية وهجو، أي: بين الشعر وبين الرُّقية من الجنون.

قال الشيخ: شبه ما اختصر تفسيره، وأهمل عسيره، ولو فسر الكركدن، وأتبعه بالمعنى الذي أراده وقصده دون الجنون الذي لا جواز له فيما أراغه، ولا مجاز فيما سرده لكان أخلق فضله وأليق بعمله، وأظنه من الرُّقي وقع إلى الجنون، وعندي أن الرجل يقول:

وماذا بمصرَ منَ المضحكاتِولكنَّهُ ضَحِكٌ كالبُكا؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»
بها نَبَطِيٌّ منَ أهلِ السَّوادِيُدَرسُ أنسابَ أهلِ الفلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»
وأسودُ مشفرهُ نِصفَهُيُقالُ له: أنتَ بدرُ الدُّجى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»
وشعرٍ مدحتُ به الكركدنَّبينَ القريضِ وبينَ الرُّقى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»

وأراد به الأسود أيضاً، والكركدن أوحش الدواب خلقاً ولوناً ومنظراً، فشبه به الأسود في سواد لونه وكراهة خلقه وسماجة منظره، وقوله: بين القريض وبين الرُّقى، أي: بين الشعر وبين الرُّقى لاستخراج شيء من كفه كما تستخرج الحية من جحرها بالرُّقى. ويدلك عليه قوله في قصائد له، منها:

ولو كنتُ أدري كم حياتي قَسَمتُهاوصيَّرتُ ثُلثيها انتظاركَ فَاعلمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»
ولكِنَّ ما يمضي منَ الدَّهرِ فائِتٌفَجُد لي بحظِّ البادرِ المُتَغَنِّمِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ومنها:

أبا المسكِ في الكأسِ فَضلٌ أنالهُفإنِّي أُغَنِّي منذُ حينٍ وتشربُ؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

ومنها:

أرى لي بقُربي منكَ عيناً قريرةًوإن كانَ قُرباً بالبِعادِ يُشابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وهل نافعي أن تُرفَعَ الحُجبُ بَيننًاودونَ الذي أمَّلتُ منكَ حجابُ؟
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وفي النَّفس حاجاتٌ وفيكَ فطانةُسُكوتي بيانٌ عندها وخطابُ
للشاعر صالح مجدي، اقرأ القصيدة
وما أنا بالباغي على الحُبُ رِشوةًضعيفُ هوىً يُبغَى عليه ثَوبُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وما شئتُ إلاَّ أن أدُلَّ عواذليعلى أنَّ رأيي في هواكَ صوابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وأُعلِمَ قوماً خالفوني وشَرَّقواوغرَّيتُ أنِّي قد ظفرتُ وخابوا
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «قشر الفسر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.