تجاوز إلى المحتوى

من «مباهج الفكر ومناهج العبر» لجمال الدين الوطواط (ت ٧١٨هـ)

الوصف والتشبيه (٤)

الأحسن في أوصاف الكلاب الأهلية على أن الناس قد نظموا في هذا كثيرا لا سيما العرب، فإنهم أهل الطعام وإكرام، وكانوا يسمون الكلب هادي الضمير وداعي الضيف، ومتهم النعم، ومشيد الذكر، بما يجلب من الأضياف بنباحه، والضمير: القريب من قولهم أضمرته البلاد أي غيبته وكانوا إذا اشتد البرد وهبت الرياح ولم تثبت النيران فرقوا الكلاب حول بيوتهم، وجعلوا لها مطاول، وربطوها على العمد لتتوحش فتهدي الطلاب بنباحها، وقال ابن هرمة في هذا المعنى وقد أهدى كلبا:

أوصيك خيرا به فإن لهسجية لا أزال أحمدها
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
يدل ضيفي علي في غسق الليل إذا النار نام موقدها
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة

وله أيضاً من أبيات:

يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلايكلمه ترحبة وهو أعجم
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «ومستنبح تستكشط الريح ثوبه»

وقال حاتم الطائي يفتخر:

وإذا تنور طارق مستنبحنبحت فدلته علي كلابي
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «انا من علمت إذا دعيت لغارة»
وعوين يستعجلنه ولقينهيرشدنه بشراشر الأذناب

قوله: مستنبح يريد أن الضيف الطارق ليلا إذا لم يهتد إلى البيوت بنار ولا كلاب، وذلك لشدة البرد نبح، فإذا سمعت الكلاب نبيحه نبحث فيقصدها حيث كانت وعابه البديع الهمذاني

يزين حين يسمنولا يتبع حين يشبع

وعند الجوع يهتم بالرجوع

ومما تختص به الكلاب السلوقية من الوصف، قال أبو إسحاق الصابي من رسالة: ومعنا كلب عريق المناسب، نجيح المكاسب، حلو الشمائل نجيب المخامل حديد الناظرين اغضف الأذنين، أسيل الخدين، مخطف الجنبيبن عريض الزور متين الظهر أبي النفس ملهم الشكر لا يمس الأرض إلا تحليلا، وإيماء، ولا يطؤها إلا بإشارة وانحناء، ولبعض الأندلسيين يصفه من رسالة: فحللناه من ساجوره، وأطلقناه، فبلغنا إلى سروره، ومر يخفي شخصه غباره في سدفة سفرته تارة من النصف الطامحة العيون، والهرت اللاحقة البطون معرق في نجابته منعم مخول في فراهته يسمع منك إيماء، ويفهم عنك إيماء المشي، فلا يمس الأرض بأربعة، ويجري فلا يسبقه الريح إلى منزعه:

إذا عدا واشتد في طلابهيكاد أن يخرج من إهابه
للشاعر ابن الحناط، اقرأ القصيدة

وقال:

متقد كالنار في التهابهلا يطعن الصيد بغير نابه
للشاعر ابن الحناط، اقرأ القصيدة
أعده للحرب من جرابهفكل من يرمي به لمأبه

ومن المنظوم في ذلك قول ذي الرمة من أبيات يصفه بسرعة الحضر من أبيات:

كأنه كوكب في إثر عقربهسوم سوداء الليل مغتصب

وقال آخر يصف كلبا:

أنعت كلبا يكسر اليحمورامجربا مدربا صبورا
يأنف أن يشاكل الصقورامنفردا بصيده مغيرا
ذا شية تحسبها حريراقد حبرت نقوشها تحبيرا
إذا جرى حسبته المقدورايكاد للسرعة أن يطيرا
حتفا لمن عن له أسيراأعجز أن يرى له نظيرا

وقال أبو نؤاس يصف كلبا:

هجنا بكلب طالما هجنا بهينتسق المقود من جذابه
كأن متينه لدى انسلابهمتنا شجاع لج في انسيابه
كأنما الاظفور في قنابهموس صناع رد في نصابه
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لما تبدى الصبح من حجابه»
تراه في الحضر أذاها هي بهيكاد أن يخرج من أهابه
ترى سوام الوحش إذ تحوي بهيرحن أسرى ظفره ونابه

وقال الناشئ قافيا أثره وواردا نهره:

واغضف عيشي من عذابهبراح أن يدعي ليغتذي به
روحه ذي النشوة من شرابهيخط بالبراثن في ترابه
خط يد الكاتب في كتابهملتقطا للخطو في انتدابه
لقط يد الماهر في حسابهيستأسر المعظم عن طلابه
في نأيه عنه وفي اقترابهتسلبه الحتفة من أسلابه
ولا يحس ما به لما بهينتصل الاظفور من قنابه
كما يسل السيف من قرابهتخاله ماجد في التهامه

مجردا بالحضر من أهابه

وقال أبو الطيب المتنبي:

فحل كلابي وثاق الاحبلعن أشدق مستوجر مسلسل
اقب ساط شرس شمردلمؤجد الفقرة رخو المفصل
له إذا أدبر لحظ المقبليعدو إذا أحرز عدو السهل
إذا تلا جاء المدى وقد تلييقعي جلوس البدوي المصطلي
بأربع مجدولة لم تجدلفتل الأيادي رابذات الأرجل
أثارها أمثالها في الجندليكاد الوثب وفي التفتل
يجمع بين متنه والكلكلوبين أعلاه وبين الأسفل
شبيه وسمي الحضار بالوليكأنه مصور من جندل
موثق على رماح ذبلذي ذنب أجرد غير أعزل
يخط في الأرض حساب الجملكأنه من جسمه... بمعزل
نيل المنى وحكم نفس المرسلوعقلة الظبي وحتف التتفل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ومنزل ليس لنا بمنزل»
لا يأتلي في تركه لا يأتليمقتحما على المكان الأهول
حتى إذا قلت له نلت افعلافترعن مذروبة كالانصل
لا تعرف العهد بصقل الصيقلمركبات في العذاب المنزل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ومنزل ليس لنا بمنزل»
كأنها من سرعة في الشمألكأنها من ثقل في يذبل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ومنزل ليس لنا بمنزل»
كأنها من سعة في هوجلكأنه من علمه... بالمقتل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ومنزل ليس لنا بمنزل»
وعلم بقراط... فصاد الأكحلفصار ما للقفز للتجدل
وصار ما في جلده في المرجلفلم يضرنا معه فقد الأجدل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ومنزل ليس لنا بمنزل»

وقال آخر يصف كلباً من أرجوزة:

منسوبة كريمة العراقضارية مشعلة الاحداق
تخالها في حلق الأطواقضواحكا من سعة الأشداق

وقال ابن هذيل الأندلسي:

واغضف تلقى أنفه فكأنمايقود به نور من الصبح نير
إذا لهبته شهوة الصيد طامعاًرأيت عقيم الريح عنه تقصر

وقال أبو إسحاق بن خفاجة الأندلسي يصفه:

وأخطل لو تعاطى سبق ريحلطار من النجاح بلا جناح
يسوق الأرض يسأل عن بنيهافتخير أنفه عنها الرياح
أقب إذا طردت به قنيصاتنكب قوسه الأجل المتاح
للشاعر ابن خفاجه، من قصيدة «وأخطل لو تعاطى سبق برق»

وله:

ومورس السربال يخلع قدهعن نجم رجم في سماء غبار
للشاعر ابن خفاجه، من قصيدة «سمح الخيال على النوى بمزار»
تستن في سنن الطريق وقد عفاقدماً فيقرأ أحرف الآثار
عف الغمور سراته فكأنهوالنقع يحجبه هلال سرار
يفتر عن مثل النصال وإنمايمشي على مثل القنا الخطار
للشاعر ابن خفاجه، من قصيدة «سمح الخيال على النوى بمزار»

ولآخر:

ومؤدب الاساد يمسك صيدهمتوقفاً عن أكله كالصائم
صب إذا ما صاد عانق صيدهطرب المقيم إلى لقاء القادم

ولآخر:

وما الضبي منها في حشاشة نفسهولكنه كالطفل في حجر أمه
يلازمه دون اخترام كأنماتعلق خصم عند قاض بخصمه

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثاني في ذكر طبائع ذي الناب والظفر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.