من «مباهج الفكر ومناهج العبر» لجمال الدين الوطواط (ت ٧١٨هـ)
الوصف والتشبيه (٥)
قد أكثر الناس في وصف الذئب ونعته، والذي أتى في ذلك على الأمر الأقصى واستوفى ذكر خلائقه، واستقصى ابن عنقا الغزاري وذكر جواداً شبهه بالذئب فقال:
وأعوج من ال الصريح كأنهبذي الشث سيد آبه الليل جائع
بغي كسبه أطراف ليل كأنهوليس به ضلع من الخمص ظالع
فلما اباه الرزق من كل وجهةجنوب الملا وأيأسته المطامع
طوى نفسه طي الحرير كأنهحوى حية في ربوة فهو هاجع
فلما أضاءت متنه الشمس حكهباعضل في أطرافه السم ناقع
وقام فألقى مدة قدر طولهيديه ومطى صلبه وهو قابع
وفك لحييه فلما تعادياصأى ثم أقعى والبلاد بلاقع
فهم بأمر ثم أجمع غيرهوإن ضاق رزق مرة فهو واسع
وعارض أطراف الصبا فكأنهرجاع غدير هزه الريح راجع
والأبيات الشهيرة في وصفه أبيات حميد بن ثور التي يقول فيها:
ونمت كنوم الفهد عن ذي حفيظةأكلت طعاماً دونه وهو جائع
ترى طرفيه يعلان كلاهماكما اهتز الساسم المتتابع
خفيف المعي إلا مصيرا يبلهدم الجوف سؤر من الحوض نافع
ينام بإحدى مقلتيه ويتقيبأخرى المنايا فهو يقضان هاجع
إذا نال من بهم النحيلة قوتهعلى غفلة مما يرى وهو جائع
لحقه ولو كان ابنها خرجت بهأذاهب أرواح الشتاء الزعازع
وإن خال من أرض مضيفاً رمت بهمحافظة والجانب المتواسع
وإذا بات وحشاً ليلة لم يضق بهاذراعاً، ولم يصبح بها وهو خاشع
إذا ما عدا يوماً رأيت عبابهمن الطير ينتظرن الذي هو صانع
هو البعل الداني من القوم كالذيله حرمة وهو العدو المنازع
وقال الشريف الرضي ناسجاً على المنوال هاتين القصيدتين:
عاري الشوى والمنكبين من الطوىاتيح بالليل عاري الاشاجع
اغيبر مقطوع من الليل ثوبهأنيس بأطراف البلاد البلاقع
قليل نعاس الليل إلا غبابةتمر بعيني جاثم القلب جائع
إذا جن ليل طارد النوم طرفهونص سرى الحاظه بالمطامع
يراوح بين المناظرين إذا التقتعلى النوم أطباق الجفون الهواجع
له خطفة حذاء من كل قلةكنشطة أقنى ينقض الطل واقع
ألم وقد كان الظلام نقيضاًيشرد فراط النجوم الطوالع
طوى نفسه وأنساب في شمله الدجىوكل إمرءٍ ينقاد تحت المطامع
إذا فات شيء سمعه دل أنفهوإن فات عينيه رأى بالمسامع
تظالع حتى حك بالأرض زورهوراع وقد روعته غير ظالع
إذا غالبت إحدى الفرائس حظهتداركها مستنجداً بالأكارع
جري يسوم النفس كل عظيمةويمضي إذا لم يمض من لم يدافع
إذا حافظ الراعي على الشاء غرةخفي الشرى لا يتقى بالطلائع
يخادعه مستهزئاً.... بلحاظهخداع ابن ظلماء كثير الوقائع
ولما عوى والرمل بيني وبينهتيقن صحبي أنه غير راجع
تأوى والظلماء تضرب وجههإلينا بأذيال الرياح الزعازع
له الويل من مستطعم عاد طعمهلقوم عجال في السي نوازع
قال أبو نصر بن نباتة قافيا أثر ما تقدم من قصيدة حميد بن ثور وابن عنقا ولقد أجاد كل الإجادة، وأتى بالحسنى وزيادة وهو قوله:
واطلس ما في سعيه غير أنهيضيق عليه الرزق والخرق واسع
يخاف أخوه حرصه وهو طاعموتهرب عنه عرسه وهو جائع
علا شرف البيداء يسأل أنفهبياناً وقد أكدت عليه المسامع
فنمت إليه الريح إن شظيةوبهما بأكفاف السماوة رائع
فزعزع من قطريه يدأل ظالعاًوما هو إلا للخديعة ظالع
على كل حال من يساروفاقة ... يسير بما أهدت إليه المطامع
إذا غمرة هاب الجبان حياضهاتوردها ماض على الهول طالع
سرى ما له تحت الظلام وسيلةإلى الحي إلا خطمه والأكارع
وأبصرها فوضى فسارع تاركاًمجاهرة إن الحريص مسارع
وإن سخطه فانظم يسرق شطرهأزل كصدر الرمح بالخيل بارع
فويلمه إن كان يوم غواره ... عن المجد يحمي أو عليه يقارع وهذه الأربع قصائد إنما ذكرتها على نسق لكونها على قافية واحدة ولكونها عملت في قالب المناظرة والمماثلة، وعرضت في معرض المجاورة والمساجلة ليوازن بين قرائح شعرائها، وتثبيت الحكم فيها، ويعطي كل قريحة قسطها من أنصافه على أن للبحتري قصيدة وصف الذئب فيها تقصر عنها شيئاً، وكل نظم عمل في معناها، وتتمنى القرائح أن تأتي بمثلها فيحول العجز بينها وبين مناها، وهي طويلة جاء منها:
وليل كأن الصبخ في أخرياتهحشاشة نصل ضم أفرنده غمد
تسربلته والذئب وسنان هاجعبعين ابن ليل ماله بالكرى عهد
أثير القطا الكدري عن جثماتهوتألفني فيه الثعالب والربد
وأطلس ملئ العين يحمل زورهوأضلاعه من جانبيه شوى نهد
له ذنب مثل الرشاء يجرهومتن كمتن القوس أعوج مناد
طواه الطوى حتى استمر مريرهفما فيه إلا العظم والروح والجلد
سما وبي من شدة الجوع ما بهببيداء لم تعرف بها عشية رغد
تقضقض عصلا في أسنتها الردىكقضقضة المقرور أرعده البرد
عوى ثم أقعى وارتجزت وهجتهفأقبل مثل البرق يتبعه الرعد
واوجرته عرجاء تحسب ريشهاعلى كوكب ينقض والليل مسود
فما زاد إلا جرأةوضراوة ... وأيقنت أن الأمر منه هو الجد
واتبعتها أخرى فأظلت نصلهابحيث يكون اللب والرعب والحقد
فخر وقد أوردته منهل الردىعلى ظمأ لو أنه عذب الورد
وقمت فجمعت الحصى فاشتويتهعليه وللرمضاء من تحته وقد
ولبعض الأعراب يصفه فقال:
فباتت وبات الذئب يعوي كأنهحبيب لها باليد يهوى ويعسل
أزل كعود الخبز رانة لونهكلون دخان النار أطلس المحل
عسوب السرى لا يملأ الليل صدرهعلى الهول مقدام كسوب معبل
متى ما يفد يكن ذخرهله مشرب في صدر يوم ومأكل
ولم ير إلا وهو في كل ليلةمع الكسب منه معوز الزاد مرحل
مفيد مبيد ما أفاد فما بهإلى أحد فقر ... ولا يتحول
وكل هذه القصائد عيال على قول من قال يصفه
هو الخبيث عنه فرارهأطلس يخفي لونه غباره
في فمه شفرته ونارهلهم بني سنجاب مر داره
والطريف من وصفه قول الآخر وهو المشهو لأبي إسحاق إبراهيم بن خفاجة من أبيات يصف ذئباً:
ولرب رواغ هنالك أنبطذلق المسامع أطلس الأطمار
يجري على حذرٍ فيجمع بسطهتهوى فتعطف انعطاف سوار
ممتد حبل الشأو يعسل رائعاًفتكاً ويغلب أيدي الأقدار
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع