من «مباهج الفكر ومناهج العبر» لجمال الدين الوطواط (ت ٧١٨هـ)
الوصف والتشبيه (٤٤)
سأل المهدي رجلاً عن طائر جاء من غابة فقال لو لم يبين بفضيلة السبق لبان في حسن الصورة، فقال: صفه لي فقال فدفد... فد الحلم، وقوم تقويم العلم لو كان في ثوب خرقة، أو صندوق قلقة يمشي على عتمين ويلقط بدرتين، وينظر بجمرتين إذا أقبل فديناه، وإذا أدبر حميناه، وقال عبد الصمد بن فتوح الأندلسي يصف حماماً جاء بالسبق وهو يقول:
يجتاب أودية السحاب بخافقكالبرق أومض في السحاب فأبرقا
لو سابق الريح الجنوب لغايةٍيوماً لجاءك مثلها أو أسبقا
يستقرب الأرض البسيطة مذهباًوالأفق ذا السقف الرفيعة مرتقى
ويظل مسترق السماع تخالهفي الجو تحسبه الشهاب المحرقا
يبدو فيعجب من رآه بحسنهوتكاد آية عنقه أن تنطقا
مترقرقاً من حيث درت كأنمالبس الزجاجة أو تجلبب زئبقا
وقال أبو نؤاس يصفه من أرجوزة:
وصاحبات نفر من زاعقيطرن بالجو بأعلى حالق
نواشط بريشها خوافقيبعدن أن يبلغن بالبيادق
يحسبهن لصقاً بالخافقفلو حملن حاجة لعاشق
متيم القلب رعوب خافقرسائلاً منه إلى صدائق
سلس من شدة شوقٍ شائقيقطعن في مده نطق الناطق
مغارب الأرض إلى المشارقلدى الملمات وفي الحقائق
كالبرق يبدو قبل جود دافقوالغيث يخفى وقعه للرامق
إن لم تجده بدليل البارق
ومن رسالة للقاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البياتي الكاتب يصف طائراً جاء في غابة: وكأن الطائر أحد الرسل المسيرة، بل المبشرة، والجنود المحررة بل المسخرة، فإنها لا تزال أجنحتها تحمل البطائق أجنحة، وتجهز جيوش المقاصد والأقلام أسلحة، وتحمل من الأخبار ما تحمل الضمائر، وتطوى الأرض إذا نشرت الجناح الطائر، وتزوي لها الأرض حتى ترى ما ستبلغه ملك هذه الأمة، وتقرب بها السماء حتى ترى ما لا يبلغه وهم ولا همة، وتكون مراكب للأغراض لما كانت الأجنحة قلوعها، وتركت) الجو بحراً تصطفق (فيه هبوب الريح، موجاً مرفوعاً، وتعلق الحاجات على أعجازها، فلا تعرف الإرادات غير إنجازها، ومن بلاغات البطائق استعارت ما هي به مشهورة من السجع، ومن رياض كبتها ألفت الرياض فهي إليها دائمة الرجع، وقد سكنت البروج فهي أنجم، وأعدت في كنائنها، فهي للحاجات أسهم وقد كادت أن تكون ملائكة، إذا ما ينطق بالرقاع، صارت أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، وقد باعد الله بين أسفارها وقربها، وجعلها طيف اليقظة الذي صدق العين وما ذكبها، وقد أخذت عهود الأمانة في رقابها أطواقاً فأذتها من أذنابها أوراقا، فصارت خوافي وراء الخوافي، وغطت سرها المودع بكتمان سحبت عليه ذيول ريشها الضوافي ترغم النوى بتقريب العهود، وتكاد العيون تلاحظها تلاحظ أنجم السعود فيه أنبياء الطير لكثرة ما تأتي به من الأنباء، وخطباؤهم لأنها تقوم على منابر الأغصان قيام الخطباء
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع