من «مباهج الفكر ومناهج العبر» لجمال الدين الوطواط (ت ٧١٨هـ)
القول في طبائع الببغاء
وهو طائر هندي وحبشي دمث الخلقة، ثاقب الفهم له قوة على حكاية الأصوات وتلقي التلقين تتخذه الملوك في منازلهم لتنم بما يقع فيها من الأخبار وفي لونه، الأغبر، والأسود، والأخضر، والأصفر، والأبيض، وقد أهدى لمعز الدولة هدية من اليمن فيها ببغاء بيضاء سوداء المنقار، والرجلين وعلى رأسها ذؤابة فستقية، وكل هذه الألوان معروفة خلا الأخضر وفي طبع هذا الطائر أن يتناول طعمه بكفه كما يتناول الإنسان الشيء بيده، وله منقار معقف قصير يكسر به الصلب وينقب به ما يعسر نقبه، وكل ما له نغمه، وإطراب فله هدر وسمت يتزاوج، ويتعاشق ويسكن الذكر إلى أنثاه، وله عفة في مأكله، ومشربه، ومنكحه،) وديع ليس بشره ولا أشر (وهو بمثابة الإنسان الترف الطريف، والناس يحتالون على تلقينه بأن ينصب تجاه مرآة بحيث يرى خياله فيها ويتكلم الإنسان من ورائها، فيتوهم أن خياله في المرآة هو الذي يتكلم فيأخذ نفسه بحكاية ما سمعه من صوت الإنسان
الوصف والتشبيه
قال أبو اسحاق الصابي يفصها من أرجوزة بعث بها إلى أبي الفرج الببغاء يمدحه فيها:
أنعتها صبيحة مليحةناطقة باللغة الفصيحة
أضحت من الأطيار واللسانموهم لي أنها الإنسان
تنهي إلى صاحبها الأخباراوتكشف الأسرار والاستارا
سكاء إلا أنها سميعةتعيد ما تسمعه مطيعة
وربما لقنت العضيهةفتغتدي بذية سفيهة
زارتك من بلادها البعيدةواستوطنت عندك كالقعيدة
ضيف قراه الجوز والأرزوالضيف في أبياتنا يعز
تراه في منقارها الخلوقيكلؤلؤ يلقط بالعقيق
تنظر من عين... كالفصينفي النور والظلمة بصاصين
تحبس في حلتها الخضراءمثل الفتاة الغادة العذراء
خريدة خدودها الأقفاصليس لها من جنسها خلاص
تحبسها وما لها من ذنبوإنما تحبسها للحب
تلك التي قلبي بها مشغوفكنيت عنها واسمها معروف
بشرك فيه شاعر الزمانوالكاتب المعروف بالبيان
ذلك عبد الواحد بن نصرتقيه نفسي حادثات الدهر
فأجابه أبو الفرج عنها بقوله:
من منصفي من حكم الكتابشمس العلوم قمر الآداب
أسى لأصناف الكلام محرزاًوسام أن يلحق لما برزا
وهل يجارى السابق المقصرأم هل يبارى المدرك المعذر
ما زال بي عن غرض معرضاًولي بما يصدره مستنهضا
فتارةً يعتمد... الخطافاببدعٍ تستغرق الأوصافا
وتارةً يعنى بنعت القبحمن منطق لفصله محتج
يحوم حول عرض معلومومقصد في شعره مفهوم
حتى تجلت دعوة الصريحوسلم التلويح للتصريح
وصح إن الببغاء مقصدهبذكر ما كان قديماً يورده
فلم يدع لقائلٍ... مقالاًفيها ولا لخاطرٍ... مجالا
أحال بالريش الأشيب الأخضروباحمرار طوقها والمنسر
على اختلاط الروض بالشقيقواخضر الميناء بالعقيق
تزهى بدواجٍ من الزبرجدومقلة كسبح من عسجد
وحسن منقار أشم قانكأنما صيغ من المرجان
صيرها انفرادها في الحبسبنطقها من فصحاء الأنس
تميزت في الطيران بالبيانعن كل مخلوقٍ سوى الإنسان
تحكي الذي تسمعه بلا كذبمن غير تغيير لجد أو لعب
غذاؤها أزكى طعام وجدالا تشرب الماء ولا تخشى الصدا
ذات شفى تحسبه ياقوتالا يرتضي غير الأرز قوتا
كأنما الحبة في منقارهاحبابة تطفو على عقارها
أقدامها ببأسها الشديدأسكنها في قفص الحديد
فهي كخود في لباس أخضرتيا) خركاوه (لم تستر
فوصفها المعجز ما لا يدركومثله في غيرها ما لا يملك
لو لم يكن لي لقباً لم أقصرلكن خشيت أن يقال منتصر
وإنما تبعت... باستحقاقيلوصفها حذق أبي إسحاق
شرفها وزاد في تشريفهابملح أبدع في تفويفها
فكيف أجرى بالبناء المنتخبمن صرف المدح إلى أسمي واللقب
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع