من «مباهج الفكر ومناهج العبر» لجمال الدين الوطواط (ت ٧١٨هـ)
فصل (٢٢)
ولما كمل غرضنا والحمد لله تعالى من هذا الباب رأينا من الصواب أن نختمه بما تصبو إليه النفوس من الإتحاف، وتميل إليه من التشبيهات والأوصاف المنظمة التعبير عن آلات الصيد وفتكات الخيل، والكيد، وهي وإن كانت غير متعلقة بالغرض المقصود في هذا الفن، وإنها مما تتشوق إليه الخواطر، والخواطر أبدا تابعة لما خطر لها من هواها وعن، فمن ذلك ما أختير من رسالة كتب بها أبو إسحاق الصابي إلى محمد بن العباس بن فسابخش في صفة الجلاهق، وهي قوس البندق: أقبلت رفقة الرماة قد برزت قبل الذرور للشروق، وشمرت عن الأذرع، والسوق متقلدين خرائط شاكلت السيوف بحمائلها، ونياطاتها وناسبتها في آثارها ونكاباتها تحمل من البندق الملموم كما هو في الصحة والاستدارة كاللؤلؤ المنظوم، كأنما خرط بالجهر فجاء كنبات الفهر، قد اختير طينه، وملك عجينه، فهو كالكافور المصاعد في الملمس والمنظر، وكالعنبر الاذخر في المشم والمخبر، مأخوذ من خير مواطنه مجلوب من أطيب معادنه كافل حامليه محقق لآمال آمليه ضامن بحمام الحمام متناول لها من أبعد مرام يعرج إليها وهو سم ناقع ويهبط بها وهي رزق نافع.
وبأيديهم قسي مكسوة بأغشية السندس مشتملة منها بأفخر ملبس، مثل الكماة في جواشنها ودروعها، والجياد في جلالها وقطوعها، حتى إذا جردت من تلك المطارفة، وانتضيت من تلك الملاحفة، رأيت منها قدودا مخطفة رشيقة وألوانا معجبة أنيقة صلبة المكاسر، والمعاجم نجية المثابت والمناجم، خطية الأسماء والمناسب سمهرية الأعراق والمناصب، تركبت من شظايا الرماح الداعسة، وقرون الاوعال الناخسة فحازت الشرف من طرفيها، واحتوت عليه بكلتا يديها، قد تحنت المشيخة النساك وصالت صيال الفتية الفتاك، واستبدلت من قدميها في عز الفوارس، بحديثها من أنفس الملابس، وانتقلت من جدها في طراد الفارات إلى هزلها في طرد المستهرات، ظواهرها صفر وارسة، ودواخلها سود دامسة كأن شمس أصيل قد طلعت على متونها، أو جنح ليل اعتكر في بطونها أو زعفرانا جرى فوق مناكبها، أو غالية جمدت على ترائبها، إذ هي قضبان فضة أذهب شطرها وأحرق شطر، أو حبات رمل اعتنق السواد منها والصفر.
وجاء منها في وصف وتر: فلما توسطوا تلك الروضة وانتشروا في الغيطة، وثبت للرمي أقدامهم، وشخصت للطير أبصارهم، وتروها بكل وتر فوق سهمه منه، وهو مفارق للسهم وخارج عنه، مضاعف عليها من وترين كأنه شخص ذو جسدين، أو عناق ضم ضجيعهن في وسطه عين كشجرة كيس مختوم، أو سرة بطن خميص مهضوم محولة عن المحاذاة مزورة عن الموازاة، تروع قلوب الطير بالانباض، وتصيب منهم مواقع الأغراض، هذا ما وقع عليه الاختيار من هذه الرسالة فإن الصابي أتى من بعد هذا الكلام ينعت ما صيد ومن صاد فأطال الرشأ على الواردين، والقصاد، ولضياء الدين بن الأثير الجزري رسالة في المعنى الذي نحاه أبو إسحاق، وأين يفوز المتأخر من المتقدم باللحاق لأن الأول اجتنى ثمر الأدب، وكان حظ المتأخر منه الكلأ وكم عسى يجهد نفسه من جاء في الزمن الأخير فشكلا فلم يبق إلا أن يحذو على مثاله إن اعين فاستطاع، وينسج عن منواله إن ترك الفكر عصيانه، وأطاع، جاء من هذه الرسالة في وصف القسي وذكر الرماة: إذا تناولها بأيديهم قلت هذه أهلة طالعة في أكف أقمار، وإذا مثل غناؤها وغناؤهم قلت منايا مسبوقة في أيدي أقدار، وتلك قسي وضعت للعب لا للنضال، ولردى الأطيار لا لردى الرجال وإذا نعتها ناعت قال أنها جمعت من بين وصف اللين والصلابة، ووضعت من نوعين غريبين فحازت معنى الغرابة، فهي مركبة من حيوان ونبات، مؤلفة منهما بعد الشتات، فهذا من سكان البحر وسواحله وهذا من سكان البر ومجاهله، ومن صفاتها أنها لا تتمكن من البطش إلا حين تشد، ولا تنطلق في شأنها إلا حين تعطف وترد، ولها بنات احكم تصويرها، وصحح تدويرها، فهي في لونها صندلية الاهاب، وكأنما صنعت لقوتها من حجر لا من تراب، فإذا حذفها نحو الأطيار تقل، وتصعد من الأرض من جبال فيها من برد فلا ترى حينئذ إلا قتيلا بالمثقل الذي لا يجب في مثله فهي كأقله من تلك الأطيار يقبض نفوسها، منزلة لها من السماء على أم رؤوسها ولابن المعتز يصفها على قافية منهوكة أبي نؤاس الطردية:
لا صيد إلا بوترأصغر مجدول ممر
إن مسه الرامي نخرذي مقلة تبكي مدر
صنعة بار مقتدردام عليها فمهر
فجئن أمثال الاكرلم يختلفن في الصور
بصغر وللأكبرأشبه طين بحجر
يودعن أمثال السررثم يطرن كالشرر
إلى القلوب والثغرلما غدونا بسحر
والليل مسود الطررتأخذ أرضا ونذر
فلاح صبح واشتهرجاءت صفوفا وزمر
سوابحا بيض الغرريطلبن ما شاء القدر
روضا جديدا ونهروهن يسألن النظر
ما عنده من أكبرفقام رام ما يندر
وتر قوسا وجسرإذا رعى الصيف انتثر
هزل عودا قد نخرفبين هاو ومنحدر
وسابح على خطروذي جناح منكسر
فارتاح من حسن النظرومسه جن الأشر
وقلن إذا حق القدروجد رمي فانتشر
ما هكذا رمي البشرصار حصى الأرض مطر
وقال أبو الفرج عبد الواحد بن نصر الببغاء يصفها أيضاً:
وداية ترضع غير درهاوقصاء يعليها انحناء ظهرها
مقلتها شاخصة في صدرهانجلاء لا تطرف هدب شفرها
طائرة مقيمة في وكرهاباطشة لكن بغير ظفرها
اراؤها تصدرها عن فكرهامجيئة في أصلها وفجرها
بنت كعوب سبيت من خدرهافاقتصها الصانع بعد مهرها
بقطعها وبردها ونشرهاحتى إذا سار خمول ذكرها
مثلت به كمال أمرهافلم يزل نيرته نيرها
تنعى إلى الطير امتداد عمرهاكأنما البندق بعد حرها
جنودها صادرة من صدرهاجيدت بسحب طميت بصخرها
كأنها تحت انسكاب قطرهاأسرة لوط مطرت بصخرها
فلم تزل تغمرنا ببردهاحتى اعترفنا كلنا بشكرها
أفعالها ناطقة بفخرهايعنو ملوك الطير خوف مكرها
من بازها في فكه وصقرهالا ينكر الجارح عظم قدرها
وقال أبو إسحاق الصابي:
ومرنان معبسة ضحوكمهذبة الطبائع والكيان
مغالبة وليس بها حراكوباطشية وليس لها يدان
لها في الجارح النسب المعلىوإن هي خالفته في المعاني
تطير مع البزاة بلا جناحفتسبقها إلى مصب الرهان
وتدرك ما تشاء بغير رجلولا باع يطول ولا بنان
وتلحظ ما تشاء بكل الطرف عنهبلا نظر صحيح ولا عيان
لها عضوان من عصب وعظموسائر جسمها من خيزران
يخاطب في الهواء الطير منهابلفظ ليس يصدر عن لسان
فإن لم تضع أردتها بطعنينوب الطين فيه عن سنان
مقرطقة ممنطقة خلوبمهفهفة مخففة الجران
مذكرة مؤنثة تهادىمن الأصباغ في حلل القيان
معمرة تزايد كل يومشبيبها على مر الزمان
كأن الله ضمنها فباتتلنا في الرزق عن أوفى ضمان
أعز علي العيون من المآقيوأحلى في النفوس من الأماني
إذا ما استوطنت يوما مكاناتولى الجدب عن ذاك المكان
وقال أبو الفتح كشاجم يصفها:
وثيقة مدمجة الأوصالمحنية عوجاء كالهلال
تعود إن شئت إلى اعتدالباطنها لعاقل الاوعال
والظهر منها لقنا الأبطاليجعها أسمر ذو اعتدال
في وسطه من صنعة المحتالمثال عين غير ذي احولال
تغذى بصدفات من الصلصالأمضى من السهام والنبال
قذى في أعين الآمالفاقعة الصفرة كالجريال
رخيصة تغنم كل غاليؤمن منها وثبة الكلال
تعول في الجدب وفي الأحمالوقد يكون الصقر كالعيال
مطيها عواتق الرجالفي غلف ممدوة طوال
كم افضلت على ذوي الافالوكم أنالت من أخي نوال
وقربت للطير من آجال
وقال أيضا فيها من أبيات طردية:
وفي يساري من الخطي محكمةمتى طلبت بها أدركت مطلوبي
للوعل باطن شطريها ومعظمهامن عود شجراء صماء الانبيب
تأنق القين في تزينها فغدتتومي بأحسن تفضيض وتذهيب
في وسطها مقلة منها تبين ماترمي فما مقتل عنها بمحجوب
فقمت والطير قد هم الحمام لهعلى سبيلي في عادي وتجويبي
حتى إذا اكحلت بالطين مقلتهاصبت عليهن حتفا بعد مصبوب
فرحت جذلان لم تكدر مشاربولم تلق آمالي بتخييب
وقال أبو الفرج الببغاء يصف الفخ:
ذو قصر أحدب من غير كبرمحتقر المنظر جار الخبر
مستنصر لكن إذا ضيم انتصرمستأنس إن صله لمس نفر
وإن جنى جناية لم يعتذرمفوف سهما إذا شك استمر
قضى له الحب ومأواه الخفرلما رأى العصفور حيا قد بدر
أرباب بالحنطة ما بين المدرولم يزل بين الرجاء والحذر
تتبعه الحرص ويعنيه الخطرثم هوى مستبينا لما افتكر
إن بنى الدنيا جميعا في غرروأمل النفع ولم يخش الضرر
فشده الفخ بإشراك العيرولم يطق دفع القضاء والقدر
وكثرة الأطماع افات البشروفي تصاريف الليالي معتبر
والحزم إن يجزع من حيث يسروآخر الصفو وإن لذ الكدر
قال ابن المعتز يصف الدبق على طريق الألغاز:
وما رماح غير جارحاتوليس في الدماء والغات
وليس للطراد والغاراتيخضبن لا من علق الكماة
بدبق حتف منجز العداتمستمكن ليس بذي إفلات
ينشب في الصدور واللباتفعل اسار علق الشباة
على عواليها... مركباتأسنة ليس موقعات
من قصب الريش مجرداتيحسبن في الهواء شائلات
أذناب جردان منكسات
وقال أبو الفتح كشاجم يصفها أيضاً:
واسرات مثل مأسوراتممكنات غير ممكنات
مؤملات غيرمكذبات ... صوادق التعجيل للعدات
نواظر الأشكال ذاهباتكواسر وليس ضاريات
ولا بما يصدن عالماتبمثل ريق الفحل مطليات
اقتل من سمائم الحياتلو صلحت شيئا من الآلات
ووصلت بالزج والشباةكانت مكان النبل للرماة
حوامل للطير ممسكاتتعلق الأحباب بالحبات
كأنها في النعت والصفاتأذناب ما دق من الحيات
أعذر بالورق المفرداتفيها من الفتيان بالقينات
فهن من قتلى ومن عناةبلا فكاك وبلا ديات
وقال أبو الفرج الببغاء يصف سبطانة:
وجوفاء حاملة تهتديفي كل قلب بمقروحه
مقومة القد ممشوقةمهفهفة الجسم ممسوجه
مشققة فمها عينهاتبشر ظني بتصحيحه
فإن هي والجارح استنهضاإلى الصيد عاقته عن ريحه
إذا المرء أودعها سرهلتخفيه باحت بتصريحه
موات يعيش إذا ما أعادلها النافخ الروح من روحه
هي السبطانة في شكلهاففي القلب جد تباريحه
تحط أبا الفرخ عن ذكرهويستنزل الطير من لوحه
وقال السري الرفاء يصف شبكة:
وجدول بين حديقتينمطرد مثل حسام القين
كسوته واسعة القطرينتنظر في الماء بغير عين
راصدة كل قريب الحينتبرزه مجنح الجنبين
كمدية مصقولة المتنينكأنما صيغ من اللجين
وقال كشاجم يصفها:
يا رب نهر متأت ملانجم المدود معمر معان
باكرته مع باكر الغربانفي فتية أفاضل أقران
بمثل أحداق بلا أجفانمحذوة كحنو طيلسان
كأنها جلدة افعوانمزعج بالأطماع والحرمان
مواطن الماء عن الأوطانإحدى على صائدها الغرثان
من الضواري الغظف الأذانوكاسر البزاة والعقبان
وقال أبو الفرج الببغاء يصف شبكة العصافير:
رقراقة في السراب تحسبهاعلى الثرى حلة من الزرد
كالدرع لكنها معوضةعن المسامير كثرة العدد
سايرها أعين مفتحةلا ترتضي نسبة أحد
كأنها في غرورها زخرفالدنيا المشرب المسرور بالكد
كاتب أندلسي يصف الشص: صنافير كأظفار السنانير، قد عطفها القين كالراء، وصيرها الصقل كالماء فجاءت أحد من الإبر، وأدق من الشعر، كأنما مخلب صرد، أو نصف حلقة من زرد.
وقال أبو بكر بن أحمد بن محمد الصنوبري يذكر الشص ويصفه:
أكرم ما أعددته من العددوما حوى صحبي به عناء الأبد
بناء قين حاز في الخندق الأمدعلى مقادير مخاليب الصرد
أو مثل ما عاينت أصناف الزردلها رؤوس في أعاليها اود
كمثل أبيات الأفاعي اوا حدذوات طعم نكد كل النكد
تشد في أذناب خيل إذ تشدممرة الفيل كامرار المسد
نيطت بأطراف يراع مستردصم الأنابيب قريبات العقد
عجبا بها من حيث ما عاج أحدمن ظل صفصاف علينا قد يرد
شاطئ نهر لابس درع زبدفأطلقت أيديهم إطلاق يد
فلم تزل ترسل طورا وتزدحتى تنادوا قد من الحيتان قد
ثم بعثنا ألف عين في جسدفجئنا بمثلهن في العدد
ألف من الحيتان بيض كالبردمكسوة دراهم لا تنفد
كذلك الأرزاق من جزر ومدوالحمد للمهيمن الفرد الصمد
وقال أبو الفتح كشاجم يصف الشض أيضاً:
من كان يحوي صيده الفضاءوللبزاة عنده ثواه
وطال بالكلب له العناءفإن صيدي ما حواه الماء
بمخلب ساعدوه رشاءيظل والماء غطاء
كما طوت هلالها السماءكأنه من الحروف راء
فهو ونصف خاتم سواءيحمل سما اسمه غذاء
وعطبها فيه لنا اجتناءتدمي القلوب والأحشاء
عاد إذا ساعده الفضاءأمتعنا القريس والشواء
ولله الحمد تم الفن الثالث من مباهج الفكر ومناهج العبر في الطبائع الحيوانية يتلوه الفن الرابع في الفلاحات النباتية إن شاء الله تعالى بحمد الله تعالى وعونه ولطفه وبه المستعان.
تم الفن الثالث من مباهج الفكر ومناهج العبر ويتلوه الفن الرابع من الكتاب في الصفحة التي هذه الورقة، والحمد لله كثيرا.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع