من «شرح لامية العجم» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
لو أنَّ في شرفِ المأوى بلوغَ مُنَىً ... لم تبرحِ الشمسُ يوماً دارةَ الحَمَلِ
اللغة: الشرف: العلو والمكان العالي، والمأوى: كل مكان يأوي إليه الشيء ليلاً أو [ أ] نهارا، وبلغت المكان: إن وصلت إليه، ومنى: جمع مُنية، وهي ما يتمناه الإنسان، تبرح: لا أبرح، أي لا أزال، دارة الحمل: قال الشارح: لا أعرف الدارة إلاّ للقمر، اللهم إلاّ أن تكون الدارة ما يدور حول الشيء، والحمل: أول برج الكواكب.
الإعراب: في شرف، في هنا ظرفية، وتتعلق بمحذوف هو خبر إنَّ تقديره مستقر، فالجار والمجرور هنا سدّ مسدّ الخبر، والمأوى: مجرور بالإضافة، بلوغ: منصوب على أنه اسم إنّ، ومنى في موضع جر بالإضافة المعنوية، لم تبرح: جازم ومجزوم، وبرح من أخوات كان، ترفع الاسم وتنصب الخبر، وهذه الجملة جواب الشرط الذي في لو، الشمس: اسم تبرح، والألف واللام لتعريف الحقيقة أو للعهد الجنسي أو الذهني، يوما: مفعول فيه،
دارة: مفعول به، ولا يكون هنا خبرا، لأنها تامة، اكتفت باسمها، كقوله تعالى: [فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ] إذ لو جعلناها ناقصة لفسد المعنى في البيت، والحمل: مجرور بالإضافة، واللام هنا للمح الصفة.
المعنى: لو أنّ المقام في المكان الشريف يبلغ المنى ما برحت الشمس مقيمة في دارة الحمل؛ لأنها في هذا البرج في غاية الشرف، وهذا تمثيل بديع، وفيه حث على الحركة، قال ﵇: سافروا تصحوا، واغزوا تستغنوا، وفي حديث آخر، سافروا تصحوا وتغنموا، وفي التوراة: يا ابن آدم أحدث سفرا أُحدث لك رزقا، وقال العرب: الحركات بركات، وما أحكم قول أبي الطيب:
وَكُلُّ اِمرِئٍ يولي الجَميلَ مُحَبَّبٌوَكُلُّ مَكانٍ يُنبِتُ العِزَّ طَيِّبُ
وقال البحتري:
وَإِذا الزَمانُ كَساكَ حُلَّةَ مُعدِمٍفَاِلبَس لَهُ حُلَلَ النَوى وَتَغَرَّبِ ... [ ب]
وقال ابن صرد:
نقل ركابك للعلاودع الغواني في القصور
لولا التغرب ما ارتقىدرر البحور إلى النحور
وقال الآخر:
وَالتِبرُ كَالتُربِ مُلقىً في أَماكِنِهِوَالعودُ في أَرضِهِ نَوعٌ مِنَ الحَطَبِ
وهو مأخوذ من قول الآخر:
قالوا نراك كثير السير مجتهداًفي الأرض تنزلها طوراً وترتحل
فقلت لو لم يكن في السير فائدةما كانت السبع في الأبراج تنتقل
وقال الشارح:
سافر تنل رتب المفاخر والعُلى كالدرِّ سار فصار في التيجانِ
وكذا هلالُ الأفقِ لو ترك السُّرى ما فارقته معرَّة النقصان
وفي قول الطغرائي في هذا البيت من البديع الإيضاح، وإرسال المثل، أمَّا إرسال المثل فإنه واضح؛ لأن كل مَنْ سمعه وحفظه تمثّل به فيما يليق من المواقع، وأمَّا الإيضاح فإنه أزال به اللبس من خفاء الحكم الذي ادّعاه في البيت الذي تقدّمه، وهو أنّ العزّ في النقل، هذا حكم خافٍ عند المخاطب حتى يوضّحه بقوله: لو أنّ في شرف المأوى ... البيت، فيزول اللبس، ويتضح الحكم.
قال رحمه الله تعالى:
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع