من «شرح لامية العجم» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
أهبتُ بالحظِ لو ناديتُ مستمِعاً ... والحظُّ عنِّيَ بالجُهَّالِ في شُغُلِ
اللغة: أهاب الراعي بغنمه: صاح بها لتقف ولترجع، والحظ: النصيب، والنداء: معروف، مستمعا: اسم فاعل من استمع، والجهل: خلاف العِلم، شغل: فيه أربع لغات: شُغْل، وشُغُل، وشَغْل، وشَغَل.
الإعراب: أهبت: فعل وفاعل، بالحظ: الباء للتعدية، والألف واللام للعهد الذهني، والجار والمجرور في موضع النصب، ومستمعا: مفعول به، والحظ: مبتدأ في [ أ] شغل: في موضع رفع، خبر للمبتدأ تقديره والحظ مستقر في شغل بالجهال عنّي.
أنشد ابن الوردي ﵀:
وأغيدٍ يسألنيما المبتدا والخبرُ
مثلْهما لي مسرعاًفقلتُ أنتَ القمرُ
المعنى: صحت بالحظ، وطلبت إقباله لو أني ناديت من يسمعني؛ لأن الحظ اشتغل عني بالجهال، وهذا ينظر إلى قول عبد الرحمن بن الحكم:
لقد أسمعتَ لو ناديتَ حَيّاًولكنْ لا حياةَ لِمَنْ تُنادي
والصحيح أن الحظوظ لاتعلل، فما وجودها وعدمها باستحقاق من الطرفين، بل الله يرزق من يشاء بغير حساب، قال الله تعالى: [وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ] وقال تعالى: [نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا]، وقال ﵇: (لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد).
عِلْمي بسابقةِ المقْدورٍ ألْزمنيصبري وصمتي فلم أحرص ولم أسل
لو نيل بالحظ مطلوبٌ لما حُرِم الـرؤيا الكليم وكان الحظُّ للجبل
وحِكْمَةُ العقل اِن عزَّن واِن شرفتجهالة عند حكم الرزق والأجَلِ
وقال بعضهم:
كم من غَبّيٍ غَنيٌوكم من فَقيهٍ فَقيرٌ
وقال آخر:
وإذا استقام الدهر يوما للفتى أغنت سعادته عن التنجيم
وقال ابن قلاقس:
ولستَ تَرى في مَحْكَمِ الذكرِ سورةًتقومُ مقامَ الحمْدِ والكلُّ قُرآنُ
وقال مهيار الديلمي:
لا تحسَبِ الهمّةَ العَلياءَ مُوجِبةًرزقاً على قِسمة الأقدارِ لم يجبِ
لو كان أفضلُ مَنْ في الناس أسْعَدَهمما أنحطّتِ الشمسُ عن عالٍ من الشُّهُبِ
أو كان أسْيَرُ ما في الأُفْق أسْلَمَهدام الهلالُ فلم يُمْحَقْ ولم يَغبِ
وقال الطغرائي:
وأعظمُ ما بِي أنّني بفضائليحُرِمْتُ وما لي غيرَهُنَّ ذَرائِعُ ... [ أ]
إِذا لم يَزِدني موردي غيرَ غُلَّةٍفلا صدرتْ بالواردينَ مشارِعُ
وقال [القاضي] الفاضل:
ما ضَرَّ جَهلُ الجاهِليـنَ وَلا اِنتَفَعتُ أَنا بِحِذقي
وَزِيادَتي في الحَذقِ فَهـيَ زِيادَةٌ في نَقصِ رِزقي
وقال آخر:
إِذا جَمَعتْ بين امرأيْنِ صِناعَةٌفأحببتَ أن تدري الذي هو أحْذَقُ
فلا تَتَفقَّدْ منهما غيرَ ما جَرَتْبه لهُما الأرزاق حين تُفَرَّقُ
فحيثُ يكون الجَهلُ فالرزق واسِعٌوحيثُ يكونُ العلم فالرزق ضيِّقُ
وقال أبو العلاء:
لا بُدّ للحَسناءِ من ذامٍ ولاذامٌ لنَفسِي غَيرَ سَيّئِ بَخْتِها
وقال ابن سناء الملك:
ما تمَّ إِلا الحظُّ فارقُب لهولا تَقُل عقْلِي ولا حَزْمِي
كم نقمةٍ في طيِّها نعمةٌويوجَدُ التِّرياقُ في السُّمِّ
وقال الشافعي ﵁ من أبيات:
لو أنَّ بالحيلِ الغني لوجدتنيِبنجومِ أفلاكِ السماء تعلُّقي
لكنَّ من رُزِق الحجا حُرِمَ الغنىضدّان مفترقان أي تفرُّق
فإذا سمعتَ بأنَّ محروماً أتىماءً ليشربه فغاضَ فصدِّق
أو أنّ محظوظاً غدا في كفهعُودٌ فأورَقَ في يديه فحقِّقِ
وقال الإمام فخر الدين الرازي:
كم عاقل عاقل أعْيتْ مذاهبهُوجاهل جاهل تلقاهُ مَرْزوقا
هذا الذي تركَ الأوهامَ حائرةًوصَّبر العالم النِّحريرَ زِنديقاً
وقال أبو إسحاق الغزي:
كم عالِمٍ لم يًلِجْ بالقرعِ بابَ منىً وجاهلٍ قبلَ قرعِ البابِ قد ولجا
وقال ابن الخياط الأندلسي:
لم يخل من نوب الزمان أديبكلاّ فشأن النائبات تنوب
وإذا انتهيتَ إلى العلومِ وجدتَهاشيئاً يعدّ بها عليك ذنوب
وغضارة الأيّام تأبى أن يرىفيها لأبناء الذكاء نصيب
وكذاك من صحب الليالي طالباًجدّاً وفهماً فاته المطلوب
/ وهذا قول أبي الطيب:[ أ]
وَما الجَمعُ بَينَ الماءِ وَالنارِ في يَدٍبِأَصعَبَ مِن أَن أَجمَعَ الجَدَّ وَالفَهما
وقال ابن الخياط الدمشقي:
وَمَا زَالَ شُؤْمُ الْجَظِّ مِنْ كُلِّ طَالِبٍكَفِيلاً بِبُعْدِ الْمَطلَبِ الْمُتَدَانِي
وَقَدْ يُحْرَمُ الْجَلْدُ الْحَرِيصُ مَرَامَهُوَيُعْطِى مُنَاهُ الْعَاجِزُ الْمُتَوَانِي
ومنه قول الآخر:
وَقد يُحرَمُ الجَلْدُ الحَريصُ مَرامهُوَيُعطَى مُناهُ العاجِزُ المْتَوانِي
وقول الآخر:
قَد يُرزقُ المْرءُ لا مِنْ حُسنِ حِيلتهِوَيُصرَف المال عَنْ ذِي الحيلةِ الدَّاهِي
واعلم ـ رحمك الله ـ أنّ الزمان مولع بخمول الأدباء، وخمود نار الأذكياء، كما أخنى على الفضلاء، وجَهِل قدر العلماء، ولو أردنا أن نذكر مَنْ اتّفق له ذلك لعجزنا عن ذكر ما هنالك فلنقتصر على ما ذكرنا من قول الشعراء.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع