من «شرح لامية العجم» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
حبُّ السلامةِ يَثْني همَّ صاحِبه ... عن المعالي ويُغرِي المرءَ بالكَسلِ
اللغة: الحب قد تقدّم، السلامة: الرفاهية، يثني: يعطف ويكف، والهم: العزم، والإغراء: الولوع بالشيء، والمرء: الرجل، والكسل: التثاقل عن الشيء لأمر.
الإعراب: حب السلامة: مبتدأ، ومضاف، وخبره يثني، همّ: مفعول به، وصاحبه: مضاف إليه، عن المعالي: معناه التجاوز، ويغري: الواو عطف الفعل على الفعل، المرء: مفعول، بالكسل: الباء فيه للتعدية.
المعنى: يقول لصاحبه: حبّ السلامة يعطف عزم صاحبه عن اكتساب المعالي، ويُغري الإنسان بالكسل، كأنه لمَّا عرض على صاحبه المرافقة إلى الحيّ الذي وصفه، وجده
متثاقلا عن مرافقته، غير قابل على التوجه معه إلى الحيّ، والمشاركة له في المشاق والأخطار، فأخذ يعظه بمثل هذا الكلام، إنْ قلت: إنّ الكلام لصاحبه، وإنْ قلت: أنه قطع الكلام عنه، وأخذ يخاطب نفسه، كأن الإنسان يجرد من نفسه مخاطَبا إقامة للمواجهة بالقول، وأحسن ما جاء فيه قول الصمة بن عبد الله القشيري من الحماسة:
حنَنْتَ إلى رَيّا وَنَفسُكَ باعَدَتمَزارَكَ مِن رَيّا وَشَعباكَما/ مَعا ... [ ب]
الأبيات، ولعمري إنّ السلامة في الخمول خير من العطب في المعالي، فما يفي الوصل بالصدود، وقال الشاعر:
إنْ مدحتُ الخمولَ نبَّهتُ قوما غفْلا عنه سابقوني إليه
هو قد دلّني على لذة العيش فما لي أدلُّ غيري عليه
وقال أبو العلاء المعري:
ولو جرت النباهة في طريق الخمول إليَ لاخترت الخمولا
وقد رضي بالخمول جماعة من الرؤساء الأكابر المتقدمين في العلم والمنصب، منهم: أبو السعادات بن الأثير، صاحب جامع الأصول، والنهاية في غريب الحديث، قال الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ لمعاوية لمعاوية ﵁ إنّ عليَّ ديناً فأوفوه وأنتم في جلٍّ من الخلافة، فأوفوا دينه، وترك لهم الخلافة، وقد فعل ذلك جماعة من الأعيان، قال بعض العارفين: أول ما نزع الله من قلوب العارفين حب الرياسة، قال إبراهيم الغزي:
المجد سهل والطريـق إليه بالإجماع وعرُ
وقال ابن وكيع:
لقد رضيت همتي بالخمولولم ترض بالرتب العالية
وكن في مكان إذا ما وقعتَ تقومُ ورجلكَ في عافية
وهذا يشبه قول ابن رشيق:
تُنازِعُني النَّفْسُ أَعْلى الأمورِوَلَيْسَ مِنَ العَجْزِ لا أَنْشَطُ
وَلَكِنْ بِمِقْدارِ قُرْبِ المكانِتَكونُ سلامَةُ مَنْ يَسْقُطُ
وعلى الجملة فالزهد أمر تمسك العقلاء بعروته الوثقى، ولهذا أفتى الفقهاء بأنه لو أوصى لأعقل الناس صرف إلى الزهاد، وكل ما تراه عينك رهن الزوال، ومقدمات نتيجتها العدم، ولله در ابن الشبل البغدادي
إذ يقول:
صحة المرء للسّقام طريقٌوطريق الفناء هذا البقاء
بالذي نغتذي نموت ونحياأقتل الدّاء للنفوس الدواء
ما لقينا من غدر دنيا فلا كانت ولا كان أخذها والعطاء
صلفٌ تحت راعد وسرابكرعت منه مومسٌ خرقاء [ أ]
راجعٌ جودها عليها فمهمايهب الصبح يستردّ المساء
ليت شعري حلما تمر به الأيام أم ليس تعقل الأشياء
من فسادٍ يكون في عالم الكون فما للنفوس منه اتّقاء
وقليلا ما تصحب المهجة الجسـم ففيم الشقاء وفيم العناء
قبَّح الله لذةً لشقانانالها الأمهات والآباء
نحن لولا الوجود لم نألم الفقـر فإيجادنا علينا بلاء
وهي طويلة، وقال آخر:
هذه الدنيا وهذا شأنها أتعب الناس بها أعوانها
وذوو الأحلام قالوا إنهاحلُمُ يقضي بها يقظانها
يقال إنُ بعض الخلفاء أرسل إلى الخليل بن أحمد رسوله، فوجده يبل كسرة في ماء، ويأكل منها، فقال: أجب أمير المؤمنين، فقال: ما لي إليه حاجة، فقال: إنه يغنيك، فقال: ما دمت أجد هذين فإني لا أحتاج إليه، وقال تلميذه النضر بن شميل: أقام الخليل في خُصٍّ من أخصاص البصرة، لا يقدر على فلس، وأصحابه يكسبون الأموال بعلمه، وأخبار الزهاد في إعراضهم كثيرة، وهذا الذي تقدم ذكره كله مخالف مراد الطغرائي في البيت، فإنّ رأيه السعي والجد والكد والكدح والانتصاب لتلقي لتلقي الأهوال في تحصيل المعالي، والترقي إلى
منازل العز، وكسب المجد بالحركة والإقدام على ركوب الأخطار؛ لنيل الأماني، وبلوغ الأوطار، ولله درّ القائل:
فَما قَضى حاجَتَهُ طالِبٌفُؤادُهُ يَخفِقُ مِن رُعبِهِ
وَغايَةُ المُفرِطِ في سِلمِهِكَغايَةِ المُفرِطِ في حَربِهِ
ومن الكلم النوابغ: صعود الآكام، وهبوط الغيطان، خير من القعود بين الحيطان، قال ابن نباتة السعدي:
ومن طلَبَ النجومَ أطالَ صبراًعلى بعد المسافةِ والمنالِ ... [ ب]
وتثمِرُ حاجةُ المحتاجِ نجْحاًإذا ما كانَ فيه ذا احتِيالِ
ومما يُنسب إلى علي بن أبي طالب ﵁:
كِدَّ كَدَّ العبد إن آثرت أن تُصبح حرّا
لا تقل ذا مكسب يزري سؤال الناس أزرى
وللسراج الوراق:
دع الهوينا وانتصب واكتسب واكدح فنفس المرء كدّاحة
وكن عن الراحة في معزل فالصفح موجود مع الراحة
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع