تجاوز إلى المحتوى

من «شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات» لأبي بكر ابن الأنباري (ت ٣٢٨هـ)

قصيدة امرئ القيس بن حجر (٢)

إلا موتى.

كَدأْبكَ منْ أُمِّ الحُوَيْرثِ قَبْلَهاوجارتِها أُمِّ الرَّبابِ بمأْسَلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

الكاف صلة للكلام الذي قبلها. والمعنى: أصابك من هذه المرأة من التعب والنصب كما أصابك من

هاتين المرأتين. وفيه قول آخر: وهو أن يكون المعنى: لقيت من وقوفك على هذه الديار وتذكرك

أهلها كما لقيت من أم الحويرث وجارتها. قال

الله ﵎: (كدأب آلِ فِرعَوْن). فالكاف صلة

للكلام الذي قبلها، والمعنى: كفرت اليهود ككفر آلِ فرعون. وروى أبو عبيدة: (كدينك من أم

الحويرث قبلها) يريد: كدأبك وحالك وعادتك. قال الشاعر:

يا دينَ قلبكَ من أسماء يا دِينا

يريد: يا حال قلبك وعادته. ويروى: (يا دين قلبك من أسماء) على معنى: يا هذا، دين قلبك من

أسماء، أي استعبد قلبك. وقال الآخر:

تقول وقد درأتُ لها وَضِينيأهذا دينُه أبداً وديني
أكُلَّ الدَّهر حَلٌّ وارتحالٌأمَا يُبْقى علىَّ ولا يقيني
للشاعر جرير، من قصيدة «عرين من عرينة ليس منا»

والدين ينقسم على خمسة أقسام: يكون الدين الحال والعادة والدأب، تقول العرب: ما زال ذاك دأبه

وحاله وعادته، ودينه، وديْدنه وديْدانه، وهجيراه وإهجيراته. قال الشاعر:

رمَى فأخطأ والأقدارُ غالبةٌفانصَعْن والويل هِجيِّراهُ والحَرَبُ
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»

والديدبون: طريق اللهو واللعب. ويكون الدين الحساب. قال ﷿: (يسَألون أَيَّانَ يَوْمُ الدين)،

فمعناه أيان يوم الحساب. ويكون الدين الجزاء في الخير والشر، يقال: (كما تدين تدان)، أي كما

تصنع يُصنع بك. وقال الآخر:

واعلمْ وأيْقِنْ أن مُلكَك زائلٌواعلم بأنَّك ما تَدين تُدانُ

أي كما تصنع يُصنع بك. وقال الآخر:

فلما صرَّح الشَّرُّفأمسى وَهْوَ عُريانُ
ولم يبقَ سوِى العُدوان دِنَّاهمْ كما دانوا
للشاعر الفند الزماني، من قصيدة «أقيدوا القوم إن الظلم لايرضاه ديان»

أي جازيناهم. ويكون الدين الطاعة، قال الله ﷿: (ما كانَ ليأخُذَ أخاهُ في دِين المَلِك)، أي في

طاعة الملك. ويكون الدين السلطان، قال زهير:

لئن حللت بجوٍّ في بنى أسدفي دِين عمرو وحالتْ بيننا فَدَكُ
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «بان الخليط ولم يأووا لمن تركوا»

وفي الدين وجه سادس، وهو الذل والعبودية. جاء في الحديث: (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد

الموت)، يريد من استعبد. وقال الأعشى:

هو دانَ الرِّبابَ إذْ كرهوا الدينَ دِراكاَ بغَزْوة وصِيالِ
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ما بكاء الكبير بالأطلال»
ثم دانَتْ بعدُ الربابُ وكانتكعذابٍ عقوبةُ الأقوال
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ما بكاء الكبير بالأطلال»

أراد: هو استعبد الرباب. وقال القطامي:

رَمَت المَقاتلَ من فؤادي بعدماكانت نَوَارُ تدينك الأديانا

أي تستعبدك بحبها. وقال هشام بن محمد الكلبي: أم الحويرث هي هر أم الحارث بن حصن بن

ضمضم الكلبي. وقال غيره: أم الحويرث وأم الرباب: امرأتان من كلب. ومأسل: موضع.

وأم الحويرث مخفوضة بمن، وقيل منصوبة على الصفة، والجارة منسوقة على أم الحويرث، وأم

الرباب مترجمة عن الجارة.

إِذا قامتا تَضَوَّعَ المِسْكُ منهُمانَسِيمَ الصَّبَا جاءَتْ برَيَّا القَرنفُلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذِكرى حبيب ومنزل ( معلقة )»

ما في قامتا يعود على أم الحويرث وأم الرباب. وتضوع جواب إذا. ومعنى تضوع. أخذ كذا وكذا،

وهو تفعَّل تضوّع من ضاع يضُوع. يقال للفرخ إذا تسمع صوت أمه فتحرك: ضاعه صوت أمه

يضوعه ضوعا. قال الهذلي:

فُرَيخان ينضاعَان في الفَجر كلّماأحسَّا دَوِىَّ الماء أو صوتَ ناعبِ
للشاعر صخر الغي، من قصيدة «لعمر أبي عمرو لقد ساقه المنا»

والهاء في (منهما) تعود على قامتا. ونسيم الصبا: تنسمها، وهو هبوبها بضعف. قال المجنون:

لَهِنَّ الصَّبا ريحٌ إذا ما تنسَّمَتْعلى كِبدِ مَحزون تجلَّتْ همومُها

والنسيم منصوب على المصدر، والمسك مرفوع بتضوع. وقال الفراء: المسك مذكر فإذا أنث فإنما

يذهب إلى الريح. وقال غيره: المسك والعنبر يذكران ويؤنثان. وأنشدوا في تأنيثهما:

والمسك والعنبر خيرُ طيبأخذناهنّ بالثمَنِ الرَّغيب

وقال الأعشى في تذكيرها:

إذا تَقومُ يَضُوعُ المسك آونةًوالعنبر الوَرْدُ من أردانها شَمِلُ

والنسيم مضاف إلى الصبا، وجاءت صلة الصبا، وما فيه يعود على الصبا. وإنما جاز للصبا أن

توصل لأن هبوبها يختلف فيصير بمنزلة المجهول، فيوصل كما يوصل الذي. قال الله ﷿:

(كمثلَ الحمار يَحمل أسفاراً) فيحمل صلة الحمار، والتقدير كمثل الحمار الذي يحمل أسفاراً. والباء

من صلة جاءت. وريا القرنفل: ريح القرنفل ولا تكون الريا إلا ريحا طيبة. قال الشاعر:

لَعمرُكَ ما أن طِبتَ إلاَّ وقد جرىبرَيَّاك من ريَّا الحبيبِ نَسيمُ

ويروى:

إذا التفتَتْ نَحوِي تضوَّع ريحُهانسيمَ الصبَّا جاءت بريا القرتفُلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»
فَفَاضَت دُموعُ العَينِ مِنىِّ صبَابةًعَلَى النَّحْرِ حتَّى بَلَّ دَمعِيَ مِحْمَلي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

قوله (ففاضت) معناه: فسالت. والصبابة: رقة القلب، ورقة الشوق. يقال: فلان صب بفلان، وقد

صب يصب. قال الشاعر:

يَصَبُّ إلى الحياة ويشتهيهاوفي طول الحياةِ له عَناءُ
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «ألا أبلغ بني عوف بن كعب»

والصبابة منصوبة على المصدر، كما تقول: أقبل عبد الله ركضا، فتنصب ركضا على المصدر،

والتقدير ركض عبد الله ركضا. قال الشاعر:

يعجبه السَّخُونُ والعصيدُوالتَّمرً حباًّ ما له مَزيدُ

نصب الحب على المصدر، والتقدير: يحب السخون حبا. قال امرؤ القيس:

فصرنا إلى الحُسْنىَ ورقَّ كلامُناورُضْت وَذلَّتْ صَعبةً أيَّ إذلالِ

فنصب أي على المصدر، لان التقدير وأذللت أي إذلال. وقال الله ﷿: (أنْبتَكُمْ مِن الأرضِ

نَباتاً). نصب النبات على المصدر، لان التقدير: نبتم نباتا. والمحمل: السير الذي يحمل به السيف،

والجمع على غير قياس حمائل. وليس للحمائل واحد من لفظها، ولو كان لها واحد لكان حميلة، ولكان

لم يسمع واحدها من العرب. وكذا قولهم: مطايب الثور والجزور، لا واحد للمطايب من لفظها. وقال

الشاعر في المحمل:

فارفضَّ دمعُكَ فوق ظهر المِحْمَلِ

أخرى: (وارفضَّ).

أَلا رُبَّ يَومٍ لَكَ منهنَّ صالحٍولا سيَّما يَومٌ بدارةِ جُلجُلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

الافتتاح للكلام، ورب فيها لغات، أفصحهن ضم الراء وتشديد الباء. قال الله ﷿: (رُبَّما يَوَدُّ

الذين كَفَروا لو كانوا مُسْلِمِين). وقال الأعشى:

رُبَّ رِفدٍ هرَقْتَه ذلك اليومَ وأسرَى كأنَّهنَّ السَّعالي
وشيوخٍ حرَبَى بشطَّيْ أريكٍونساءٍ كأنَّهنَّ السَّعالي
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ما بكاء الكبير بالأطلال»

ومن العرب من يضم الراء ويخفف الباء فيقول: رُبَ رجلٍ قائم. قرأ أهل الحجاز: (رًبَما يودُّ الذين

كَفَروا)، بتخفيف الباء. وقال الفراء: قال قيس بن الربيع عن عاصم: قرأت على زرر بن حبيش:

(رُبَّما) بالتشديد، فقال: إنك لتحب الرب (رُبمَا) فخفف. وقال الشاعر في التخفيف:

أشيَبْان ما أدراكَ أن رُبَ ليلةٍغبقتكَ فيها والغَبوُق حَبيبُ

وقال الآخر:

رُبَ ذِي لِقَاحٍ وَيْبَ أمِّك فاحشٍهاعٍ إذا ما النَّاسُ جاعُول وأجدَبُوا

وقال الآخر:

عُلِّقتُها عَرَضاً وأقتلُ قَومَهارُبَ مَزْعَم للمرءِ ليسَ بمزعَمِ

ومن العرب من يفتح الراء من رُبَّ ويشد الباء، فيقول: رَبَّ رجل قائل. وزعم الكسائي إنه سمع

التخفيف في المفتوحة. ومن العرب من يدخل معها تاء للتأنيث ويشدد الباء، فيقول: رُبَّت رجل قائم.

قال الشاعر:

ماويَّ بل رُبَّتَما غارةٍشَعواءَ كاللَّذْعة بالميسمِ

ويجوز أن تخففها فتقول رُبَتَ رجل قائم. والمعنى: ألا رب يوم كان فيه لك سرور وغبطة.

واليوم مخفوض برب، واللام صلة لليوم، ومن صلة اللام، كما تقول: مررت برجل في الدار خلفك،

فتجعل في صلة رجل، وخلفك صلة في. ولا يجوز أن تكون اللام ومن صلتين لليوم، لأن الرسم لا

يوصل بصلتين، لا يجوز أن تقول مررت برجل قام قعد. ويجوز أن تكون اللام صلة صالح، ومن

صلة اللام. وصالح صلة لليوم مشبه بالنعت، من قبل إنه تبع اليوم، والصلات لا تتبع الأسماء.

وقوله: (ولا سيما يوم بدارة جلجل) معناه التعجب من فضل هذا اليوم، أي هو يوم يفضل الأيام،

والتقدير: ولا مثل الذي هو يوم. فما بمعنى الذي، واليوم مرفوع بإضمار هو. ويروى (ولا سيما يوم)

فاليوم مخفوض بإضافة سي اليه، وما صلة. ويقال سيَما وسيَّما، بالتخفيف والتشديد. ويقال: هذا سي

هذا، أي مثل هذا. ويقال: هما سيان، أي مثلان.

ودارة جلجل: قام هشام بن الكلبي: هي عند غمر ذي كندة وقال الأصمعي وأبو عبيدة: دارة جلجل

هي في الحمى. ويقال: دار ودارة، وغدير غديرة، وإزار وإزارة. والباء في قوله: (بدارة جلجل)

صلة لليوم.

ويَوْمَ عَقَرْتُ للعَذارَى مَطَّيتيفيا عجَبَا لرَحْلها المتَحمِّلِ

اليوم موضعه رفع على الرد على اليوم الذي بعد سيما، إلا إنه نصب في اللفظ، لأنه مضاف غير

محض. قال الله ﷿: (وما أدراكَ ما يومُ الدين. ثم ما أدراكَ

ما يومَ الدين. يومَ لا تَملِكُ نفسٌ شيئاً)، فموضع اليوم رفع، إلا إنه نصب لأن إضافته غير محضة. قال الشاعر:

مِن أيِّ يومَيَّ من الموتِ أفغِرّأيَومَ لا يُقْدَرُ أم يومَ قُدِرْ

فاليوم الذي بعد الألف وبعد أم مخفوض على الرد على اليومين الأولين. وقال الآخر:

على حينَ انحنيتُ وشابَ رأسيفأيَّ فتىً دعوتَ وأيَّ حينِ

وقال الآخر:

على حينَ عاتبتُ المَشِيب على الصبِّاوقُلتُ ألمَّا تَصْحُ والشيبُ وازِعُ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «عفا ذو حساً من فرتنى فالفوارع»

ومن روى البيت الأول: (ولاسيما يومٍ) قال: موضع ويوم عقرت خفض على النسق على اليوم

الأول، إلا إنه نصب لأن إضافته غير محضة. وقال الفراء: لا يجوز أن يكون (يوم عقرتُ) مردودا

على قوله (ألا رب يوم لك منهن صالح)، لأنه مضاف غير محض وهو معرفة، فلا يجوز لرب أن

تقع على المعارف. وقال غير الفراء: اليوم منصوب بفعل مضمر، كأنه قال: وأذكر يوم عقرتُ.

وقالوا: معناه التعجب.

قال أبو بكر: والقول الأول عندي أقيس، لأنا نضمر إذا لم يمكنا النسق، فإذا أمكننا فليس بنا حاجة

إلى الإضمار.

ويقال: العذارَى والعذارِى، والصحارَى والصحارِى، والذفارَى والذفارِى. ومطيته: ناقته. ويقال حمر

مصارٍ ومصارَى: منسوبة إلى مصر؛ ودجاج بحارٍ وبحارَى: منسوبة إلى البحر.

وقوله: (فيا عجبا لرحلها المتحمل) معناه: فعلت هذا لسفهي في شبابي. ثم أقبل يخبر فقال: فظل

العذارى يرتمين. ويقال معنى قوله: (فيا عجبا لرحلها المتحمل): العجب لهن ومنهن كيف أطقن حمل

الرحل في هودجهن، فكيف رحلن إبلهن على تنعمهن ورفاهة عيشهن، ورخص أبدانهن.

فظَلَّ العَذارَى يرتَمِينَ بلَحْمِهاوشَحمٍ كهُدَّابِ الدِّمَقْسِ المُفَتَّلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

العرب تقول: ظل فلان يفعل كذا وكذا، إذا فعله نهارا؛ وبات يفعل كذا وكذا، إذا فعله ليلا. وظل من

الفعل فعل، ويظل يفعل، كان الأصل فيهما ظلل يظلل، فكرهت العرب أن يجمع بين حرفين

متحركين من جنس واحد فأسقطوا حركة الحرف الأول وأدغموه في الثاني، كما قالوا صم يصم،

والأصل فيه صمم يصمم، فأسقطوا حركة الميم الأولى وأدغموها في الثانية لما ذكرنا.

والعذارى موضعهن رفع بظل، كان الأصل فيهن العذارى، فاستثقلت الضمة على الياء فحذفتها، لأن

الضمة إعراب والياء قد تكون إعرابا، فكرهوا أن يدخلوا الضمة عليها لهذه العلة. وخبر ظل ما عاد

من يرتمين من ذكر العذارى، والنون علامة الرفع والجمع والتأنيث.

وقال أبو عبيدة: معنى قوله (يرتمين بلحمها): يتهادينه ويناول بعضهن بعضا. والدمقس والمدقس:

كل ثوب أبيض من كتان أو إبريسم أو قز. وقال قوم: شبه شحم هذه الناقة وهؤلاء الجوارى

يترامينه، أي يتهادينه، بهدأب الدمقس، وهو غزل الإبريسم المفتول.

وقال الأصمعي: الهداب الهدب. والدمقس: الحرير. كانوا يتخذون قطفا من حرير يركبون عليها،

وكانت حواشيها مما يلي الهداب منها بيضا. فشبه بياض اللحم ولينه ونعمته بذلك. يقال هداب

وهدب.

وقال ابن حبيب: شبَّه اللحم في بياضه بالدمقس. وقد يكون أن يحتذبنه ليلقم بعضهن بعضا. فشبه

رقه الهدب به.

وقال السجستاني: ثم اقبل يخبر أنهن كن يرتمين بلحمها وشحمها، يرمى بعضهن بعضا به، شهوة

له.

وقال غيره: المعنى: بذلت لحم راحلتي لهن، فهن يطرحنه على النار.

والباء صلة يرتمين. ويرتمين يفتعلن من الرمي. والشحم منسوق على اللحم. والكاف في موضع

خفض لأنها نعت للشحم، كأنك قلت: وشحم مثل هداب، كما تقول: مررت برجل كالشمس، أي مثل

الشمس. والمفتل نعت للدمقس.

ويَومَ دَخَلْتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْزَةٍفقالَتْ لَكَ الوَيْلاَتُ إِنَّكَ مُرجِلِي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

اليوم منسوق على قوله: (ويوم عقرت)، يجوز فيه ما جاز فيه، وهو منصوب من قول قوم من

النحويين بفعل مضمر، كأنك قلت: واذكر يوم عقرت. والخدر منصوب بدخلت، وخدر عنيزة مترجم

عن الخدر الأول. وعنيزة مخفوضة بإضافة الخدر إليها، وكان ينبغي أن ينصبها بلا تنوين، لأنها لا

تُجرى، كما تقول نظرت إلى فاطمة وعائشة، ولكنه خفضها بتنوين لضرورة الشعر. وعنيزة هي

المرأة التي كانت حملته في هودجها فكان يحاول منها ما يحاول، فتمايل الهودج مرة به ومرة بها

فتقول له عند ذلك: لك الويلات إنك مرجلي.

قال ابن الكلبي: لا أعرف عنيزة. وقال الأصمعي: عنيزة لقب لفاطمة. وقال أبو نصر: عنيزة

امرأة. وقال ابن حبيب: إنما الرواية: (ويوم دخلت الخدر يوم عنيزة)، وقال: عنيزة: هضبة سوداء

بالشحر ببطن فلج. والدليل على أن عنيزة موضع قوله: (أفاطم مهلا).

وقوله: (لك الويلات) فيه قولان: أحدهما أن يكون دعاء منها عليه في الحقيقة، اذ كانت تخاف أن

يعقر بعيرها. والقول الآخر: أن يكون دعاء منها له في الحقيقة، كما تقول العرب للرجل إذا رمى

فأجاد: فاتله الله ما أرماه! قال الشاعر:

لك الويلاتُ أقدِمنْا عليهموخير الطالبي الترةِ الغَشومُ

وقالت الكندية ترثي اخوتها:

هَوتْ أمُّهمْ ماذا بهم يوم صُرِّعواببَيْسانَ من إثباتِ مَجدٍ تصرَّما

فقوله: (هوت أمهم) دعاء عليهم في الظاهر، وهو دعاء لهم في الحقيقة.

وقوله: (إنك مرجلي) قال الأصمعي: دخل معها في الهودج فقالت: إنك تعقر بعيري فتدعني ذات

رجلة! والهودج، هو الخدر، ومن ثمة قيل: أسد خادر ومخدر، أي في أجمة مثل الخدر. يقال رجل

الرجل يرجل رجلا، وأرجله إرجالا.

وقال أبو عبيدة: إنما قال: (عقرت بعيري) ولم يقل ناقتي، لأنهم يحملون النساء على الذكور، لأنها

أقوى وأضبط.

والبعير يقع على المذكر والمؤنث. قال هشام: العرب تقول: اسقني لبن بعيرك، يريدون لبن ناقتك.

تقولُ وقد مَالَ الغَبيطُ بنا معاًعَقَرْتَ بَعيرِي يا امْرأَ القيسِ فانْزلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

ما في تقول يعود على عنيزة في قول من زعم إنها امرأة، والواو واو حال، كأنه قال: تقول وهذه

حالها، كما تقول: ضربت زيدا وقد قام، أي وهذه حاله. وإنما جاز لمال أن تكون حالا لأن قد

صحبته، فصار بمعنى مائل، كما تقول: قد قام عبد الله وقاعد، فتنسق بقاعد على قد قام، لأنه بمنزلة

قولك قائم عبد الله وقاعد.

وقال الفراء: إذا قلت: قد اضطرب فلان، فهو مثل قولك: مضطرب فلان وأنشد:

أمِّ صبِيٍّ قد حبا أو دارجِ

قال الله ﷿: (أو جاءوكم حَصِرِتْ صُدورُهم)، فمعناه قد حصرت،

لأن الماضي لا يكون حالا إلا بقد. وقد قرأ الحسن رحمه الله تعالى: (حَصِرة صُدورهم).

و (الغبيط) قال أبو عمرو الشيباني: هو الهودج بعينه. وقال الأصمعي: قتب الهودج. وقال غيرهما:

هو مركب من مراكب النساء. ومعا منصوب على الحال من النون والألف، والعامل فيه مال، كأنه

قال: وقد مال الغبيط بنا جميعا، كما تقول: قام الزيدان معا، أي قاما جميعا. وقوله: (عقرت بعيري)

قال الأصمعي: معناه تركت بعيري عقيرا.

وامرؤ القيس منصوب لأنه منادى مضاف. وانزل موضعه جزم على الأمر، إلا إنه كسر اللام

للقافية ووصل كسرة اللام بالياء، كما قال زهير:

أمِنْ أمِّ أوْفَى دِمنةٌ لم تَكَلَّمبحَومانة الدَّرَّاج فالمتثلِّمِ
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «أمن أم أوفى دمنة لم تكلم»
فقُلْتُ لها سِيرِي وأَرخى زِمَامَهولا تُبعِديني مِنْ جَنَاكِ المُعَلِّلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

الهاء تعود على عنيزة. وقال الأصمعي: المعنى هوني عليك لا تبالي أعقر أم سلم. وقوله: (من

جناك) قال الأصمعي: جعلها بمنزلة شجرة لها جنى، فجعل ما يصيب من رائحتها وحديثها وقبلها

بمنزلة ما يصيب من رائحة الشجرة وثمرها. والمعلل: الشاغل الذي يعللني ساعة بعد ساعة، ويقال

للمعلل الملهى.

وموضع سيري جزم بتأويل لام ساقطة، كأنه قال: لتسيري، وعلامة الجزم فيه سقوط النون، لأن

الأصل سيرين، وكذلك (أرخة زمامه). وقوله: (ولا تبعديني من جناك) موضع تبعديني جزم على

النهي بلا، وعلامة الجزم فيه سقوط النون، وكان الأصل تبعديني. والجنى مخفوض بمن، والمعلل

نعته.

وجنى النخل والشجر: ما اجتنى من ثمرها، قال الله ﷿: (وجَنَى الجَنَّتَيِنِ دَان). وقال الشاعر:

وطيبُ ثمارٍ في رياضٍ أريضةٍوأغصانُ أشجار جناها على قُربِ
فَمِثْلِكِ حُبْلَى قد طَرَقْتُ ومُرضِعٍفأَلْهَيْتُها عَنْ تَمائِمَ مُحْوِلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

فمثلك، مخفوضة بإضمار رب، كأنه قال: فرب مثلك. قال الشاعر:

ومنهلٍ فيه الغراب مَيْتُسَقيتُ منه القومَ واستقيتُ

أراد: رب منهل، فحذف رب وأقام الواو مقامها. وقال الآخر:

رسِم دارٍ وقَفْتُ في طَلَلهْكِدتُ أقْضِى الحياةَ مِن جَلَلِهْ
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «رسم دار وقفت في طلله»

أراد: ورب رسم، فأسقط رب وأسقط الواو التي تخلفها، وقال الآخر:

مِثِلكِ أو خَيْرٍ تركتُ رذِيَّةًتقلِّب عينَيها إذا طار طائرُ

وحبلى خفض على الاتباع لمثل، لان مثلا تأويلها تأويل النكرة ولفظها لفظ المعرفة، فتبعتها حبلى

وهي نكرة من اجل تأويلها. وقد طرقت صلة حبلى، والهاء المضمرة تعود عليها كأنك قلت: قد

طرقتها. والمرضع مخفوضة على النسق على الحبلى، ويجوز

أن يكون حبلى منصوبة على القطع من مثل، لأن لفظها لفظ المعرفة. ويجوز نصب مرضع من وجهين: أحدهما أن تنسقها على الحبلى،

والوجه الآخر أن تنسقها على الهاء المضمرة، أي طرقتها وطرقت مرضعا. ولم يرو النصب أحد.

قال الأعشى:

ومثلِكِ مُعجبَةً بالشَّبابِ صاكَ العبيرُ بأجسادها
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أجدك لم تغتمض ليلة»

فنصب معجبة على القطع من مثل، لان لفظها لفظ المعرفة، ويجوز الخفض لان تأويلها النكرة. قال

امرؤ القيس:

ومثلِكِ بيضاءَ العوارض طَفْلَةًلعُوبًٍ تنِّسيني إذا قُمتُ سربالي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

زعم الكسائي أنهم ربما نصبوا بيضاء العوارض طفلة، ثم يخفضون لعوبا. ويجوز خفض بيضاء

العوارض طفلة ونصب لعوب. ويروى: (فمثلك بكراً قد طرقتُ ومرضع) فالبكر منصوبة على القطع

منمثل، والمرضع مخفوضة بالواو التي خلفت رب، كأنك قلت: ورب امرأة أخرى ترضع ولدها قد

طرقتها. وقال الأصمعي: معنى قوله: (فمثلك حبلى قد طرقت) أن الحبلى لا تريد الرجال ولا

تشتهيهم، يقول: فهي ترغي فيّ لجمالي. وكل حامل تمنع الذكر إلا المرأة. وقوله: (طرقت) معناه

أتيتها فغلبتها على نفسها حتى لهيت عن ولدها. ويقال: طرقت الرجل، إذا أتيته ليلا. ولا يكون

الطروق إلا بالليل. قال الله ﷿: (والسَّماءِ والطارقِ) فالطارق: النجم، سمى طارقا لأنه يطرق

بالليل. قال جرير:

طرقَ الخيَالُ لأمِّ حزَرْة مَوهِناًولَحَبَّ بالطَّيف الملمِّ خيَالا
للشاعر جرير، من قصيدة «حي الغداة برامة الأطلالا»

(وقالت هند بنت عتبة):

نحنُ بناتُ طارقِنمشي على النَّمارقِ
للشاعر هند بنت عتبة، من قصيدة «نحن بنات طارق»

تريد: نحن بنات النجم في الحسن والعز. وقوله: (عن ذي تمائم محول). قال أبو عبيدة: التمائم:

العوذ، واحدتها تميمة. والمعنى: ألهيتها عن صبي ذي تمائم. ويقال: لهى الرجل عن الشيء يلهى، إذا

غفل عنه وأعرض. يقال في مثل: (إذا استأثر الله بشيء فاله عنه)، أي أعرض عنه. يقال: لهوت

من اللهو ألهو لهواً.

وقال أبو عمرو: المحول: الذي قد أتى عليه حول، يقال أحال إذا أتى عليه حول، وهو محيل

ومحول. وروي الأصمعي وأبو عبيدة:

فألهيتُها عن ذي تمائمَ مُغْيِلِ

وقال الأصمعي: المغيل: الذي تؤتى أمه وهي ترضعه. يقال امرأة مغيل، ومغيل. وقد أغالت

وأغيلت، إذا سقت غيلا. والغيل: أن يرضع على حمل، أو تؤتى أمه وهي ترضعه.

وذكرت امرأة ابنها فقالت: (والله ما حملته وضعا - ويروى ما حملته تضعا - ولا ولدته يتنا، ولا

أرضعته غيلا، ولا أبته مئقا). فالوضع: أن تحمل به في آخر طهرها في مُقبل الحيض. ويقال للولد

وضع وتضع. واليتن والأتن والوتن: أن تخرج رجل المولود قبل رأسه. ويقال: أتنت المرأة وأيتنت

وأوتنت، اذا نالها هذا. قال عيسى بن عمر: سألت ذا الرمة عن شيء ليس على جهة فقال: أتعرف

اليتن؟ فقلت: نعم. قال: فكلامك هذا يتن، كأنه مقلوب. ويقال ألهيت الرجل عن الشيء ألهيه، إذا

شغلته عنه. ولهى الرجل عن الشيء يلهى. (ولا أبته مئقا)، معناه ما أبته ينشج من البكاء. وينشج:

يردد الصوت بالبكاء. وأبته من البيتوتة. ومثل للعرب: (أنت تئق وأنا مئق، فكيف نتفق)، أي أنت

ممتلئ غضبا وأنا سريع البكاء، فلا نتفق لهذا. ومن ذلك قول الناس: هو أحمق مائق. في المائق

قولان: أحدهما أن يكون معناه كمعنى الأحمق، والقول الآخر أن يكون المائق السيئ الخلق، فيكون

مأخوذا من الباب الذي ذكرناه.

إِذا ما بَكَى مِنْ خَلْفِها انصرفَتْ لهبشِقٍّ وتحتي شِقُّها لم يُحوَّلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

يقول: كانت تحتي، فإذا بكى الصبي انصرفت له بشق ترضعه وهي تحتي بعد. وإنما تفعل هذا لأن

هواها معي. وروى أبو عبيدة:

إذا ما بكى مِن خلفها انحرَفت لهبشِقً وشِقٌّ عندنا لم يُحلحَلِ

أي لم يحرك. وما صلة، كأنه قال: إذا بكى. وما في (بكى) يعود على ذي تمائم. وانصرفت جواب

إذا، والهاء في له يعود على ما في بكى. ويروى: (إذا ما بَكَى من حُبِّها).

ويَوْماً على ظَهْر الكَثِيبِ تَعذَّرَتْعَلَّى وآلَتْ حَلْفَةً لم تَحَلَّلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

اليوم منصوب بتعذرت، وعلى صلة اليوم. والكئيب: رمل مجتمع. (وتعذرت): تشددت. ويقال:

تعذرت الحوائج عند فلان، أي تعسرت. و (آلت): حلفت. ويقال ألوة، وألية، وألوة. وقوله: (ويوم

على ظهر الكثيب). وقال السجستاني: تعذرت أصله من العذر، أي لم نجدها على ما نريد.

أَفَاطِمَُ مَهْلاً بعضَ هَذَا التَّدلُّلِوإِنْ كُنْتِ قد أَزمَعْتِ صُرْمى فأَجْمِلي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

قوله (أفاطم)، معناه يا فاطم. وفي الاسم المنادى تسع لغات: يقال يا فاطم بإثبات يا، ويقال فاطم

بإسقاط يا، قال الله ﷿: (يا آدَمُ أنبئْهُمْ بأسمائهم) فأثبت يا، وقال في موضع آخر: (يوسُفُ

أعرِضْ عن هذا). ويقال: وافاطم، ويقال أيضا: أفاطم، ويقال آفاطم بهمزة بعدها ألف، ويقال أيْ

فاطم. أنشد الفراء:

ألم تسمعي أيْ عَبْدَ في رَونق الضُّحىبكاءَ حَمامات لهنَّ سَجيعُ

ويقال: آي فاطم، بإثبات ألف وياء بعد الهزة. قال الفراء: سمعت أعرابيا يقول: آي أمة، وأخرى،

أي أمه. ويقال: أيا فاطم. قال الشاعر:

أيا بانةَ الوادي أليس بليةًمن العيش أن تُحمَى على ظِلالُكِ

وقال الآخر:

أيا عمرو لا تعذُلْ محباًّ ولا تُعنْعلى لَومِهِ، أن المحبَّ أسيرُ

ويقال: هيا فاطم. أنشد الفراء:

هيا أمَّ عمرو هل ليَ اليومَ عندكمْبِغَيْبةِ أبصارِ العُداةِ سبيلُ

وأراد بقوله أفاطم يا فاطمة، فأسقط الهاء وترك الميم مفتوحة، كما يقال في ترخيم بثينة وخديجة: يا

بُثين أقبلي، ويا خديج اقعدي. قال الشاعر):

بُثَينَ الزمِي لا أن لا أن لزمِتهعلَى كثرة الواشين أي مَعونِ
للشاعر جميل بثينة، اقرأ القصيدة

ويجوز في العربية: أفاطمُ بضم الميم، على أن تجعله اسما فترفع آخره، كما ترفع آخر زيد وعمرو

إذا ناديتهما. أجاز النحويون: يا بثينُ أقبلي ويا خديجُ اقعدي. وأنشد الفراء لذي الرمة:

فيا مَيَّ ما يُدرك أين مُناخنامُعَرَّقةَ الألْحِى يمانِيَةً سُجْرا

وقال الفراء: يا فاطمةُ أقبلي ويا فاطمةَ أقبلي، فمن قال يا فاطمةُ هو نداء مفرد مرفوع، ومن قال يا

فاطمةَ كان لد مذهبان: أن تقول أردت أن أقول يا فاطم بالترخيم فرددت التاء وقدَّرت فيها فتح

الترخيم؛ والمذهب الآخر أن يقول: أردت يا فاطمتاه، فأسقطت الألف والهاء وتركت التاء على

فتحتها. قرأت القراء: (يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا) على معنى يا بنياه. قال أبو بكر: وأنشدني أبو العباس

للنابغة:

كِلِيني لهمٍّ يا أميمةَ ناصِبِوليلٍ أقاسيهِ بطئِ الكواكبِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهم يا أميمة ناصب»

وذكر أبو العباس في فتح أميمة الوجهين اللذين ذكرهما الفراء. ويروى: (أفاطم أبقى بعض هذا

التدلل. وأبقى موضعه جزم، لأنه أمر علامة الجزم فيه سقوط النون، وهمزت الألف في الوصل لأنها

ألف قطع، والدليل على ذلك أن الماضي على أرعة أحرف والمستقبل مضموم الأول، فالماضي بقى

والمستقبل يُبقى. وبعض منصوب ببقى، وهذا مخفوض بإضافة بعض إليه، والتدلل تابع لهذا.

ويروى: (أفاطم مهلا بعض هذا التدلل) فبعض في هذه الرواية منصوب بفعل مضمر، كأنك قلت

مهلا أبقى بعض هذا التدلل، فحذفت الفعل لأن مهلا يدل عليه والرواية الأولى رواية أبي عمرو

الشيباني. وقوله: (وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي) أن شرط، والتاء اسم الكون، وخبر الكون ما

عاد من الاء التي في أزمعت، وصرمي منصوب بأزمعت، والفاء في قوله فأجملي جواب الشرط،

وأجملي موضعه جزم لأنه أمر علامة الجزم فيه سقوط النون. والمعنى: أن كنت عزمت على هجري

فأجملي في اللفظ. وقال الأصمعي: يقال قد أمعت على الأمر، وأجمعت عليه، وعزمت عليه، سواء.

وهذا مثل قول العجاج:

فإنْ تُديمي وَصْلَ عَفٍّ وَصَّالْيدُم وإلاَّ ينْصرفْ بإجمالْ

وروى أبو عبيدة: (وإن كنت قد أزمعت قتلي فأجملي). ويروى: (وإن كنت قد أزمعت هجري).

ويقال في المثل: (أجمل في قتلي). ويقال: قتلة أحسن من هذه. وقال يعقوب: الصرم: القطيعة. يقال:

صرمت الشيء أصرمه صرما، اذا قطعته؛ والصرم الاسم، ومنه سيف صارم، ومنه زمن الصِّرام

والصَّرام. ومنه الصرائم: قطع من الرمل تنقطع من معظمه. ومنه الصريمة: العزيمة. وقال ابن

الكلبي: فاطمة هي ابنة العبيد بن ثعلبة بن عامر. قال: وعامر هو الأجدار بن عوف بن كنانة بن

عوف بن عذرة. قال: ولها يقول:

لا وأبيكِ ابنةَ العامرىِّ لا يدَّعى القومُ أني أفِرّ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أحار بن عمرو كأني خمر»

وإنما سمى الأجدار لجدَرة كانت في عنقه.

أَغَرَّكِ مِنِّي أن حُبَّكِ قَاتِلِيوأَنَّكِ مَهْمَا تأْمُري القَلبَ يَفْعَلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

قوله (أغرك مني) لفظه لفظ الاستفهام ومعناه معنى التقرير، وهو بمنزلة قول جرير:

ألَستمْ خيرَ مَنْ ركِب المطاياوأندَى العالمينَ بطونَ راحِ
للشاعر جرير، من قصيدة «أتصحو بل فؤادك غير صاح»

فاللفظ لفظ الاستفهام، والمعنى: أنتم خير من ركب المطايا.

ومن صلة أغرك، وأن موضعها رفع بأغرك، كأنك قلت أغرك مني حبيك. وقاتلي موضعه رفع لأنه

خبر أن، وأن الثانية موضعها رفع لأنها منسوقة على أن الأولى، والكاف اسم أن الثانية، وخبرها ما

في تأمري، وتأمري موضعه جزم بمهما، علامة الجزم فيه سقوط النون، والقلب منصوب بتأمرى،

ومهما موضعه نصب بتأمري. قال الفراء: كان الأصل في مهما ما، فحذفت العرب الألف منها

وجعلت الهاء خلفا منها، ثم وصلت بما فدلت على المعنى وصارت كأنها صلة لما، وهي في الأصل

اسم. وكذلك مهمن. قال زهير:

ومهما تكُنْ عند امرئٍ من خليقةولو خالَها تَخفى على الناس تُعلَمِ
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «أمن أم أوفى دمنة لم تكلم»

فموضع مهما رفع بما في تكن من ذكره، والذي في تكن اسم الكون، وعند خبر الكون. وقال الآخر

في مهمن:

أماوِيَّ مَهْمَنْ يستمع في صديقهأقاويلَ هذا الناس ماوِيَّ يندمِ

فموضع مهمن رفع بما في يستمع. وقال بعض النحويين معنى مع كف، كما تقول للرجل إذا فعل

فعلا لا ترضاه منه: مه؛ أي كف. والمعنى: وأنك مهما تأمري قلبك يفعل لأنك مالكة له، وأنا لا أملك

قلبي. وقال قوم: المعنى مهما تأمرى قلبي يفعل لأنه مطيع لك.

وإِنْ تَكُ قَدْ ساءَتْكِ مِنِّى خَلِيقةٌفسلِّى ثِيابي مِنْ ثِيابكِ تَنْسُلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذِكرى حبيب ومنزل ( معلقة )»

قوله (إنْ تكُ) موضع تك جزم بإن، علامة الجزم فيه سكون النون، والواو من تكون سقطت لاجتماع

الساكنين، والساكنان الواو والنون، والنون حذفت لكثرة الاستعمال وشبهتها العرب بالواو والياء

فأسقطوها كما يسقطونهما، فإذا تحركت النون لم يجز سقوطها. تقول: لم يك زيد قائما، ولم يك عمرو

جالسا، فتسقط النون لما ذكرنا. فإذا قلت: لم يكن الرجل قائما لم يجز سقوط النون لتحركها. واسم

الكون الخليقة، والخبر ساءتك، وجواب الجزاء الفاء. والمعنى: أن كان فيَّ خلق لا ترضينه فلي

ثيابي من ثيابك، أي قلبي من قلبك. والثياب هاهنا كناية عن القلب. قال الله ﷿: (وثيابَكَ

فطَهَّر) معناه قلبك فطهر. قال عنترة:

فشككتُ بالرُّمح الطَّويلِ ثيابَهليس الكريمُ على القنَا بمحرَّمِ

أراد: فشككت بالرمح قلبه. وقال امرؤ القيس:

ثيابُ بني عَوف طَهارَى نقيَّةٌوأوجهُهْم عند المَشَاهِدِ غُرَّانُ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا إِن قوماً كنتم أمس دونهم»

أراد بالثياب القلوب. ويقول: سلى ثيابي من ثيابك، أي أمري من أمرك، اقطعي. وقال خالد ابن

كلثوم: كان طلاق أهل الجاهلية أن يسل الرجل ثوبه من امرأته وتسل المرأة ثوبها. وقال أبو عبيدة:

إنما الثياب تنسل، وهو مثل للصريمة، كقولك: ثيابي من ثيابك حرام. وقال: هذا صرم والأول قتل،

يعني قوله أزمعت قتلي. ويروى: (وإنْ كنت قد ساءتك منى خليقة). والخليقة والطبيعة والسَّليقة

والسُّوس والتُّوس، كله واحد، ومعنى قوله (تنسل) تبين عنها. يقال للسن إذا بانت فسقطت: قد نسلت.

ويقال للنصل إذا سقط: قد نسل. ويقال للريش إذا بان عن الطائر: قد نسل. وهو النسيل والنُّسال.

وقد أنسل، إذا أنبت الريش.

وموضع سلى جزم على الأمر، علامة الجزم فيه سقوط النون، وموضع تنسل

جزم، لأنه جواب للجزاء المقدر؛ والتقدير: فسلي ثيابي من ثيابك، أي أن تسليها تنسل. واللام كسرت لأنه احتيج إلى

حركتها للقافية، والمجزوم إذا احتيج إلى حركته كسر. ويقال: نسل الريش ينسُل وينسِل. ويروى:

(فسلى ثيابي من ثيابك تنسل)، بكسر السين.

وما ذَرَفَتْ عَيناكِ إِلاَّ لتَضْربيبسَهْمَيكِ في أَعْشَارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

قال ابن الأنباري: حدثني أبي قال: حدثنا أحمد بن عبيد قال: حدثنا هشام ابن محمد قال: حدثني

شيبان بن معاوية قال: أخبرني رجل من أهل البصرة قال:

خرجت من البصرة أريد مكة، فبينا أنا أسير في ليلة بدر اذ نظرت إلى رجل على ظليم قد زمه

وخطمه، يعن لي - أي يعترض - وهو يقول:

هْل يُبْلغنّيهمْ إلى الصَّباحْعِقْلٌ كأنَّ رأسَه جُمَّاحْ

قال: فاستوحشت منه وحشة شديدة، وتخوفت أن يكون ليس بإنسي. قال: فما زال يقول هذا البيت

حتى أنست به، فقلت له: يا هذا، من أشعر الناس؟ قال: الذي يقول:

وما ذَرَفتْ عيناكِ إلاّ لتضربيبسهمَيك في أعشارِ قلب مُقتَّلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

قلت: لمن هذا الشعر؟ قال لامرئ القيس. قال: قلت ثم من؟ قال: الذي يقول:

تطردُ القُرَّ بحرّ صادقوعكيكَ القَيظ أن جاء بِقُرّ
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «أصحوت اليوم أم شاقتك هر»

قلت: لمن هذا الشعر؟ قال: لطرفة بن العبد. قلت: ثم من؟ قال: الذي يقول:

وتبْرُدُ بردَ رِداء العروسِ في الصَّيف رَقرقْتَ فيه العبيرا

قلت: لمن هذا الشعر؟ قال: للأعشى. ثم توارى من عيني فلم أره.

ومعنى قوله: (إلا لتضربي بسهميك): ما بكت إلا لتجرحي قلبا معشرا، أي مكسرا. يقال برمة أعشار

وقدح أعشار، إذا كان قطعا. ولم يسمع للأعشار بواحد. يقول: بكيت لتجعلي قلبي مقطعا مخرقا

فاسدا، كما يخرق الجابر أعشار البرمة، والبرمة تنجبر والقلب لا ينجبر. ومثله قوله، هو للمرقش

الأصغر:

رمتْكَ ابنةُ البكريِّ عن فرعِ ضالةٍوهنّ بنا خُوصٌ يُخلَن نعائما
للشاعر المرقش الأصغر، من قصيدة «ألا يا اسلمي لا صرم لي اليوم فاطما»

أي نظرت إليك فأقرحت قلبك، وليس أنها رمتك بسهم. وقال غير الأصمعي: إنما هذا مثل لأعشار

الجزور، وهي تقسم على عشرة أنصباء. وقوله (بسهميك)، يريد المعلى وله سبعة أنصباء، والرقيب

وله ثلاثة أنصباء. فأراد أنك ذهبت بقلبي أجمع. والمقتل: المذلل. يقال: بعير مقتل، أي مذلل. وهذا

مثل. وروى أبو نصر عن الأصمعي إنه قال: معناه دخل حبك في قلبي كما يدخل السهم. يقول: لم

تبكي لأنك مظلومة، وإنما بكيت لتقدحي في قلبي، كما يقدح القادح في الأعشار.

وبَيضَةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُهاتَمتَّعْتُ مِن لَهْوٍ بهَا غَيْرَ مُعْجَلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

معناه: رب بيضة خدر، أي رب امرأة كأنها بيضة في خدرها، شبهها بها لصفائها ورقتها. وقوله:

(لا يرام خباؤها) معناه لعزها لا يتعرض لخبائها. والخباء: ما كان على عمودين أو ثلاثة. والبيت: ما

كان على ستة أعمدة إلى التسعة. والخيمة من الشجر. وإنما شبهها ببيضة في خدرها لأنها مخدرة

مصونة مكنونة لا تبرز للشمس، ولا تظهر للناس، فشبهها بالبيضة لصفائها وملاستها. ويقال: شبهها

ببيضة النعام. وقوله: (تمتعت من لهو بها غير معجل) معناه: وصلت إليها وتمتعت على تمهل

وتمكث، لم أعجل ولم أعر. ويقال معنى قوله: (غير معجل) غير خائف، أي لم يكن ذلك مما كنت

أفعله مرة ولا مرتين.

ولا يرام خباؤها صلة البيضة، والخبياء اسم ما لم يسم فاعله، ومن صلة تمتعت، وبها صلة لهو،

وغير معجل منصوب على الحال من التاء.

تَجَاوَزْتُ أحراساً إليها ومَعْشَراًعَلَّى حِراصاً لَوْ يُسِرُّونَ مَقْتَلِي
للشاعر امرؤ القيس، اقرأ القصيدة

ويروى: (يشرون مقتلي) بالشين، أي يظهرون. يقال أشررت الشيء، إذا أظهرته. قال الشاعر يذكر

أصحاب على رضي الله ﵎ عنه:

فما برِحوا حتَّى رأى الله صَبَرهمْوحتَّى أُشِرّتْ بالأكف المصاحفُ
للشاعر الحصين بن حمام الفزاري، من قصيدة «فما برحوا حتى رأى الله صبرهم»

يريد: حتى أظهرت. ويروى: (تخطيت أبوابا إليها ومعشرا). والأحراس: جمع الحرس. وقوله

(ومعشرا) يريد قومها. يقول. تجاوزت إليها أعداء يتمنون قتلى لو وصلوا إليه. وقال يعقوب بن

السكين: هذا مثل قولك: هو حريص على لو يقتلني. وقال غيره: معنى قوله (لو يسرون مقتلي): هم

حراص على إسرار قتلى، وذلك غير كائن؛ لشرفي ونباهتي وموضعي من قومي. ويقال أسررت

الثوب، إذا شررته وأظهرته. ويسرون حرف من الأضداد، يقال: أسررت الشيء، إذا أخفيته؛

وأسررته، إذا أظهرته. قال الله ﷿: (وأسَرُّوا النَّجْوَى الذين ظَلَموا)، معناه: وأظهروا النجوى.

ذكر ذلك أبو عبيدة. واحتج بقول الشاعر:

ولما رأى الحجاجَ جرَّدَ سيفَهأسرَّ الحروريُّ الذي كان أضْمَرا

معناه أظهر الحروري. وقال أبو عبيدة في قول الله عز ذكره: (وأسَرُّوا النَّدامةَ لمَّا رأوُا العَذَاب):

معناه: وأظهروا الندامة. وكان الفراء يذهب إلى أن المعنى وأخفوا الندامة من السفلة الذين أضلوهم.

والأحراس منصوبون بتجاوزت، وواحدهم حرس، واليها صلة تجاوزت، والمعشر منسوق على

الأحراس. والمعشر جمع لا واحد له من لفظه، وكذلك النفر

والقوم، والرهط، والابل، والغنم، لا واحد

لهذه الجموع من لفظها. وحراصا نعت للمعشر، وعلى صلة حراص. ومعنى لو يسرون: أن يسروا،

وأن تضارع لو في مثل هذا الموضع، يقال: وددت أن يقوم عبد الله، ووددت لو قام عبد الله، إلا أن

لو يرتفع المستقبل بعدها بالزيادة التي في أوله، وأن تنصب الفعل المستقبل. قال الله ﷿: (أيودُّ

أحدُكُمْ أن تكونَ له جَنَّةٌ مِنَ نخيِلٍ وأعناب)، فجاء بأن. ومعنى: (وَدُّوا لو تُدْهِنُ فيُدْهنُون): ودوا أن

تدهن فيدهنونومقتلي موضعه نصب بيسرون
إِذا مَا الثُّرَيَّا في السَّماءِ تَعَرَّضَتْتَعَرُّضَ أثْناءِ الوشَاح المُفَصَّلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

إذا من صلة تجاوزت، والمعنى: تجاوزت أحراسا إليها عند تعرض الثريا في السماء في وقت غفلة

من رقبائها. وقوله (تعرضت) معناه أن الثريا تستقبلك بأنفها أول ما تطلع، فإذا أرادت أن تسقط

تعرضت، كما أن الوشاح إذا طرح تلقاك بناحية. وهذا مثل قوله:

كما خَطَّ عبِرانيَّةً بيمينهبِتَيْماء حَبْرٌ ثم عَرَّض أسطُرَا
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «أتعرف رسما دارسا قد تغيرا»

يقول: خط أسطرا مستوية، ثم خالف أسطرا فجعل واحدا كذا وواحدا كذا. قال: ومثل هذا قوله:

تعرَّضَتْ لي بمكانٍ حِلِّتعرُّضَ المُهْرَة في الطِّوَلِّ

الطول: الرسن. يقول: تريك عرضها وهي في الرسن.

والوشاح: خرز يعمل من كل لون. والمفصل: الذي فصل بالزبرجد. وأثناء الوشاح: نواحيه

ومنقطعه، وواحد الأثناء ثنْى وثنِى وثَنىً، وواحد آلاء الله ﷾ إلى وإلاً وألاً، وواحد آناء

الليل إنى وإناً وأناً. قال الشاعر:

حُلْوٌ ومُرّ كَعَطْف القِدحِ مِرَّتُهفي كلِّ إنْىٍ قَضاهُ الله يَنتعِلُ

وقال الآخر:

أبيضُ لا يرهب الهُزالَ ولايقطع رِحماً ولا يَخُونُ إلاَ
للشاعر الأعشى، من قصيدة «إن محلا وإن مرتحلا»

وأنكر قوم (إذا ما الثريا في السماء تعرضت) وقالوا: الثريا لا تعرض لها. ويحكى عن محمد بن

سلام البصري إنه قال: إنما عنى بالثريا الجوزاء، لان الثريا لا تعرض. قال: وقد تفعل العرب مثل

هذا، واحتج بقوله زهير:

فتُنْتَجْ لكم غِلمانَ أشأمَ كلُّهمكأحمرِ عادٍ ثم تُرضِع فتَفْطِمِ
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «أمن أم أوفى دمنة لم تكلم»

قال: أراد كأحمر ثمود، فجعل عادا في موضع ثمود لضرورة الشعر. وقال أبو عمرو: تأخذ الثريا

وسط السماء كما يأخذ الوشاح وسط المرأة.

وإذا وقت، وما صلة للكلام على جهة التوكيد له، والثريا مرتفعة بما في تعرضت، وفي السماء صلة

تعرضت، وتعرض أثناء منصوب على المصدر، وهو مضاف إلى الأثناء، والأثناء مضاف إلى

الوشاح، والمفصل نعت للوشاح.

ويقال معنى قوله: كأثناء الوشاح، إنه شبه اجتماع الكواكب في الثريا ودنو بعضها من بعض

بالوشاح المنظم بالوداع المفصل بينه.

فجئْتُ وقد نَضَتْ لنَومٍ ثِيابَهالَدَى السِّتْرِ إِلاَّ لِبْسَةَ المُتفَضِّلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

قوله (وقد نضت لنوم ثيابها) معناه: وقد سلخت ثيابها عنها وألقتها. يقال:

نضا عنه ثيابه، وسرى

عنه ثيابه، إذا ألقاها. قال ابن هرمة:

سَرَى ثوبَه عنك الصِّبا المتَخايلُ

ويقال: نضا خضابه، إذا نصل من الشعر. وقد نضا الفرس الخيل، إذا نصل منها فخرج. ومنه

انتضى سيفه، إذا أخرجه. وقوله: (إلا لبسة المتفضل)، معناه ليس عليها من الثياب إلا شعارها، وهو

ثوبها الذي يلي جسدها، وتقوم وتقعد فيه وتنام. يقول: جئتها بعد هدء من الليل. ويروى: (فجئت وقد

ألقت لنوم ثيابها).

والفاء التي في قوله فجئت، تصل ما بعدها بما قبلها، والواو في قوله وقد نضت واو حال، وما في

نضت يعود على المرأة، ولدى الستر معناه عند الستر، واللبسة منصوبة على المصدر، وهي مضافة

إلى المتفضل. والمتفضل: الذي في ثوب واحد، وهو الفضل.

فقالَتْ: يَمِينَ اللهِ مالَكَ حِيلةٌوما أن أَرَى عَنْكَ الغَوايَةَ تَنْجَلِي
للشاعر ميخائيل خير الله ويردي، من قصيدة «أمياسة الأعطاف اخت العنادل»

وروى الأصمعي: (وما أن أرى عنك العماية). والعماية: مصدر عمى يعمى عمى وعماية. والغواية:

مصدر غوى يغوى غيا وغواية. ويقال: غوى الفصيل يغوى غوى، وهو أن يشرب من اللبن حتى

يتخثر ولا يروى. قال الشاعر:

معطَّفةُ الثناءِ ليس فَصِيلُهابرازئها دَرّا ولا ميِّتٍ غَوَى

وقال الأصمعي: مالك حيلة، تجيء والناس أحوالي. وقال ابن حبيب: مالك حيلة، معناه لا أقدر أن

أحتال في دفعك عني. وقال غيره: وليس لك حجة في أن تفضحني. وقال آخرون: معناه ليس لك

وجه مجيء إلينا. ومعنى تنجلي تتكشف. والجلية: الأمر البيَّن، ومن ذلك جلوت العروس، معناه

أظهرتها. وجلا القوم عن منازلهم جلاء، معناه انكشفوا وظهروا، قال الله ﷿: (ولولا أن كتبَ

اللهُ عليهم الجَلاَءَ لعذَّبَهُمْ في الدُّنيا). و (يمين الله) منصوب على مذهب القسم، قال الفراء: هو

منصوب بالجواب، وجواب القسم مالك حيلة، والحيلة مرفوعة باللام. وما جحد لا موضع لها،

والغواية منصوبة بأرى، وما جحد لا موضع لها وإن جحد أيضا، جمع بينها وبين ما لأنها تخالفها في

اللفظ. وخبر أرى ما عاد من تنجلي.

فقُمْتُ بها أَمْشِى تَجُرُّ وراءَناعلى إِثْرِنا أَذْيالَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ

معناه: قمت بها وقد خاصرتها وأخذت بيدها: وهي تجر ذيلها لتعفى الأثر لئلا يستدل علينا. ويروى:

(خرجت بها أمشي)، أي خرجت بها من البيوت لنخلو. و (المرط): كساء من خز أو غيره، ويقال

هو ثوب من مر عزى. و (المرحل): ضرب من البرود، ويقال لو شيه الترحيل، وقد رحلت ترحيلا.

النص من طبعة دار المعارف بالقاهرة، سلسلة ذخائر العرب، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.