تجاوز إلى المحتوى

من «شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات» لأبي بكر ابن الأنباري (ت ٣٢٨هـ)

قصيدة الحارث بن حلزة

﷽

قال حارث بن حلّزة بن مكروه بن بديد بن عبد الله بن مالك بن عبد سعد بن جشم بن ذبيان بن كنانة

بن يشكر بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب ابن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن

نزار بن معد بن عدنان بن أدد.

وكان من حديثه أن عمرو بن هند لما ملك - وكان جبارا عظيم الشأن - جمع بكرا وتغلب فأصلح

بينهم وأخذ من الحيين رهنا، من كل حي مائة غلام، وكف بعضهم عن بعض، فكان أولئك الرهن

يكونون معه في مسيره، ويغزون معه، فأصابتهم سموم في بعض مسيرهم، فهلك عامة التغلبيين وسلم

البكريون، فقالت تغلب لبكر ابن وائل: أعطونا ديات أبنائنا فإن ذلك لكم لازم. فأبت ذلك بكر،

فاجتمعت تغلب إلى عمرو بن كلثوم فقال عمرو لتغلب: بمن ترون بكرا تعصب أمرها اليوم؟ قالوا:

بمن عسى إلا برجب من أولاد ثعلبة. قال عمرو: أرى الأمر والله سينجلي عن أحمر أصلع، أصم

من بني يشكر. فجاءت بكر بالنعمان بن هرم، أحد بني ثعلبة ابن غنم، من بني يشكر، وجاءت تغلب

بعمرو بن كلثوم، فلما اجتمعوا عند الملك قال عمرو بن كلثوم للنعمان بن هرم: يا أصم، جاءت بك

أولاد ثعلبة تناضل عنهم وقد يفخرون عليك. قال النعمان: وعلى من أظلت السماء يفخرون. قال

عمرو بن كلثوم: والله أن لو لطمتك لطمة ما أخذوا لك بها! فقال: والله لو فعلت ما أفلت

بها قيس أير أبيك! فغضب عمرو بن هند، وكان يؤثر بني تغلب على بكر فقال: يا جارية أعطيه لحيا بلسان -

يقول الحيه - فقال له النعمان: أيها الملك، أعط ذلك أحب أهلك إليك. فقال عمرو بن هند: أيسرك

أني أبوك؟ قال: لا، ولكني وددت أنك أمي. فغضب عمرو بن هند غضبا شديدا حتى هم بالنعمان،

وقام الحارث بن حلزة - وهو أحد بني كنانة بن يشكر - فارتجل قصيدته ارتجالا وتوكأ على قوسه.

فزعموا إنه انتظم بها كفه وهو لا يشعر من الغضب.

وقال أبو عبيدة: كان عمرو بن هند شريرا، وكان يقال له مضرط الحجارة لشدته، وكان لا ينظر

إلى أحد به سوء، وكان الحارث بن حلزة أيضا بنشد من وراء الحجاب لأنه كان أسلع، أي أبرص.

فلما أنشد هذه القصيدة أدناه حتى خلص إليه.

وقال قطرب: حكى لنا أن الحلزة ضرب من البنات. قال: ولم يسمع فيه غير ذلك.

وأخبرنا أحمد بن محمد الأسدي قال: أخبرنا أبو عبد الله بن النطاح قال: حدثنا أبو عبيدة قال: أجود

الشعراء قصيدة واحدة جيدة طويلة ثلاثة نفر: عمرو بن كلثوم، والحارث بن حلزة، وطرفة بن عبد.

وقال أبو عبد الله: وقصيدة عمرو بن كلثوم التي عنى أبو عبيدة:

ألاَ هُبِّيّ بصَحنِكِ فصبَحينا

وقصيدة الحارث:

آذنَتْنا ببَينها أسماءُ

وقصيدة طرفة:

لخَولَة أطلالٌ بُبرقة ثَهمدِ

وقال التوزي: زعم الأصمعي أن الحارث قال وقصيدته وهو يومئذ ابن خمس وثلاثين ومائة سنة،

وقال حين ارتجلها مقبلا على عمرو بن هند الملك:

آذنَتْنا بِبَينِهَا أسْماءُرُبَّ ثاوٍ يُمَلُّ منه الثَّواءُ
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «آذنتنا ببينها أسماء»

قوله (آذنتنا) معناه أعلمتنا، قال الله ﷿: (آذنْتُكم على سَواء) أراد أعلمتكم. وقال جل ذكره:

(فأذَنوا بحرب من الله ورسولهِ) أي فأعلموا. ويقول الرُجل للرجُل: لم توذني بكذا وكذا، يريد: لم

تعلمينه. (البين): الفراق. يقال: بان الرجل يبين بينا وبينونة. وقال زهير:

إنَّ الخليطَ أجدَّ البَينَ فانفرقاوعُلّق القلب من أسماء ما عَلِقا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «إن الخليط أجد البين فانفرقا»

والبين من الأضداد، يكون الفراق ويكون الوصال. قال الله ﷿: (لقد تقطَّعَ بينكم) قرأ مجاهد

وغيره: (بينُكم) بالرفع، على معنى تقطَّع وصلكم. والبين، بكسر الباء: القطعة من الأرض قدر مد

البصر. قال تميم بنى مقبل:

بسَروِ حِميرَ أبوالُ البِغال بهأنَّى تَسَدَّيتَِ وهناً ذلك البِينا

تسديت معناه علوت وركبت.

وقوله (رب ثاو يملُّ منه الثواء) معناه: رب مقيم يمل منه إقامته، ولكنَّا لا نمل ثواء هذا المرأة.

والثاوي: المقيم. والثواء: الإقامة. يقال ثوى الرجل، إذا أقام. قال الشاعر:

ثَوَى في مَلحد لابدَّ منهكفَى بالموت نَأياً واغترابا

قال أبو عبيدة: ثوى الرجل وأثوى، إذا أقام. قال الأعشى:

أثَوى وقصَّر ليلةً ليزوَّدافمضَى وأخلفَ من قُتَيلة مَوِعدا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أثوى وقصر ليلة ليزودا»

وقال غير أبي عبيدة: يقال ثوى الرجل ولا يقال أثوى. وكان هؤلاء يروون بيت الأعشى: (أثوى)

بفتح الثاء، على معنى الاستفهام.

و (أسماء) رفع بفعلها، والباء صلة الفعل، وثاو خفض برب، أصله ثاوي فاستثقلت الكسرة في الياء

فألقيت، وأسقطت الياء لسكونها وسكون التنوين، ويمل منه الثواء صلة ثاو. لو رددت يمل إلى الدائم

خفضته على النعت فقلت ثاو مملول منه. الثواء رفع لأنه اسم ما لم يسم فاعله، ومن صلة يمل.

بَعد عَهْدٍ لهَا ببُرقَةِ شَمَّاءَ فأَدنى ديارِها الخَلْصاءُ
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «آذنتنا ببينها أسماء»

ويروى: (بعد عهد لنا). ومعنى البيت: آذنتنا ببينها بعد عهدنا بهذا الموضع. و (شماء): هضبة

معروفة. والهضبة: الجبل من الرمل. و (البرقة) والأبرق والبرقاء: رابية فيها رمل وطين، أو طين

وحجارة مختلطان. ثم أخبر أن له عهدا بهذه المرأة في الخلصاء أقرب من عهده بها في برقة شماء.

و (الخلصاء): أرض.

وبعد صلة آذنتنا، واللام والباء صلتان للعهد، وشماء مخفوضة بإضافة البرقة إليها، إلا أنها نصبت

لأنها لا تجرى بمدة التأنيث التي فيها. وأدنى رفع بالخلصاء، والخلصاء به.

و (الديار): جمع دار. والأصل في دار دور، وديار في الجمع بمنزلة قولك عبد وعباد، وبحر

وبحار. ويقال في جمع الدار أيضا أدؤر ودور. والأصل في أدؤر

أدور، فلما انضمت الواو همزت.

فمُحَيَّاةُ فالصِّفاحُ فأَعلَىذي فِتَاقٍ فعاذبٌ فالوَفَاءُ
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «آذنتنا ببينها أسماء»

فمحياة: أرض. والصفاح: أسماء هضاب مجتمعة. وواحد الصفاح صفحة. وفتاق: جبل. ويروى:

(فأعناق فتاق). وعاذب: واد. والوفاء: أرض. أخبر بقرب عهده بهذه المواضع وبهذه المرأة فيها.

ومحياة وما بعدها من أسماء المواضع ترتفع بالنسق على الخلصاء.

فرِياضُ القَطا فأَودِية الشُّربُبِ فالشُّعبتانِ فالأَبلاءُ
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «آذنتنا ببينها أسماء»

رياض القطا: رياض بعينها بكثر فيها استنقاع الماء ودوامه، تعشب فتألفها الطير لذلك. لا يقال في

الشجر روضة، إنما الروضة في النبت، والحديقة في الشجر. قال أبو عبيدة: الترعة: الروضة تكون

على المكان المرتفع خاصة، فإذا كانت في المكان المطمئن فهي روضة. قال النبي صلى الله عليه

وسلم: (إن منبري على ترعة من تُرع الجنة)، أراد على روضة. وقال أبو عمرو الشيباني: الترعة:

الدرجة. وقال غيره: الترعة: الباب. وقال أبو زياد الكلابي: أحسن ما تكون الروضة على المكان

الذي فيه غلظ وارتفاع. ألا تسمع قول الأعشى:

ما روضةٌ من رياض الحَزْن مُعْشبةخضراءُ جادَ عليها مُسبِلٌ هَطِلُ
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ودع هريرة إن الركب مرتحل»

قال: والحزن: ما بين زُبالة فما فوق ذلك مصعدا في بلاد نجد، وفيه ارتفاع وغلظ. والأصل في

رياض رواض، فصارت الوا ألفا لتحركها وانكسار ما قبلها. و (الشربُب): جبل. ويروى: (الشرْبَب)،

بفتح الباء الأولى. وقال

الأصمعي: إنما أراد بوادي الشُّربب، فاضطره الشعر إلى الجمع. وقال غيره:

العرب توقع الجمع على الواحد؛ من ذلك قول الله تعالى: (فنادَته الملائكة)، أراد: فناداه جبريل عليه

السلام وحده. وقوله: (فالشعبتان) هي أكمة لها قرنان ناتئان. والأكمة جبل من الرمل. (الأبلاء): اسم

بئر. خبر إنه قد كان يعهد من يواصله في هذه المواضع كلها، ثم تحملوا عنها وخلَّفوها خاوية.

والرياض وما بعدها من أسماء المواضع نسق على الخلصاء.

لا أَرَى مَنْ عَهِدتُ فيها فأَبكِي اليومَ دَلْها وما يردُّ البُكاءُ
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «آذنتنا ببينها أسماء»

يقول: لا أرى من عهدت من أحبابي في هذه المنازل، فأنا اليوم أبكي شوقا إليهم، أني حيث رأيت

آثارهم تذكرت ما كنت فيه منهم، فهاج ذلك لي البكاء. وقوله (دلها) معناه باطلا وضياعا. أي بكائي

يذهب ضياعا، إذ كنت لا أستدرك به شيئا. يقال: رجل مدله العقل، إذا كان ذاهب العقل. ويروى:

لا يُرى من عهدت فيها فأبكىأهلَ ودِّي

وقوله (وما يرد البكاء) معناه ما يردهم عليّ ولا يغنى شيئا، غير أني أبكي لتذكرهم، وأشفى بعض

ما بي من الحزن على فراقهم. ويروى: (وما يحير البكاء) أي وما يرد. قال الله تعالى. (إنَّه ظنَّ أن

لن يَحُورَ بَلَى) أراد: أن يرجع. قال الشاعر:

إن كنتِ عاذلتي فسيرِينحوَ العراقِ ولا تَحُوري
للشاعر المنخل اليشكري، من قصيدة «إن كنت عاذلتي فسيري»

ومن نصب بأرى، وعهدت صلة من، والهاء المضمرة تعود على من، كأنه

قال: من عهدته فيها. ودلها نصب على المصدر، وما نصب بيرد ومعناها الاستفهام كأنه قال: وأي شيء يرد البكاء.

ويجوز أن تكون في موضع رفع بما عاد من الهاء المضمرة، كأنه قال: وأي شيء يرده البكاء.

والبكاء رفع بفعله.

وبَعينَيكَ أَوْقَدَتْ هِندٌ النَّارَ أَخيراً تُلْوِى بها العَلْياءُ
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «آذنتنا ببينها أسماء»

قوله (وبعينيك) معناه وبرأي عينيك أوقدت هند النار. وهند ممن كان يواصل. أخبر إنه رأى نارها

عند آخر عهده بها؛ لقوله (أخيراً). وقوله (تلوى بها العلياء) معناه ترفعها وتضيئها له. و (العلياء):

المكان المرتفع من الأرض. وإنما يريد العالية، وهي الحجاز وما يلية من بلاد قيس. أنشدنا أبو

العباس:

يا دارَ ميَّةَ بالعَلياء فالسَّنَدِأقوتْ وطالَ عليها سالفُ الأبَدِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «يا دار مية بالعلياء فالسند»

ويقال: هو من عُليا معد، بضم العين مع القصر، ومن عَلياء معد بفتح العين مع المد. فأراد أن

العلياء تضيء النار كما يلوى بالرجل بثوبه إذا رفعه يلوح به للقوم إذا بشرهم من بعيد. وكذلك يقال:

ألوت الناقة بذنبها، إذا رفعته.

وهند ترتفع بأوقدت أيضا. وأخيرا نصب على الوقت أراد وقتا آخرا. وتلوى موضعه رفع في اللفظ

بالتاء وفي الحقيقة نصب، والعلياء ترتفع بتلوى، والباء صلة تلوى.

أَوقدَتْها بين العَقيقِ فشَخْصَيْنِ بعُودٍ كما يَلُوحُ الضِّياءُ
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «آذنتنا ببينها أسماء»

ويروى:

بين العقيق فشَخصٍذي قِضِينٍ كما يلوحُ الضّياءُ

قوله (أوقدتها بين العقيق)، معناه رأى النار بالعلياء ولم يدر أين موضعها من العلياء، حتى تأملها

فعلم أين هي من العلياء فقال بين العقيق - و (العقيق): مكان - وبين شخصين - وشخصان: أكمة

لها شعبتان - فعلم أن موقد النار كان بالعلياء بين العقيق وشخصين. وقوله (بعود) أراد الذي يُتبخر

به، وهو الألنجوج واليلنجوج، والألوة. يروى عن النبي ﷺ إنه قال في صفة أهل

الجنة: (مجامرهم الألوة). وقال أبو دهبل:

تَجعل النَّدَّ والألوَّةَ والمِسْكَ صِلاءً لها على الكانونِ
للشاعر أبو دهبل الجمحي، اقرأ القصيدة

ولعل هذه المرأة التي ذكر لم تر عودا قط، ولكن الشعراء قالوا في ذلك فأكثروا. وما جعلوها كذلك

إلا لحبهم موقدي النار.

ثم قال: (كما يلوح الضياء)، أي كما يظهر الضياء. والضياء: الضوء. وضياء الفجر من هذا. ضياء

السراج وضياء النهار واحد.

والقضين: جمع قضة، وهي شجرة. ويقال: هذه قضون فاعلم، ورأيت قضين، فتفتح النون لأنها

مشبهة بنون الجمع. ومنهم من يقول هذه قضين ورأيت قضينا ونظرت إلى قضين، فتعرب النون

لأنها بمنزلة ما هو من الاسم.

ويروى: (أوقدتها بين العقيق وذي السدر). وذو السدر: موضع.

وفاعل أوقدت مضمر فيه من ذكر هند، والهاء والألف تعودان على النار، وهي والباء صلتان

لأوقدت، وشخصين نسق على العقيق، والكاف نصب به أيضا،

وما خفض بالكاف، ويلوح الضياء صلتها، ولا عائد لها لأنها في معنى المصدر

فتنوَّرْتُ نارَها مِن بَعيدبخَزَازٍ هيهاتٍ مِنْكَ الصِّلاءُ
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «آذنتنا ببينها أسماء»

قوله (تنورت نارها) معناه نظرت لي سناها في الليل. والتنور: نظرك إلى النار وتأملك أين هي؟

قريبة أم بعيدة. ثم قال (بخزاز). وخزاز: جبل بين العقيق وشخصين كما وصف. ثم إنه أطمع نفسه

في اصطلائها فظن إنها قريب، فلما علم إنها بعيدة قال: هيهات منك الصلاء، أي ما أبعده منك.

ويقال: قد تنور فلان النار، إذا نظر إليها. قال الشاعر:

وأجَّجْنا بكل يَفَاعِ أرضٍوَقودَ النار للمتنوّرينا

ويقال: قد أنار القمر الموضع ونوره، إذا صار الموضع نيرا به. قال الأعشى يمدح بشر بن معد

يكرب الكندي:

لو كنتُ مِن شيءٍ سوى بشرٍكنت المنوِّرَ ليلةَ البدرِ
للشاعر المسيب بن علس، من قصيدة «أصرمت حبل الوصل من فتر»

ومعنى هيهات البعد. قال الله ﷿: (هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِمَا تُوعَدون) معناه: بعيد ما توعدون. قال

الشاعر:

تَرى أمرَ بكر ثم أنت تلومُنيعلى خَلَّةٍ هيهاتَ منك قريبُها

فمعناه: بعيد. ويقال: هيهاتٍ هيهاتٍ بكسر التاء فيهما مع التنوين. ويقال: هيهاتاً هيهاتاً بنصبهما مع

التنوين. قال الأحوص:

تَذكَّرُ أياماً مضَين من الصّباوهيهات هَيهاتاً إليك رجوعُها

ويقال: أيهاتَ أيهاتَ. وانشد الفراء:

فأيهات أيهاتَ العقيقُ ومَن بهِوأيهاتُ وَصْلٌ بالعقيق تُواصلُه
للشاعر جرير، من قصيدة «ألم تر أن الجهل أقصر باطله»

ويقال: هيهاتُ بالرفع بغير تنوين، وهيهاتٌ بالرفع مع التنوين.

و (الصلاء): النار بكسر الصاد فيمد. والصَّلا بالفتح مقصور. قال الشاعر:

وباشَرَ راعيها الصَّلاَ بلَبانِهِوكَفَّيهِ حَرَّ النار ما يتحرّفُ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وجاء قريع الشول قبل إفالها»

ومن والباء صلتان لتنورت، والصلاء رفع بهيهات، والنار نصب يتنورت.

غَيْرَ أَنِّي قَدْ أَستعِينُ على الهَمِّ إذا خَفَّ بالثَّوِىِّ النَّجاءُ
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «آذنتنا ببينها أسماء»

غير اني، معناه إلا أني، فلما وضعت غير في موضع إلا نصب على الاستثناء وفتحت الراء

لاجتماع الساكنين؛ وذلك إنه ترك ما كان فيه من ذكر الصبا ثم أنشأ شيئا صار فيه وقال: (إذا خف

بالثوى النجاء)، وهو المقيم. و (النجاء): الانطلاق والانكماش، والغالب عليه المد وربما قصر في

الشعر، فإذا كرر فقيل النَّجا النَّجا، جاز فيه المد والقصر. و (خف) معناه مضى وذهب. والنَّجا

مقصور: ما ألقيته عن الرجل من حلة أو لباس. يقال: أنجو عنه كذا وكذا، إذا ألقيته. قال الشاعر:

فقلتُ انجُوَا عنها نجا الجِلْد إنَّهسيرضيكما منها سَنَامٌ وغاربُه
للشاعر عبد الرحمن بن حسان الأنصاري، اقرأ القصيدة
بزَفُوفِ كأَنّها هِقْلةٌ أُمُّ رِئالٍ دَوِّيّةٌ سَقْفاءُ
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «آذنتنا ببينها أسماء»

زفزف: نافة مسرعة خفيفة، تزف زفيفا. والزفيف: عدو النعام إذا أسرع والدَّفيف؛ طيران الطائر إذا

أسرع في الحال التي يكون فيها قريبا من الأرض. فالزفيف للنعام، والدفيف للطير. يقال: زف

الرجل يزف زفيفا، إذا أسرع قال الله تعالى: (فأقْبَلوا إليه يَزِفُّونَ). وقرأ بعض القراء بالتخفيف:

(يَزِفُونَ) وإنما وصف الناقة بصفة النعامة لأنها شبهت بها. والهقلة نعامة، والذكر هقل. قال الأعشى:

فإذا أطاف لُغامُه بسَديسِهِثَنَّى ورادَ لحاجة وتزيَّدا
شبَّهتَه هِقْلاً يُبارِي هِقلةًرَبْداءَ في خَيط نَقانِقَ أربَداَ

النقانق: جمع نقنق، الذكر منها، والأنثى نقنقة. واللغام: الزبد والسديس: ناب من أنيابه. والمربد:

الذي يضرب إلى السواد. والخيط: القطعة من النعام. وفيه خَيط وخيط، بالفتح والكسر. والخيْط من

الخُيُوط،

ولا يجوز الا بالفتح. و (الرئال): فراخ النعام، واحدها رأل، وثلاثة أرؤل، فاذا كثرت فهي

رئال ورئلان. و (دوية) منسوبة إلى الدو. والدو: الأرض الواسعة البعيدة الأطراف. و (سقفاء):

نعامة في رجلها انحناء. ويقال للرجل أسقف، وللمرأة سقفاء، إذا كان فيهما انحناء.

والهاء اسم كأن، وهقلة خبر كأن. وأم رئال، ودوية، وسقفاء، نعوت لهقلة.

آنستْ نَبْأَةً وأَفْزعَهَا القَنَّاصُ عَصْراً وقَددنا الإِمساءُ
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «آذنتنا ببينها أسماء»

معناه: آنست هذه النعامة نبأة. و (النبأة): الصوت الخفي لا يدري من أين هو. و (آنست) هنا:

أحسست. والإيناس: النظر وإبصارك الشيء. ويقال؛ آنست الشيء، إذا وجدته. قال الله ﷿:

(آنَسَ مِنْ جانب الطور ناراً)، أراد: وجد. وقال الأنصاري:

فعِفْتَ المدينَةَ إذْ جئتَهاوآنسْت للأُسدِ فيها زئيرا
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أظن عيينة إذ زارها»

وقوله (وأفزعها القناص) يعنى الصياد. والقنص: الصيد. يقول: فلما رأتهم طارت على وجهها

فزعا. و (عصرا) معناه عشيا. وإنما سميت العصر في الصلاة عصرا لأنها في آخر النهار. والعصر

في غير هذا: الدهر. وفيه لغتان: عُصُرٌ وعصْر. وقال امرؤ القيس:

إلا انعَمْ صباحاً أيها الطَّللُ الباليوهل ينعَمَنْ مَن كان في العُصُر الخالي

ويقال في جمعه أعصر، وعصور. قال الشاعر:

تذكَّرتُ ليلى والشَّبيبة أعصُراوذكرُ الصّبا بَرْحٌ على من تذكَّرا

وفاعل آنست مضمر فيه من ذكر النعامة، والنبأة منصوبة به، وعصرا منصوب على الوقت، والواو

في وقد واو الحال. والإمساء رفع بدنا، وهو مصدر أمسى.

فَتَرى خَلْفَها مِن الرَّجْعِ والوقْعِ مَنِيناً كأَنّه إهباءُ
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «آذنتنا ببينها أسماء»

والمعنى: فترى خلف الناقة من الرجع، أي من رجع قوائمها. و (المنين): الغبار الدقيق الذي تثيره

بقوائمها. وكل ضعيف منين، فعيل بمعنى مفعول. والممنون: الذي ذهبت منته. والمنة: القوة؛ ولذلك

قيل للحبل الخلق منين. قال الله ﷿: (فلهمْ أجرٌ غَير مَمْنون)، أراد: غير مقطوع ولا ضعيف.

ويقال معناه غير محسوب. وقال آخرون: لا يمن الله ﷾ عليهم به. ويقال: فلان قدمنه

السير، أي أضعفه. و (الإهباء): إثارتها الهباء. والهباء: الغبار الذي كأنه دخان. وإذا دخلت الشمس

في الكوة فالذي تراه كأنه غبار من السماء يتناثر هو الهباء. قال الله ﵎: (وقَدِمْنا إلى ما

عَمِلوا مْن عَمَلٍ فجعلنْاه هَبَاءً مَنْثوراً). والمنثور: المنتشر المتفرق. والهبوة: الغبرة. قال الشاعر:

وزُرق كسَتْهنّ الأسنة هَبوةًأرقّ من الماء الزُّلال كليلُها
للشاعر زيد الخيل الطائي، اقرأ القصيدة

الزرق: نصال الأسنة. والأسنة أراد بها المسان التي يحد بها النصال، الواحد مسن. وقوله: كستهن

هبوة، أراد أن النصال جلتها المسان حتى اشتد جلاؤها، فكانت كأن عليها غبرة من شدة الصفاء؛

وهو مثل الظلم في الأسنان، وهو ماؤها، وذلك إذا نظرت إليها خيل إليك أن فيها غبرة من شدة

صفائها وبياضها.

والرماد الهابي هو الأسود الذي يعلوه بياض وهبوة.

ومن رواه (كأنه أهباء) بفتح الهمزة قال: الأهباء جمع الهباء. يقال: ثار أهباء، أي غبرة في إثر

غبرة. ويقال: أهبي الظليم يهبي إهباء، إذا غبر. والإهباء بالكسر في هذا البيت أصح في قول

الأصمعي، على معنى المصدر.

والمنين نصب بترى، والهاء اسم كأن، والاهباء خبرها.

وطِرَاقاً مِنْ خَلفِهنَّ طِراقٌساقطاتٌ تُلْوِى بها الصَّحراءُ
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «آذنتنا ببينها أسماء»

ويروى: (أودت بها الصحراء)، ويروى: (تودى بها الصحراء). الطراق: مطاوقة نعال الإبل. وقوله

(من خلفهن طراق)، يريد: طورقت مرة بعد مرة. وقد قيل: الطراق: الغبار هاهنا. و (ساقطات): قد

سقطت من أرجلها. فالطراق تؤدى بها الصحراء، أي تبلى هذه النعال فتسقط. ويقال أطرقت النعل،

إذا ضربت واحدة بأخرى، إطراقا، وطارقت. وقد يجوز ذلك في كل شيئين أحدهما على الاخر.

ونصب طراقا لأنه نسق على المنين، كأنه قال: وترى طراقا. والطراق الثاني رفع بمن، وساقطات

نعت لطراق، لأنه وان كان لفظه لفظ الواحد فمعناه بمعنى الجمع. والصحراء رفع بتلوى، والباء

صلة.

أَتَلَهَّى بها الهَوَاجِرَ إِذْ كُلُّ ابنِ هَمٍّ بَلِيَّةٌ عَمياءُ
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «آذنتنا ببينها أسماء»

أتلهى بها، معناه بالناقة، أي أركبها وأتعلل بوطئها وسرعتها وحسن ذهابها ونشاطها في شدة الحر،

فلا أجد، مع ما أنا فيه، شدة من الحر عليّ. و (الهواجر). انتصاف النهار، واحدتها هاجرة. قال أبو

العباس: إنما سميت الهاجرة هاجرة لبعدها من

وقت البرد وطيب الهواء، أخذت من قولهم: قد هجرت

الرجل، إذا بعدت منه. وقوله (إذ كل ابن هم)، معناه: كل ذي هم وكب من نزل به الهم. يقال هذا ابنُ

هم وأخو همّ، إذا لحقه ذلك. قال المجنون:

لقد عشتُ من ليلى زماناً أحبُّهاأخا الموت إذ بعضُ المحبين يكذِبُ
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أما والذي أرسى ثبيرا مكانه»

معناه أجد هما يكسب الموت. وقال ابن الطثرية:

حلفتُ لها أن قد وُجِدت من الهوىأخا الموت لا بِدعاً ولا متآسيا
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «ألا لا أبالي إن نجا ابن بوزل»

يقول: إذا كان صاحب الهم لا يدري كيف يتوجه من عيه بالأمور فأراد أن ينجو، ليلا كان أو نهارا،

لا أعيا أنا بأمري.

وشبهه بالبلية. والبلية: ناقة الرجل إذا مات عقلت عند رأسه، أي عند القبر مما يلي الرأس، وعكس

رأسها بذنبها، فتترك لا تأكل ولا تشرب حتى تموت، فهي عمياء لا تتجه. وقال بعضهم: كانوا في

الجاهلية يعقلون ناقة الرجل عند رأسه ويقولون: إذا قام من قبره للبعث ركبها.

وموضع (أتلهى) رفع بالألف، والباء صلة أتلهى وهي منصوبة، والهواجر نصب بأتلهى، وكل رفع

بالبلية، والبلية مرتفعة به، والعمياء نعت البلية، وإذ وقت ماض، وهي من صلة أتلهى منتصبة به.

وأَتانَا عن الأَراقم أَنباءٌ وخَطْبٌ نُعنَى به ونُسَاءُ
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «آذنتنا ببينها أسماء»

قوله (أنباء) معناه أخبار. قال الله ﷿: (عن النَّبأ العظيم)، وهو القرآن. و (الخطب): الأمر،

قال الله ﵎: (ما خَطْبُكَ يا سامرِيُّ)، أراد:

ما أمرك. قال الشاعر:

آذنت جارتي بِوَشْك رحيلبَكَراً جاهَرَتْ بخطبٍ جليل
للشاعر المرقش الأصغر، من قصيدة «آذنت جارتي بوشك رحيل»

أراد: بأمر عظيم. والخطب: القصة؛ والمعنى واحد. والعرب تقول للخبر نبأ، حقا كان أو باطلا.

ويقال: أنبأني فلان ونبأني. وقوله (نعنى به) معناه نهتم به ويثقل علينا. يقال عنيت بالشيء أعني به

فأنا به معنى. و (الأراقم): أحياء من بني تغلب اجتمعوا هم وأحياء من بني بكر بن وائل، وهم عجل

وحنيفة وذهل به شيبان، كانوا مالوا بني تغلب على بني يشكر.

والأنباء ترتفع بأتانا. وإنما قال وأتانا ولم يقل وأتتنا لأن فعل المؤنث إذا فُصل بينه وبين المؤنث

بشيء كان الفاصل بينهما كالعوض من تاء التأنيث. ويجوز أن يكون ذكر الفعل لأن الأنباء جمع نبأ،

والنبأ مذكر، فبنى الجمع على الواحد. وخطب نسق على الأنباء، ونعني به صلة خطب، والهاء تعود

عليه، ونساء نسق على نُعنى. ومعنى نساء به نُظن فيه ونلزم الإساءة. وقال بعض أهل اللغة: معناه

ويسوءنا ما يأتينا من ذلك. ويروى:

وأتانا من الحوادث والأنْباء خَطبٌ نُعنَى به ونُساءُ
أَنّ إِخوانَنَا الأَراقِمَ يَغْلُون عَلَينا فِي قَولِهمْ إِحفاءُ
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «آذنتنا ببينها أسماء»

قوله (يغلون علينا) معناه يرتفعون علينا في القول ويظلموننا، ويُحملوننا ذنب غيرنا ويطلبون ما

ليس لهم بحق. وأصل الغلو في اللغة: الارتفاع والزيادة. قال الله ﷿: (لا تَغْلُوا في دينِكم غَيرَ

الحقّ) أراد: لا تجوروا ولا ترتفعوا من محجة الطريق. وجاء في الحديث: (من إجلال الله ﷿

إجلال حامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإعظام ذي الشيبه المسلم)، أراد غير المرتفع فيه

عن محجة القصد. ويقال غلا السعر، إذا ارتفع وزاد. ويقال: غلا الصبي، إذا شب وزاد. وغلا

النبات يغلو، إذا طال. ويقال: فعل ذلك في غلو شبابه، أي في أوله وزيادته. قال عبد الله بن قيس

الرقيات:

لم تلتفت للِداتهاومضَتْ على غُلوائها
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة

أي سبقت نظراءها في السن وزادت عليهن. ويقال للجارية إذا شبت شبابا حسنا (غلا بها عُظم)،

أي زادت على أترابها في الطول والتمام وحسن الشباب. قال الحارث بن حلزة:

خُمصانة قَلِقٌ موشَّحُهارُود الشَّباب عَلاَ بها عُظْمُ
للشاعر العرجي، من قصيدة «أقوى من آل ظليمة الحزم»

وقوله (في قولهم إحفاء) معناه انهم حملوا علينا وألحوا في مساءتنا، وألصقوا بنا ما نكره. وهو من

قولهم: أحفيت الشيء، إذا استقصيت عليه. ويقال: أحفيت شاربي وشعري. وجاء في الحديث: (أحفوا

الشوارب وأعفوا اللحى)، أي وفروها وزيدوا فيها. ويقال: قد أحفى فلان في الشتم، إذا اشتد فيه

وألح. ويقال: قد تحفى فلان بفلان، إذا استقصى وأظهر العناية به. وقال الله ﷿: (يَسْألونَكَ

كأنكَ حَفِيٌّ عنها)، أي كأنك معنى بها مستقص في السؤال عنها. وقال الأعشى:

فإنْ تسألي عني فيا ربُّ سائلٍحَفّيٍ عن الأعشى به حيث أصعَدَا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا»

أراد: معنى به. ويقول: رأسك حاف، إذا دام شعثه، يحف حفوفا. وقد حف الشيء، إذا مر به يعدو.

وقد حففت الشيء أحفه حفا، إذا دُرت حوله أو جعلت حوله شيئا؛ من قول الله ﷿: (حافِّينَ مِن

حَوِلِ العَرْش).

وموضع أن رفع على الترجمة عن الأنباء، كأنه قال: أتانا أن إخواننا الأراقم. والأراقم ينتصبون

على الترجمة عن الإحفاء، وخبر أن ما عاد من يغلون، وعلى صلة يغلون، والاحفاء يرتفع به.

ويروى: (في قيلهم إحفاء)، وهي لغة؛ يقال قول وقيل، وقال. ويجوز أن يكون أن في موضع نصب

في قول الفراء، وخفض في قول الكسائي، على معنى بأنَّ ولأنَّ.

يَخْلِطونَ البريءَ مِنَّا بِذي الذَّنْبِ ولا يَنْفَعُ الخَلَّيِ الخَلاَءُ
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «آذنتنا ببينها أسماء»

يخلطون، معناه يشوبون ذا الذنب بالذي لا ذنب له، ظلما لنا وإساءة بنا؛ فهذا عين الجور. وقوله (لا

ينفع الخلي لخلاء)، معناه ولا ينفع البريء من الذنب براءته منه. و (الخلاء) بفتح الخاء: البراءة

والترك. يقال: منزل خلاء، إذا كان خاليا. قال الشاعر:

أصبحتْ دارُنا خلاءً قِفارابعد عَدنان والإلهُ مُجارُ

وروى أبو جعفر وغيره: (ولا ينفع الخلي الخِلاء، بكسر الخاء، وقال: الخلاء المتاركة. يقال: قد

خالي فلان فلانا يخاليه خلاء، إذا تاركه. واحتج بقول النابغة:

قالت بنو عامرٍ خالُوا بني أسدٍيا بوسَ للجهلِ ضَرَّاراً لأقوام
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «قالت بنو عامر خالوا بني أسد»

فمعناه: تاركو بني أسد.

واخبرنا أبو العباس عن ابن الأعرابي قال: المخالي: المحارب. ويقال: أنا الخلاء منك وأنا البراء

منك، بفتح الخاء في الخلاء، أي أنا خليُّ منك، أي بريء منك.

ويتركان موحدين في التثنية والجمع، مذكرين في المؤنث، كقولك: نحن الخلاء والبراء منك، وهند

الخلاء والبراء منك. قال الله ﵎: (إنَّني بَراءٌ ممَّا تعبدون).

والخلاء بالكسر في غير هذا: علة في النوق، بمنزلة الحران في الدواب.

يخلطون موضعه رفع في اللفظ بالياء، وموضعه في التأويل نصب على الحال، كأنه قال: خالطين.

والبري منصوب بيخلطون، وهو مهموز لأنه فعيل من بريء من الذنب براءة. والباء صلة يخلطون

ايضا، وهي نصب به، والخلاء رفع بينفع، والخلى نصب به ولا يجوز همزه لأنه ليس بأخوذ من

فعل مهموز، إنما هو فعيل من الخلوة، كأن الأصل فيه الخليو، ولما اجتمعت الياء والواو والسابق

ساكن أبدل من الواو ياء وأدغمت الباء الأولى فصارتا ياء مشددة. وكذلك حكم الواو إذا سبقت الياء

والواو ساكنة.

زَعَمُوا أن كُلَّ ؤمَنْ ضَرَبَ العَيْرَ مَوَالٍ لَنَا وأَنّا الوَلاءُ

قال أبو نصر أحمد بن حاتم: لم يقل الأصمعي في هذا البيت شيئا. وقال أبو عمرو: معناه أن

إخواننا الأراقم يلوموننا ويصفوننا بالباطل، ويضيفون إلينا ذنب غيرنا، ويعلقونه علينا، ويطالبوننا

بجناية كل من جنى عليهم ممن نزل صحراء أو ضرب عيرا، ويجعلونهم موالى. والموالى في هذا

الموضع: بنو العم. قال الله تعالى: (وإني خِفْتُ المَوَاليَ مِن ورائي)، أراد بني العم. قال الشاعر:

ومِن الموالي مَوليانِ فمنهمامُعطى الجزيلِ وباذلُ النَّصِر
للشاعر الزبرقان بن بدر، اقرأ القصيدة
ومن الموالى ضَبُّ جندلةٍلَحِزُ المروَّة ظاهر الغِمْرِ
للشاعر الزبرقان بن بدر، اقرأ القصيدة

أراد: بني العم. وقال قوم: الموالى في هذا البيت معناهم الأولياء. أي جعلوا كل من فعل هذا الفعل

وليا لنا. قال الله ﷿: (إنَّ الكافرينَ لا مولَى لهم) أراد لا ولى لهم. وقال النبي صلى الله عليه

وسلم: (أيما امرأة تزوجت بغير إذن مولاها فنكاحها باطل)، أراد بغير إذن وليها. وقال الأخطل:

كانوا مَوالىَ حقّ يَطلبُون بهفأدركوه وما ملُّوا وما لَغِبَوا
للشاعر الأخطل، من قصيدة «أقفرت البلخ من عيلان فالرحب»

يعني أولياء حق. وقال أيضا:

فأصبحتَ مولاها من الناس بعدهوأحْرَى قريش أن يُهابَ ويحمدا
للشاعر الأخطل، من قصيدة «صحا القلب إلا من ظعائن فاتني»

وقال المفضل بن محمد، وأبو علي، وأبو مالك: أراد بالعير الوتد، وإنما سمي عيرا لنتوه من

الأرض، مثل عير النصل والسهم، وهو الناتئ في وسطه. يقول: كل من ضرب وتدا في الصحراء

فأذنب في الأراقم الزمونا ذنبه. وقال أبو الحسن الأثرم: حدثني أبو عمرو عن خراش العجلي قال:

العير أراد به كليبا ابن وائل، أي جعلتم كل من قتل كليبا أو أعان على قتله ابن عم لنا، فألزمتمونا

ذنبه ظلما. وإنما سمى كليبا عيرا لجلالته وعلو شأنه وسودده. والعرب تسمى السيد العظيم من

الرجال عيرا. وإنما قيل للسيد من الرجال عير لأنه شبِّه بالحمار

في الصيد، إذ كان أجل ما يصطاد. من ذلك الحديث الذي يروى عن النبي ﷺ،

أن أبا سفيان استأذن عليه فحجبه، ثم أذن له، فقال: ما كدت تأذن لي حتى تأذن لحجارة الجلهتين!

فقال: (يا أبا سفيان، أنت كما قال القائل:

كلُّ الصَّيد في جوف الفرا). والفرا: الحمار، يُهمز ولا يهمز. أنشدنا أبو العباس:

إذا اجتمعوا عليَّة أشقذُونيفصرت كأنني فَرَأٌ مُتارُ
ومتارمن الإتآر. والجهلتان: جانبا الوادي

وقال قوم: أراد بالعير الحمار نفسه. يقول: يضيفون إلينا ذنوب كل من ساق حمارا ويجعلوننا

أولياءهم. وقال آخرون: العير جبل في المدينة، ومنه أن رسول الله ﷺ (حرم ما

بين عير إلى ثور). يريد: جعلوا كل من ضرب إلى ذلك الموضع وأراده وبلغه أولياءنا.

وقوله (وأنَّا الولاء) معناه وأنا أصحاب الولاء، فحذف الأصحاب وأقام الولاء مقامه، كما قال

الشاعر، أنشدنا أبو العباس:

وكيف نصاحب من أصبحتْخَلالتُه كأبي مرحبِ

أراد: خلالة أبى مرحب. وقال الآخر:

وشرُّ المنايا ميَّت وسط أهلهكهذا الفتى قد أسلم الحيَّ حاضرهُ

أراد: وشر المنايا ميته ميت، فحذف الميتة وأقام الميت مقامها. والولاء: العون واليد، يقال: هم عليه

ولاة ولائه، أي عون ويد. والولاء في العون ممدود. والولي في المطر يكتب بالياء.

وإن كفت من اسم زعموا وخبره، وكلا اسم أن، وضرب العير صلة من، وما في ضرب يعود على

من، وموال رفع لأنه خبر أن، والأصل فيه موالي فاستثقلت الضمة في الياء لسكونها وسكون

التنوين. ولنا صلة، وأن الثانية نسق على الأولى، والنون والألف اسم أن، والولاء خبرها.

أَجْمَعُوا أَمرَهُمْ بلَيْل فَلَمَّاأَصْبَحُوا أَصبَحَتْ لهمْ ضوضاءُ
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «آذنتنا ببينها أسماء»

أجمعوا، معناه أحكموا. يقال: قد جمعت الشيء، إذا وفقت بينه وأزلت تفرقه. وأجمعت الأمر، إذا

أحكمته. قال الله ﷿: (فأجمِعُوا أمركُم وشركاءَكم)، قرأ بعضهم: (فأجْمَعُوا) على التفسير الذي

مضى. وأنشد الفراء:

يا ليت شِعري والمُنَى لا تَنفعُهل أغدُوَنْ يوماً وأمري مُجْمَعُ

أي محكم. ويروى: (أجمعوا أمرهم بليل)، أي عزموا على أن يصبحوا بالذي اتفقوا عليه وبيتوه في

الليل وتقدموا فيه. ويروى: (أجمعوا أمرهم عشاء)، أي لم يدعوا منه شيئا إلا أحضروه، كقول القائل:

هذا أمر قد أسرى عليه بليل، أي دبر بليل. وقوله (أصبحت لهم ضوضاء)، معناه جلبة. والضوضاء

حرف ممدود، وهو جمع واحدته ضوضاءة، وربما قصر فيكون حينئذ جمع ضوضاة. وروى بعضهم

(أصبحت لهم غوغاء)، فالغوغاء: الرذال من الناس. والغوغاء من الجراد: الصغار الذي يركب

بعضه بعضا.

وفاعل جمعوا مضمر فيه ولا خبر له. والضوضاء اسم الإصباح الثاني واللام خبره.

وقال الفراء: أصبح على معنى بيَّن، إذا أردت أن تفيد المخاطب صباح الاسم استغنيت عن الخبر،

كقيلك أصبح زيد قائما. وأمسى بمنزلة أصبح. وأصح الروايتين رواية الذين رووا: (أصبحوا

أصبحت لهم غوغاء)؛ لأن البيت الثاني يدل على الصياح والجلبة.

مِن مُنادٍ ومِن مُجيبٍ ومن تَصهالِ خَيلٍ خِلالَ ذاكَ رُغاءُ
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «آذنتنا ببينها أسماء»

معناه من مناد يقول يا فلان، ومن مجيب المنادى، ومن صهيل خيل. وقوله (خلال ذاك رغاء) معناه

بين ذاك رغاء؛ لاجتماع بني تغلب علينا، وتهمتهم إيانا بأبنائهم الذين قتلهم العطش، يقولون: أدوا

إلينا أبناءكم فإنكم اغتلتمونا اغتيالا. قال الله ﷿: (فجاسُوا خلالَ الدِّيار)، أراد: بين الديار. أي

قتلوكم بين بيوتكم. والرغاء: رغاء الخيل والإبل. والرغي: جمع رغوة اللبن، مقصور يكتب بالياء.

والرغوة فيها ست لغات، يقال الرَّغوة، والرُّغوة، والرِّغْوة، والرَّغاوة، والرُّغاوة، والرِّغاوة.

ومن صلة الضوضاء، ورغاء يرتفع بقوله خلال. ويروى: (خلال ذاك الرغاء) بالألف واللام.

أَيُّها الناطقُ المُرَقِّشُ عَنَّاعِندَ عَمروٍ وهَلْ لذاك بقاءُ
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «آذنتنا ببينها أسماء»

قوله (أيها الناطق) يعنى عمرو بن كلثوم. و (المرقش): المزين للشيء، ومعناه هاهنا تزيينه: قوله

للملك: إنَّا قتلنا أبناءهم واغتلناهم اغتيالا، وادعاؤهم الكذب والباطل عند الملك. ثم قال: (وهل لذلك

بقاء)، يقول: وهل للكاذب بقاء عند الملك. أي هو ينظر فيما ادعيتم فيعرف صدق ذلك من كذبه،

ويعرف ترقيشك القول له بالباطل وبما لم يكن. ويروى: (أيها الناطق المحبر عنا عند عمرو)، وهو

المزين. يقال: حبرت الكلام ورقشته، ونممته ونمنمته، وذهبته وأذهبته، بمعنى. قال المرقش:

الدَّار قفرٌ والرسومُ كمارقَّش في ظهر الأديمِ قلَمْ
للشاعر المرقش الأكبر، من قصيدة «هل بالديار أن تجيب صمم»

اراد: زيَّنَ.

والمرقش نعت الناطق، وعن وعند صلتان له، والبقاء رفه باللام في قوله لذاك. وفي رواية قطرب:

(وماله إبقاء)، معناه: ليس يبقى على أحد. ويروى: (المخبر عنا)، بخاء معجمة.

لا تَخَلْنا عَلَى غَرَائك إِنَّاقَبلُ ما قَدْ وشَى بنا الأَعداءُ
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «آذنتنا ببينها أسماء»

قوله (لا تخلنا) معناه لا تظننا. يقال: خلت عبد الله قائما، أي ظننته. قال الفراء: هو مأخوذ من

الخيال والشيء يشبه لك، ثم ذهب به مذهب الظن. وإنما خاطب بهذا النعمان بن المنذر. أراد: لا

تحسب أنا جازعون لإغرائك الملك بنا. و (الغراء) مأخوذ من قولك: غريت بالشيء أغرى به، إذا

اولعت به ولزمته. يقال غريت بالشيء أغرى به غراء. والغرا: ولد البقرة مقصور، يكتب بالألف

لانهمن الواو، يقال في ثنتيته غروان. قال الشاعر:

لها الجيد من جَيداء والعين طرفهاكعيناء يهديها غَرَاهَا فريق

وأنشدنا أبو العباس في المعنى الأول لكثير:

إذا قلت مهلاً غارت العين بالبكاغِرَاءً ومدَّتها مدامعُ حُفَّلُ

قال الأصمعي: غارت فأعلت من غريت بالشيء أغرى، إذا لزمته. والغراء الذي يلزق به، إذا كسر

مد وإذا فتح قصر. وقيل هو الغري. وقوله (إنَّا قبل ما قد وشى بنا الأعداء)، معناه طال ما نمم بنا

الأعداء قبلك عند الملوك فلم يضرنا ذلك. يريد: إنا قد مرنا على ذلك وعداوة الناس إيانا. ويروى:

(طال ما قد وشى). ومعنى وشى نمم. والواشي هو النمام، وجمعه واشون ووشاة، قال بعض

الأعراب:

فما لكَ من سدر ونحنُ نحبُّهإذا ما وشَى واشٍ بنا لا نجادلُهْ
كما لو وشَى بالسدر واش رددتُهكئيباً ولم تَملُحْ لدينا شمائلُهْ

وأنشدنا أبو العباس قال: أنشدنا الزبير بن بكار:

قال الوشاة لهندٍ عَنْ تُصارِمَناولستُ أنسى هوى هندٍ وتنساني
للشاعر الربعي المخزومي، اقرأ القصيدة

معناه: أن تصارمنا، فأبدل العين من الهمزة، والأصل فيه من الشية وهي العلامة. فإذا قال وشى به

فمعناه نسب إليه أمرا جعله به علما. قال الله ﷿: (لاشيَةَ فيها)، أراد لا بون فيها يخالف لون

جميع جلدها، أي ليست فيها علامة. ويقال: وصفت شيات الغنم، أي علامتها. قال النابغة:

من وَحش وجرة مَوشِىّ أكارعُهطاوِى المَصيرِ كسيَفِ الصَّقل الفَرَدِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «يا دار مية بالعلياء فالسند»

معناه: معلم أكارعه، أي هو أبيض في وجهه سفعة. وطاوى المصير، معناه ضامر. والفرد، يريد هو

منقطع القرين لا نظير له في الجود. ويقال أتيتك قبلَ وقبلُ،

وقبلاً وقبلٌ، وكذلك بعدُ وبعدٌ. أنشدنا أبو العباس:

ونحن قتلْنا الأزد أزدَ شنوءةفما شربوا بَعدٌ على لذَّة خمرا

وتخلنا جزم بلا على النهى وعلامة الجزم فيه سكون اللام، والألف سقطت لسكونها وسكون اللام.

والنون والألف اسم المخيلة، وعلى خبرها، والنون والألف اسم أن، وخبرها ما عاد من النون والألف

في بنا، وقبل ضمت على الغاية، وما صلته، والأعداء رفع بوشى. ومن رواه (طال ما قد وشى) رفع

ما بطال، وما بعدها صلتها ولا عائد لها ولأنها في معنى المصدر، كأنه قال: سعى الأعداء بنا.

فبَقِينا عَلَى الشَّناءَةِ تَنْمِينَا حُصُونٌ وعِزَّةٌ قَعْساءُ
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «آذنتنا ببينها أسماء»

ويروى: (فعلونا على الشناءة). والشناءة: البغض. تقول: شنئت الرجل، إذا أبغضته. والشناءة

والشنَّآن بفتح النون المصدر أيضا، قال الله ﷿: (ولا يَجْرِمنكمُ شَنَآنُ قوم)، أراد: لا يجرمنكم

بغض قوم. قال الفراء: من سكَّن النون فقرأ: (شَنْآن) أراد الاسم، أي بُغض قوم. قال الشاعر:

وأي رئيس القوم ليس بحامل...... بالبغضاء والشنَآن

ويقال رجل مشنوء ومشنى، أي مبغض. ويترك همزته فيقال مشنو ومشنى. قال الشاعر:

وما خاصم الأقوامُ من ذي خصومةٍكورْهاءَ مشنوٍّ إليها حليلُها
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «فإني كما قالت نوار إن اجتلت»

ويروى: (مشنى). ومن العرب من يترك همزة شنآن فيقول شنان، على مثال أبان. قال الشاعر:

وما العيشُ إلا ما تلذّ وتشتهيوإنْ لامَ فيه ذو الشَّنَان وفنَّدا

ومعنى البيت: بتنا على بغض الناس، أنا نزداد رفعة وعلوا ويزدادون غيظا، لما يرون من ثبات

عزنا ومكاننا من الملك، ونحن لا نبالي عدوا ولا حسودا ولا وشاية منهم بنا. وقوله (تنمينا جدود) أي

ترفعنا آباؤنا بأحسابهم. والجدود: جمع جد، وهو في هذا الموضع أبو الاب، ويجوز أن تكون جمع

جد، والجد: الحظ، وهو الذي تسميه العامة البخت. قال النبي ﷺ: (دخلت الجنة فإذا

أكثر الناس - أي أهلها - الفقراء، وإذا أصحاب الجد محبوسون)، أي أصحاب الحظ في الدنيا.

ويقال للرجل: ما كنت ذا جد، ولقد جددت، وأنت تجد. أنشدنا أبو العباس:

ولقد يجُدُّ المرء وهو مقصِّرويخيب سعى المرءِ غيرَ مقصّرِ

ويقال: رجل حظيظ وجديد؛ ورجل جد، إذا كان عظيم الجاه في الناس.

ويروى: (تنمينا حصون). ويروى ايضا: (ومنعة قعساء)، أي الحصون تحول بيننا وبين شناءة

الناس إيانا. و (العزة): الغلبة، من قولهم: (من عز بزَّ)، أي من غلب سلب. وإنما سمى العزيز

عزيزا لغلبته. و (القعساء): الثابتة المصمتة. ويروى: (تُنبيها حصون)، أي ترفعها؛ أخذ من النبوة

والنباوة وهي المكان المرتفع. قال القطامي:

لما وردْنَ نبيّاً واستتبَّ لنامسحنفرٌ كخطوط النَّسج مُنْسحلُ

وقال أبو عبيدة: العرب تترك همز ثلاثة أحرف أصلها الهمز، وهي النبي من أنبأ عن الله عز

وجل؛ والخابية، وهي مأخوذة من خبأت؛ والذرية، وهي من ذرأ الله تعالى الخلق. وبعض العرب

يهمز النبي ويخرجه على أصله.

والجدود مرتفعة بتنمينا. والعزة نسق عليها.

قَبْلَ ما اليومِ بيَّضَتْ بِعُيونِ النّاسِ فيها تعَيُّطٌ وإِباءُ
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «آذنتنا ببينها أسماء»

معناه: قبل اليوم عظم شأنها على الناس حتى أعمتهم وعظمت على أبصارهم. يقال للرجل: لأوصلن

إليك مكروها يظلم من أجله عليك نهارك وشبيه به قولهم: لأرينك الكواكب بالنهار، أي لأفعلن بك

أمرا يظلم من أجله نهارك حتى يصير في عينك بمنزلة الليل فترى الكواكب. وقال النابغة:

تبدو كواكبه والشمسُ طالعةٌلا النور نورٌ ولا الإظلامُ إظلامُ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «قالت بنو عامر خالوا بني أسد»

وقال الأعشى:

رجَعتَ لمَّا رُمتَ مُستحسراًترى للكواكب كهرا وَبيصَا

أي رجعت حسيرا كئيبا قد أظلم عليك نهارك، فأنت ترى فيه الكواكب بعالي النهار بريقا. والكهر:

ارتفاع النهار.

ومما يداني هذا المعنى أيضا قول جرير يرثى عمر بن عبد العزيز:

فالشمسُ كاسفةٌ ليست بطالعةٍتبكى عليك نجومَ اللَّيل والقَمَرا
للشاعر جرير، من قصيدة «تنعى النعاة أمير المؤمنين لنا»

معناه الشمس كالكاسفة لشدة ظلمتها. ونصب نجوم الليل والقمر على الوقت،

كأنه قال: تبكى عليك أبدا. ورواه البصريون:

والشمس طالعةٌ ليست بكاسفةٍ

كأنه قال: طلعت الشمس ولم يكسف ضوءها نجوم الليل والقمر، لحزنها وبكائها عليك. وقال محمد

بن يزيد:

تبكي عليك نجومُ الليل والقمرا

فرفع النجوم ونصب القمر على معنى مع القمر؛ فلما حلت الواو محل مع نصب ما بعدها، كما

تقول: لو تُرك عبد الله والأسد لأكله. والذي أذهب إليه أن يكون نصب النجوم والقمر بتبكى، كانه

قال: بكت الشمس ونجوم الليل والقمر فبكتهما الشمس تبكيهما، أي غلبتهما بالبكاء، كما تقول: كارمني

عبد الله وكرمته وأنا أكرمه: غلبته.

ومعنى قوله: (بيضت بعيون الناس): بيضت عيون الناس، والباء زائدة، كما قال الله ﵎:

النص من طبعة دار المعارف بالقاهرة، سلسلة ذخائر العرب، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.