من «شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات» لأبي بكر ابن الأنباري (ت ٣٢٨هـ)
قصيدة لبيد بن ربيعة
﷽
قال أبو عقيل لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر ابن صعصعة بن
معاوية بن بكر بن هوزان بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس ابن عيلان بن مضر بن نزار
بن معد بن عدنان.
وكان يقال لمالك: الطيان، لأنه كان طاوي البطن.
وبعضهم يقول: قيس عيلان. وقال هشام بن محمد الملبي: سمعت بعض النساب يقول: قيس بن
النَّاس بن مضر، وكان عيلان حضن الناس بن مضر فغلب عليه. وقال آخرون: بل كان فرس يقال
له عيلان فنسب إليه. والناس: ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أد بن أدد، ثم انقطع النسب.
وقال أبو الحسن الأثرم: كان لمضر الياس والناس: ابنا مضر.
وكان وفد أبو براء، وهو عامر بن مالك بن جعفر، ملاعب الأسنة؛ وإنما سمى ملاعب الأسنة لقول
الشاعر في أخيه طفيل بن مالك:
فراراً وأسلمتَ ابنَ أمِّك عامراًيُلاعبُ أطرافَ الوشيج المقَوَّمِ
في رهط من بني جعفر على النعمان، ومعه لبيد بن ربيعة وهو يومئذ غلام، فوجدوا عند النعمان
الربيع بن زياد العبسي، وكانت امه فاطمة ابنة الخرشب الأنمارية، من انمار بن بغيض، وهي أم
الكملة: عمارة الوهاب، وأنس الفوارس، وقيس الحفاظ، والربيع الكامل. وكان ربيع نديما للنعمان مع
تاجر من تجار الشام يقال له
سرجون بن توفيل، وكان له حريفا يبايعه، وكان أديبا حسن الحديث
والمنادمة، فاستخفه النعمان، فكان إذا أراد أن يخلو على شرابه بعث إليه والى النطاسي: متطبب كان
له، وإلى الربيع. فلما قدم الجعفريون على النعمان ومعهم لبيد، كانوا يحضرون النعمان لحوائجهم،
فإذا خرجوا من عنده وخلا به الربيع، طعن عليهم وذكر معايرهم، فصده عنهم. وأنهم دخلوا يوما
فرأوا من النعمان جفاء وتغيرا، وكان قبل ذلك يكرمهم ويقدم مجالسهم، فخرجوا من عنده غضابا،
ولبيد متخلف في رحالهم يحفظ أمتعتهم، ويغدو بإبلهم كل صباح فيرعاها، فأتاهم ذات ليلة فألفاهم
يتذاكرون أمر الربيع وما يلقون منه، فسألهم عما هم فيه فكتموه، فقال لهم: والله لا أحفظ لكم متاعا،
ولا أسرح لكم بعيرا أو تخبروني بهذا الأمر! وكانت أم لبيد امرأة من بني عبس، يتيمة في حجر
الربيع بن زياد، فقالوا: خالك قد غلبنا على الملك وصد بوجهه عنَّا. فقال: هل تقدرون على أن
تجمعوا بيني وبينه فأزجره عنكم بقول مُمض مؤلم، لا يلتفت إليه النعمان بعده أبداً؟ قالوا: وهل عندك
من ذلك شيء؟ قال: نعم. قالوا ك فإنا نبُلوك بشتم هذه البقلة - لبقلة قدامهم دقيقة القضبان قليلة
الورق، لاصقة فروعها بالأرض، تُدعى التربة - فقال:
(هذه التربة التي لا تذكى نارا، ولا توهل دارا، ولا تسر جارا؛ عودها ضئيل، وفرعها ذليل،
وخيرها قليل؛ أقبح البقول مرعى، وأقصرها فرعا، وأشدها قلعا؛ آكلها جائع، والمقيم عليها قانع.
فالقوا بي أخا بني عبس، أرده عنكم بتعس، وأدعه من أمره في لبس).
قالوا: نصبح فنرى فيك رأينا. فقال عامر: انظروا غلامكم فإن رأيتموه نائما فليس أمره بشيء، إنما
يتكلم بما جاء على لسانه، وإن رأيتموه ساهرا فهو صاحبه. فرمقوه بأبصارهم فوجدوه قد ركب رحلا
وقد تكدم واسطه، حتى أصبح. قالوا له: أنت والله صاحبه. فعمدوا إليه فحلقوا رأسه، وتركوا له
ذؤابتين، وألبسوه حلة،
ثم غدوا به معهم فدخلوا على النعمان، فوجدوه يتغدى ومعه الربيع بن زياد،
وهما يأكلان، ليس معه غيره، والدار والمجالس مملوة من الوفود. فلما فرغ من الغداء أذن
للجعفريين، فدخلوا عليه وقد كان تقارب أمرهم، فذكروا للنعمان الذي قدموا له من حاجتهم، فاعترض
الربيع في كلامهم، فقام لبيد يرتجز وهو يقول:
يا ربَّ هَيْجا هي خيرٌ من دَعَهأكلَّ يوم هامتي مقَزَّعه
لا تَمنعُ الفِتيانَ من حُسن الرِّعَهْنحنُ بني أمِّ البنين الأربعه
- أم البنين: ابنة عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، ولدت لمالك بن جعفر عامرا
ملاعب الأسنة، وطفيلا فارس قرزل، وربيعة ربيع المقترين - وربيعة: أبو الوليد - ومعاوية معوج
الحكماء، وعبيدة الوضاح، وهو صدق بر، فلم يمكنه للقافية أن يجعلهم خمسة فجعلهم أربعة. ونصب
بني أم البنين على المدح لنحن
ونحن خيرُ عامر بن صعصعهالمُطِعمون الجَفْنة المُدَعدَعهْ
والضّاربون الهامَ تحت الخيضعهمَهلاُ أبيت اللعنَ لا تأكل معه
إنّ استَه من بَرَص ملمَّعهوإنَّه يُدخِل فيها إصبعَه
يدخلُها حتى يوارى أشجعَهكأنَّه يطلب شيئاً ضيَّعه
الأشاجع: أصول الأصابع في الراحة.
وزعموا إنه لما أنشد لبيد هذا الرجز التفت النعمان إلى الربيع شزرا فقال: أكذاك أنت يا ربيع؟
فقال: لا والله لقد كذب ابن الحمق اللئيم! فقال النعمان: أف لهذا الطعام، لقد خبثت على طعامي!
فغضب وقال: أبيت اللعن، أما إني قد فعلت بأمه. فقال لبيد: أنت لهذا الكلام أهل، وهي من نسوة
غير فعل، وأنت المرء فعل بيتيمة في حجره. فغضب الربيع وغضب لغضبه بنو فقيم ونهشل،
وضمرة ابن ضمرة بن جابر بن قطن بن نهشل - وكان أبرص - وكانت بنو كلاب أسروا ضمرة
فمنُّوا عليه. فقال لبيد يرجز بضمرة أيضا:
يا ضَمْرَ يا عبدَ بني كلابيا أيرَ كلب عَلِفٍ بباب
تمكو استُه من حَذَر الغرابيا وَرَلاً ألقِىَ في السَّراب
أكان هذا أول الثَّوابلا يَعلقَنْكم ظُفُري ونابي
إني إذا عاقبتُ ذو عقابِبصارمٍ مذكَّر الذُّباب
فأمر النعمان بلبيد وأصحابه فأخرجوا، وقام الربيع فانصرف إلى منزله فبعث إليه النعمان بضعف
ما كان يحبوه، وأمره بالانصراف إلى أهله.
فكتب إليه الربيع: (أني قد عرفت إنه وقر في صدرك ما قال لبيد، ولست برائم حتى تبعث إليَّ من
يجر دنى، فيعلم من حضرك من الناس أني لست كما قال).
فأرسل إليه: (إنك صادق، لست صانعا بانتفائك مما قال لبيد شيئا، ولا قادرا على ما زلت به
الألسن، فالحق بأهلك).
فلحق بأهله وأرسل إلى النعمان بأبيات قالها:
لئن رحلتُ جِمالي لا إلى سعةٍلا مثلُها سعةٌ عرَضاً ولا طُولا
بحيثُ لو وُزِنت لخمٌ بأجمعهاما وازنت ريشةً من ريش سَمويلا
ترعَى الرَّوائمُ أحرارَ البقول بهالا مثلَ رعيكمُ مِلحاً وغَسويلا
فابرُقْ بأرضك بعدي وأخلُ متكئاًمع النِّطاسي طوراً وابنِ تَوفيلا
السمويل: طائر، ويقال: بلدة كثيرة الطير. والروائم: الإبل العواطف على أولادها. والغسويل: شجر
ينبت في السِّباخ. فأجابه النعمان:
شرّدِ برجلكِ عنِّى حيثُ شئتَ ولاتُكثرْ علىَّ ودعْ عنك الأباطيلا
فقد ذُكرتَ به والركبُ حاملهُما جاورَ الغَيْلُ أهلَ الشامِ والنيلا
فما انتفاؤك منه بعد ما جَزَعتْهُوجُ المطيّ به أبراق شِمْليلا
قد قيل ذلك أن حقاًّ وإنْ كذباًفما اعتذاركَ من شيءٍ إذا قيلا
فالحقْ بحيث رأيتَ الأرضَ واسعةًفانشُرْ بها الطَّرف أن عرضاً وإن طولا
جزعت: قطعت. وشمليل: موضع.
وقال لبيد أيضا يرجز بالربيع:
ربيعُ لا يسُقْك نحوي سائقُفتُطلَبَ الأذحالُ والحنائقُ
ويُعلمَ المُعْيا به والسَّابقُما أنتَ أن ضُمَّ عليك المازِقُ
إلاَّ كشيءٍ عاقه العوائقُإنك حاسٍ حُسوةً فذائقُ
لا بُدّ أن يُغْمَز منك الفائقغَمزاً ترى أنك منه ذارقُ
الفائق: عظم في مؤخر الرأس حيث اتصلت العنق بالرأس. والذارق: الملقى أذى بطنه.
وكان لبيد مخضرما، قال الشعر في الجاهلية والإسلام. وإنما قيل لمن كان على هذه السبيل
مخضرما لأن بعض أيامه مضت في الجاهلية وبعضها في الإسلام. يقال ناقة مخضرمة، إذا شقت
أذنها بنصفين.
وقال بعض الرواة: لم يقل لبيد في الإسلام إلا بيتا واحدا:
الحمد لله إذْ يأتني أجلىحتَّى لبِستُ من الإسلام سربالا
وأخبرنا أبو عمران موسى بن محمد الخياط قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الخراساني - وهو ابن
أبي إسرائيل - قال: حدثنا شريك عن عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة عن أبي هريرة، رضي الله
سبحانه عنه، عن النبي ﷺ قال:
أشعر كلمة تكلمت بها العرب كلمة لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطلُ
وأخبرنا موسى بن يحيى الكاتب قال: حدثنا عبد الله بن عمرو قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر
الحزامي قال: حدثني عبد الله بن محمد بن قنفذ الوادي، من أهل وادي القرى، قال: حدثني ابن أخي
ابن شهاب عن عمه، أن عمر بن الخطاب رضي الله سبحانه عنه كان يأمر برواية قصيدة لبيد:
إنَّ تَقوى ربِّنا خيرُ نَفَلْوبإذنِ اللهِ رَيْثي وعَجَلْ
وأخبرنا موسى قال: حدثنا عبد الله بن عمرو قال: حدثني محمد بن عمران بن زياد بن كثير الضبي
قال: حدثني القاسم بن يعلى، عن المفضل قال:
قدم الفرزدق الكوفة فمر بمسجد بني أقيصر، وعليه رجل ينشد:
وجَلاَ السُّيولُ عن الطُّلول كأنَّهازُبُرٌ تُجدُّ متونَها أقلامُها
فسجد فقيل: ما هذا يا أبا فراس؟ قال: أنتم تعرفون سجدة القرآن
وأنا أعرف سجدة الشعر!
وحدقنا أبو عمران الخياط قال: حدثنا أحمد - وهو ابن الدورقي - قال: حدثنا أبو معاوية قال: حدثنا
هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة رضي الله سبحانه عنها، أنها كانت تكثر تمثل هذين البيتين:
ذهبَ الذين يُعاش في أكنافهموبَقِيتُ في خَلْفٍ كجلد الأجربِ
يتأكَّلون مَلامةً ومذمَّةًويُلام قائلهم وإن لم يَشغَبِ
قالت: ويح لبيد بن ربيعة، كيف لو بقى إلى مثل هذا اليوم؟
قال هشام: قال أبي: فكيف لو بقيت عائشة ﵂ إلى هذا اليوم! قال هشام: وأنا أقول:
كيف لو بقي أبي إلى هذا اليوم.
وحدثنا الكديمي قال: حدثنا أبو عاصم عن عبد الله بن لاحق، عن أبي مليكة عن عائشة رضي الله
عنها؛ إنها كانت تمثل بهذا البيت:
ذهب الذين يعاش في أكنافهموبقيت في خَلْفٍ كجلد الأجربِ
ثم قالت رضي الله سبحانه عنها: رحم الله تعالى لبيدا، إني لأروى له ألف بيت.
وأخبرني أبو بكر عبد الله بن خلف قال: أخبرني سلم بن يزيد قال: أخبرني عيسى بن إسماعيل:
أخبرني إسماعيل بن أبي عبيد الله عن هشام بن محمد قال: أخبرني أبي قال:
مر لبيد بن ربيعة بالكوفة بمسجد بني نهد وهو يوكأ على محجن له، فلما جازهم أرسلوا إليه فتى
منهم فقالوا: الحق أبا عقيل فاسأله: من أشعر العرب؟ فقال الملك الضليل - يعني امرأ القيس -
فرجع إليهم فأخبرهم فقالوا له: ارجع إليه فاسأله: ثم من؟ فرجع إليه فقال: ثم من؟ فقال: ثم صاحب
المحجن أبو عقيل، يعني نفسه.
وقال هشام بن محمد الكلبي: أخبرني رجل من بني جعفر، يقال له علقمة، قال:
عاش لبيد بن ربيعة مائة وثلاثين سنة، وأدرك معاوية بن أبي سفيان.
قال: وكانت أعطيات العرب ألفين وخمسمائة. قال: فكتب معاوية إلى زياد بن أبيه بحط الخمسمائة.
قال: ففعل. قال فجاء لبيد ليأخذ عطاءه فقال له زياد: أبا عقيل، هذان الخرجان فما بال العلاوة؟ قال:
ألحق العلاوة بالخرجين فإنك لا تثبت إلا قليلا حتى يصير إليك الخرجان والعلاوة! قال: فأعطاه زياد
ألفين وخمسمائة، ولم يعطها غيره. قال: فما أخذ لبيد عطاء حتى مات.
قال هشام: وكان للبيد يوم جبلة تسع سنين، وولد عامر بن الطفيل في تلك الليلة، ووفد عامر إلى
النبي ﷺ وهو ابن نيف وثمانين سنة.
وقال بعضهم: عاش لبيد مائة وأربعين سنة، وقال حين طوى سبعا وسبعين:
قامت تَشَكَّى إلى النفسُ مُجْهِشةٍوقد حملتُكَ سبعاً بعد سبعينا
فإنْ تُزادِي ثلاثاً تَبلُغي أملاًوفي الثلاث وفاءٌ للثمانينا
ويروى: (تبلغي أملا). فلما بلغ تسعين حجة قال:
كأني وقد جاوزت تسعين حِجَّةًخَلَعتُ بها عن منكِبَيَّ ردائيا
يقول: كأن مضى هذه السنين في سرعتها بمنزلة خلعي ردائي عن منكبي.
فلما بلغ مائة سنة وعشرا قال:
أليس في مائة قد عاشَها رجلٌوفي تكامل عَشْر بعدها عِبَرُ
فلما بلغ مائة وثلاثين سنة قال:
ولقد سَئِمتُ من الحياة وطولِهاوسؤالِ هذا الناسِ كيف لبيدُ
غَلبَ العزاءَ وكان غيرَ مغلَّبٍدهرٌ طويل دائمٌ ممدودُ
يومٌ إذا يأتي علىَّ وليلةٌوكلاهما بَعدَ المضاء يعودُ
ويروى: (غلب البقاء). فلما حضرته الوفاة قال لابنه: أي بني، أن أباك لم يمت ولكنه فني، فإذا
قُبض أبوك فغمضه وأقبله القبلة، وسجه بثوبه، ولا أعلمنّ
ما صرخت علىّ صارخة، ولا بكت علىّ باكية. وانظر جفنتي التي كنت أصنعها فاصنعها وأجد صنعتها،
ثم أحملها إلى مسجدك، ومن كان
يغشاني عليها، فإذا قال الإمام سلام عليكم فقدمها إليهم يأكلوها، فإذا فرغوا فقل: احضروا جنازة أخيكم
لبيد، فقد قبضه الله ﵎!
وقال جعفر بن كلاب: لما حضر لبيد الموت دخل عليه بنو جعفر فقال: ابكوا حتى أسمع. فأرموا
ساعة فقال شاب منهم: قد قلت. قال: فأنشدني - قال: وكان لبيد حلف ليطعمن كلما هبَّت الصَّبا! -
فقال:
لتبكِ لبيداً كلُّ قدرٍ وجَفنةٍوتبكي الصَّبا مَن فاد وهو حميدُ
فقال: يا ابن أخي، أحسنت فزدني! فقال: ما عندي مزيد. فقال: ما أسرع ما أكديت
وقال لبيد في الليلة التي تُوفي فيها:
أبُنَيّ هل أحْسَسْت أعمامي بني أمّ البنينا
وأبي الذي كان الأراملُ في الشِّتاء له قطينا
الفتْيةَ البيضَ المَصَابحَ أكمِلوا كرماً ولِينا
لم تَبْقَ أنفسُهمْ وكا (نوا زينةً للناظرينا
وإذا دفنتَ أباك فاجعلْ فوقه خشباً وطيناً
وضَفائحاً صُماًّ روَاسيها يشدِّدن الغصُونا
ليقينَ وجه أبيكَ سفسافَ التراب ولن يقينا
وقال أيضا:
تخافَ ابنتايَ أن يموت أبوهماوهل أنا إلاّ من ربيعة أو مضَرْ
وفي ابنَيْ نزارٍ أسوةٌ أن نظرتماوإنْ تسألاهم تُلفيا عندهمْ خبرْ
وفيمن سواهم من ملوكٍ وسُوقةدعائم ملك خانَه الدَّهرُ فانكسَرْ
فإن حانَ يوماً أن يموت أبوكمافلا تخمشا وجهاً ولا تحلقا الشَّعَرْ
وقولا هو المرءُ الذي لا كرامةًأضاعَ ولا خانَ الأمينَ ولا غدَرْ
إلى الحول ثم اسمُ السَّلامُِ عليكماومَن يَبكِ حَولاً كاملاً فقد اعتذرْ
كمُسمعتَين تَندُبان بعاقلٍأخا ثقةٍ لا عَينَ منه ولا أثَرْ
ويروى عن أبي بكر بن عياش عن عبد الملك بن عمير إنه قال:
مات لبيد يوم قدم معاوية الكوفة.
ويروى في الرائية بيتان آخران:
حَسودٌ على المِقْرَي إذا البُزْل حاردتْسريعٌ إلى الداعي مطاعٌ إذا أمَرْ
وقد كنتُ جلداً في الحياة مرزّأوقد كنتُ أنوِي الخير والفضل والذُّخُر
وقال المؤرج بن عمرو السدوسي: أن لبيد بن ربيعة، وكان ربيعة أبوه يسمى ربيع المقترين، وكان
جواداً، قتلته ذي علق بنو أسد، وفيه يقول الشاعر:
نعمَ القتيلُ غداةَ ذي عَلَقٍترِبتْ يداك قتلتَ يا ابنَ الأفقمِ
لله درُّك أيَّ كبشِ كتيبةٍتحت العجاج تركتَ يَشَرقُ بالدّمِ
قال: وابنه لبيد بن ربيعة كان شاعر بني عامر، وكان شريفا جمالا سخيا حليما، كان يقال إنه يُطعم
كلما هبت الصبا، لبيت قاله في الجاهلية، وهو قوله:
وصَباً غَداةَ مُقامةٍ وزّعتِهابجِفانِ شِيزَى فوقَهنَّ سَنامُ
قال: فكان المغيرة بن شعبة الثقفي يقول كلما هبت الصبا: أعينوا أبا عقيل على مروته! فيرسل إليه
بالجزر. فلم يزل كذلك حتى مات لبيد وهو ابن مائة وثمان وثلاثين سنة، زعمت بنو جعفر إنه لم
يمت حتى لم تحل له جعفرية.
قال: وقد كان الطرماح بن حكيم الطائي جارا لبني جعفر بالكوفة، فقالت عجوز من طي: كان لنا
جاران من بني جعفر في الإسلام لم نر مثلهما: أحدهما
لبيد بن ربيعة، لم يصبح منذ هاجر إلا وعند بابه جزر تُنحر أو فرث أو دم لم يجف؛
وكان الآخر مفرطا في البخل، فكان يرسل خادمه فيأتيه
بالتمر فيملأ فاه ماء مخافة أن يأكل منه في الطريق.
وقال الأصمعي: كان الوليد بن عقبة ارتقى يوما المنبر فأرتج عليه وحصر، فنظر فإذا دخان ساطع،
فقال: هذا دخان أبي عقيل، فرحم الله سبحانه امرأ أعانه على مروته، وأنا أول امرئ أعانه على
مروته. قال: ثم نزل من المنبر فأرسل إليه بالجُزُر لم يذكر عددها، وأرسل إليه بأبيات:
أرى الجزّارَ يَشحذُ شَفْرتيهإذا هبَّتْ رياحُ أبي عَقيل
أغرُّ الوجه أبيضُ عامريٌّكأنّ جَبينَه سيفٌ صَقيلُ
فعُدْ إنِّي إليكَ بها مُعيدٌومضمونٌ له وبها قَبيل
القبيل، والكفيل، والزعيم، والصبير واحد.
قال: فلما جاءته الجزر تشكَّر له وقال خيرا، وقد كان ترك قرض الشعر، فدعا بُنية له صغيرة فقال
لها: أجيبي أبا وهب عن أبياته. قال: فدخلت بيتا ثم مكثت هُنيهة قليلة، ثم خرجت وهي تقول:
أبا وهبٍ جزاك اللهُ خيراًنَحرناها وأطعمْنا الثريدا
إذا هبَّتْ رياحُ أبي عَقيلٍدعَونا عند هبَّتها الوليدا
أغرَّ الوجه أبيضَ عَبشميًّاأعانَ على مُروَّته لَبيدا
فعُدْ أن الكريمَ له مَعادٌوظَنِّي بِابنِ أروى أن يعودا
قال: فقال لها لبيد: أجدت لولا أنك استزدته. قال: فقالت: إنما استزدته لأنه ملك، ولو كان سوقة ما
استزدته! قال: فعجبوا من حُسن جوابها.
قال المؤرج: وبلغني أن لبيدا هلك في زمن عثمان بن عفان، رضي الله سبحانه عنه
قال: وبلغني عن علقمة بن قطن بن ناجية بن نهيك بن قطن بن مرة بن خالد بن جعفر بن عبد الله
بن عمير القبطي قال:
أدركت لبيدا في زمن معاوية ﵁، وهو في ألفين وخمسمائة من العطاء،
وإنه هلك وزياد بن أبيه في الكوفة.
قال: وبلغني أن عمر بن الخطاب رضي الله سبحانه عنه أرسل إلى شعراء من أهل الكوفة، فيهم
لبيد، والأغلب، وضابئ البرجمي، فاستنشدهم رسوله أو واليه - والوالي المغيرة بن شعبة رضي الله
عنه - وقال: قولوا شعرا. فقال لبيد: (قد أبدلني الله بالشعر خيرا منه)، يعني القرآن المعجز الشأن.
وقال الأغلب:
أرجَزاً تريد أم قصيدالقد سألتَ هيِّناً موجودا
وروى الفراء: (أم قريضا).
أم هكذا بينهما تعريضاكلاهما أجِدُ مستريضا
قال: وأنشد ضابئ رفثا. فأتى الرسول عمر رضي الله سبحانه عنه بالخبر، فقال عمر رضي الله
عنه: زيدوا لبيدا في عطائه خمسمائة، وانقصوا من عطاء الأغلب مثلها.
قال المؤرج: فسمعت ابن عاصم يذكر أن الأغلب وفد على عمر ﵁، وإنه رد ما نقص
من عطائه وقال: أن أطعتكم نقصتموني من عطائي!
وقال المؤرج: وكان لبيد خير شاعر لقومه: رثاهم وبكاهم، وذكر أيامهم، فذكرهم بأسمائهم وألقابهم،
وصنع في ذلك ما لم يصنعه أحد غيره من الشعراء.
حدثنا محمد بن أحمد بن محمد المقدمي قال: حدثنا أبو الخطاب قال: حدثنا الهيثم بن الربيع قال:
حدثني رجل من أهل الكوفة عن الشعبي قال:
أرسل إليَّ عبد الملك بن مروان وهو شاك، فدخلت إليه فقلت: كيف تجدك يا أمير المؤمنين؟ فقال:
أصبحت كما قال عمرو بن قمية، اخو بني قيس بن ثعلبة. قلت: وما قال؟ قال: قال:
كأنِّي وقد جاوزتُ تسعين حجةًخَلعتُ بها عنِّي عذارَ لجامي
رَمَتْني بناتُ الدَّهر من كلِّ جانبٍفكيف بمن يُرمَى وليس برامِ
حتى أتى عليها. قلت: لا، ولكنك كما قال لبيد بن ربيعة. قال: وما قال؟ قلت قال:
باتت تَشَكَّى إلى النفسُ مُجهِشةًوقد حملتُك سبعاً بعد سبعينا
فإنْ تُزادي ثلاثاً تبلُغي أملاًوفي الثلاث وفاءٌ للثمانينا
فعاش والله بعد ذلك حتى بلغ تسعين حجة. فقال:
كأني وقد جاوزتُ تسعين حِجَّةًخَلَعتُ بها عن مَنْكبيَّ ردائيا
فعاش حتى بلغ عشرا ومائة فقال:
أليس في مائةٍ قد عاشَها رجلٌوفي تكامُلِ عشر بعدها عِبَرُ
فعاش والله يا أمير المؤمنين حتى بلغ عشرين ومائة فقال:
وغنيت سبتاً بعد مَجرَى داحسٍلو كان للنفس اللجوج خلودُ
فعاش والله حتى بلغ أربعين ومائة سنة فقال:
ولقد سئمتُ من الحياةِ وطولِهاوسؤالِ هذا الناس كيف لبيدُ
فقال عبد الملك: والله ما بي بأس، اقعد يا شعبي ما بينك وبين الليل.
قال: فحدثته حتى أمسيت ثم فارقته، فمات والله في جوف الليل.
وقال لبيد:
عَفَتِ الدِّيارُ مَحَلُّها فمُقامُهابمنى تأَبَّدَ غَوْلُها فرِجامُها
قوله عفت معناه درست. و (تأبد) معناه توحش. يقال أبدت الدار تأبد أبوداً. وتأبدت تأبُّداً، إذا
توحشَّت. والأوابد: الوحش؛ ومنه أوابد الشعر.
و (المحل): حيث يحل القوم من الدار. و (المقام): حيث طال مكثهم فيه. و (منى): موضع قريب
من طخفة بالحمى في بلاد غنى وكلاب، وليس بمنى مكة. والغول والرجام بنفس الحمى، والحمى
جمى ضرية. قال أوس ابن حجر:
زعمتمُ أن غَولاً والرِّجامَ لكُمْوَمنعِجاً فاقصِدوا فالأمر مشتَرَك
وقال بعض الرواة: الغول والرجام جبلان، ومنًى ومنَى مكة. ويروى عن ابن عباس رضي الله
عنهما قال: إنما سمي منى منى لأن آدم ﵊ لما انتهى إليه قيل له: تمنَّ. فقال: أتمنى
الجنة؛ فسمى منًى لذلك. وقال غيره: إنَّا سمى منى لما يُمنى فيه من الدم. ويقال سمى منًى لما يُمنى
فيه من ثواب الله ﵎؛ أي يقدر. قال الله ﷿: (مِن نطفةٍ إذا تُمنَى)، أراد إذا تقدَّر.
ويقال: مناك الله تعالى بما يسرك، أي قدر الله سبحانه ما يسرك. وقال بعض الرواة: الغول ماء
معروف، والرجام: الهضاب، واحدتها رجمة. قال: والرجام في غير هذا: حجارة تجمع أنصابا
ينسكون عندها ويطوفون بها، واحدتها أيضا رجمة. قال: ويقال للقبر رجم لأن الحجارة تُنضد عليه.
والديار مرفوعة بعفا، والمحل مرفوع بفعل مضمر معناه عفا محلها فمقامها، ولا يجوز أن يكون
المحل والمقام تابعين للديار على جهة التوكيد، لأن الفاء أوجبت التفرق، وإنما يُتبع ما يتبع من هذا
على إنه مشبه بكل، كقولك: قام القوم أحمرهم وأسودهم، معناه قام القوم كلهم، فإذا نسق بالفاء بطل
معنى كل، فبطل الإتباع.
والباء في قوله بمنى فيها قولان: قال هشام بن معاوية الضرير: هي من صلة تأبد، أي تأبد بمنى.
وقال غيره: الباء صلة المضمر الذي رفع المحل، والتقدير: عفا محلها فمقامها بمنى. و (منى) يذكر
ويؤنث، يقال هو منى وهي مِنَى؛ فمن ذكره رواه: (بمنًى) بالتنوين، ومن أنث رواه: (بمنى) بغير
التنوين. قال أبو دهبل
في تذكيره:
سَقَّى مِنًى ثمَّ روّاه وساكِنَهومن ثَوَى فيه واهي الودْق منبعقُ
وقال العرجي في تأنيثها:
ليَومُنا بمنًى إذْ نحنُ ننزلُهاأسَرُّ مِن يومنا بالعَرْج أو مَلَلِ
فمَدَافعُ الرَّيَّانِ عُرِّىَ رسْمُهاخَلَقاً كما ضَمِنَ الوُحِيَّ سِلامُها
(المدافع): مجارى الماء، وهي التلاع. و (الريان): واد بالحمى، ويروى: (فصدائر الريان)، وهو ما
صدر من الوادي، وهو أعلاه. (عرى رسمها خلقا) أي ارتحل عنه فعرى بعد أن أخلق لسكونهم إياه.
(كما ضمن الوحي سلامها)، الوحي: جمع وحي، وهو الكتاب، أي عُرى خلقا كالكتاب الذي ضمنت
الصخور. والمعنى: آثار هذه المنازل كأنها كتاب في حجارة. والوحي هو الكتاب، يقال: وحيت أحي
وحيا، إذا كتبت. قال الله ﷿: (فأوحىَ إليهمْ أن سَبِّحُوا) أراد: كتب لهم. قال الشاعر:
كوحيِ صحائف في عهد كسرىفأهداها لأعجمَ طِمطميّ
وقال جرير:
كأنّ أخا اليهود يخُطُّ وحيًابكافٍ في منازلها ولامِ
أراد: يكتب كتابا. و (السلام): الصخور، واحدتها سلمة. قال الشاعر:
ذاك خليلي وذو يعاتبنييَرمِى ورائي بالسَّهم والسَّلِمه
ويروى: (وامسلمه) على لغة بعض أهل اليمن، يجعلون اللام ميما فيقولون: هذا مرجل، يريدون هذا
الرجل. وقوله ذو يعاتبني، معناه والذي يعاتبني. وأنشد خلف:
فبِشطِّ رَيمانَ الرِّباعُ كماوقَع الغلامُ الوحيَ في الصَّخرِ
والمدافع مرتفعة بما عاد من الهاء والألف في رسمها، والرسم اسم ما لم يسم فاعله، وخلقا منصوب
على الحال من الرسم، والكاف منصوبة بعُرى، وما معناها المصدر.
والوحي وزنه من الفعل فعول، وأصله وحوى، فلما اجتمعت الواو والياء والسابق ساكن أبدلوا من
الواو ياء وأدغموها في الياء التي بعدها وكسروا ما قبل الياء لتصح. ويروى: (كما ضمن الوحي)
بفتح الواو، فالوحي أصله الموحو، فصرف عن مفعول إلى فعيل، كما قالوا مقدور وقدير، ومقتول
وقتيل.
دِمَنٌ تَجَرَّمَ بَعْدَ عَهدِ أَنيسِهاحِجَجٌ خَلَونَ حَلالُها وحَرامُها
الدمن: جمع دمنة، والدمنة: آثار الناس وما سودوا بالرماد وغير ذلك. يقال دُمن المنزل. قال
الشاعر:
فقد جَعلتْ منازلَ دمَّنتهاوأخرى لم تُدَمَّنْ يستوينا
والدمنة في غير هذا: الحقد. أنشدنا ابن البراء:
ومن دِمَنٍ داويتَها فشفيتَهابسِلمكَ لولا أنت طال حُرُوبُها
وقال الآخر:
فتًى لا يبيتُ على دمنةٍولا يشرب الماء إلاّ بدَمْ
و (تجرم): انقطع ومضى. والحول المجرم: الذي قطعته عنك وأمضيته. ومنه زمن الجرام، أي
قطاع النخل. وقال بعض اهل اللغة: يقال حول مجرم، وكريت، وقميط، ودكيك. وأنشد لأيمن بن
خريم:
أقامت غَزالةُ سوقَ الضِّرابِلأهلِ العراقَينِ حولاً قميطا
والدمن في غير هذا الموضع: الكناسات والأبعار. أنشدنا أبو العباس:
وقد ينبُت المرعى على دِمَن الثَّرىوتبقى حزازاتُ النُّفوس كما هِيا
وقوله (بعد عهد أنيسها)، أراد الذين يسكنونها ويكونوا فيها. و (الحلال): شهور الحل، وهي ثمانية
أشهر. و (حرامها): الشهور الحرم، وهي أربعة أشهر، أولها رجب، ثم ذو القعدة، ثم ذو الحجة، ثم
المجرم آخرها. قال الله ﷿: (مِنْها أربعةٌ حُرُم)، أي عظيمة الحُرمة، وهي هذه الأربعة.
ويروى: (دمنا تجرَّم) بالنصب. فمن رفع أراد تلك دمن أو هي دمن؛ ومن نصب نصب على القطع
من الديار والمنازل المذكورة. والذي بعد الدمن من صلتها، والحجج رفع بتجرم، وخلون صلة
الحجج، والحلال والحرام تابعان للحجج.
رُزِقَتْ مَرَابيعَ النُّجومِ وصَابَهاوَدْقُ الرَّواعِد جَودُها ورِهامُها
ورواه الأصمعي: (مرابيع السحاب). قوله (رزقت) دعاء لها، أي رزقها الله ﵎ مرابيع
السحاب، وهو أول ما يكون من مطر الربيع. وواحد المرابيع مرباع، بمنزلة المرباع من النوق،
وهي إلي من عادتها أن تنتج في أول النتاج. ويقال: مرابيع النجوم هي نجوم الوسمي. وقوله
(وصابها) معناه نزل عليها. قال أبو العباس عن الأثرم عن أبي عبيدة: يقال صاب المطر يصوب،
إذا نزل. وأنشد لعلقمة بن عبدة:
كأنَّهمُ صابتْ عليهمْ سحابةٌصواعقُها لطيرهنَّ دبيبُ
فلا تَعْدِلي بيني وبين مُغَمَّرسقتكِ روايا المُزْن حين تَصُوبُ
وأنشد لرجل من عبد القيس جاهلي يمدح بعض الملوك:
فلستَ لإنسيٍّ ولكنْ لملأكٍتَنزَّلَ من جوِّ السَّماءِ يَصوبُ
وقال بعضهم: صابها: قصد لها. وقال آخرون: صابها معناه أصابها.
وقال ابن غلفاء الهجيمي:
دعيني إنما خطئي وصَوْبيعليَّ وإنَّ ما أنفقتُ مالُ
أراد بالصوب الإصابة. والودق من المطر: الداني من الأرض، واحدته ودقة؛ يقال: ودق يدق، إذا
دنا. ويقال: هو وادق السرة، أي دانى السرة من الأرض. قال الأعشى:
فلا مُزنةٌ ودقت ودْقَهاولا أرْضَ أبقلَ إبقالَها
والرواعد: السحائب ذوات الرعد، واحدتها راعدة. يقال رعدت السماء من الرعد، وبرقت من
البرق. ورعد الرجل وبرق، إذا أوعد وتهدد. قال ابن أحمر:
يا جَلَّ ما بُعدت عليك بلادُنافابرُق بأرضِك ما بدا لك وارعُدِ
وللمتلمس:
وإذا حللتُ ودون بيتي غاوةٌفابرُق بأرضك ما بدا لكَ وارعُدِ
غاوة: قرية من قرى الشام. وقال الأصمعي: لا يقال أبرق الرجل وأرعد. وقال ابن الأعرابي: يقال
رعد الرجل وبرق، وأرعد وأبرق بمعنى. وأنشد للكميت:
أبرِقْ وأرعِدْ يا يزيدُ فما وعيدُكَ لي بضائرْ
ويقال: أرعدنا نحن وأبرقنا، أي سمعنا صوت الرعد ورأينا البرق. والجود: الذي يرضى كل شيء
ويرضاه أهله. يقال: إذا التقى الثريان فذلك الجود. والرهم: أمطار ضعاف، واحدتها رهمة؛ ويقال في
الجمع رهم ورهام. قال الجعدي:
ركِّب في السَّام والزَّبيب أقاحيُّ كَثيبٍ تَندى الرّهَمِ
وقال بعض أهل اللغة: قوله (رزقت مرابيع النجوم) خبر وليس بدعاء. وقال آخرون مرابيع النجوم
بمنزلة مرابيع الإبل، وهي التي تلقح في أول اللقاح وتنتج في أول النتاج؛ وهي أكرم الإبل.
قال الأصمعي: دخل رجل على هشام بن عبد الملك فوصف له ناقة فقال: (انها لمسناع، مرياع،
مرباع، هلواع).
والمسناع: المتقدمة؛ يقال: استناع البعير، إذا تقدم. قال القطامي:
وكانت ضربةً من شَدقَمِيّإذا ما استنَّت الإبلُ استناعا
ورواه بعض الناس: (مسياع) بالياء، وقال: المسياع: التي تصبر على الإضاعة. يقال: رجل مسياع،
إذا كان مضياعا للمال لا يحسن القيام عليه. ويقال: هو ضائع سائع. والمرياع: التي يسافر عليها
وتعاد. وأصله من راع يريع، إذا عاد. والهلواع: التي فيها نزق وخفة. واخبرنا أبو العباس عن سلمة
عن الفراء قال: الهلواع: إلي تضجر فتسرع السير.
والجود والرهام تابعان للودق.
مِمْ كُلِّ سارِيةٍ وغادٍ مُدْجِنٍوعَشِيّةِ مُتَجاوبٍ إِرزامُها
سارية: سحابة تجيء ليلا. يقال سرى بالليل وأسرى، إذا سار ليلا. و (غاد): يجيء بالغداة.
و (مدجن) من الإدجان، وهو إلباس الغيم. والدجنه: إلباسه، وظلمته أيضا. وقوله (متجاوب إرزامها)
الإرزام: تصويتها بالرعد. وإرزام الناقة: حنينها؛ يقال أرزمت الناقة، إذا حنَّت. فأراد: لرعدها
رزمة، أي صوت كرزمة الناقة على ولدها، وهو حنينها. ويقال سحابة رزمة، إذا كانت مصوتة
بالرعد. أنشدنا أبو العباس عن ابن الأعرابي:
جاد على قَبرك غَيثٌ من سَماءٍ رزِمَهْ
وقال بعض أهل اللغة: يقال يوم مدجن، إذا كان متغيما من أوله إلى آخره. وأنث السارية على معنى
السحابة. ومِن من صلة صابها.
فعَلاَ فُروعُ الأَيهُقانِ وأَطفَلَتْبالجَلْهَتينِ ظِباؤُها ونَعامُها
علا: ارتفع وطال. ويروى: (فغلا فروع الأيهقان) بغين معجمة، أي ارتفع وزاد، من قولهم: قد غلا
السعر، إذا ارتفع؛ وغلا الصبي يغلو، إذا شب؛ وفعل ذلك في غلوائه، أي في شبابه. قال ذو الرمة:
فما زال يغلو حبُّ ميَّةَ عندناونزداد حتَّى لم نجدْ ما نزيدها
والغين رواية الأصمعي. ويروى: (فاعتم نور الأيهقان). اعتم: ارتفع؛ يقال نخلة عميمة، إذا كانت
طويلة؛ ونخل عم. وسمعت من ينشده: (فعلا فروع الأيهقان) بنصب الفروع، على معنى فعلا فروع
الأيهقان الغيث. و (الأيهقان): هو الجرجير. وحكى بعضهم: هو الأيهقان والنهق. وقوله: (وأطفلت)
معناه ولدت فصار معها أطفالها. يقول: خلت الديار فتناتجت فيها الوحش. يقال لولد الظبية حين
تضعه طلا، فإذا قوى فهو شادن، ثم خشف، ثم رشأ، ثم شصر حين يطلع قرناه، ثم غزال. فإذا طال
قرناه وافترقا فهو أشعب. و (الجلهتان): جبهتا الوادي، وهو ما استقبلك من حروف الوادي وما فوقه
قريبا، من يمين أو شمال؛ وجمعه جلاه وجلهات. يقال: هما جلهتاه، وعدوتاه، وضفتاه، وجيزتاه،
وشاطئاه بمعنى.
والظباء ترتفع بأطفلت. والهاء تعود على الجلهة.
والوحشُ ساكنةٌ على أَطلائهاعُوذاً تَأَجَّلُ بالفضاءِ بِهَلمُها
ويروى: (والعين)، وهي البقر، واحدتها عيناء. وإنما سميت عينا لضخم أعينها. (ساكنة) معناه هي
في قفر آمنة لا تنفر. و (الأطلاء): الأولاد، واحدها طلا منقوص. و (العوذ): التي نتجت حديثا،
واحدها عائذ. قال الشاعر:
لا أُمتع العُوذَ بالفصال ولاأبتاعُ إلا قريبةَ الأجلِ
وأصله في الإبل، وهي الغنم الربى. وقوله (تأجل): تجتمع، من الإجل، وهو القطيع من الظباء،
وربما استعمل في البقر. والصوار: القطيع من البقر خاصة.
فأراد بتأجل: تصير آجالا. و (الفضاء): المتسع من الأرض. و (البهام): جمع بهمة، وهي من أولاد
الضأن خاصة، ومجرى البقرة الوحشية مجرى الضائنة في كل شيء، ومجرى الأروية مجرى
الماعزة. وقال الأصمعي: كان ينبغي أن يقال للولد عائذ فجعل للأم. وقال أبو زيد: يقال لأولاد الغنم
ساعة تضعه أمه من المعز والضأن جميعا ذكرا كان أو أنثى: سخلة، وجمعه سخال. ثم هي البهمة
للذكر والأنثى، وجمعها بهم.
وعوذا نصب على الحال.
وجلاَ السُّيولُ عن الطُّلول كأَنَّهازُبُرٌ تُجِدُّ مُتونَها أَقلامُها
معناه: جلت السيول التراب عن الطلول، أي كشفت. وكل جلاء كشف. فمنه جلاء العروس، ومنه
الجلية: الأمر البين الواضح. و (الطلول) والأطلال: ما شخص من آثار الديار؛ ومنه: حيا الله طللك،
أي شخصك. والرسم: الأثر بلا شخص. و (زبر): جمع زبور، وهو الكتاب. قال بعضهم: سمعت
أعرابيا يقول: (أنا أعرف تزبرتيه) أي كتابي. وقال أبو عبيدة: يقال زبرت وذبرت بمعنى واحد.
وقال الأصمعي: زبرت: كتبت؛ وذبرت: قرأت. قال امرؤ القيس:
لمن طللٌ أبصرتُه فَشَجانيكخَطِّ زَبور في عسيب يماني
أراد: كتابا. وقال الآخر:
عرفتُ الدِّيارَ كرَقْم الدواةِ يزبرها الكاتبُ الحميريُّ
ويروى: (يذبرها). وقوله (تجد متونها أقلامها) معناه يعاد عليها الكتاب
بعد أن درست. ومتونها: ظهورها وأوساطها، فأراد كلها ولم يخص المتون. ومثله قول زهير:
كأنَّ بريقَها بَرَقاتُ سَحلٍجَلا عن مَتنه حُرُضٌ وماءُ
وإنما أراد: جلاه كله. وفي الهاء قولان: يقال هي عائدة على الدار، ويقال على الأطلال. والأطلال
مرتفعة بتجد، والمتون منتصبة به.
أَو رَجْعُ واشمة أُسِفَّ نَؤورُهاكِففاً تَعرَّضَ فَوقهنَّ وِشامُها
قوله (أو رجع واشمة)، معناه ردها النقش. والواشمة: التي تشم يديها تضربهما بالإبرة ثم تحشوهما
النؤور. و (النؤور): حصاة مثل الإثمد تدق فتسفه اللثة واليد فتسودهما. قال بعض أهل اللغة:
ودارٌ لها بالرقْمتين كأنَّهامَراجعُ وشم في نواشرِ معصَمِ
وقوله (أسف) الإسفاف الإقماح. فيقول: أقمحت الكفف النؤور. وواحدة الكفف الكفة، وهي كل دارة
وحلقة. وقال بعضهم: النؤور شحم يحرق ثم يكب عليه إناء ثم يؤخذ من دخانه من الإناء. وقوله
(تعرض فوقهن وشامها) تعرض الوشام معناه اخذ يمينا وشمالا ولم يقصد. يقال للرجل إذا تصعَّد
الصعود: تعرض بناقتك يمينا وشمالا ولا تُكابد. فيأخذ يمينا ثم يرجع شمالا ثم يرجع يمينا وهو في
ذلك يصعد. ومنه قول عبد الله ذي البجادين:
تَعرَّضي مَدارجاً وسُوميتَعرُّضَ الجوزاء للنجوم
هو أبو القاسم فاستقيمي
ومنه قول الشماخ:
كما خَطَّ عبرانيةً بيمينهبتَيماءَ حَبْرٌ ثُمَّ عَرَّضَ أسُطرا
قوله: ثم عرض اسطرا، قال الأصمعي: معناه كتبها كتابا عير بين، من قولهم: عرض ولم يصرح.
(الوشام): جمع الوشم. شبه سوادها بالوشم، كما تكون الشامة في الوجه.
والوجه يرتفع بالنسق على الزبر، والنؤور رفع بأسف، والكفف منصوبة به.
فوقَفْتُ أَسأَلُها وكيف سُؤَالناصُمًّا خَوالدَ ما يُبشينُ كَلامُها
ويروى: (سفعا)، والسفعة: سواد إلى الحمرة. و (الصم): الصخور. و (الخوالد): البواقي. قال ابن
أحمر:
خلَد الجُبَيبُ وبادَ حاضرُهُإلاّ منازلَ كلها قَفْرُ
وقوله (ما يبين) معناه ما يستبين. يقال أبان الشيء، واستبان، وبان بمعنى واحد. وحقيقة تأويله: لا
كلام لها فيُتبين. وهو شبيه يقول النابغة:
يحُفُّه جانبا نِيقٍ وتُتبعُهمثلَ الزجاجةِ لم تُكحَل من الرمدِ
معناه: إنها لم ترمد فتحتاج إلى أن تكحل من ذاك. ويقال: الصم: الديار.
والسؤال رفع بكيف، والصم نصب بالسؤال.
عَرِيَتْ وكانَ بها الجميعُ فأَبكَروامِنْها وغُودرَ نُؤْيُها وثُمامُها
ويروى: (عريت وزايلها الجميع)، ويروى:
كانت يكون بها الجميعُ فأصبحوابَكَروا وغُودرَ خَيمُها وثُمامُها
قوله (عريت) معناه خلت فلم يبق بها أحد. و (أبكروا): غدوا منها بكرة. يقال بكر، وبَكَّر، وابتكر،
وأبكر. قال الشاعر:
بكرتْ علىَّ تلومُني بصريمِفلقد عذلتِ ولُمتِ غير مُليمِ
وقال عمر بن أبي ربيعة:
أمن آل نُعمٍ أنت غادٍ فمبْكرُغداةَ غدٍ أم رائحٌ فمهجِّرُ
وقوله (غودر): ترك. يقال: ما غادرت منهم أحدا، أي ما تركت منهم. و (النؤى): حاجز يجعل حول
البيت من تراب لئلا يدخل عليه الماء. و (الثمام): شجر يلقونه على بيوتهم وعلى وطاب اللبن. وإذا
نزل القوم بأرض يستغنون فيها بشجرها عن الأبنية نصبوا أعندة ثم خلوا بينها بالثمام، أي ظللوها
به؛ لأنه أبرد ظلا. وإذا نزلوا في موضع ليس به شجر فهي النجد؛ يقال فلان من أهل النجد، إذا كان
من أهل البادية. وقال أبو جعفر: يقال: أنا لك على طرف الثمام، أي مع ما تحب؛ لأنهم يختارون
الثمام على جميع الشجر والنبات، يستظلون به. و (الخيم): جمع خيمة، قال بعض الأعراب:
بلادٌ يكون الخَيم أظلال أهلِهاإذا حضَروا بالصَّيف والضبّ نونُها
والواو في قوله (وكان بها الجميع) واو الحال، معناه وقد كان بها.
شَاقَتْك ظُعْنُ الحَيِّ حِينَ تحمَّلوافتكنَّسُوا قُطُناً تَصِرُّ خِيامُها
(شاقتك) معناه: اشتقت لها. و (الظعن): النساء في الهوادج. وقوله (فتكنسوا) معناه اتخذوا الهوادج
كمسا، والواحد كناس. يريد: دخلوا في الهوادج كما تدخل الظباء في كنسها. و (القطن): جمع قطين،
وهم الجماعة. والقطين أيضا: الحشم والضبنة. والقطين: الجيران والعبيد. قال جرير:
هذا ابنُ عمِّي في دمشقَ خليفةًلو شئتُ ساقكمُ إلى قطينا
أراد: عبيدا. فقيل له: ما أنصفت يا أبا حزرة، تفخر عليهم بالخلافة!
وقال عبد الملك: لو قال: (لو شاء ساقكم) لسقتكم إليه.
والقطين أيضا: سكان الدار. أنشدنا أبو العباس، قال ابن شبيب:
علَّموني كيف أشتاق إذا خفَّ القطينُ
وقال أبو جعفر: معنى قوله (فتكنسوا قطنا) ثياب قطن. قال: وليس للقطين هاهنا معنى. قال:
والدليل على إنه أراد ثياب القطن قوله (من كل محفوف يظل عصيه زوج). والذي ذهب إليه أبو
جعفر هو قول الأصمعي. وقوله (تصر خيامها) معناه تعجل بهن إبلهن فتهز الخشب فتصر. قال
الشاعر:
يا أهل ذي المرْوّةِ خلُّوها تمرّألاَ ترون أنَّها شَولٌ نُفُرْ
أقتابها من خَلْجها المشيَ تصرّْ
ويقال: هو القُطُن، والقُطْن، والقُطُنّ. أنشدنا أبو العباس عن سلمة عن الفراء:
كأنّ مَجرى دمعها المُستَنِّقُطُنَّةٌ من أبيضِ القُطُنِ
ويقال للقُطن: البرس، والعطب، والكرسف، والكرسوف، والطاط.
والقطن منصب بتكنسوا، والخيام مرتفعة بتصر. وقال أبو جعفر: إنما تصر خيامها لأنها جدد. وقال
غيره: معناه خشبها تصر من صقلها.
مِن كلٍّ محفوفٍ يُظِلُّ عِصِيَّهُزَوجٌ عليه كِلَّةٌ وقِرامُها
المحفوف: الهودج قد حف بالثياب. وعصيه: عصى الهودج. والزوج: النمط الواحد. وقوله (عليه
كلة)، رجع إلى (الهودج). و (القرام): الستر. وكل ما غطيت به شيئا فقد قرمته. وهو القرام والمقرم.
ومثله في الوزن السنان والمسن، واللحاف والملحف.
والزوج رفع بيظل، والهاء للمحفوف.
زُجَلاً كأَنَّ نِعاج تُوضِحَ فوقَهاوظِبَاءَ وجْرَة عُطَّفاً أَرآمُها
زجلا: جماعات، واحدتها زجلة. والنعاج: البقر. وتوضح: موضع. وقوله (فوقها) معناه فوق
الهوادج. ووجرة: بلد. وقوله (عطفا) معناه ثانية الأعناق. و (الأرآم): ظباء بيض خوالص البياض،
والواحد رئم، والانثى رئمة.
وقال بعضهم: معنى قوله (عطفا أرآمها) عطفت على أولادها. وقال أبو جعفر: شبهها بالظباء
والأرام التي معها أولادها، لتفزعها إلى أولادها وإرشاقها، فهو أحسن لها.
وزجلا نصب على الحال من ظعن الحي، وتوضح مختفض بإضافة النعاج إليه ونصب لأنه لا
يجري، والظباء نسق على النعاج، وعطفا نصب على الحال.
حُفِزَتْ وزايلَها السَّرابُ كأَنهاأَجزاعُ بِيشَةَ أَثْلُها ورِضامُها
قال أبو عمرو: معنى قوله (حفزت): دفعت واستحثت في السير. وحفزه دفعه. وقوله (وزايلها
السراب): دفعها سراب إلى سراب. ورواها الأصمعي:
(حزيت وزيلها السراب) وحزيت يهمز ولا
يهمز. يريد: حزاها السراب، أي رفعها. وزيلها: فرقها. قال الله ﷿: (لو تَزَيَّلُوا)، أراد: لو
تفرقوا. والأجزاع: معاطف أوديتها، واحدها جزع. قال الشاعر:
فقلت له: أينَ الذين عهدتُهمْبِجزْعك في خفضٍ وطِيب زمانِ
النص من طبعة دار المعارف بالقاهرة، سلسلة ذخائر العرب، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع