تجاوز إلى المحتوى

من «شرح معاني شعر المتنبي: السفر الأول» لابن الإفليلي (ت ٤٤١هـ)

الجزء الثاني (٥)

العصر: الدهور، واحدها عصر، كما يقال سقف، واحدها سقف.

فيقول لسيف الدولة: الصوم وحينه، والفطر وقدومه، والأعياد المنتظرة، والعصر المتصرفة، منيرة بسعدك، متلألئة بإقبال جدك، حتى الشمس والقمر؛ فإن ضياءهما يتزايد بحسن أيامك، ويتمكن بيمن سلطانك.

تُري الأَهِلَّةَ وَجْهاً عَمَّ نَائِلُهُفما يُخَصُّ بِهِ مِنْ دُونها البَشَرُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الصوم والفطر والأعياد والعصر»

ثم قال: ترى الأهلة منك وجهاً ينير حسنه، ويشمل العالمين فضله، فتنال الأهلة من التأيد في الضياء بحسنه، كالذي ينال الناس من الارتفاق بفضله.

ما الدَّهْرُ عِنْدَكَ إلاَّ رَوْضةُ أُنْفُيَا مَنْ شَمَائِلهُ في دَهرِهِ زَهَرُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الصوم والفطر والأعياد والعصر»

الأنف من الرياض: التي لم ترع، والزهر: النوار.

ثم قال مخاطباً له: ما الدهر عندك إلا كالروضة الأنف؛ حسناً وبهجة، وإشراقاً ونضرة، يا من خلائقه في دهره كالزهرات المونقة، وأنوار الرياض المعجبة!

ما يَنْتَهي لَكَ في أَيامِهِ كَرَمُفلا تنْتَهَى لَكَ في أَعْوَامهِ عُمُرُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الصوم والفطر والأعياد والعصر»
فإن حظَّك من تَكْرارِها شَرَفُوَحَظُّ غَيْرِكَ مِنْهُ الشَّيْبُ والكِبَرُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ثم يقول: ما يتناهى كرمك في أيامه، ولا ينحسر قدرك في مقداره؛ فلا انتهى عمرك ولا انقطع، ولا انقضت أعوامه ولا انصرم، فإن

حظك من تكرار الأعوام عليك، شرف تستجده وتبينه، وكرم تشمل به وتوليه، إذا كان حظ غيرك من تراخي عمره، وتكرار أعوامه، شيب يلحقه، وكبر يهرمه.

ومد قويق؛ وهو نهر بحلب، فأحاط بدار سيف الدولة، فخرج أبو الطيب من عنده، فبلغ الماء إلى صدر فرسه، فقال:

حَجَّبَ ذا البحرَ بِحَارُ دُونَهُيَذُمُّها قَوْمُ وَيَحْمَدُونَهُ

حجب: إذا ثقل، تكثير حجب إذا خفف.

فيقول، مشيراً إلى سيف الدولة: حجب ذا البحر من النهر الذي فاض حول قصره بحار تمنع منه، وتصد قاصديه عنه، فهي تذم لأنها تعوق عن قصده، وهو يحمد لما يبذله من فضله.

يَا مَاءُ هَلْ حَسَدْتَنَا مَعِينَهُأم اشْتَهَيْتَ أَنْ تُرَىَ قَرِينَهُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

المعين: الماء الجاري.

ثم قال: يا ماء هل حسدتنا في بذله، أم ارتجيت أن تقارنه في جلالة

قدره؟؟ وكنى بالمعين عن البذل، على سبيل الاستعارة.

أَمِ انتَجَعْتَ لِلْغِنَي يَمِيْنَهُأضمْ زُرْتَهُ مُكْثِراً قَطِيْنَهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ثياب كريم ما يصون حسانها»

الانتجاع: الارتحال في طلب المرعى، والقطين: أهل الرجل وماشيته المقيمون معه.

فيقول: أم انتجعت أيها الفيض يمين هذا الملك، لتفيد الغنى بجوده، أم جئته مكثراً لحاشيته وعديده.

أَمْ جِئْتَهُ مُخَنْدِقاً حُصُونهُإنَّ الجِيادَ والقَنا يَكْفِينهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ثياب كريم ما يصون حسانها»

ثم قال: أم جئته مخندقاً لحصينه، وحارساً لقصره، فإن كنت أردت ذلك، فجياده ورماحه يكفينه ما تقصده، وتغنيه عما تفعله.

يا رُبَّ لُجَّ جُعِلتْ سَفِيْنَهُوَعَازِبِ الرَّوضِ تَوَفَّتْ عُوْنَهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ثياب كريم ما يصون حسانها»

اللج: البحر، والعازب من الروض: البعيد، والعون: جمع عانة، وهو القطيع من حمر الوحش، وتوفت: أماتت، وهو تفعلت: من الوفاة.

فيقول: يا رب قفر ما للج في إشفاق عابره، وشدة مخافة سالكه،

جعلت هذه الخيل

سفينه التي تقرب عبوره، وتسهل على المقتحم له ركوبه؛ ثم قال: ورب روض عازب، ومكان من أرض العدو ممتنع، قد نزلت هذه الخيل فيه مستبيحة له، وحلته مطمئنة به، فصادت وحشه، وعقرت عونه.

وَذِي جُنُونٍ أَذْهَبَتْ جُنُونَهُوَشَربِ كَأسٍ أَكْثَرَتْ رَنينَهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ثياب كريم ما يصون حسانها»

الشرب: اسم للجماعة الذين يشربون، وأخبر عنه تفرداً على لفظه؛ لأن لفظه الإفراد، وإن كان معناه معنى الجمع، والرنين: امتداد الصوت بالبكاء.

ورب ذي جنون من الأعداء، مدل بنفسه، مغتر بحاله، قد أوقعت هذه الخيل به فوعظته، وصيرته تحت المخافة فقومته، ورب شرب من الأعداء وطئتهم هذه الخيل فنقلتهم من الفرح والأمن إلى الرنين والحزن، وأبدلتهم بالغناء أنينا، وبالحركات سكوناً، يشير إلى القتل الذي نالهم، والجراح التي عمتهم.

وَأَبْدَلَتْ غِنَائَهُ أَنِينَهُوَضَيْغَمٍ أَوْلَجَها عَرِيْنَهُ
وَمَلِكٍ أَوْطأَهَا جَبِينَهُيَقُودُها مُسَهَّداً جُفُونَهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ثياب كريم ما يصون حسانها»

الضيغم: الأسد، والعرين: الغابة التي يستتر فيها. والسهاد: ذهاب النوم، والشؤون: جمع شأن، وهو المذهب.

ثم قال: ورب عدو لسيف الدولة، أوطأ هذه الخيل أرضه، وأولجها داره، وهو كالأسد في شدته، وموضعه كالعرين في منعته، ورب ملك من أعدائه قتله فأوطأ هذه الخيل وجهه، وفرق بها جمعه. وأشار بجبينه إلى ذلك، ثم قال: يقودها قوياً لا يكسل، ويقظان لا يغفل، مسهد الجفون، لا يسكن ولا يتأيد بظهير، ولا يتكل على غيره في مهم الأمور.

مُباشِراً بِنَفْسِهِ شُؤُونهُمُشَرَّفَاً بِطَعْنِهِ طَعِيْنَهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ثياب كريم ما يصون حسانها»

ثم يقول: إن سيف الدولة يشرف من طعنه، ويرفع شأن من قتله؛ لأن الطعن إنما يكون في أغلب الأحوال بعد مجاولة، والقتل بعد مواقفة، وقليل في الفرسان من

يجاوله، ومعدوم فيهم من يوافقه.

عَفِيفَ مَا في ثَوْبِهِ مَأمونَهُأَبْيضَ ما في تَاجِهِ مَيْمُونَهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ثياب كريم ما يصون حسانها»

ثم وصفه بأنه عفيف فرجه، مأمون أمره، وأشار بما في الثوب إلى ذلك، وأنه أبيض الوجه، ميمون الشخص، وأشار بما في التاج إلى ذلك، وسمى ما كان على رأسه تاجاً، على سبيل الاستعارة والترفيع.

بَحْرُ يكونُ كُلُّ بَحْرٍ نُونَهُشَمْسُ تَمَنَّى الشَّمْسُ أن تَكُوْنَهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ثياب كريم ما يصون حسانها»

النون: الحوت.

ثم قال: إنه البحر الذي يغمر البحار بجوده، ويقيس عليها ببذله، فتغيب البحار في فضله، وتصغر وتقل في كرمه، وتحتقر كما يغيب النون في البحر، ويستتر في الماء الغمر، وهو الشمس الذي أضاءت مكارمه، وزينت الأيام محاسنه، حتى تمنت الشمس قدره، ونفست عليه فضله، وودت أن تكون شخصه.

إن تَدْعُ يا سَيْفُ لِتَسْتَعِينهُيُجِبْكَ قَبْلَ أَنْ تُتِمَّ سِسْنَهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ثياب كريم ما يصون حسانها»

يقول: إن من دعا سيف الدولة مستعيناً به، وناداه مستغيثاً له، أجابه قبل استكمال ذكره، وأغاثه قبل أن يلفظ بالسين من اسمه.

أَدَامَ مِنْ أَعْدَائِهِ تَمْكِينَهُمَنْ صَانَ مِنْهُمْ نَفْسَهُ وَدِيْنهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ثياب كريم ما يصون حسانها»

ثم دعا له، فقال: أدام الله تمكينه من أعدائه، ونصرته عليهم، ومواصلة ما فعل له فيهم، من صان منهم نفسه بحفظه، أمد دينه بتأييده ونصره.

وقال يمدحه، ويهنئه بالعيد، أنشدها إياه في ذي الحجة سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة.

لِكُلَّ امرِئٍ مِنْ دَهْرِهِ مَا تَعَوَّدَاوَعَاداتُ سَيْفِ الدَّوْلَةِ الطَّعْنُ في العِدَا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: لكل امرئ أن يحاول في دهره، ما عهده، وأن يطالب ما تعوده، وعادات سيف الدولة الطعن في أعاديه، والظهور على من يعارضه ويناوئه.

وأن يُكْذِبَ الإرْجَافَ عَنْهُ بِضِدَّهِوَيُمْسِي بِمَا تَنْوي أَعَدِيهِ أَسْعَدَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

وأن يكذب ما يرجف به حاسده، من التربص بضده، من صنع الله له، ويمسي أسعد منهم بالظهور الذي ينوونه، والظفر الذي يتمنونه.

ورُبَّ مُرِيدٍ ضَرَّهُ ضَرَّ نَفْسَهُوَهَادٍ إلْيهِ الجَيْشَ أَهْدَي وَمَا هَدَى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

ثم يقول: ورب من رام ضره، فضر نفسه، وخالف أمره، فذم رأيه، ورب من هدى إليه جيشاً فأظفره الله به، وقاده نحوه فأظهره الله عليه، فصار مهدياً إليه غنيمة بهدايته، ومقرباً له أملاً بدلالته.

وَمُسْتَكْبِرٍ لَمْ يَعْرِفِ اللَّهَ سَاعةًرَأَى سَيْفَهُ في كَفَّهِ فَتَشَهَّدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

ثم قال: ورب مستكبر في نفسه، مستبصر في كفره، لم يعرف الله ولا وحده، ولا أقر به ولا عظمة، رأى سيف سيف الدولة في كفه فأسلم ووحد، وأشرف على القتل فعظم الله وتشهد.

هُوَ البَحْرُ غُصْ فيه إذا كَانَ سَاكِناًعلى الدُّرَّ وأحْذَرْهُ إذا كَانَ مُزْبِدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

ثم يقول: إن سيف الدولة هو البحر في جلالة قدره، وفي كرمه وفضله، فإذا أطعته وياسرته، أصبت منه غاية الفضل، كما أن الذي يغوص في البحر عند سكونه، قد يظفر منه بأنفس الدر، وأحذره عند سورة غضبهِ، كما يحذر البحر عند تهيجه ورميه بزبده.

فإنّي رَأَيْتُ البحرَ يَعْثُرُ بالفَتَىوَهَذا الّذي يَأْتي الفَتَى مُتَعَمَّدَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

ثم أَبان أن سيف الدولة أحق من البحر بالهيبة، فقال: فإني رأيت البحر إنما يردي

راكبه عاثراً به، ويسوءه غير متعمد له، وسيف الدولة يردي من عاقبه على قصد، ويناله بالمكروه على معرفة وعمد.

تَظَلُّ مُلُوكُ الأَرْضِ خَاشِعَةً لَهُتُفَارِقُهُ هَلْكَى وَتَلْقَاهُ سُجَّداَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

الخاشع: الذي تغض الهيبة بصره، وهلكى: جمع هالك على غير قياس من لفظه، ولكنه لما كان الهالك محمولاً على الهلاك، صار بمعنى مفعول فجمع جمع قتيل وجريح، لأن كل واحد منهما بمعنى مفعول، فقيل هالك

وهلكى، كما قيل: جريح وجرحى، وقتيل وقتلى.

فيقول: تظل ملوك الأرض خاشعة لسيف الدولة، تفارقه هلكى من مخافته، وتلقاه بالسجود خاضعة لمهابته.

وَتُحْي لَهُ المَالَ الصَّوارِمُ والقَنَاوَيَقْتُلُ مَا يُحْيى التَبُّسمُ وَالجَدّا

الجدا: الإعطاء.

ثم قال: وتحيى له المال سيوفه ورماحه بالبلاد التي يفتحها، والطوائف التي يتملكها، فتجمع له السيوف والرماح من المال ما تحييه بكثرته، وتظهره بتتابع فائدته، ويقتل ما تحييه من ذلك بشر سيف الدولة بالقاصدين، وجزيل عطائه للزائرين.

ذَكيُّ تَظَنَّيهِ طَلِيْعَةُ عَيْنِهِيَرَى قَلُبُهُ في يَوْمِهِ ما تَرَى غَداً
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

الذكي: الفطن، والتظني: إعمال الظن، وطليعة القوم: الذي يرقب لهم أمر العدو.

فيقول: إن سيف الدولة ذكي النفس، صادق الحدس، ظنه كالطليعة لعيينه، تبدي له الشيء قبل رؤيته، وتمثله قبل مشاهدته على

حقيقته، فيرى قلبه بصادق الظن في يومه، كالذي تراه عينه بحقيقة النظر في غده.

وَصُولُ إلى المُسْتَصْعَبَاتِ بِخيلهِفَلَوْ كَانَ قَرْنُ الشَّمْسِ مَاءً لأوْرَدَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

قرن الشمس: أعلى قرصها.

ثم قال: إنه وصول بخيله إلى المستصعبات، مقدم بها على الممتنعات، فلو كان قرن الشمس ماء لأورده خيله، ولو كان منهلاً لأوطأه جيشه.

لِذَلِكَ سَمَّى ابنُ الدُّمُسْتُقِ يَوْمَهُمماتَاً وسَمَّاهُ الدُّمُسْتُقُ مَوْلِدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

ثم قال: بمثل ذلك من أفعاله أسر قسطنطين بن الدمستق، فسمى يوم أسره مماتاً، وسماه الدمستق أبوه لخلاصه فيه من القتل مولداً، فأوسعه الدمستق بما أمكنه فيه من الفرار غاية الحمد، وأوسعه قسطنطين بما ناله فيه من الأسر غاية الذم.

سَرَيْتَ إلى جَيْحَانَ من أَرْض آمدٍثَلاثَاً لَقَدْ أَدْنَاك رَكْضُ وأَبْعَدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

جيحان: نهر في بلاد الروم، وآمد: مدينة من مدائن الموصل.

فيقول لسيف الدولة، مشيراً إلى إسراعه نحو الروم: سريت من

أرض آمد إلى جيحان في ثلاث ليال، لشد ما أدناك ركضك من مطلبك، ولشد ما أبعدك عن مستقرك.

فَوَلَّى وأَعْطَاكَ ابْنَهُ وجُيُوشهُجَميعاً ولمُ يعْطِ الجميعَ لِتَحْمَدا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ثم أشار إلى الدمستق، ووقيعه سيف الدولة عليه، فقال، مخاطباً لسيف الدولة: فولى الدمستق عنك فاراً بنفسه، مبقياً على حياته، وترك أبنه في أسرك، وجيشه تتصرف فيه على حكمك، ولم يفعل ذلك مختاراً له لتحمده، ولكنه فعله مضطراً مخافة أن تهلكه.

عَرَضْتَ لَهُ دُونَ الحياةِ وَطَرْفِهوأَبْصِرَ سَيْفُ اللهِ مِنْكَ مُجَرَّدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

ثم يقول: عرضت للدمستق ما بين بصره وحياته، وأشرفت به على هلكته، وأبصر منك سيف الله مجرداً صارماً، مسلولاً على أعدائه ماضياً.

وَمَا طَلَبَتْ زُرْقُ الأَسِنةِ غَيْرهُوَاَكِنَّ قُسْطَنْطِين كان لهُ الفِداَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

ثم قال: وما طلبت زرق الأسنة غير الدمستق، ولكنه فدى نفسه بقسطنطين ابنه، واستدفع الهلاك بما أصابه من أسره.

فَأَصْبَحَ يَجْتَابُ المُسوحَ مَخَافَةًوَقَدْ كَانَ يَجْتابُ الدَّلاَصَ المُسَرَّدَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

الاجتناب: التصرف، والمسوح: ثياب سود من شعر يلبسها الرهبان،

واحدها: مسح، والدلاص: الدرع الملساء، والمسرد: المداخل المنسوج.

فيقول عن الدمستق: إنه لحزنه على أسر قسطنطين ابنه، وعجزه عن مقاومة سيف الدولة وحربه، عدل إلى المسوح فترهب ولبسها، ورغب عن الدروع فاطرحها ونبذها، وعلم أن صحبة الرهبان أسلم له من مطاعنه الأقران.

وَيَمْشي بِهِ العُكَّازُ في الدَّيْرِ تَائباًوَمَا كَانَ يَرْضَى مَشْي أَشْقَرِ أَجْرَدَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

العكاز: عصا في أسفلها زج، والدير: معروف، والأجرد من الخيل: القصير الشعر، وذلك من شواهد العتق والكرم.

ثم قال: ويمشي به العكاز تائباً في ديره، مطرحاً لآلات مُلْكه، وقد كان يحتقر عتاق الخيل لقدره، ويستقل منها الشقر الجرد مع كرمها لنفسه.

وَمَا تَابَ حَتَّى غَادرَ الكَرُّ وَجْهَهُجَرِيحَاً وَخَلَّى جَفْنَهُ النَّقْعُ أَرْمَدَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

النقع: الغبار، والرمد: معروف.

ثم قال: وما تاب حتى أعذر في المدافعة، وكر بعد انهزام الروم، فغادر الكر وجهه جريحاً، وابنه أسيراً، وباشر الموت وشافهه، وأيقن به وقاربه، وأرمد أجفانه رهج خيل المنهزمين من أصحابه، والمعتصمين بالفرار

من فرسانه، ولم يغنه الكر في آثارهم، والمدافعة عن أعقابهم.

فإن كَانَ يُنْجِي مِنْ عَليَّ تَرَهُّبُتَرَهَّبَتِ الأَمْلاَكُ مَثْنَى وَمَوْحَدا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

مثنى وموحد، كأنه قال: اثنين اثنين وواحداً واحداً.

فيقول: فإن كان ينجي من علي؛ سيف الدولة، إظهار الترهب، واستعمال التنسك، فستترهب الأملاك مستجيرين بذلك منه، مثنى وآحاداً، وجماعة وأفراداً.

وَكُلُّ امرِئ في الشَّرْقِ والغَرْب بَعْدهايُعِدُّ له ثَوْباً من الشَّعْرِ أَسْوَدَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

ثم قال: وكل امرئ منهم في الشرق والغرب يستجير بمسح يلبسه، وضرب من الترهب يظهره، يشير بذلك إلى الدمستق وفعله، وما أظهره من استخذائه وذله.

هَنِئاً لَكَ العِيْدُ الذي أَنْتَ عِيدهُوَعيدُ لِمنْ سَمَّى وضَحى وَعيَّدا

هنيئاً لك: دعاء له بالتهنئة والتسويغ، وهي صفة جرت مجرى المصدر، وجعلت بدلاً من اللفظ بالفعل، كأنك قلت: هنالك الله، فنصبت

هذه الصفة على هذا المعنى.

فيقول لسيف الدولة: هنيئاً لك العيد الذي أنت عيده ورفعته، وزينته وبهجته، كما أنك عيد من سمى الله فيه بالتعظيم آخذا بسنته، وضحى محتملاً على شريعته، وعيد متمسكاً بملته. فأشار بهذا إلى عامة المسلمين، وأراد: أن سيف الدولة لهم كالعيد الذي يجدد مسرتهم، ويشمل بالفضل جماعتهم.

وَلاَ زَالتِ الأَعَيْادُ لُبْسَكَ بَعْدهُتُسَلَّمُ مَخْرُوقَاً وَتُعْطِي مُجَدَّدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

ثم قال، داعياً له: ولا زالت الأعياد لك كاللبس بعد هذا العيد، تفد إليك، وتتعاقب عليك، فتسلم متصرمها مخلقاً لبهجته، وتلقى مجددها مستبشراً بسعادته.

فَذَا اليوم في الأَيَّامِ مِثْلُكَ في الوَرَىكما كُنْتَ فِيْهمْ أوحداً كَان أَوْحَدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

يقول مشيراً إلى العيد، ومخاطباً لسيف الدولة: فهذا اليوم في أيام العام، وما خص به من شرف الإسلام، مثلك في أبناء عصرك، وجملة أهل دهرك، الذين عممتهم بسعة فضلك، وتقدمتهم بمشكور سعيك، فكما أن العيد أوحد في أيام العام، فكذلك أنت أوحد في جميع الكرام.

هُوَ الجَدُّ حَتَّى تَفْضُلَ العَيْنُ أُخْتَهاوحَتَّى يَكونَ اليومُ لليَوْمِ سَيَّدا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ثم قال: هو الجد الذي يرفع من يسر له، والسعد الذي يقدم من اقترن به، حتى تفضل العين العين وهما متجاورتان، ويفضل اليوم اليوم وهما متواليان.

فَوَاعَجَباً مِنْ دَائلٍ أَنْتَ سَيْفُهُأَما يَتَوَقَّى شَفْرَتَيْ مَا تَقَلَّدَا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قوله (فواعجبا من دائل): وا: كلمة تستعمل في النداء عند الاستغاثة والتعجب،

فواعجبا: كلمة أدخل عليها حرف النداء، وأبدلت فيها الألف من ياء الإضافة، لما ذهب إليه المتكلم من مد الصوت بلفظ التعجب، والدائل: الذي يصرف الدولة.

فيقول لسيف الدولة: فواعجباً من ذي دولة أنت سيفه، والسيف محمول مستقرب، ومصحوب مستعمل، أما يتوقى حاملك شفرتي ما حمله، ويتوقع مستعملك سطوة ما يستعمله، يريد: أنه يرتفع عن هذا الاسم مع جلالته، ويكبر عنه مع فخامته.

ومَنْ يَجْعَل الضَّرْغَامَ في الصَّيْدِ بازَهُتَصَيَّدَهُ الضّرْغَامُ فِيما تَصَيَّدا

الضرغام: الأسد.

ثم قال: ومن يتخذ الأسد بازاً يصيد به، كان الأسد غير مأمون على أكله، وأن يجعله من الصيد الذي يقصد لختله.

رَأَيْتُكَ مَحْضَ الحِلْمِ في مَحْضِ قُدْرَةٍوَلَوْ شئتَ كَانَ الحِلْمُ مِنْكَ المُهَنَّدَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

ثم يقول لسيف الدولة: رأيتك محض الحلم مع تمكن قدرتك، واسع العفو عند توقع عقوبتك، ولو شئت كان السيف عوضاً من حلمك، والعقاب بدلاً من عفوك، ولكنك تأخذ بأرفع الأمرين، وتحتمل على أكرم الحالين.

وما قَتَلَ الأَحْرَارَ كالعَفْو عَنْهُموَمَنْ لَكَ بالحُرَّ الذي يَحْفَظُ اليَدَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

ثم قال: وما قتلت الحر بمثل عفوك عن ذنبه، ولا استعبدته بمثل تجاوزك عن جرمه، ولكن الأحرار قليل، وأهل الشكر من الناس يسير، ومن لك بالحر الذي يشكر على الفعلة الصالحة، ويعترف بالنعمة السالفة؟

إذَا أَنْتَ أَكْرَمت الكرِيمَ مَلَكْتَهُوإن أَنْتَ أَكْرَمْتَ اللَّئيمَ تَمَرُّدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

التمرد: الإقدام على الشر.

فيقول لسيف الدولة، بعدما قدم من شكره على الحلم، وسعة العفو: إذا أنت أكرمت الكريم ارتهنت شكره، واستوجبت ملكه؛ لأنه يعترف بفضلك، ولا يدفع وجوب حقك، وإذا أنت أكرمت اللئيم زاد إكرامك له في تمرده، وأطغاه ما تحاوله من

تألفه.

وَوَضْعُ النَّدَى في مَوْضع السَّيْفِ بالعُلاَمُضِرُّ كَوَضْعِ السَّيْفِ في مَوْضعِ النَّدَى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

ثم أكد ذلك، فقال: ووضع العفو في موضع العقوبة، والندى في موضع السيف، مخل بالسيادة، ومضر بالرئاسة؛ كما يخل بذلك وضع العقوبة في موضع العفو، ووضع الكرم في موضع السيف، وإنما الصواب في وضع الأشياء مواضعها، وحملها على حقيقة مقاصدها، لتحل الصنائع في محلها، وتوضع النعم عند أهلها، ويعدل بها، عمن لا يقوم بشكرها.

وَلِكنْ تَفُوقُ النَّاسَ رَأْيَاً وحِكْمَةًكَمَا فُقْتَهُمْ حَالاً وَنَفْسَاً وَمَحْتِدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

المحتد: الأصل.

فيقول لسيف الدولة: وليس ما تظهره من صواب الرأي، ومشكور

الفعل، بغريب منك، ولا مستنكر لك؛ لأنك تفوق الناس بصواب رأيك، وحكمة فعلك، كما تفوقهم بشرف نفسك، وكرم أصلك، فخلقك يماثل نسبك، وأفعالك تنصر شرفك.

يَدِقُّ عَلَى الأَفْكَارِ ما أَنْتَ فَاعِلُفَيُتْرَكُ مَا يَخْفَي وَيُؤْخَذُ مَا بَدَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

ثم قال: تدق على الأفكار حقائق سياستك، وتقصر عن سعة إحاطتك، فيأخذ الناس ظاهر ذلك مرتضين بك، ويعرضون عما خفي عنهم منه مسلمين لك. فقد تيقن الجميع أن الله يمدك بمواد توفيقه، ولا يخليك من إرشاده وتأييده.

أَزِلْ حَسَدَ الحُسَّادِ عَنَّي بِكَبْتِهمْفَأَنْتَ الّذي صَيَّرْتُهمْ لي حُسَّداً
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

الكبت: الخيبة والخسار.

فيقول لسيف الدولة: أزل حسد الحساد عني، بكتبهم فيما ظنوه، ودفعهم، عما راموه، فإحسانك أوجب حسدهم لي، وإكرامك حملهم على

الاغترار بي، وأنت جدير بحفظ ما أسديت، وتتميم ما أوليت.

إذَا شَدَّ زَنَدي حُسْنُ رَأُيِكَ في يَديضَرَبْتُ بِنَصْل يَقْطَعُ الهامَ مًغْمَدا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الزند: أحد عظمي الذراع.

ثم قال: إذا شد زندي في يدي حسن رأيك، وأنهض قوتي كريم اعتنائك، ضربت بسيف من إكرامك، تقطع الهام هيبة ذكره، وتنقد له الرؤوس في غمده، يشير إلى ما هو عليه من الاعتزاز به، والاستغناء بتقبله له، واستعار ما نظمه من لفظه، ليدل بذلك على ما فسرناه من قصده.

وَمَا أَنَا إلاَّ سَمْهريُّ حَمَلْتَهُفَزَيَّنَ مَعْرُوضاً وَرَاع مُسَدَّدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

السمهري من الرماح: الصلب، أخذ ذلك من قوله: اسمهر العود، إذا صلب، وتعريض الرمح: حمله على عنق الفرس، وتسديده: تهيئته للطعن.

ثم قال: وما أنا إلا رمح اخترته لنفسك، واصطحبته في حربك، فزينك معرضاً بصحبته، وراع عدوك مسدداً بمحمود خبرته.

وما الدَّهْرُ إلاَّ مِنْ رُواةِ قَلائديإذَا قُلْتُ شِعْرَاً أَصْبَح الدَّهْرُ مُنْشدَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

القلائد: العقود وما أشبهها مما يحمل على الأَعْنَاقِ.

فيقول: وما الدهر إلا من رواة أشعاري التي هي كالعقود والأطواق، والقلائد في الأعناق، فإذا قلت شعراً، فالدهر ينشده معرفاً به، ويرويه مقيداً له، ويبقيه ما بقيت الأيام، ويخلده، ما أعلمت الأقلام.

فَسارَ بِهِ من لا يَسيرُ مُشَمَّراًوغَنَّى به من لا يُغَنَّي مُغَرَّدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

التشمير: النفاذ والاعتزام، والتغريد: الصوت المطرب.

ثم قال مؤكداً لما قدمه: فيسير به من لا يستطيع السير نشاطاً مشمراً، ويغني من لا يحسن الغناء كالنشوان مغرداً، يشير إلى ما يفيده شعره من الطرب بكثرة بدائعه، وما يوجبه من السرور ببراعة مقاصده.

أَجِزْني إِذَا أُنْشِدْتَ شِعْرَاً فإنَّمابِشِعْرِي أَتَاكَ المادِحُونَ مُرَدَّدَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

الجائزة: الصلة.

فيقول لسيف الدولة: أجزني عما تنشده من الأشعار، فإنها من أشعاري مسترقة، ومما أبدعه فيك مقتطعة؛ لأني قد سبقت فيك إلى بدائع

النظم، وقصرت عليك محاسن الشعر، فالمادح، إنما يأتيك بطرف مما قلته، ومسترق مما خلدته.

وَدَعْ كُلَّ صَوْتٍ بَعْدَ فإنَّنيأَنا الطَّائرُ المَحكِيُّ والآخَرُ الصَّدَى

الصدى: الصوت من الجبل ونحوه.

ثم قال: ودع أصوات الناس بعد إنشادي إياك. فإني فيهم السابق المتبع، وشعري المحكي به الممتثل، وحالي فيهم حال الطائر الغرد، وهم كالصدى الذي يمتثله ويتلوه، ويتبعه ويقفوه.

تَرَكْتُ السُّرَى خَلْفي لَمْنِ قَلَّ مَالُهُوأَنْعَلْتُ أَفْراسِي بِنُعْمَاكَ عَسْجَدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

السرى: سير الليل، والعسجد: الذهب.

فيقول لسيف الدولة: تركت السرى خلفي لمن قل ماله، أي: للمقلين، وسلمته للمنتجعين، واستغنيت بك عن تكلفه، ولم تبق لي معك حاجة في تمونه، وأحاط بي من فضلك وكرمك، ونعماك وكرمك، ونعماك وتوسعك ما أنعلت خيلي فيه بالذهب، واستغنيت بأقله عن كد الطلب.

وَقَيَّدْتُ نَفْسِي في ذُرَاكَ مَحَبَّةًوَمَنْ وَجَدَ الإحسان قَيْدَاً تَقَيَّدَاً
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

ثم قال: وقيدت نفسي في ذراك وأرضك، وقصرتها على إحسانك وفضلك، ومن وجد الإحسان قيداً تقيد به، وألزم نفسه إياه، ولم يختر لها مقصوداً سواه.

إذَا سَأَلَ الإنْسَانُ أَيَّامَهُ الغِنَىوَكُنْتَ على بُعْدٍ جَعَلْنَاكَ مَوْعِدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

ثم قال، مخاطباً، له: إذا سأل الإنسان أيامه الغنى والسعة، والخفض والدعة، كنت أنت الموعد الذي تعد الأيام به، والأمل الذي يمثله له، يريد: أن سيف الدولة غرض القاصدين، والمقدم في جميع المحسنين.

أنشد أبو الطيب هذه القصيدة سيف الدولة في الميدان، وعاد إلى الدار فاستعادها إياه فأنشدها، وكثر الناس، فقال قائل منهم: إن أكثر الناس ما يسمع، فلو أنشدها قائماً لأسمع؛ يريد بذلك كيد أبي الطيب، فقال أبو الطيب: أما سمعت أولها:

لكلَّ امرِئٍ مِنْ دَهْرِهِ ما تَعَّودَا

فأفحم الرجل ن وضحك سيف الدولة، وجرى ذكر ما بين العرب والأكراد من الفضل، فقال له سيف الدولة: ما تقول في هذا، وتحكم به؟ فقال له:

إن كُنْتَ عن خَيْرِ الأَنامِ سَائلاًفَخَيرُهُمْ أَكْثَرُهُم فَضَائِلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن كنت عن خير الأنام سائلا»
مَنْ أَنْتَ مِنْهُمْ يا هُمَامَ وائِلاِالطَّاعِنينَ في الوَغَى أَوائِلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن كنت عن خير الأنام سائلا»
والعاذِلينَ في النَّدى العَواذِلاقد فَضَلوا لِفَضْلِكَ القبائِلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن كنت عن خير الأنام سائلا»

وائل بن قاسط؛ أبو بكر بن وائل، وتغلب وبنو تغلب: رهط سيف الدولة، ولم يصرف وائل؛ لأنه اسم قبيلة معرفة.

فيقول، مخاطباً لسيف الدولة: إن كنت تسأل عن خير الأنام، فخيرهم أشهرهم في الفضائل، وأقعدهم بالمكارم، ثم قال: من كنت أنت منهم يا همام وائل؛ هذه القبيلة، فلهم الفضل والرفعة، وفيهم العدد والمنعة، الطاعنين أوائل في الحرب، والمتسابقين إلى الطعن والضرب، والذين يعذلون من عذلهم على الكرم، ويتفضلون بأوفر النعم، ثم قال قد فضلوا يأيها الملك القبائل بفضلك، وانفردوا بالمكارم بما أكسبتهم من مجدك.

وجلس سيف الدولة لرسول ملك الروم والروذس، في صفر من سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة، وحضر أبو الطيب، فوجد دونه زحمة شديدة، فثقل عليه الدخول، واستبطأه سيف الدولة، فقال ارتجالاً:

ظُلْمُ لذا اليَوْمِ وَصْفُ قَبْلَ رُؤْيَتهلا يَصْدُقُ الوَصْفُ حَتَّى يَصْدقُ النَّظَرُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ظلم لذا اليوم وصف قبل رؤيته»

يقول: وصفي لهذا اليوم قبل رؤيته، وإخباري عنه قبل مشاهدته، ظلم له، وتقصير به؛ لأن الوصف إنما يصدق بالمشاهدة، ويتصحح بصحة المعاينة.

تَزَاحَمَ الجيشُ حَتَّى لَمْ يَجِدْ سَبَبَاًإلى بِسَاطِك لي سَمْعُ ولا بَصَرُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ظلم لذا اليوم وصف قبل رؤيته»

ثم قال، مخاطباً لسيف الدولة: تزاحم الجيش وتكاثر، وتبادر وتضاغط، حتى لم أجد إلى بساطك سبباً موصلاً بسمع ولا بصر، ولا إخبار ولا نظر.

فَكُنْتُ أَشْهَدَ مُخْتَصَّ وأَغْيَبَهُمُعَايِنَاً، وَعِياني كُلُّهُ خَبُرُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ظلم لذا اليوم وصف قبل رؤيته»

يقول: فكنت لشدة اهتبالي بالحال، أقرب المختصين منك، وبما

منعني من مشاهدتها، أثبتهم مغيباً عنك، وصار عياني كله أمرك؛ ما أحدث به من جلالة حفلك، وما ينقل إلي من فخامة قدرك.

اليَومَ يَرْفَعُ مَلْكُ الرُّومِ نَاظِرَهُلأَنَّ عَفْوَكَ عَنْهُ عِنْدهُ ظَفرُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ظلم لذا اليوم وصف قبل رؤيته»

ثم يقول: اليوم يرفع ملك الروم ناظره، بما بذلت له من السلم، وتسكن مخافته، بما شملته به من العفو، فعفوك عنه ظفر يناله، وإمساكك عن حربه أمل يبلغه.

وإِنْ أَجَبْتَ بِشَيْءٍ عَنْ رِسَالتِهِفَمَا يَزَالُ عَلَى الأَمْلاكِ يَفْتَخرُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ثم قال: وإن أجبته بأيسر جواب عن رسالته، فما يزال مفتخراً على الأملاك بمكاتبتك ومتشرفاً بما ربيته من مراسلتك.

قَد استَراحَتْ إلى وَقْتٍ رِقَابُهُمُمن السُّيوفِ وَبَاقي النَّاسِ يَنْتَظُرِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ثم يقول لسيف الدولة: قد استراحت رقاب الروم من سيوفك بصلحك لهم، وأمنوا معرة جيوشك بعفوك عنهم، وغيرهم من الأعداء ينتظرون ما صرفت عنهم من سطوتك، ويحذرون ما أمنتهم من عقوبتك.

وقد تُبَدَّلُها بالقومِ غَيْرِهِمُلكي تَجِمَّ رؤوسُ القَوْمِ والقَصَرُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ظلم لذا اليوم وصف قبل رؤيته»

القصر: أصول الأعناق.

ثم قال: وقد تبدل سيوفك في الروم بغيرهم، وتعوضها منهم

بسواهم، لكي تجم رؤوسهم وقصرهم، ويكثر للسبي أهلهم وولدهم.

تَشْبيهُ جُودِكَ بالأَمْطَارِ غَادِيةًجُودُ لكفَّكَ ثَانٍ نَالهُ المَطَرُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ظلم لذا اليوم وصف قبل رؤيته»

ثم يقول لسيف الدولة: تشبيه جودك بالأمطار الغادية، وتمثيله بالغيوم الساجمة، جون ثان من كفك على المطر، بمماثلته إياها، وفضل ظاهر عليه، بمقاربته معناها.

تَكَسَّبُ الشَّمْسُ مِنْكَ النُّورَ طَالعِةًكَمَا تَكَسَّبُ مِنْها نُورَهُ القَمَرُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ظلم لذا اليوم وصف قبل رؤيته»

ثم قال: تكسب الشمس النور في طلوعها من ضياء وجهك، كما يكتسب القمر من الشمس نوره، ويستعيره منها ضياءه وحسنه.

وقال أيضاً، يصف دخول الرسول:

دُرُوعُ لَمِلْكِ الرُّومِ هَذي الرَّسَائِلُيَرُدُّ بها عَنْ نَفْسِهِ وَيُشَاغِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

يقول لسيف الدولة: رسائل ملك الروم إليك دروع تمنعه، وحصون تكتنفه، لأنه يرد بها جيوشك عن أرضه، ويشغل بها عزائمك عن نفسه.

هِيَ الزَّرَدُ الضَّافي عَلَيْهِ وَلَفْظُهاعَلَيْكَ ثَنَاءُ سَابغُ وَفضائلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

ثم قال: هي عليه كالزرد الذي يشمله، والسلاح الذي يعصمه، ولكن ألفاظ تلك الرسائل فضائل لك، وثناء يتخلد عليك، لأنها خضوع منه يرتفع به قدرك، واستسلام إليك يجل معه أمرك.

وَأَنَّي اهْتَدَي هَذا الرَّسُولُ بأَرْضِهِوما سَكَنَتْ مُذْ سِرْتَ فيها القَسَاطِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

ثم يقول: وأني لهذا الرسول بالهداية في أرضه، والتحقيق لطريق يسلكه في قصده، وما سكنت في تلك البلاد عجاجات خيلك، ولا فترت فيها قساطل جيشك؟

وَمِنْ أَيَّ مَاءٍ كَانَ يَسْقِي جِيَادَهُولم تَصْفُ من مَزْجِ الدَّمَاءٍ المَناهِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

ثم قال: وعلى أي مياه البلاد كان ينزل؟ ومن أيها كان يسقي؟ وهي بما سفكت عليها من الدماء ممتزجة، وبما عممتها به من ذلك آجنة متغيرة. يشير بجميع هذا إلى قرب عهد سيف الدولة بغزو الروم، وتدويخه لأرضهم، وسفكه لدمائهم.

أَتَاكَ يَكَادُ الرَّأْسُ يَجْحَدُ عُنْقَهُوَتَنْقَدُّ تَحْتَ الذُّعْرِ مِنْهُ المَفَاصلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

ثم يقول لسيف الدولة: أتاك ملك الروم متخاضعاً لهيبتك، متضائلاً لجلالتك، قد صير رأسه بين منكبيه، وهي فعلة المتخوف للقتل، كأن عنقه لامتثاله وقوع السيف عليه يكاد يجحد رأسه، ويغيبه بالجملة خوفه، وتكاد مفاصله يقدها ذعره، ويقطعها فرقه.

يُقَوَّمُ تَقْويمُ السَّمَاطَينِ مَشْيَهُإليك إذا ما عَوَّجَتْهُ الأَفَاكِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

ثم قال: إن ذلك الرسول لهيبته لسيف الدولة، كان لا يستقيم مشيه، ولا تستقر نفسه، فكانت الأفاكل إذا عدلت به قومته الصفوف الماثلة، وإذا عوجت مشيته

صرفته الجماعات القائمة.

فَقَاسَمَكَ العَيْنَيْنِ مِنْهُ وَلَحْظَهُسَمُّيكَ والخِلُّ الَّذي لاَ يُزَايلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

ثم يقول له: فقاسمك عيني رسول الروم ولحظه، سيفك الذي تدعى باسمه، وخلك الذي تأنس بقربه، الذي تأنس بقربه، الذي تألفه فما يزايلك، وتصحبه فما يفارقك. أراد: أن رسول الروم ملكه من هيبة سيف الدولة، ما ملكه من هيبة سيفه، واستعظم من أمر الملك كالذي استعظم من أمر السيف، فأجال لحظه متهيباً للحالين، وقسم نظره متعجباً بين الأمرين.

وَأَبْصَرَ مِنْكَ الرَّزْقُ والرَّزْقُ مُطمِعُوأَبْصَرَ مِنْهُ المَوْتَ والموتُ هَائِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

ثم قال: وأبصر منك بعموم جودك الرزق المحيي فأطعمه، وأبصر من سيفك الموت الهائل فأفزعه، فلاحظك بين اليأس والطمع، وقسم عينيه بين التأمل والفزع.

وَقَبَّلَ كُمَّا قَبَّلَ التُّرْبَ قَبْلَهُوَكُلُّ كَمِيَّ وَاقِفُ مُتَضائلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

ثم قال: وقبل الترب قبل تقبيله لكمك، وخضع فيه قبل وصوله إلى

قربك، والكماة من أبطال رجالك وقوف متضائلون، والرؤساء، من خدامك مثول متهيبون.

وَأَسْعَدُ مُشْتَاقٍ وأَظْفَرُ طالِبٍهُمَامُ إلى تَقْبِيل كُمَّكَ وَاصِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

ثم يقول: إن أسعد مشتاق بنيل ما أمله، وأظفر طالب ببلوغ ما حاوله، ملك رفيع الهمة، وصل إلى تقبيل كمك، وملك جليل الرتبة، خضع فتشرف بقربك.

مَكَانُ تَمَنَّاهُ الشَّفَاهُ وَدُونَهُصُدورُ المَذاكي والرَّماحُ الذَّوابِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

ثم قال، مرفعاً بتقبيل كمه: (كمك) مكان تمناه الشفاه، وتتنافس فيه الأفواه، ودون الوصول إليه، والتشرف بالإكباب عليه، خيول جيوشه الغالبة، وأطراف رماحه الذابلة.

فما بَلَّغَتْهُ ما أَرَادَ كَرامةُعَلَيْكَ وَلَكَنْ لم يَخِبْ لَكَ سَائِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

يقول: فما بلغت رسول الروم إلى ما بذلت له من سلمك، وما شرفته

به من تقبيل كمك، كرامته عليك، ولا منزلته الرفيعة عندك، ولكنه سألك وأنت لا تخيب سائلك، وأملك وأنت لا تضيع من أملك.

وأَكْبَرُ مِنْهُ هَّمِةً بَعَثَتْ بهإِليكَ العِدَى واسْتَنْظَرَتْهُ الجَحافِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

ثم قال: وأكبر من هذا الرسول همة، وأرفع منزلة ورتبة، بعثت به إليك طوائف الأعداء الذين يطلبون سلمك، ويتوقعون سطوتك وحربك، واستنظرته جيوشهم، القدوم بجوابك، واستعلام حقيقة رأيك.

فَأَقْبَلَ مِنْ أَصْحَابِهِ وَهو مُرْسَلُوَعَادَ إلى أَصْحَابِهِ وَهو عَاذِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

ثم قال: فأقبل من أصحابه، وهو رسول معظم لهم، وعاد إليهم وهو عاذل يزري بهم، لما يتبينه من جلالتك، وعظم شأنك، ويتيقنه من ضعف المراسلين لك على مقاومتك، ولما لهم من الحظ في الخضوع لطاعتك.

تَحَيَّرَ في سَيْفٍ رَبيْعَةُ أَصْلُهُوَطَابِعُهُ الرَّحْمنُ والمَجْدُ صَاقِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

ثم يقول: تحير ذلك الرسول في سيف من سيوف الله، ربيعة؛ هذه القبيلة، أصله، والله تعالى طابعه وصانعه،، والمجد صاقله ومظهر حسنه،

وحافظه ورافع قدره.

وما لَوْنُهُ مِمَّا تُحَصَّلُ مُقْلَةُولا حَدُّهُ مما تَحُبسُّ الأَنَامِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

ثم أكد ما قدمه، من تفضيله على السيف، فقال: وما لونه مما تحصله المقل؛ لأنها مغضوضة عنه لهيبته، ولا حده مما تجسه الأنامل، ولكنه سيف عند سطوته.

إذا عَايَنَتْكَ الرُّسْلُ هَانَتْ نُفُوسُهاعَلَيْها وما جَاَءتْ به والمُرَاسِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

ثم قال، مخاطباً لسيف الدولة: إذا عاينتك الرسل، وعاينت جلالتك، وأبصرت وشاهدت مهابتك، تصاغرت أنفسها، وهانت عليها رسائلها، واستقلت الملوك المرسلين لها، والرؤساء الموجهين بها، وعلمت أن السعادة في التسليم لأمرك، وحقيقة التوفيق في التمسك بحبلك.

رَجَا الرُّومُ مَنْ تُرْجَى النَّوافِلُ كُلُّهالَدَيْهِ وَلا تُرْجَى لَدَيْهِ الطَّوائِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

ثم يقول: رجا الروم من سيف الدولة، في إجابتهم إلى الصلح الذي رغبوه، من ترجى لمسئلته نوافل الخير، وترتهن بطاعته ضروب الفضل، ولا يرجو من عصاه أن يدال عليه؛ فيأخذ بطائلته، ويظفر

بإدراك ترته، لأن سعادته تمنع منه، وإقباله ييئس الأعداء منه.

فَإنْ كَانَ خَوْفُ الأَسْرِ والقَتْلِ سَاقَهُمْفَقَدْ فَعَلوا ما الأَسرُ والقَتْلُ فاعِلُ

ثم قال، مخاطباً له: فإن كان خوف القتل ساق الروم إليك، مستجيرين بما رغبوه من السلم، فقد فعلوا بأنفسهم بما أظهروه من الذلة، وأبدوه من الخضوع والاستكانة، ما هو كالقتل في شدته، ولا يفعل القتل أكثر منه في حقيقته.

فَخَافُوكَ حَتَّى ما لِقَتْلٍ زَيادَةُوَجَاءوُك حتى ما تُزَادُ السَّلاسِلُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ثم قال: فأبدوا من مخافتك ما لا يزيد عليه القتل، وفعلوا بالاستسلام لك ما لا يفعل مثله الأسر، وأشار إلى الأسر بذكر السلاسل.

أَرَى كُلَّ ذي مُلْكٍ إلَيْكَ مَصِيرهُكَأَنَّكَ بَحْرُ والمُلُوكُ جَدَاوِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

ثم يقول: أرى كل ذي ملك مصيره إلى الخضوع لك، وغاية أمله أن يعتلق بك، فلا ملك إلا وهو واقع تحت ملكك، ولا رئيس إلا وهو

متصرف على حسب أمرك، كأنك في مصير الممالك إليك، وتزاحم أربابها عليك، البحر الذي إليه مآل الجداول الجارية، وفيه مستقر جميع الأنهار السائلة.

إذا مَطَرَتْ مِنْهُم ومِنْكَ سَحَائِبُفَوَابِلُهُمْ طَلُّ وَطَلُّكَ وَابلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

ثم قال: فأنت والمتشبهون بك من الملوك، إذا ساجلوك في جودك، وتشبهوا بك في فعلم، فأمطروا وأمطرت، وفعلوا وفعلت، عفوك يعجز جهدهم، وطل عطائك يستغرق وبلهم. وذكر السحائب والطل والوابل على سبيل الاستعارة، وما أبدع به من لطيف الإشارة.

كَرِيمُ مَتَى اسْتُوْهِبْتَ ما أَنْتَ رَاكِبُوَقَدْ لَقِحَتْ حَرْبُ فإنَّكَ نَازِلُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ثم يقول: إن سيف الدولة كريم، لا يمنع من سأله، وجوادُ لا يبخل على من استوهبه، فلو سئل في حرب لاقحٍ مقتبلة، شديدة مشتعلة، ما يركبه، لسمح به لسائله، وما يحمله لما بعد فيه على طالبه، وأشار بهذا إلى أنه لا يمنع شيئاً لحاجته إليه، ولا يبخل به وإن حلت عائدته عليه.

إَذَا الجودِ! أَعْطِ النَّاسَ ما أنتَ مَالِكُولا تُعْطِيَّنَّ النَّاسَ ما أَناَ قَائِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

ثم قال: مخاطباً له: إذا الجود! سامح الناس فيما تبذل لهم من مالك، ولا تسمح لهم بما أخلده من مدحك، يشير بهذا القول إلى تأكيد بصيرته في تشفيع نعمه عنده، ومواصلة إحسانه قبله.

أَفي كُلَّ يَوْمٍ تَحْتَ ضِبْني شُوَيْعرُضَعِيفُ يُقاويني قَصيرُ يُطَاوِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

ثم يقول: أفي كل يوم يمرس في شويعر ضعيف في صناعته، قصير في معرفته، يقاويني وهو ضعيف لا قوة به، يطاولني وهو قصير لا بسطة له؟

لِسَاني بِنُطْقِي صَامِتُ عنه عَادلُوَقَلْبي بِصَمْتي ضَاحكُ مِنْهُ هَازلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

ثم قال: لساني إذا نطقت معرض عنه، عادل عن مخاطبته، وقلبي إذا صمت ضاحك منه، هازل بجهالته. وأشار بهذا إلى الذين كانوا ينازعونه الشعر عند سيف الدولة، وما كان من تقصيرهم عنه، وبعدهم في الحقيقة منه.

وأَتْعبُ من نَادَاكَ مَنْ لاَ تُجِيْبُهُوأَغْيَظُ مَن عَادَاكَ مَنْ لاَ تُشَاكِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

ثم يقول، على سبيل المثل: وأتعب حاسديك بندائه لك، من كنت مرتفعاً عن مجاوبته، وأشدهم تعذباً بك، من كنت متنزها عن مخاطبته، وأغيظ أعدائك عليك من لا تشاكله، وأكرمهم لك من لا تماثله.

وَمَا التَّيهُ طِبَّي فيهِمُ غَيْرَ أَنَّنيبَغِيضُ إِليَّ الجاهِلُ المُتَعاقِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

ثم قال: وما أعرض عنهم مداوياً بالتيه لحسدهم، ولا مقارضاً بالكبر لسفههم،

ولكني أبغض تعاقلهم مع جهلهم، وما يتعاطون من التمام مع نفسهم، ومن كانت هذه حالته فأنا أبغضه، ومن كان على هذا السبيل فأنا أكرهه.

وأَكْثَرُ تِيْهِي أَنَّني بِكَ وَاثِقُوأَكْثَرُ مَالي أَنَّني لَكَ آمِلُ
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «وأكثر تيهي أنني بك واثق»

ثم قال، مخاطباً لسيف الدولة: وأكثر ما ارتفع به ما أظهره من الثقة بك، وأنفس مال ادخره ما اعتقده من التأمل لك، فإنما أتيه بجميل رأيك، واستغني بجزيل عطائك.

لَعَلّ لِسيْفِ الدَّوْلَة القَرْمِ هَبَّةًيَعِيْشُ بها حَقُّ ويَهْلِكُ بَاطِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

ثم يقول: لعل لسيف الدولة انتباها يتأمل به مغالطة هؤلاء المقصرين في شعرهم، المتأخرين في مدحهم، فيحيا بذلك التأمل ما أهدي إليه من الحق، ويهلك معه ما يتزينون به من الباطل والإفك.

رَمَيْتُ عِدَاهُ بالقوافي وَفَضْلِهِوَهُنَّ الغَوازي السَّالماتُ القَواتِلُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ثم قال: رميت عداه بما قيدته أشعاري من مدحه، وما خلدته من مكارمه وفضله، وهن الغوازي السالمات في غزوهن، القاتلات للأعداء بعفوهن؛ لأنهن يسرعن في السير دون تكلف، ويقتلن من اعتمدنه بغير تخوف.

وَقَدْ زَعَموا أن النُّجومَ خَوَالدُولَوْ حَارَبْتهُ نَاحَ فيها الثَّواكِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

ثم يقول: وقد زعموا أن النجوم لا تحيا وتهلك، وتعدم وتوجد، وأنها خوالد إلى أن تفنى جملتها، وتنتقص باقتراب الساعة بنيتها، ولو حاربت سيف الدولة لانقلبت أحوالها بسعده، ولنالها القتل بإقبال جده، وأشار بنوح الثواكل إلى ذلك.

وَمَا كَانَ أَدْنَاهَا لَهُ لَو أَرادَهَاوأَلْطَفَها لَوْ أَنَّهُ المُتَنَاوِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

ثم قال: وما كان أدناها له لو قصدها، وألطفها لو حاول تناولها، يريد: أن سعده يقرب له ما لا يقرب مثله، ويبلغه إلى ما (لم) يبلغه أحد قبله، وهذا من تزيد الشعراء الذين يستجيزون فيه الكذب، لما يحاولونه من بلوغ غايات المدح،

ويرمونه من استيفاء أرفع منازل الوصف.

قَرِيبُ عَلَيهِ كُلُّ نَاءٍ عن الوَرَىإذا لَثَّمَتْهُ بالغُبَارِ القَنَابِلُ

ثم يقول: إن سيف الدولة إذا قاد جيشه، وتقلد نحو العدو خيله، ولثمته كتائبه، بما تثيره من الغبار، وما تبعثه من الرهج، فكل ما يبعد على غيره، قريب عليه مراده، وغير بعيد منه مكانه.

يُدَبَّرُ شَرْقَ الأَرْض والْغَرْبِ كَفُّهُوَلَيْسِ لَهاَ وَقْتاً عن الجُودِ شَاغِلُ

ثم قال: يدبر كفه المشارق والمغارب، والدواني من الأرض والقواصي، وليس يشغله مع ذلك وقتاً من الدهر شاغل عما يحاوله من أمره، ولا يعوقه

عائق عما يبذله من فضله.

يُتَبَّعُ هُرَّابَ الرَّجالِ مُرَادُهُفَمَنْ فَرَّ حَرْباً عَارَضَتُهُ الغوائِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

يقول: إنه من إسعاده جده، وما يمكنه الله من أمره، يتبع من هرب عنه من الرجال ما يريده به، ويعترضه ما يعتقده له، فمن فرعنه في حربه أدركته في مأمنه غوائل حتفه.

وَمَنْ فَرَّ مِنْ إِحْسَانِهِ حَسَداً لَهُتَلَقَّاهُ مِنْهُ حَيْثُمَا سَارَ نائِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

ثم قال: ومن فر عن إحسانه، فأظهر مشاركته، وأبعده عنه الحسد، فاعتقد مجانبته، تلقاه من سيف الدولة حيثما سار، نائل يشمله، وأدركه منه إحسان يغمره، يشير إلى أن فضله يشمل الحاسد والولي، ويعم المحسن والمسيء.

فَتَىً لا يَرَى إِحْسَانَهُ وهو كامِلُلَهُ كامِلاً حَتَّى يُرَى وَهوَ شَامِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح معاني شعر المتنبي: السفر الأول»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.