تجاوز إلى المحتوى

من «شرح معاني شعر المتنبي: السفر الثاني» لابن الإفليلي (ت ٤٤١هـ)

العضديات (٢)

الداية: الحاضنة التي تتولى تربية الولد دون أمه، والعاني: الأسير، وفكه: إطلاقه، وتبهر: بمعنى تغلب.

فيقول، وهو يريد ولدي الممدوح: وأول داية وليت تربيتهما، واتصلت بهما عند نشأتهما، معالي الأخلاق الذي غذتهما، وشراف الأفعال التي ألفتهما، فقد علقا ذلك قبل أوانه، وجريا على اكرم عادة في استحسانه.

ثم قال: وأول لفظة تفوها بذكرها، وأحاط علما بحقيقة أمرها؛ إغاثة صارخ يفزع إليهما، وفك أسير يقتصر بأمله عليهما، فلم يعرفا غير الفضل والإحسان، ولا عهدا غير التطول والإنعام.

ثم قال يخاطب الممدوح فناخسرو: وكنت الشمس منفردا بنفسك، متوحدا في جلالتك ومجدك، تبهر العيون ضياء وبهجة، وتغشيها كمالا ورفعة، فكيف الظن بك إذا قارنك شمسان نيرتان تقفوانك في الجلالة وتماثلانك، وتحكيانك في السياسة وتظاهرانك؟!.

فَعَاشَا عِيشَةَ القَمَرَينِ يُحيَابِضَوئِهِمَا ولا يَتَحَاسَدانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»
ولا مَلَكَا سِوى مُلكِ الأَعادِيوَلاَ وَرثَا سِوَى مَنْ يَقتُلانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»
وكانَ ابنَا عَدوٍّ كاثَرَاهُلَهُ يَاَءي حُروفِ أُنَيسَيَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

القمران: الشمس والقمر، تسميا بأخف الاسمين كما قيل العمران في أبي بكر وعمر رحمهما الله، وأنيسيان: تصغير إنسان على غير قياس، وياءاه ياء تصغير.

فيقول، وهو يريد ولدى فناخسرو: فعاشا عيشة القمرين في طول بقائهما، وبيان إعتلائهما، يحيا الأنام بنورهما، وتشرق الدنيا بضوئهما، ولا جعلهما الله يتحاسدان فيما منحهما من فضله، ووصل بهما ما أتاهما من جميل صنعه.

ثم قال: ولا جعلهما يستزيدان ملكا غير ملك من عاداهما وخالفهما، ولا أن يرثا مالا غير من أباداه من الأعداء بقتلهما، فلا يزالان ظاهرين على الممالك بإبادتهما لأربابهما، ومحثوثين على أموال أهل الخلاف بغلبتهما لأصحابها.

ثم قال: وجعل الله أبني من كاثراه من الأعداء، ومن نازعهما من أهل البغضاء، له كياءي حروف أنيسيان، يعودان عليه التصغير والذلة، ويجلبان إليه غاية الضعف والقلة.

دُعَاءٌ كالثَّنَاءِ بلا رياءٍيُؤدِّيهِ الجَنَانُ إلى الجَنَانِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
فَقَدْ أَصبَحْتُ مِنهُ في فِرندٍوَأصبَحَ مِنكَ في عَضبٍ يَمَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»
وَلَولا كَونُكمْ في النَّاسِ كَانُواهُذاءً كالكَلامِ بلا مَعَانِي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الفرند: وشيء السيف، وهو الأثر، والعضب: السيف الصارم، واليماني: الذي طبعه أهل اليمن، والهذاء: ما لا يعقل من الكلام.

فيقول: ودعائي الذي قدمته، كالثناء في حسنه، وصحة ما يتأدى من لفظه، لا رياء فيه، ولا سبيل للتصنع عليه، يؤديه مني ضمير خالص، ويتلقاه أيها الممدوح منك ضمير (مخلص).

ثم قال يخاطبه: فقد أصبحت منه في فرند يخبر عن كرم جوهرك، وشاهد عدل يبين عن شرف عنصرك، وقد أصبح منك في سيف صقيل صارم، وفي عضب يمان نافذ، يبدو عليه كما يبدو الأثر على السيف، فيخبر عن كرمه وعتقه، ويتقدم به على سائر جنسه.

ثم قال: ولولا كونك وكون بينك ورهطك ملوكا في عصركم، وأمراء على أبناء دهركم، لكان الناس كالهذاء من الكلام، الذي لا يعقل لفظه، ولا يعود على السامع له نفعه.

وقال يمدحه، ويذكر وقعة كانت مع وهسوذان بن محمد بالطرم؛ (حصن من حصون أذربيجان).

إثلِثْ فَأنَّا أَيُّها الطَّلَلُنُبكِي وَتُرزِمُ تَحتَنَا الإبِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»
أو لا، فلا عَتبٌ عَلَى طَلَلٍإنَّ الطُّلُولَ لِمِثلِها فُعلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أثلث فإنا أيها الطلل»

ثلث الواحد الاثنين: إذا صار ثالثا لهما، والطلل: ما أشرف من بقايا الديار، وإرزام الإبل: أصواتها بالرغاء عند الكلال، والعتب: الموجودة.

فيقول مستدعيا لإسعاد الطلل على ما هو بسبيله من الحزن، وما يذريه في رسومه الدارسة من الدمع: كن لنا ثالثا أيها الطلل في البكاء على ما غيرته الأيام من بهجتك، وأذهبته من غضارتك وجدتك، ووصلته من نأي أحبتنا العامرين لك، الجامعين لشمل السرور بك، فإننا نبكي فيك وإبلنا ترزم وتندب ساكنيك، ودموعنا تسجم.

ثم قال: أو لا، فلا عتب عليك في الخرس عن الجواب، والتأخر عن الإطلاب، فالطلول بمثل ذلك فاعلة، وهي في الاحتمال عليه متشاكلة.

لو كُنتَ تَنطِقُ قُلتَ مُعتَذِرَاًبِي غَيرُ ما بِكَ أَيُّهَا الرَّجُلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»
أَبكَاكَ أنَّكَ بَعضُ مِنْ شَغَفُوالَم أَبكِ أَنِّي بَعضُ مَنْ قَتَلوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»
إنَّ الَّذينَ أَقَمتَ واحتملواأَيَّامُهُمْ لِدِيارِهِمْ دُوَلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

الشغف: إحراق الحب القلب، والدولة: مدة الإقبال.

فيقول، وهو يخاطب الطلل: لو كنت تنطق أيها الطلل، لقلت صادقا غير مكذب، ومعذورا غير مؤنب؛ إن الذي أشكوه وأظهره يقل عند ما تخفيه وتضمره، وأن دلائل ما تطويه من الأسف بادية، وشواهده وأن صمت مناديه، ولقلت: أني أبكي بكاء من شغفه الراحلون عنك بحبهم، وأوحشوه بما منعوه من قربهم، وأنك تبكي بكاء من قتلوه فلا حراك به، وأياسوه فلا رجاء في البقاء له.

ثم قال، يخاطب الطلل: أن الذين أقمت ورحلوا عنك، وبعدوا بجماعتهم منك،

أيامهم للديار التي يحتلونها، والمنازل التي يتخيرونها، دول سرور مستقبلة، وأيام جذل مستأنفة، والذي صرف عنك من ذلك يوحشك، وما منعت منه لا محالة يؤلمك.

الحُسْنُ يَرحَلُ كُلَّما رَحَلوامَعَهُمْ وَيَنزِلُ حَيثُمَا نَزَلُوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»
في مُقلَتَي رَشَأٍ تُدِيرُهُمابَدَوِيَّةٌ فُتِنَتْ بِهَا الحِلَلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»
تَشْكو المَطَاعِمُ طُولَ هِجرَتِهاوَصُدُودِهَا وَمنِ الَّذي تَصِلُ؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

الحلة: البيوت المجتمعة للقوم النزول، والرشأ: الصغير من الظباء.

فيقول: الحسن يرحل مع الذين هاجه الحزن لرحيلهم، وينزل من المواضع بالمكان الذي ينزلونه، ولا يفارقهم انقيادا لهم، ولا يتأخر عنهم كلفا بهم.

ثم قال: وجماع ذلك الحسن الذي أرفع بوصفه، وأطنب فيما اجتلب من ذكره، في مقلتي رشأ تديرهما بدوية ساحرة الطرف، ناعمة ظاهرة الظرف، يفتن بها ما تأوي إليه من الحلل، ويقتضي بقربها غاية الأمل.

ثم قال: تشكو المطاعم الرفيعة طول هجرتها لها، ويوحشها قلة إلمامها بها، وكيف لها بتقلبها مع ما هي فيه من الترفه، ومن الذي تصله مع موضعها من الجلالة والرفعة؟!.

ما أَسَارَتْ في القَعبِ مِن لَبَنٍتَرَكَتهُ وهو المِسكُ والعَسَلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»
قَالَتْ: أَلا تَصْحو؟ فقلت لَهَا:أَعلمتِنِي أَنَّ الهَوى ثَمَلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

السؤر: ما يبقيه الشارب لغيره، والقعب: القدح الضخم، والثمل: السكر.

فيقول مخبرا عن التي وصفها بالحسن، وأخبر عنها بالدلال والدل: أن الذي أسأرته من اللبن بعد شربها، وغادرته في القعب بعد ملامستها بكفها، تركته وهو المسك في أرجه وفورجه، والعسل في حلاوته وطيبه.

ثم خاطبته فقالت: ألا تصحو عن الحب، وعما أنت بسبيله من اشتغال القلب؟!

فقلت لها: قد أعلمتني أن الهوى سكر يغلب على العقل، والممتحن به لا يصغي إلى الملامة والعذل.

لَو أَنَّ فَنَّاخُسرُو صَبَّحَكُمْوَبَرَزْتِ وَحدَكِ عَاقَهُ الغَزَلُ
وَتَفَرَّقَتْ عَنكُمْ كَتَائِبُهُإنَّ المِلاَحَ خَوادِعٌ قُتُلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

الغزل: الكلف بأمور النساء، وشدة الحرص عليهن، والكتائب: مواكب الخيل المجتمعة، والوحدة كتيبة، والقتل: اللواتي يقتلن بحبهن، والواحدة: قتول.

فيقول لمحبوبته التي قدم وصفها: لو أن فناخسرو صبح بلادك بجموعه، وأعتمد ناحيتك بجيوشه، وبرزت وحدك، فأبديت له حسنك، ونظر إليك وقد سفرت عن وجهك، لعاقه غزل الحب عما استظهر به من الجموع للحرب.

ثم قال: ولتفرقت كتائبه عنكم، ويئست عما تحاوله منكم، فالملاح خوادع العقول، والكلف بهن من أسباب الذهول.

مَا كُنْتِ فَاعِلَةً وَضَيفُكُمُمَلِكُ المُلُوكِ وَشَأنُكِ البَخَلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»
أَتَمنَعِينَ قِرىً فَتَفتَضِحِيأَمْ تَبذُلِينَ لَهُ الَّذي يَسَلُ؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»
بَلْ لا يَحُلُّ حَلَّ بِهِبُخلٌ ولا جَورٌ ولا وَجَلُ

ضيف القوم: الذي يأوي إليهم، والبخل: لغة في البخل، والقرى: ما يتكلف للضيف، والوجل: الخوف.

فيقول مخاطبا لمحبوبته: ما كنت فاعلة وضيفك ملك الملوك، وسيد السادة، وسبيل من حل به أن يظهر إجلاله وأعظامه، وأن يلتزم مبرته وإكرامه، وشأنك الإعراض والبخل، وخلقك التثاقل والكسل.

ثم قال: أكنت تمنعين من قراه، فتفضحي في فعلك، أم تسمحين بذلك فتخرجي عن المعهود من أمرك؟.

ثم قال: بل لا يحل بحيث حل من منازله، ولا يصير فيما يستقل به من مواضعه،

بخل يفارق في البذل، ولا جور يخالف مذهبه في العدل، ولا وجل يعترض فيما بسط الله به من الدعة والأمن.

إنْ لَمْ يَكُنْ مَنْ قَبلَهُ عَجَزُواعَمَّا يَسُوسُ بِهِ فَقَدْ غَفَلُوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»
حَتَّى أَتَى الدُّنيا ابن بَجْدَتِهافَشَكَا إلَيهِ السَّهلُ والجَبَلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»
شَكوى العَلِيلِ إلى الكَفِيلِ لَهُألاَّ تَمُرَّ بِجِسمِهِ العِلَلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أثلث فإنا أيها الطلل»

أبن بجدة الشيء: الذي يعلم باطنه، والكفيل: الضامن.

فيقول: أن الممدوح فناخسرو ساس الملك أحسن سياسة، وعمرت الأرض به أفضل عمارة، وأربى بإحاطته على الملوك المتقدمين، وزاد على سير الحكماء الأولين، فأن لم يكن من قبله من الملوك عجز عما أبداه في السياسة وأظهره، فقد قصر في أهمل ذلك وأغفله.

ثم قال: حتى تملك الدنيا منه ابن بجدتها، الخبير ببواطنها، ودبر أمورها، الرئيس الجليل البصير بمصالحها، فشكا إليه السهل والجبل ما لحقهما من الخلل، واستنهضاه إلى إزاحة ما نالهما من العلل.

ثم قال: شكوى العليل المنهوك بالعلة إلى الكفيل بالبرء والصحة، فداوى ما شكاه بثابت من علمه، ونهض فيما أملاه بمشكور من عزمه، وأمن القريب والبعيد من مكروه الضرر، وتلاف جميع ذلك بأجمل النظر.

قَالَتْ فلا كَذَبَتْ شَجَاعَتُهُأَقدِمْ فَنَفسُكَ مَا لَهَا أَجَلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»
فَهوَ النِّهايَةُ إن جَرَى مَثَلٌأَوْ قِيلَ يَومَ وَغىً مَنِ البَطَلُ؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

الوغى: الأصوات في الحرب، والبطل: المتقدم في الشجاعة.

فيقول: قالت شجاعته؛ فيما مثلته لنفسه، وانعقدت عليه حقيقة أمره، فلا أكذبها الله فيما ضمنته له من الفوزة، وصدقها فيما حسنته عنده من الجرأة: أقدم في حروبك، والسلامة مضمونة لك، وأشجع، فالغلبة مقرونة بك، فأجلك مؤخر لا

تحذره، والمكروه مصروف عنك فلا تتوقعه.

ثم قال: فإذا ضرب المثل بأعلام الفرسان، وهتف في الحروب بأبطال الشجعان، فهو الشجاع الذي لا يعدل أحد به، والبطل الذي تخضع رقاب الأبطال له.

عُدَدُ الوُفُودِ العَامِدِينَ لَهُدُونَ السِّلاحِ الشُّكْلُ والعُقُلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»
فَلِشُكْلِهِمْ في خَيلِهِ عَمَلٌوَلِعَقلِهِمْ في بُختِهِ شُغُلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»
تُمسِي على أَيدِي مَوَاهِبِهِ هِيَأَوْ بِقِيَّتُها أو البَدَلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

العقل: جمع عقال، وهو رباط البعير، والشكل: معروفة، والشكل واحدها شكال، والبخت: الإبل الخراسانية، واحدها بختي، والبدل: العوض.

فيقول: أن الوفود القاصدين إليه قد غنوا عن تحمل السلاح في بلاده، لما شمل أهلها من الدعة، وما عمها من السكون والأمنة، وأنهم لا يتحملون إلا بالشكل والعقل، متيقنين لما يختارون في هباته من الخيل وما يصير إليهم بها من البخت.

ثم قال مشيرا إلى صدق ظنون الوفود القادمين عليه فيما يشملهم به من الفضل، ويتابعه عندهم من الإحسان والبذل: فللشكل الذي يجلبونها عمل في خيله، وللعقل التي يتحملون بها نحوه تصرف في بخته.

ثم قال: تمسي تلك الخيل والبخت مقبوضة من قاصديه، محوزة في تملك مؤمليه، نافذة على أيد مواهبه، متصيرة عندهم في جمل فواضله، وأن سبق إلى بعضها المتقدمون من عفاته، والأولون من وفوده، كان لمن تلاهم من قصاده ما بقي من حملها، أو ما حل مما يعتاضه محل بدلها.

يَشتَاقٌ مِنْ يَدِهِ إلى سَبَلٍشَوقَاً إلَيهِ يَنبُتُ الأسَلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»
سَبَلٌ تَطُولُ المَكرُمَاتُ بِهِوالمَجْدُ لا الحَوذَانُ والنَّفَلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»
وَإلى حَصَى أَرضٍ أَقَامَ بِهَابِالنَّاسِ مِنْ تَقبِيلِهِ يَلَلُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
إنْ لم تُخَالِطْهُ ضَواحِكُهُمْفَلِمَنْ تُصَانُ وَتُذخَرُ القُبَلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

السبل: المطر المنسكب، والأسل: قني الرماح، وكل نبات يتشعب دون ورق فهو أسل، والواحدة أسلة، والحوذان والنفل: ضربان من النبات، والضواحك من أضراس الأسنان: ما ولي الأنياب وأتصل بالطواحن، والليل: قصر في الأسنان، وإذا وصف بذلك الرجل قيل رجل أيل.

فيقول: يشتاق إلى سبل يده التي تنسكب بالنعم، وتفيض بالآلاء والمنن، وينبت الأسل رغبة فيما يتصل بذلك السبل من الحكم، وما يتصرف به في الحرب والسلم.

ثم قال: سبل يطول به الكرم والمجد، ويكثر عليه الشكر والحمد، وليس ينبت به الحوذان والنفل، ولا ترتعيه الشاء والإبل.

ثم قال: ويكثر الشوق إلى حصى الأرض التي أقام الممدوح فيها، وآثرها وأستوطنها وتخيرها، فبالناس من تقبيل حصاها يلل يبدو ويظهر، ونقصان يتبين في ضواحكهم ولا يستتر.

ثم قال: وإذا لم تباشر الأفواه وضواحكها الحصى إعظاما للممدوح، وإجلالا لقدره، وقضاء بالخضوع لحقه، فلمن يذخر ذلك بعده، وعند من يرتقب الجزاء فيه من الناس إلا عنده؟!.

في وَجهِهِ مِنْ نُورٍ خَالِقِهِ قُدَرٌهِيَ الآياتُ والرُّسُلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»
فإذا الخَمِيسُ أَبَى السُّجودَ لَهُسَجَدَتْ لَهُ فِيهِ القَنَا الذُّبُلُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وإذا القُلُوبُ أَبَتْ حُكومَتَهُرَضِيَتْ بِحُكمِ سُيُوفِهِ القُلَلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

القدر: جمع قدرة، والخميس: الجيش الكثير، والقنا: الرماح، والقلل: الرؤوس، واحدتها قلة.

فيقول: أن الله ﷿ أبقى على وجه الممدوح فناخسرو، من الإشراق والبهجة، والإجلال والمحبة، ما فيه دليل بين على القدرة، وتصديق لما أخبرت به الرسل

عن الله ﵎ من بالغ الحكمة.

ثم قال: فإذا الخميس توقف أهله عن أن يسجدوا له سجود الإذعان، ويعترفوا بطاعته اعتراف الإقرار، حكمت له القنا الذبل بما يرغبه، وانقادت لأوامره فيما يقصده، فكان ذلك منها كالسجود الذي يؤذن من يستعمله بالإنقياد، ويخبر عنه بالعدول عن مكروه العناد.

ثم قال: وإذا القلوب أبت من الإذعان لحكمه، وانطوت على (العصيان) لما يبغيه من أمره، حكمت السيوف بذلك (الضرب) على قللهم، وقومت ما يظهرون بالعصيان من ميلهم.

أَرَضِيتَ وَهسُوذَانُ ما حَكَمَتْأَم تَستَزِيدُ؟ لأُمِّكَ الهَبَلُ!!
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وَرَدَتْ بلادَكَ غَيرَ مُغمَدَةٍوَكَأَنَّهَا بَينَ القَنَا شُعَلُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
والقَومُ في أَعيَانِهِمْ خَزَرٌوَالخَيلُ في أَعيَانِها قَبَلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

الهبل: الثكل، تقول العرب: لأم فلان الهبل، أي الثكل، والخزر: أن تميل حدقة العين إلى اللحاظ، وهو آخر العين، والقبل: أن تميل إلى الموق، وهو مقدم العين المتصل بالأنف.

فيقول مخاطبا لوهسوذان، بعد أن هزمه جيش ركن الدولة، وهو حسن بن بويه والد فناخسرو: أرضيت ما صنعته بك سيوف فناخسرو، لأن عسكر أبيه عسكره، أم تستزيد لأصحابك من القتل، ولنفسك من الخزي والذل؟ الهبل لأمك، والهوان والصغار لمثلك!.

ثم قال مشيرا إلى السيوف المذكورة: وردت بلادك مصلته غير مغمدة، ومعملة غير ممسكة، فكأنها بين الرماح شعل نار مضطرمة، وسرج تضيء متقدة.

ثم قال: وردت تلك السيوف بلادك، والرجال الممسكون لها غضاب، في عيونهم خزر، والتخازر من نظر المغضب من الرجال، والخيل في عيونها قبل، والقبل

تشاوس، وهو من نظر المغضب من الخيل.

فَأَتَوْكَ لَيسَ لِمَنْ أَتَوا قِبَلٌبِهِمُ وَلَيسَ بِمَنْ نَأَوْا خَلَلُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
لَمْ يَدْرِ مَنْ بالرَّيِّ أَنَّهُمُفَضَلُوا ولا يَدرِي إذا قَفَلوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»
وَأَتَيتَ مُعتَرِفَاً ولا أَسَدٌوَمَضَيتَ مُنهَزِماً ولا وَعَلُ

القبل: الطاقة، والخلل: الوهن في الأمر، والري: مدينة معروفة فيما بين أرض فارس وأرض خراسان، وهي كانت قاعدة ركن الدولة، والفصول: الخروج عن قاعدة الاستقرار إلى العدو، والقفول: الرجوع عن الغزو، والوعل: التيس البري. وحذف العائد على (من)، في قوله: (ليس لمن أتوا)، وهو يريد: أتوه، والعائد على (من) الثانية في قوله: (وليس بمن نأوا) يريد: نأوا عنه، وأسند إلى دلالة ما ذكره على ما حذف.

فيقول مشيرا إلى رجال عسكر ركن الدولة: فأتوك ليس لمن أتوه قبل بهم، وهو يريد وهسوذان وجيشه، وليس بمن نأوا عنه خلل يمنعهم، وهو يعني ركن الدولة وجمعه، وأشار إلى ركن الدولة من كثرة العدد، وسعة العمل، بحيث لا يحفل بمثل الجيش الذي فصل إلى وهسوذان عنه، ولا يلتفت إلى اقترابه منه.

ثم قال مؤكدا لما قدمه، ومشيرا إلى ركن الدولة: لم يدر من بالري، أن الجيش الذي هزم وهسوذان فصل عنه؛ لقلتهم في جمعه، ولا درى أنهم قفلوا إليه؛ لتواضع مقدارهم في نفسه.

ثم قال، وهو يخاطب وهسوذان: وأتيت معتزما، ولا أسد في الإقدام يشبهك، ومضيت منهزما، ولا وعل في الفرار يلحقك.

تُعطِي سِلاحَهُمُ وَرَاحَهُمُمَا لَمْ تَكُنْ لِتَنَالَهُ المُقَلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»
أَسخَى المُلوكِ بِنَقلِ مَملَكَةٍمَنْ كَادَ عَنهُ الرَّأسُ يَنتَقِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

الراح: الأيدي، وهو جمع راحة.

فيقول مخاطبا لوهسوذان، وواصفا لهربه عن جيش ركن الدولة: تعطي سلاحهم وأيديهم من التحكم في جيشك، وبلوغ المراد من تريق جمعك، ما لم تكن العيون تطمح إلى رؤية مثله، ولا النفوس تطمع بإدراك نيله.

ثم قال: أسخى النفوس بنقل الممالك، وأشجعها على اقتحام المتالف، من جهل في ذلك ما يتقلده، ولم يعرف الحقيقة فيما يقصده، فأشرف على مثل ما أشرف عليه وهسوذان، من توقعه بمفارقة رأسه لجسده، واعتصامه بالفرار عن مملكته وبلده.

لَوْلاَ الجَهَالَةُ ما دَلَفْتَ إلىقَومٍ غَرِقْتَ وإنَّما تَفَلُوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»
لا أَقبَلُوا سِرَاً ولا ظِفَروا غَدراًولا نَصَرَتهُمُ الغِيَلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

الدلوف: الزحف، والتفل: البصق، والغيل: جمع غيلة، وهو القتل على الغفلة.

فيقول: لوهسوذان: لولا جهلك بأمرك، وغلطك على نفسك، لما أقدمت على مزاحفة يوم بصقوا عليك فغرقوك، وأشاروا نحوك فأهلكوك. يشير إلى ركن الدولة وفناخسرو ورهطهما.

ثم قال يريدهم: لا يقصدون إلى الأعداء سرا ومخاتلة، ولا يظفرون بهم غدرا ومخادعة، ولا تعصر عليهم الغيل، ولا تستنقذ الأعداء منهم الحيل.

لاَ تَلْقَ أَفرَسَ مِنْكَ تَعرِفُهُإلاَّ إذا ما ضَاقَتِ الحِيَلُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
لا يَستَحِي أَحَدٌ يُقالُ لَهُفَضَلُوكَ آلُ بُوْيْهٍ أَوْ نَضَلُوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»
قَدَروا عَفَوا، وَعَدوا وَفَوا، سُئِلُواأَغنَوا، عَلَوا أعلَوا، وَلُوا عَدَلُوا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

التناضل: المسابقة في الرمي، ويقال: نضل الرجل، إذا ظهر عليه لكثرة الإصابة.

فيقول مشيرا إلى وهسوذان: لا تلق أفرس منك على ظهور الخيل، وأنفذ منك في شدائد الحرب، إلا إذا ضاقت الحيل بك، وانقطعت طرق النجاة دونك، يعرض بوهسوذان في أنه تعرض لحرب ركن الدولة وأبنه فناخسرو، وهو عاجز عنهما، وترك الخضوع لهما، وهو غير بعيد من جميل عائدتهما، ولو إعترف لهما لقبلاه،

ولو استقام على طاعتهما لما قاتلاه.

ثم قال مؤكدا لما قدمه: وما يستحي أحد من أن يقال له فضلك آل بويه ونضلوك، واستولوا عليك وغلبوك، فيعترف بالتقصير عنهم، ويجعل الإذعان وسيلته في أن يأخذ بخطه منهم.

ثم قال، يريد بني بويه: قدروا لعظم المملكة، فعفوا، وحمدت قدرتهم، ووعدوا من انقاد لهم بسعة الإفضال، فوفوا وأنجزوا عدتهم، وسئلوا التشريف بسلطانهم، والمشاركة في أموالهم، فأغنوا وشرفوا سائلهم، وعلت أحوالهم في الملك وجلالة الأمر، فأعلوا أقدار المتصلين بهم، ورفعوا منازل المؤملين لهم، واتصلت لهم ولاية أمور الناس، فشملوهم بالإحسان والمعدلة، ودبروا أمورهم، فعمهم ذلك التدبير بالمصلحة، فمن خالفهم فهو ظالم لهم، ومن ناصبهم فهو شديد الاغترار بهم. وهذا التأويل وأن لم تكن جملته في لفظ الشعر، فهو مفهوم منه، وغير خارج عند التأمل عنه.

فَوقَ السَّمَاءِ وَفَوقَ ما طَلَبُوافَإذا أَرَادُوا غَايَةً نَزَلُوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»
قَطَعَتْ مَكَارِمُهُمْ صَوَارِمَهُمْفَإذا تَعَذَّرَ كاذِبٌ قَبِلُوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»
لا يَشهَرُونَ عَلَى مُخَالِفِهِمْسَيفَاً يَقُومُ مَقَامَهُ العَذَلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

فيقول، وهو يريد بني بويه على توسع الكلام: فوق السماء منازلهم في العلو والرفعة، وأحوالهم فوق ما طلبوه لأنفسهم من جلالة الرتبة، فإذا أرادوا غاية بعدما بلغوه، لم يجدوا ذلك إلا بالتواضع عما أدركوه والتطأطؤ دون ما أحرزوه وشيدوه.

ثم قال: حكمت مكارمهم على سيوفهم؛ لشمول عفوهم، وعموم فضلهم، فإذا اعتذر إليهم كاذب قبلوا عذره، وإذا استجاز بتجاوزهم مخالف سهلوا بسعة حلومهم أمره.

ثم قال: لا يشهرون على من عارضهم سيفا في حرب، ولا يقصدون له بمساء وضر، مادام العذل يؤثر فيه، وحسن التبصير يحكم عليه، ولا يبعد عنه عفوهم إذا

استدعى فضلهم وعطفهم.

فَأبُو عَلِيَّ مَنْ بِهِ قَهرواوَأَبُو شُجَاعٍ مَنْ بِهِ كَمُلُوا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
حَلَفَتْ لِذا بَرَكاتُ غُرَّةِ ذَافي المَهْدِ: ألاَّ فَاتَهُمْ أَمَلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

أبو علي: حسن بن بويه، ركن الدولة، والد فناخسرو، وأبو شجاع: فناخسرو عضد الدولة أبنه.

فيقول، وهو يريد بني بويه: فأبو علي الذي قهروا أعداءهم بقوته، وأذلوا من خالفهم برفعته، واستظهروا على مطالبهم بجلالة منزلته، وأبو شجاع أبنه الذي كملت به مملكتهم، واستبانت على من خالفهم قوتهم، وانقاد لهم ما رغبوه، وأدركوا ما أملوه.

ثم قال، وهو يشير إلى أبي علي ركن الدولة: (حلفت لذا بركات غرة ذا)، وهو يشير إلى فناخسرو، وهو مستقر في مهده، وفي النهاية من صغر سنه، بما ظهر عليه من شواهد البركة والنجابة، ومخايل الإقبال والسعادة: لا يفوت الوالد منهما وولده، ومن كان منهما بقرابة، وجمعه وإياهما اتصال ولادة، أمل يحاولون البلوغ إليه، وألا يمتنع دونهم مراد يعولون بقصدهم عليه.

وقال أيضا يمدحه ويذكر وهسوذان:

أَزَائِرٌ يا خَيَالُ أَمْ عَائِد؟أم عِندَ مَولاكَ أَنَّنِي رَاقِدْ؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»
لَيسَ كما ظَنَّ غَشْيَةٌ عَرَضَتْفَجِئتَنِي في خِلاِلهَا قَاصِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»

الخيال: ما يطرق في النوم، فيمثل الشيء على المعهود منه، والعائد: المتفقد لأحوال العليل، والمولى: الولي على جميع وجوه الولاية، وخلال الشيء: أثناؤه وما اشتمل عليه.

فيقول: أزائر أنت أيها الخيال الطارق على الانتزاح والبعد، أم عائد لما يتيقن أني أقاسيه من الصبابة والوجد، أم عند مولاك الذي تدينه وتمثله، وتقربه وتظهره، أني رقدت فتعاهدني بزوره، وأكد ما بنفسي من ذكره؟.

ثم قال مخاطبا للخيال، ومشيرا إلى محبوبه الذي مثله له: ليس الأمر كما قدره مهديك؛ من أن تهويمي تهويم رقاد ودعة، وسكون وراحة، وإنما ذلك لغشية من الألم مذهلة، وغمرة من غمرات السقم مؤلمة، أتيتني في خلالها متفضلا بالقصد، ومبشرا عمن أحبه بإقامته على العهد.

عُدْ وَأعِدْهَا فَحَبَّذَا تَلَفٌأَلصَقَ ثَدْيي بِثَدْيِهِ النَّاهِدْ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وَجُدْتَ فِيه بِمَا يَشُحُّ بِهِمِنَ الشَّتِيتِ المُؤشَّرِ البارِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»

الثدي الناهد: الذي قد كعب، والشتيت: الثغر الذي ينفصل فيه ما بين الثنيتين والرباعيتين، والأشر: تحزيز يكون في أطراف الأضراس أول ما تنبت، ويصحب ذلك في مدة الشباب.

فيقول، وهو يخاطب الخيال: عد أيها الطيف وأعد تلك الغشية، وصل وأن جددت علي تلك الشدة، فحبذا تلف مثل لي عناق ذلك الثدي الناهد، وأدناني من ذلك الجسد الناعم.

ثم قال، على نحو ما قدمه: وحبذا تلف تجود لي فيه بما يشح به من أنت خياله الزائر، ومثاله المقترب الواصل، من تقبيل الثغر الشتيت المؤشر، البديع المنظر

والمخبر.

إذا خَيَالاتُهُ أَطَفْنَ بِنَاأضْحَكَهُ أَنَّنِي لَهَا حَامِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»
وَقَال إنْ كَانَ قَدْ قَضَى أَرَباًمِنَّا فَمَا بَالُ شَوقِهِ زَائِدْ؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»
لا أجحَدُ الفَضلَ رُبَّما فَعَلتْما لَم يَكُنْ فاعِلاً ولا واعِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»

يقول: إذا طافت خيالات من نحبه زائرة، وأنستنا بأنفسها متدانية، فأحمدنا ما ننعم به من قربها، وما نسر به من تداني محلها، أضحكه ذلك وأعجبه، وألهاه كلفنا به وأستغربه.

ثم قال مخبرا عن محبوبه: وقال أن كان قضى أربا منا بالخيال الذي وصله، والطيف الذي تمثل له، فما له يجرع ولا يصبر، وكمده يزيد ولا يفتر؟!.

ثم قال: لا أدفع فضل خيالاته الطارقة، ولا أنكر الأنس بها، وأن لم تكن بالصادقة، فربما فعلت ما لا يسمح بفعله، وقربت ما لا يسعد على العدة بمثله.

ما تَعرِفُ العَينُ فَرْقَ بَينَهُمَا كُلٌّخَيَالٌ وِصَالُهُ نافِدْ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
يا طَفْلَةَ الكَفِّ عَبلَةَ السَّاعِدْعَلى البَعِيرْ المُقَلَّدِ الواخِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»
زِيْدي أَذّى مُهجَتِي أَزِدكِ هَوىًفَأجهَلُ النَّاسِ عَاشِقٌ حَاقِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»

الطفلة الكف: الناعمة أصابع اليد، والعبلة: الغضة البضة، والساعد: ما بين المرفق والكف من الذراع، والوخد: ضرب سريع من مشي الإبل، والحاقد: الذي ينطوي على الضغينة.

فيقول: ما تعرف العين فوق ما بين الخيال ومرسله، والطيف الطارق وممثله، فكلاهما وصاله اختلاس يتوهم ولا يصدق، ويتذكر ولا يتحقق.

ثم قال مخاطبا لمحبوبته الذي يعتاده طيفها: يا طفلة الكف، البارعة الحسن، العبلة الساعد، الباعثة لي على الحزن، التي يخد بها البعير المزين بالقلائد لكرامته، المقدم في الإبل لنجابته.

ثم أكد ما قدمه، فقال يخاطب المذكورة: زيدي مهجتي من الأذى والوجع ببعدك، فأنني متزيد من الكلف بحبك، فأجهل الناس من يحقد على من يعشقه، وينكر ما يناله في ذلك من الألم، ويطرقه من السقم.

حَكَيْتَ يا لَيلُ فَرْعَها الوارِدْفاحْكِ نَوَاهَا لِجَفنِيَ السَّاهِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»
طَالَ بُكَائِي على تَذَكُّرِهَاوَطُلْتَ حَتَّى كِلاكُما وَاحِدْ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الفرع: الشعر، وفرع كل شيء: أعلاه، والوارد: السابغ الكثير، والساهد: الذي لا يرقد.

فيقول مخاطبا لليل: حكيت أيها الليل فرع التي أشبب بها في سواده وحلكته، وسيوغه وكثرته، فاحك نواها بانصرام مدتك وقلة إقامتك، لجفني الذي سهدته، وطرفي الذي أتبعته وأرقته.

ثم قال: طال بكائي على تذكر التي أحببتها، وطلت أيها الليل بسهري من أجلها، فكلاكما واحد فيما يبعث لي من الأسف، وما يضاعف علي من ألم الشغف.

ما بَالُ هذِي النُّجومِ حَائِرَةًكَأَنَّها العُميُ ما لَهَا قائِد؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»
أو عُصْبَةٌ مِنْ مُلُوكِ ناحِيَةٍأَبو شُجَاعٍ عَلَيهِمُ واجِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»
إنْ هَرَبُوا أُدرِكُوا، وإنْ وَقَفُواخَشُوا ذِهابَ الطَّريفِ والتَّالِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»

هذي: لغة في هذه، والعصبة: العشرة من القوم فما فوقهم إلى الأربعين، والحائر: المتردد في مكانه، والواجد هنا: المتغيظ. والطريف: المال الحديث، والتالد: المال القديم.

فيقول، وهو يشير إلى نجوم ليلته: ما بال هذه النجوم حائرة لا تنتقل، وثابتة لا تتزول، كأنها عمي لا قائد لها، ولا مرشد يسلك الطريق بهم.

ثم قال مؤكدا في تشبيه ما قدمه: أو كأن النجوم المذكورة عصبة من ملوك جهة من الجهات، قد أتهم أبو شجاع طاعتهم، وقابل بالتسخط جماعتهم فتيقنوا موجدته،

ولم يأمنوا عقوبته.

ثم قال مشيرا إلى الملوك الذين قدم ذكرهم، فهم أن هربوا أدركهم بسلطانه وقوته، وأن وقفوا خشوا ذهاب طارفهم وتالدهم بعقوبته.

فَهُمْ يُرجُّونَ عَفْوَ مُقتَدِرٍمُبَارَكِ الوَجهِ جائِدٍ ماجِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»
أَبلَجَ لَوْ عَاذَتِ الحَمَامُ بِهِما خَشِيتْ رامِيَاً ولا صَائِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»
أَوْ رَعَتِ الوَحشُ وَهِيَ تَذكُرُهُما رَاعَهَا حابِلٌ ولا طَارِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»

الماجد: الشريف الكريم، والأبلج: النقي ما بين الحاجبين، وذلك من صفات السادة، والحمام: ذوات الأطواق من الطير، وما جرى مجراها كالقماري والقطا والفواخت ونحو ذلك، والوحش: ما لا يستأنس من دواب البر، الذي يصيد الوحش بالحبالة، والطارد: الذي يصيدها بالمطاردة، والعائذ: المستجير.

فيقول، وهو يريد الملوك المشفقين من موجدة الممدوح: فهم يرجون عفو مقتدر لا يدافع إلا بالخضوع له، ولا يعارض إلا بإنزال الثقة به، ميمون مبارك العزة، كريم جواد الرحاة، ماجد مشهور الرفعة.

ثم قال مؤكدا لما ذكره: أبلج لو عاذت الحمام بأمنه، واعتصمت بكنفه وظله، مع تولع الناس بصيدها، وتقوت جوارح الطير بها لضعفها، ما خشيت راميا يقصدها، ولا صائدا يخيفها ويعتمدها.

ثم قال على نحو ما قدمه: أو رعت الوحش معتصمة بذكره، منتسبة إلى رعايته وملكه، لما راعها حابل يصرعها مخادعة، ولا طارد يحتازها مغالبة.

تُهْدِي لَهُ كُلُّ سَاعَةٍ خَبَراًعَنْ جَحفَلٍ تَحتَ سَيفِهِ بائِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»
وَمُوضِعَاً في فِتَانِ ناجِيَةٍيَحمِلُ في التَّاجِ هَامَةَ العَاقِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»

تهدي: تبعث، والجحفل: الجيش العظيم، والبائد: التالف، والموضع: والمجتهد في السير، والفتان: غشاء أحمر يتخذ للرحل، والناجية: الناقة السريعة، والعاقد:

المذكور الذي يعقد التاج على رأسه.

فيقول، وهو يريد الممدوح: تهدي له كل ساعة من ساعات أيامه فتحا يغبطه، وخبرا عن أوليائه يبهجه؛ يتضمن هلاك جيش من أعدائه، وظفرا يجدد الله لأوليائه.

ثم قال: وتهدي له ساعة رسولا يوضع ملتزما لفتان ناقة ناجية، مستعجلا من ناحية نائية، يتحمل رأس ملك قد عقد التاج على هامته، فأجتلب رأسه في التاج على راحلته.

نِلْتَ وَمَا نِلتَ مِنْ مَضَرَّةٍ وَهْسُوذَانَما نَالَ رَأَيُهُ الفَاسِدْ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
يَبدأُ مِنْ كَيدِهِ بِغَايَتِهِوَإنَّما الحَربُ غَايَةُ الكَائِدْ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

فيقول مخاطبا لفناخسرو: نلت ما قصدت من الظفر بوهسوذان، وما بلغت منه باستلابك لملكه، وإيقاعك به وبجمعه، أكثر مما بلغه من نفسه، بسوء التدبير، وضعف نظره في عواقب الأمور، وما أصاره إليه فساد رأيه، ومذموم اختياره.

ثم بين ذلك فقال: يجعل غاية كيده أول أمره، وفاتحه ما قصده من العصيان أبعد جهده، فيبدر إلى الحرب وهو يضعف عن القيام بها، ويسارع إليها وهو عاجز عن الصبر لها.

ماذَا عَلَى مَنْ أَتَى مُحارِبَكُمْفَذَمَّ ما اختَارَ لَوْ أَتَى وافِدْ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
بِلا سِلاحٍ سِوَى رَجائِكُمْفَفَازَ بالنَّصرِ وانثَنَى راشِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»
يُقارِعُ الدَّهرُ مَنْ يُقارعُكُمْعَلَى مَكَانِ المَسُودِ والسَّائِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»

الوافد: الزائر، والمنثني: الراجع، والمسود: التابع، والسائد: المتبوع.

فيقول مخاطبا لفناخسرو، ومشيرا إلى وهسوذان: ماذا على من تعرض لحربكم، وأقدم على المخالفة لأمركم، فذم ما تخير لنفسه، وتعرف أخبث العواقب في رأيه، لو أتاكم وافدا يستمطر فضلكم، وراغبا متصرفا على قصدكم.

ثم أكد ما قدمه، فقال: دون سلاح يتحملها سوى قوة الرجاء لكم، ولا عدة يتكلفها غير إنزال الثقة بكم، فيرجع ظافرا بما يطلبه، وينثني راشدا منصورا فيما يرغبه.

ثم قال: يقارع الدهر من يتعرض لحربكم، ويصرع كل من لا يتصل بحزبكم، ويأبى الله إلا أن يجعل السيد منكم، والمسود المغلوب من ينحرف عنكم.

وَلَيْتَ يَومَيْ فَنَاءِ عَسكَرِهِوَلَمْ تَكُنْ دَانِيَاً ولا شَاهِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»
وَلَمْ يَغِبْ غَائِبٌ خَلِيفَتُهُجَيشُ أَبِيهِ وَجَدُّهُ الصَّاعِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»
وَكُلُّ خَطِيَّةٍ مُثقَّفَةٍيَهُزُّها مارِدٌ عَلَى مَارِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»
سَوَافِكٌ ما يَدَعْنَ فَاصِلَةً بَينَطَرِيِّ الدِّماءِ والجَاسِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»

الجد: البخت، والصاعد: المتزايد، والخطية: قناة الرمح، تنسب إلى الخط، وهو موضع معروف، والمثقفة: المقومة، والمارد: الشديد الجرأة، والجاسد: الدم اليابس.

فيقول مخاطبا لفناخسرو، ومخبرا عن وهسوذان: وليت يومي فناء عسكره اللذين فلت فيهما جيوشك حده، وفر بنفسه وحده، وكنت بعيدا عنه، ولم تكن في تلك المزاحفة دانيا منه، بل عصفت به رياح تدبيرك على البعد، وأذلته لأوليائك طوالع السعد.

ثم قال مبينا لما قدمه: ولم يغب عن مزاحفة عدوه من يخلفه في ذلك؛ جيش أبيه وجنده، وإقبال دولته وجده.

ثم قال: ويخلفه كل رمح خطي مثقف بيد كل مارد في الحرب، متصرف يحمله من الخيل ما يماثله في النفاذ والشدة، ويشاكله في الإقدام والجرأة.

ثم أكد ذلك فقال: سوافك للدماء، معتادة الإيقاع بالأعداء، تتبع طري الدماء بالجاسد، وسائلها بالراكد الجامد.

يا عَضُدَاً رَبُّهُ بِهِ العَاضِدْوَسَارِيَاً يَبعَثُ القَطَا الهَاجِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»
وَمُمطِر المَوتِ والحَيَاةِ مَعَاًوَأَنتَ لا بَارِقٌ ولا رَاعِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»
إذا المَنَايا فَدَعوَتُهاأُبدِلَ نُونَاً بِدالِهِ الحائِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»

العضد: كناية عن القوة، وكان لقب فناخسرو عضد الدولة، والعاضد: المعين، والساري: الذي يسير بالليل، والهاجد: الساكن النائم، والسحاب البارق الراعد: الذي يكثر فيه البرق والرعد، والحائد: المنحرف، وإنما يريد الحائد عن الطاعة.

فيقول مخاطبا لفناخسرو: يا عضد الدولة، ربها قد عضدها به، وأحرز الفخر في ذلك له، ويا ساريا على أعدائه في الفلوات النائية، والمهامه النازحة، التي تنام القطا فيها لبعدها، وتنقطع عن الأنيس بمبلغ جهدها، وجيوشك تطرقها في تلك المواضع لحفلها، وتبعثها من أقاصيها بكثرة أهلها.

ثم قال، على نحو ما قدمه من مخاطبة الممدوح: ويا من يمطر الموت على أعدائه، ويمطر الفضل وأسباب الحياة على مؤمليه، وهو في الحالين لا يبرق ولا يرعد، ولا يتهدد، بل يسبق القول بفعله، وتصحبه السعادة والتأييد في جملة أمره.

ثم قال، وهو يريد الممدوح: إذا المنايا بدت ناصرة له على من خالفه، ومسعدة بما يقصده في من حاربه وناصبه، فدعوتها أن يبدل الحائد عن طاعته، والمنحرف عن جماعته بنون من دال أسمه، حتى يصير حائنا بهلاكه، وفناء عمره، كما كان حائدا عن الاحتمال على أمره.

إذا دَرَى الحِصنُ مَنْ رَمَاهُ بِهَاخَرَّ لَهَا في أسَاسِهِ سَاجِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»
ما كانتِ الطِّرْمُ في عَجَاجَتِهاإلاَّ بَعِيراً أَضَلَّهُ نَاشِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»
تَسألُ أهلَ القِلاعِ عَنْ مَلِكٍقَدْ مِسَخَتهُ نعامَةً شَارِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»

الطرم: حصن معروف من حصون طبرستان، والناشد: الذي يهتف على الضالة.

فيقول، وهو يشير إلى جيوش فناخسرو، والمنايا التي يبعث فيها على الأعداء: إذا درى الحصن الذي تقصده تلك الجيوش، وتيقن الباعث لها، والمصرف لأمورها،

خر له ساجدا في أساسه قبل الحرب، وتداعى بالانهدام قبل تجشم الطعن والضرب، فكيف بنية الممدوح فيه مؤونة المنازلة، وبدر أهله إلى الخضوع بطاعته قبل تكلف المقاتلة؟!.

ثم قال: ما كانت الطرم؛ وهو حصن وهسوذان المتقدم الذكر، لما أحاطت به عجاجة تلك الجيوش، ودارت عليه كتائب تلك الجموع، إلا كبعير ظفر به (ناشده)، فتملكه دون مدافعة، ووصل إليه فأستحقه من غير منازغة. يشير إلى عجز وهسوذان عن منعه، ومبادرته إلى الفرار عنه بنفسه.

ثم قال مؤكدا، وهو يريد الطرم المذكور، ويشير إلى سرعة افتتاح جيوش والد فناخسرو لها، وعجز وهسوذان عن ضبطها: تسأل أهل القلاع التي تماثلها، والمعاقل التي تشابهها وتشاكلها عن وهسوذان ملكها، وقد مسخته بمفارقته لها، وانحطاطه عن الإمارة التي كان ينتحلها به، نعامة شاردا في المهامه القفرة، ومستأنسا فيها بالانفراد والوحشة.

تَستَوحِشُ الأَرضُ أَنْ تُقِرَّ بِهِ فَكُلُّهَاإنَّهُ بِهِ جَاحِدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»
فلا مُشَادٌ ولا مَشِيدٌ حِمىًولا مَشيدٌ أَغنَى ولا شَائِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»

أشدت البنيان وشيدته: إذا طولته وأعليته، والبنيان مشاد ومشيد، وشدته: إذا علوته بالشيد، وهو الجص والبلاط، والنبيان مشيد.

فيقول، وهو يريد وهسوذان: تستوحش الأرض من الإقرار به؛ لما عليه من الطلب، وتجحده بما يظهر فيها من الفرار والهرب، فكلها يدفعه ولا يتقبله، ويخيفه ولا يؤمنه.

ثم قال: فلم يحمه من الحصون ما ارتفع وطول، ولا عصمه من البنيان ما احكم وأتقن، ولا عاد إلا بالفرار على وجهه، وأن يطلب النجاة بذلك لنفسه.

فَاغتَظْ بِقَومٍ وَهْسُوذَ ما خُلِقُواإلاَّ لِغَيظِ العَدُوِّ والحِاسِدْ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
رَأوْكَ لَمَّا أَتَوكَ نابِتَةًيَأكُلُها قَبْلَ أَهلِهِ الرَّائِدْ
وَخَلِّ زِيّاً يُحَقِّقُهُما كُلُّ دَامٍ جَبِنُهُ عَابِدْ

وهسوذ: ترخيم وهسوذان في غير النداء، وذلك جائز في الشعر، والرائد: هو الذي يطلب المرعى لمن وراءه.

فيقول: فأغتظ يا وهسوذان من فناخسرو وأبيه وجماعتهما، بقوم ما خلقوا إلا ليغيظوا أعداءهم بقوة سلطانهم، ويشجوا حسادهم بترادف تفضلهم وإحسانهم.

ثم قال مشيرا إلى فناخسروا وأبيه وجيوشهما، ومن ورد على وهسوذان من قوادهما: رأوك احتقارا لك، وقدروك في قلة الاحتفال بك، بمنزلة المرعى الذي يستمحيه الرائد قبل أن يرد عليه من أرسله، ويستأهله قبل أن يلحق به الحي الذي وجهه؛ لأنك أهلكك طرف من جيشهما، واستولى عليك من لم يخش به من جمعهما.

ثم قال: وخل الملك والتزيي به، والترؤس والتعرض له، لمن يحقق ذلك بفخامته، ويوفيه شروط بمنصبه وجلالته، فليس كل من دمي جبينه ينسب إلى العبادة، ولا كل من انتحل الإمرة يقوم بشروط الرئاسة.

إن كَانَ لا يَعْمَدِ الأَمِيرُ لِمَالَقِيتَ مِنْهُ فَيُمنُهُ عَامِدْ
يُقلِقُهُ الصُّبْحُ لا يَرَى مَعَهُبُشرى بِفَتحٍ كَأَنَّهُ فَاقِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»

الفاقد: الذي يفقد من يكرم عليه، يقال ذلك للرجل والمرأة.

فيقول، وهو يخبر عن فناخسرو، ويخاطب وهسوذان: إن كان لم يتعمد الأمير ما لقيت منه في افتتاح جيوشه لقاعدتك، وإيقاعهم بك وبجماعتك؛ لما قدر عليك من حين الاعتراف، وما تخيرت لنفسك من مكروه الخلاف، فيمنه اعتمد التحين لك، وصالك حتى نفذ الإيقاع بك.

ثم قال، وهو يريد فناخسرو يقلقه صباح يوم ولا يبشر فيه بفتح يقدم عليه،

وسرور بذلك يتجدد فيما لديه، حتى كأنه (فاقد) لما قد ألفه، وممنوع مما سكن إليه وعرفه.

والأَمْرُ لِلَّهِ رُبَّ مُجتَهِدٍما خَابَ إلاَّ لأَنَّهُ جَاهِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»
وَمُتَّقٍ والسِّهامُ مُرسَلَةٌيَحِيدُ عن حابضٍ إلى صَارِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»
فَلا يُبَلْ قاتِلٌ أَعادِيَةُأَقائِمٌ نَال ذَلِكَ أَمْ قَاعِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»

المجتهد: الذي يستعمل في الشيء طاقته، والجاهد: الذي يستسهل في الشيء مشقته، والجابض في السهام: الذي يقع دون الغرض، والصارد: الذي ينفذ في الغرض، ويبل: بمعنى يبالي، حذفت الياء منه للنهي، والألف لكثرة الاستعمال على غير قياس، فقال: فلا يبل، ذكر ذلك سيبويه.

فيقول مشيرا إلى ما مكنه الله من فتح الطرم، والإيقاع بوهسوذان، دون استعمال ما كان يقتضيه مثل هذا الأمر الكبير من الأهبة، وما عهد في مثله من المؤن والكلفة: والأمر لله فيما ينفذه من الأمور ويمكنه، وما يمضيه فيها ويقدره، ورب مجتهد كان الاجتهاد سبب خيبته، ومرديا إلى تعذر بغيته، ورب مترفق في الطلب قد أدرك بعفوه ما لا يدركه المجتهد بجهده.

ثم قال على نحو ما قدمه: ورب متق للسهام في الحرب يحيد عن حابض متأخر ما كان يدركه إلى صادر نافذ يقضي عليه ويهلكه. يشير إلى أن وهسوذان لو اعتصم بالسلم، لتخلص مما أهلك به نفسه في تخير الحرب.

ثم قال مشيرا إلى فناخسرو وركن الدولة أبيه، وما مكنت لهما السعادة من الظفر بوهسوذان دون تعب ولا تمرن: فلا يبل من ظفر بأعاديه، وأدرك من ذلك غاية أمانيه، أنال ذلك عن تعب ومزاولة، أم قربه السعد له بأيسر محاولة. وجعل القيام والقعود كناية عن هذا التفسير.

لَيْتَ ثَنَائِي الَّذي أَصُوغُ فِدَىمَنْ صِيغَ فِيهِ، فإنَّهُ خَالِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»
لَوَيتُهُ دُملُجاً على عَضُدٍلِدَولَةٍ رُكنُها لَهُ وَالِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»

النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.