من «شرح معاني شعر المتنبي: السفر الثاني» لابن الإفليلي (ت ٤٤١هـ)
العضديات (٤)
فيقول، وهو يخاطب عضد الدولة، مؤكدا لما قدمه: ولامنا فداءك من الملوك من يظن قليل العطاء جوادا بالغا، ويرصد لمن يبذل له ذلك حتفا قاصدا، تكرها للجود وفعله، ومنافرة للكرم وأهله. وضرب لقلة العطاء مثلا بنثر الحب، وبنصب الشباك لما يبغي بها ناثرها من الكيد.
ثم قال على نحو ما قدمه، مخاطبا لعضد الدولة: ولآمنا فداءك ملوكا قد بلغ الحضيض بهم قصر أفهامهم، وتأخر إدراكهم، وأن كانت أحوالهم قد بلغت بهم السكاك في العلو والرفعة، والتمكن والحظوة.
ثم قال يخاطبه: فلو كانت قلوبهم تعتقد مودتك، وضمائرهم تخلص طاعتك، لعادوك بلؤم خلائقهم، ولأمحضوك مذموم مذاهبهم.
ثم قال مؤكدا لما قدمه: لأنك مبغض من الولاة من دنياه ضناك قوية، وأوليته نحيفة دنية، فهو يتشبه بأهل الشرف، ويقعد به في ذلك لؤم السلف.
أَرُوحُ وَقَدْ خَتَمْتَ على فُؤادِيبِحُبِّكَ أَنْ يَحُلَّ بِهِ سِواكا
وَقَدْ حَمَّلْتَنِي شُكْرَاً طَويلاًثَقِيلاً لا أُطِيقُ بِهِ حَرَاكا
أُحَاذِرُ أَنْ يَشُقَّ على المَطَايَافلا تَمشِي بِنَا إلاَّ سِوَاكَا
الرواح: السير بعد ذهاب صدر النهار، والختم: الطبع على الشيء، والحراك: لغة في الحركة، يقال: حرك الشيء يحرك حراكا وحركة، والسواك: ضعيف من مشي الإبل.
فيقول لعضد الدولة: أروح عنك وقد ختمت على قلبي بحبك، واستخلصته بما ترداف علي من برك، فلم يدع حبك فيه لغيرك مكانا ينزله، ولا أفضلت لسواك نصيبا يتناوله.
ثم قال: وقد حملتني من شكرك ما هو طويل لا يتناهى ذكره، وثقيل لا يستخف حمله، لا أطيق به حراكا لكثرته، ولا يمكنني استقلال بجملته.
ثم قال مؤكدا لما قدمه: فأنا أحاذر أن يشق على المطايا نقله، وأن ينهرها وفوده وثقله، فلا ينهضها إلا متساولة، ولا ترحل بها إلا مغلوبة متهالكة.
لَعَلَّ اللَّهَ يَجعَلُهُ رَحِيلاًيُعِينُ على الإقَامَةِ في ذَرَاكَا
فَلَوْ أَنِّي استَطَعْتُ خَفَضتُ طَرفِيفَلَمْ أبصِرْ بِهِ حَتَّى أرَاكَا
وَكَيفَ الصَّبْرُ عَنكَ وَقَدْ كَفَانِينَدَاكَ المُستَفِيضُ وما كَفَاكَا
الذرا: الكنف.
فيقول: لعل الله يجعل رحيلي عنك رحيلا يعين على الاستكثار من قربك، والاستزادة من أنعامك وفضلك، ويؤدي إلى الدقوم بالأهل والجماعة عليك، والإقامة معهم فيما لديك.
ثم قال على نحو ما قدمه: فلو أنني استطعت لما اعتقده من عاجل، الأوبة، وأرغبه من سرعة الرجعة، خفضت طرفي فلم أبصر به، حتى أرد على حضرتك، وأكحل جفونه بالنظر إلى غرتك.
ثم أكد ما قدمه فقال: وكيف لي بالصبر عنك، والتجلد على الانفصال منك، وقد كفاني ما غمرني من برك، وأحاط بي من أنعامك وفضلك، وما أجزاك ذلك ولا كفاك، ولا أقنعك ولا أرضاك؟.
أَتَتْرُكُنِي وَعَينُ الشَّمسِ نَعْلِيفَتَقْطَعُ مِشْيَتِي فِيها الشَّرَاكَا؟!
أَرَى أَسَفِي وما سِرْنَا شَدْيداًفَكَيفَ إذا غدا السَّيرُ إبتِراكا؟!
وَهذا الشَّوقُ قَبْلَ البَينِ سَيفٌوهاأنا ما ضُرِبْتُ وَقَدْ أحاكَا!
عين الشمس: قرصها، وعين كل شيء: شخصه، والشراك: سير النعل، والابتراك: السقوط على الركب، وحاك السيف وأحاك: لغتان في قطعه.
فيقول لعضد الدولة: أتتركني وقد أنعلتني الشمس بما أوليتني من برك، وقربت به محلي من نفسك، فأتأخر عنك وأبتذل الكرامة التي شرفتني بها، والرتبة الرفيعة التي رأيتني أهلا لها؛ بصحبة غيرك من الملوك الذين لا يحلون محل خدمتك، فأكون عند ذلك كمن أنعل الشمس فأبتذلها في مشيه، وقطع الشراك فيها بحسب ما اعتاد من ذلك في نعله.
ثم قال يخاطبه: أرى أسفي قبل السير شديدا على مفارقتك، وإشفاقي قبل الرحلة يؤلمني لضعفي عن مباعدتك، فكيف تظن بي إذا كان السير ابتراكا لعثار الإبل، وعجزت عن الإسراع لتطاول السفر.
ثم قال على نحو ما قدمه: وهذا الشوق الذي أمتثله قبل الرحلة، وإقامتي بسببه أشد اللوعة؛ سيف صارم لم أضرب به وقد قطع، ولا باشرته وقد آلم وأوجع.
إذا التَّودِيعُ أَعرَضَ قَالَ قَلبِيْعَلَيكَ الصَّمْتَ لا صَاحَبْتَ فَاكَا
وَلَولا أَنَّ أكثَرَ ما تَمَنَّىمُعاوَدَةٌ لَقُلْتُ: ولا مُنَاكَا
قَدِ استَشفَيتَ مِنْ دَاءٍ بِداءٍوأَقتَلُ ما أعَلَّكَ ما شَفَاكَا
أعرض الشيء: إذا بدا وظهر، والصمت: السكوت، والمنى: جمع منة، واحدة ما يتمناه الإنسان، والاستشفاء: التعالج من الداء، والشفاء: البرء من السقم.
فيقول: إذا قرب توديعي لعضد الدولة، وعزني ما أخاطبه به عند حلوله، دافعني قلبي عن التفوه لذكر ذلك، وقال لي: الزم الصمت، لا صحبت فاك إن أفصح بالرحلة، ولا استمتعت به أن صرح بذكر الفرقة.
ثم قال مؤكدا لما قدمه، ومخبرا عن قلبه في ملامته له: ولولا علمي بأن أكثر ما
يتمناه لقاء عضد الدولة، ولي نعمتك، ومعلي منزلتك لقلت: ولا صاحبت مناك، مدفوعا عن جملتها، ممنوعا من الاغتباط بمسرتها.
ثم أخبر أن قلبه قال له: قد استشفيت من البعد عن أهلك بمفارقتك لأرفع الناس في نفسك، فصار أشد ما تشكوه من عللك ما قدرت أن فيه الشفاء من ألمك.
فَأسْتُرُ مِنْكَ نَجوَانَا وأُخفِيهُمُومَاً قَدْ أَطَلْتُ لَهَا العِرَاكَا
إذا عَاصَيتُها كَانَتْ شِدَادَاًوَإنْ طَاوعْتُها كَانَتْ رِكَاكَا
وَكَمْ دُونَ الثَّوِيَّةِ مِنْ حَزينٍيَقُولُ لَهُ قُدُومِي ذَا بِذاكا
وَمَنْ عَذْبِ الرُّضابِ إذا أَنَخْنَايُقَبِّلُ رَحْلَ تُروَكَ والورَاكَا
النجوى: (ما) يستتر به من الكلام، والعراك: المحاكة والمزاحمة، والركاك: جمع ركيك، وهو الضعيف المنحل، والثوية: موضع فيما يقرب من الكوفة، والكوفة وطن أبي الطيب، والرضاب: ريق الفم، وتروك: أسم الناقة، والوراك: جلد يكون على مقدم الرحل يثني الراكب عليه رجله.
فيقول مخاطبا لعضد الدولة، ومشيرا إلى منازعة قلبه: وأستر منك أيها الملك ما يقصد بي قلبي إلبه، وما أنطوي من الأسف عليه، وأخفي من ذلك هموما، أعاركها مدافعا لها، وأتحملها وأنا مستحكم الألم.
ثم قال مشيرا إلى الهموم التي قدم ذكرها: إذا عاصيتها بإجرائها على الحقيقة، والنظر إليها بالعين البصيرة، كانت شدادا مؤلمة، وإذا طاوعتها باطراح الفكر فيملا يبعثها، كانت ركاكا هينة.
ثم قال: وكم دون الثوية التي أقصدها، والكوفة التي أريدها وأعتمدها، من حزين من أهل قد أخل به اغترابي عنه، وبلغ الأسف لذلك كل غاية منه، يقول له قدومي سرورك مني بهذه الأوبة بما كان يحزنك مني من طول الغربة.
ثم قال مشيرا إلى ما قدمه من ذكر أهله: وكم في تلك الحلة من عذب الرضاب،
بارع الحسن، فائق الجمال، مستحسن القرب، يقبل عند قدومي عليه رحل ناقتي ووراكها إعجابا بها، ويفديها بنفسه إكراما لها.
يُحَرِّمُ أَنْ يَمَسَّ الطَّيبَ بَعدِيوَقَدْ عَبَقَ العَبِيرُ بِهِ وَصَاكَا
وَيَمنَعُ ثَغْرَهُ مِنْ كُلِّ صَبٍّوَيَمنَحُهُ البَشَامَةَ والأرَاكَا
عبق الطيب: إذا فاح، وصاك العبير: إذا لصق، والبشام والأراك: ضربان من الشجر يستاك بفروعهما.
فيقول مشيرا إلى محبوبه الذي قدم ذكره: يحرم أن يمس الطيب بعد مفارقتي له، وأن يتصنع من الزين، لما يتيقنه من شغفي به، فيلقاني، وقد برت أليته، وكملت بقدومي أمنيته، وفاح الطيب من أردانه وعبق، وصاك العبير في أثوابه ولصق.
ثم قال: ويمنع ثغره من كل من يصبو به، صيانة وعفة، ويمنحه البشامة والأراك، نظافة وترفها.
يُحَدِّثُ مُقلَتَيهِ النَّومُ عَنِّيفَلَيتَ النَّومَ حَدَّثَ عَنْ نَدَاكَا
وَأَنَّ البُخْتَ لا يُعرِقْنَ إلاَّوَقَدْ أَنضَى العُذَافِرَةَ اللِّكَاكَا
وَمَا أرضَى لِمُقلَتِهِ بِحُلمٍإذا انتَبَهَتْ تَوَهَّمَهُ ابتِشاكَا
ولا إلاَّ بِأنْ يُصغِي وأحكِيفَلَيتَكَ لا يُتَيِّمُهُ هَوَاكَا
البخت: الجمال الخراسانية، واحدتها بختي، والإعراق: إتيان العراق، وبلد الكوفة الذي كان مستقرة؛ أحد العراقين، والعذافرة: الناقة الصلبة، واللكاك: المكثرة اللحم، والابتشاك: الإسراع.
فيقول مشيرا إلى محبوبه الذي قدم ذكره: يحدث مقلتيه النوم عني، يردي: أنه يتمثل له في نومه، ويتخيله في رقاده؛ لشدة حرصه على قربه، فليت ذلك النوم مثل له ما أحاط بي من فضلك، وما ظهر علي من تشريفك وبرك، فكان له في ذلك أبلغ السلوة، وفي السكون إليه أتم الأنسة.
ثم قال: وليت النوم حدثه أن البخت لا ترد بي العراق مع ما هي عليه من القوة، وما شهرت به من وثاقة الخلقة، إلا وقد أنضى الإعراق منها العذافرة الصلبة الخلق، اللكاك المكثرة اللحم، وحذف الإعراق لدلالة يعرقن عليه، كما قال ﷿: (فاطر السموات والأرض، جعل لكم من أنفسكم أزواجا، ومن الأنعام أزواجا، يذرؤكم فيه، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير)، فرد الضمير إلى الجعل، ولم يذكره لدلالة جعل عليه.
ثم قال مشيرا إلى محبوبه الذي قدم ذكره: وما أرضى لمقلته بحلم تنتبه فلا تتحققه، لعدم رؤيته، ولا تتمتع به لقصر مدته.
ثم قال على نحو ما قدمه من ذكر محبوبه: ولا أرضى له إلا بأن أرد عليه فيصغي إلى ما أورده عنك من ميل الذكر، واحكي ما أسديته إلي من جليل الفضل، فليته عند ذلك لا يتيمه هواك إعجابا بك، وبما جمعه الله من الفضائل لك، وحذف أرضى من لفظه استغناء بما قدم من ذكره.
وَكَمْ طَرِبِ المَسَامِعِ لَيسَ يَدرِيأَيَعجَبُ مِنْ ثَنَائِي أَمْ عُلاَكا
وَذَاكَ النَّشْرُ عِرضُكَ كانَ مِسكَاًوَذَاكَ الشِّعْرُ فِهري والمَدَاكَا
فَلاَ تَحمَدْهُمَا وأحمَدْ هُمَامَاًإذا لَمْ يُسْمِ حامِدُهُ عَنَاكَا
الطرب: خفة تغلب عند شدة الفرح والحزن، والعلا: غايات الشرف والرفعة، والواحدة عليا، والنشر: الفوح، والفهر: الحجر الذي يسحق به الطيب، والمداك: صلاية الطيب التي يداك عليها، والدوك: الدق والسحق، والهمام: الملك العظيم.
فيقول: وكم من فرح المسامع بما أبثه من فضلك، وأنظمه في شعري من مدحك، فليس يدري عند سماعه لذلك أيعجب من علاك، وما تبلغه من الجلالة والرفعة، أم من ثنائي وما يشتمل عليه من الاحتفال والكثرة؟.
ثم قال: وذلك الفوح (الذي) يتضوع عندما أصفه من مجدك، وأذكره من ترادف
فضلك، نشر عرضك الذي هو المسك في كرم جوهره، وفي عبق طيبه ومخبره، وفهر ذلك المسك ومداكه اللذان يستخرجان حقيقة فضله، ويخبران عن جلالة قدره، شعري الذي يسير فيه في البدو والحضر، ويتغنى بذكره عند الحلول والسفر.
ثم قال مخاطبا لنفسه: فلا تحمد النشر وطيبه، ولا تستكثر الشعر وحسنه، وأحمد الهمام الباعث لهما، والمنفرد بما أكمل له الفضل منهما، الذي إذا أضمر شاعره وأضافه إلى نفسه، وكنى عنه ولم يصرح عن أسمه، علم أنه يقصدك ويعنيك، ولم يشك عند ذلك من يسمعه (أنه) فيك.
أَغَرُّ لَهُ شَمَائِلُ مِنْ أبِيهِغَدَاً يَلقَى بَنُوكَ بِهَا أَبَاكا
وفي الأحبابِ مُختَصٌّ بِوَجدٍوَآخَرُ يَدَّعي مَعَهُ اشتِراكا
إذا اشتَبَهَتْ دُمُوعٌ في خُدودٍتَبَيَّنَ مَنْ بَكَى مِمَّنْ تَبَاكَى
الأغر: البهي الأبيض، والشمائل: الطبائع، والواحد: شمال، والتباكي: استعمال للبكاء.
فيقول، وهو يريد عضد الدولة: أغر، ذو بهاء وجلالة، وجمال ووسامة، له شمائل في الفضل سامية، ومذاهب في الكرم بارعة، هي شمائل أبيه المعروفة، ومذاهبه الجليلة المعلومة.
ثم أقبل بالمخاطبة على عضد الدولة، وترك الأخبار عنه، وجواز ذلك وما يشبهه مشهور في الكلام، قال الله ﷿: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة) فأجرى المخاطبة والإخبار مجرى واحدا، فيقول لعضد الدولة: وغدا يلقى بنوك أباك بتلك الشمائل، ويحكونه في تلك الفضائل، ويحتذون في ذلك حذوك، ويقفون أثرك وهديك.
ثم قال مشيرا إلى أسفه على مفارقته، وما بنفسه من الألم لمباعدته: وفي من
يدعي وينتحل الإخلاص والمودة، من يخصه ذلك ويلزمه، ويصدق فيما يضمره، وفيهم من يدعي المشاركة في ذلك بلا حقيقة، ويتحمل فيه على طريقة غير قديمة.
ثم قال مشيراً إلى من يخلفه من أهله، وما هم عليه من البكاء والأسف من بعده: إذا اشتبهت دموع في خدود قوم يتشكون ألم الحزن، ويخبرون عن أنفسهم بشدة الوجد، تبين من بكي مجداً في حزنه، ومن تباكى مظاهراً بفعله، يريد: أن فيمن يخلفه من أهله من يصدقه في وده، ولا يغالطه فيما يبديه من التوجع لبعده.
ثم قال مشيراً إلى من كنى عنه من أحبته:
أَذَمَّتْ مَكْرُماتُ أَبي شُجَاعٍلِعَيَنْي مَنْ نَوَايَ على أُولاكا
فَزُلْ يا بُعدُ عَنْ أيدِي رِكابٍلَهَا وَقْعُ الأسِنَّةِ في حَشَاكَا
وَأَيَّا شِئْتِ يا طُرُقِي فَكُونِيأَذَاةً أَوْ نَجَاةً أَوْ هَلاَكا
الذمة: العهد، وأذم الرجل لغيره إذا عاهده على أمر يلتزمه له، والنوى: البعد، وأولاك: لغة في أولئك، والركاب: الإبل المتحملة بالقوم، والأذاة: فعلة من الأذى، والنجاة: كذلك من النجا.
فيقول مشيرا إلى من يقصده من أهله وأحبته: أذمت مكرمات أبي شجاع عضد الدولة لعيني على ملاحظة من أقصده في أقرب مدة، والوصول إليه على أتم غبطة، وذمامة مقرون بالوفاء، وعدته لا تتصل بالإبطاء.
ثم قال مخاطبا للبعد الذي حاول قطعه، والسفر الذي عانى أمره: فزل أيها البعد عن أيدي ركاب؛ سعد عضد الدولة يكتنفها، وإقباله ينهض بها، وهي لما تشاهد من غلبتها واقتدارها عليك وقوتها تفعل فعل الأسنة في نفسك، وتستقل ما تستعظمه من جملة أمرك.
ثم قال: وأيا شئت أيها الطرق، فكوني؛ أن شئت متباعدة صعبة، وأن شئت متدانية
سهلة، أذاك وإهلاكك كوقايتك وإنجائك، يعصمني من مضرتك فضل الله ﷿، وسعد الملك الذي فارقته، وإقبال عضد الدولة الذي اعتلقته وأملته.
فَلَو سِرْنَا وفي تَشرِينَ خَمسٌرَأوني قَبْلَ أَنْ يَرَوا السِّمَاكَا
يُشَرِّدُ يُمنُ فَنَّاخُسرُو عَنِّيقَنَا الأعدَاءِ والطَّعْنَ الدِّراكَا
وَألبَسُ مِنْ نَدَاهُ في طَرِيقِيسِلاحَاً يَذعَرُ الأبطَالَ شَاكَا
تشرين الأول بالسريانية: هو شهر أكتوبر بالرومية، والسماك الأعزل: كوكب معروف من كواكب الأنواء، وهو يطلع بالغداة لخمس يخلون من تشرين المذكور، والطعن الدراك: المتتابع، والسلاح الشاك: الحديد.
فيقول على ما قدمه، من ثقته بما أحاط به من سعادة عضد الدولة: فلو سرنا وقد انصرم لتشرين خمس من لياليه، لرآني من أقصده من أهل، وأحن إليه من الجماعة المتصلة بنفسي، قبل أن يروا السماك الذي هو في هذا الوقت أول طوالع الغداة البداية، وأظهرها إلى العيون الناظرة؛ إشارة إلى سرعة سيره، وما يثق به من تأييد الله تعالى له في جملة أمره.
ثم قال على نحو ما قدمه من إسناده إلى الاعتزاز بعضد الدولة، والتصرف في سعادته: يشرد يمن فناخسرو عني جميع ما أحذره من آفات السفر، وما أتوقع في ذلك من حوادث الضرر، واستظهر به على الأعداء، واستدفع ببركته مكروه اللأواء.
ثم قال: وألبس في طريقي من نداه المترادف، وإفضاله الجزيل المتتابع، سلاحا شاكا، أدعر به حماة الأبطال، وأغنى بهيبته عن التعرض للقتال.
وَمَنْ اعتَاضُ مِنكَ إذا افتَرَقْنَاوَكُلُّ النَّاسِ زُورٌ ما خَلاَكا
وَمَا أَنَا غَيرُ سَهْمٍ في هَوَاءٍيَعُودُ وَلَمْ يَجِدْ فِيهِ امتِسَاكا
حَيِّيٌ مِنْ إلهي أَنْ يَرَانِيوَقَدْ فَارقَتُ دَارَكَ واصطَفَاكَا
الزور: الكذب والباطل، والاصطفاء: الاختيار.
فيقول مخاطبا لعضد الدولة: ومن الذي اعتاضه منك إذا فارقتك، وأتخذه بدلا بعدك إذا باعدتك، والناس ما خلاك زور لا يحفل بهم، وملوكهم بالإضافة إليك سوق لا حظ في الإمارة لهم.
ثم قال مخاطبا له، ومخبرا عما يعتقده في استعمال الانصراف إليه: وما أنا إلا سم أرسلته مستعليا في الهواء فنفذ وأسرع، ثم لما بلغ غايته لم يستمسك فيها هنالك ورجع.
ثم قال: وإني لأستحيي من الله ﷿ أن يراني مفارقا لأرضك، مع ما خصك به من الفضل، ومترحلا عنها مع ما بسط بك على أهلها من العدل.
تم السفر بحمد الله وحسن عونه وصلى الله على مولانا محمد وآله وكان الفراغ من نسخه يوم الاثنين التاسع عشر من المحرم أوائل عام ثمانين وتسعمائة عرفنا الله خيره ووقانا شره ومكروهه آمين يا رب العالمين.
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع