تجاوز إلى المحتوى

من «شرح معاني شعر المتنبي: السفر الثاني» لابن الإفليلي (ت ٤٤١هـ)

العميديات (٢)

ثم قال مخاطبا (أبن العميد)، ومشيرا إلى ما قدمه: فأرتبط ما قيدت فيك من هذه البيوت النادرة، وما أتحفتك به من هذه البدائع الشاردة، فأن قلبا نماها وأظهرها وهداها وسيرها، مربط تسبق الجياد غرائب فكره، وتتقدمها بدائع لفظه.

وأنفذت هاتان القصيدتان من أرجان إلى أبي الفتح بن محمد بن العميد بالري، فعاد الجواب يذكر شوقه إلى أبي الطيب وسروره به، وأنفذ أبياتا نظمها، فقال أبو الطيب عند قراءة الكتاب:

بِكُتْبِ الأَنَامِ كِتَابٌ وَرَدْفَدَتْ يَدَ كاتِبِهِ كُلُّ يَدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بكتب الأنام كتاب ورد»
يُعَبِّرُ عَمَّا لَهُ عِندَنَاوَيَذْكُرُ مِنْ شَوقِهِ ما نَجِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بكتب الأنام كتاب ورد»
فَأَخرَقَ رَائِيَهُ ما رَأىوأبرَقَ ناقِدَهُ ما انتَقَدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بكتب الأنام كتاب ورد»

أخرق: بمعنى أدهش، وأبرق: بمعنى أبهت.

فيقول: بكتب الأنام كتاب يعدلها بجلالته، وينوب عن جميعها بكرامته، جعل الله كل يد فداء يد كاتبه، ولا أعدم الزمان تزينه به.

ثم قال: يعبر فيه عن مثل ما بأنفسنا من الحرص عليه، ويخبر عن مثل ما نعتقده من النزاع إليه، ويذكر من الشوق كالذي نجده، ويقول فيه ما نعتقده.

ثم قال: فأخرق ذلك الكتاب ما رأى من غرائبه، وأبرق منتقده ما باشره من بدائعه، وأشرف من ذلك على ما يسلب النفوس بحسنه، ويتحكم عليها ببراعة لفظه.

إذا سَمَعَ النَّاسُ ألفاظَهُخَلَقْنَ لَهُ في القُلُوبِ الحَسَدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بكتب الأنام كتاب ورد»
فَقَلْتُ وَقَدْ فَرَسَ النَّاطِقِينَكَذَا يَفعَلُ الأَسَدُ ابن الأَسَدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بكتب الأنام كتاب ورد»

الخلق: التقدير في الصناعة، والفرس: دق العيون.

فيقول مشيرا إلى الكتاب الذي قدم ذكره: إذا سمع الناس بدائع لفظه، وتأملوا غرائب حسنه، بعث ذلك في قلوبهم الحسد لكاتبه، وأوجب عليهم المنافسة فيه لصاحبه.

ثم قال مخبرا عن نفسه: فقلت وقد فرس الناطقين بعجزهم عن مقاومته، ووقوع البأس لهم عن مماثلته، هكذا يفعل الأسد ابن الأسد في إدراك ما لا يدرك مثله، والوصول إلى ما يتعذر فعله.

وأحضرت مجمرة قد حشيت نرجسا وآسا، حتى خفيت نارها، فكان الدخان يخرج من خلالها، فقال أبو الطيب:

أَحَبُّ امرئٍ حَبَّتِ الأَنفُسُوَأطيَبُ ما شَمَّهُ مَعطِسُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحب امرئ حبت الأنفس»
وَنَشَرٌ مِنَ النَّدِّ لَكِنَّمَامَجَاِرُهُ الآسُ والنَّرْجِسُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحب امرئ حبت الأنفس»
وإنَّ القِيامَ الأُلى حَولَهُلَتَحْسُدُ أَرجُلَها الأَرُؤسُ

النشر: الفوح، والند: ضرب من الطيب، والآس: الريحان، والنرجس: نوار معروف، والألى: بمعنى الذين، والعز الأقعس: التمكن الظاهر.

فيقول مشيرا إلى ابن العميد: هذا أحب من تخصه النفوس بحبها، وتعتمده الألسن بشكرها، وحذف هذا، وجعل أحب الذي هو خبر عنه دليلا عليه، والعرب تفعل ذلك، ثم أشار إلى ما كان بحضرته من الطيب، فقال: وأطيب ما سكنت الأنفس إلى ريحه، وشمت المعاطس تضوع فوحه، وحمل آخر الكلام من الحذف على ما حمل عليه أوله.

ثم قال على نحو ذلك: ونشر من الند يسطع دخانه، ويعبق نسيمه، إلا أن مجامر ذلك الدخان يشملها الآس الذي قد جللها، وبعينها النرجس الذي قد أحاط بها.

ثم قال: ولسنا نرى لهبا يؤثر في ذلك الند، ولا نارا تهيج روائح ذلك الطيب. يشير إلى أن الآس والنرجس سترا ذلك اللهب وغيباه، وأحاطا به وشملاه، فهل هاجه أيها الرئيس وأبانه، وأظهره فوح كرمك وأثاره؟!.

ثم قال مخبرا عن الممدوح الذي استفتح بذكره: وأن القيام الذين حوله لتحسد رؤوسهم أرجلهم على ما تتصرف فيه من خدمته، وتنافسها في اعتماد القائمين عليها بحضرته.

وكتب إليه الملك فنا خسرو عضد الدولة كتابا يستزيره فيه، فقال عند مسيره إليه مودعا:

نِسُيتُ وما أُنسَى عِتَاباً على الصَّدِّوَلاَ خَفَراً زَادتْ بِهِ حُمرَةُ الخَدِّ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»
ولا لَيلَةً قَصَّرتُها بِقَصُرتُها بِقصُورَةٍأَطَالَتْ يَدي في جِيدِها صُحبَةَ العِقدِ

الخفر في المرأة: إفراط الحياء، والقصيرة والقصورة من النساء: التي تقصر في حجابها، والجيد: العنق.

فيقول: تتناساني من أكلف بحبه، وأكثر الحنين إلى قربه، وما أنسى عتابي له على صده، وتوسلي بإقامتي على عهده، وخفره عند تلك المعاتبة، وخجله لما أورد من تلك المخاطبة، وازدياد حمرته بذلك الخفر، وتمتعي منه بلذة النظر.

ثم قال: ولا أنسى ليلة قصرتها بقصير كثيرة النشر، منعمة رفيعة القدر، أطالت يدي صحبة العقد في جيدها، ونعمت بمساعدتها وقربها، وأشار بما ذكره من صحبة يده لعقدها إلى المعانقة، ودل بذلك على شدة الملازمة.

وَمَنْ لِي بِيَومٍ كَرهْتُهُقٌربتُ بِهِ عِندَ الوَدَاعِ مِنَ البُعْدِ
وألاَّ يَخُصَّ الفَقدُ شَيئَاً لأَنَّنيفَقَدْتُ فَلَمْ أَفقِدْ دُمُوعِي ولا وَجدِي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
تَمَنٍّ يَلذُّ المُستَهامُ بِمثلِهوإن كانَ لا يُغنِي فَتِيلاً ولا يُجدِي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

الفتيل: سحاءة في شق النواة، يضرب المثل في القلة، ويجدي: بمعنى يفيد.

فيقول: ومن لي بيوم كيوم وداعي لمن أحبه، مع تكرهي لكونه، وما أتشكاه من فعله، فقد قرب لي من الدنو إليه ما كان يبعد، ومكن لي ما كان يمنع، فكيف لي بألم يقود إلى مثل تلك اللذة، ومكروه يؤدي إلى مثل تلك الخطوة؟!.

ثم قال: ومن لي بأن يكون الفقد فيما يسوء ويسر، وشاملا فيما ينفع ويضر؟ فإني فقدت من أحبه، ولم افقد الوجد به، وعدمته ولم أعدم الحزن له، فليت الفقد عدل في حكمه، وجرى على العموم في فعله.

ثم قال مشيرا إلى ما قدمه: تمن أتمناه ملتذا بذكره، وقول به المستهام يسكن إلى

مثله، وأن كان لا يجدي على من يستعمله، ولا يغني فتيلا عمن يتكلفه، فالأماني شواغل لا تحمد عواقبها، وأباطيل لا ترتقب عوائدها.

وَغَيظٌ عَلى الأَيَّامِ كَالنَّارِ في الحَشَاوَلَكِنَّهُ غَيظُ الأَسِيرِ على القِدِّ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»
فَإما تَرَيْنِي لا أُقِيمُ بِبَلدَةٍفآفَةُ غِمدِي في دُلُوقِيَ مِنْ حَدِّي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
يَحُلُّ القَنَا يَومَ الطِّعَانِ بِعَقوَتِيفَأَحرِمُهُ عِرضِي وَأُطعِمُهُ جِلدِي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

القد: سير من جلد يشد به الأسير، والدلوق: خروج السيف من الغمد دون استلال، والعقوة: فناء الدار.

فيقول على نحو ما قدمه: وغيظ على الأيام فيما تؤثره من الجور في الحكم، والإساءة في الفعل، يشبه النار في التضرم، وما يثيره في الإحساس من التوقد، ولكنه غيظ الأسير على القد يذله ويقصر هـ، ويستولي عليه ويقهره.

ثم قال مقبلا على مخاطبه: فإما تريني موقوفا على الرحل، متحملا لمؤونة السفر، لا أقيم ببلدة، ولا أنفد من رحلة، فآفة ما يشتمل علي من تلك البلاد، أنه لا يقنعني برفده، فأدلق عنه دلوق السيف الصقيل من غمده.

ثم قال مشيرا إلى موضعه من البأس، وما هو عليه من جرأة النفس: تحل الحرب بساحتي فتساجل فيها الأقران، وتطاعن فيها الفرسان، فأبلغ من الإقدام على شدائدها، والاقتحام في غمرات وقائعها، مبلغا أعرض فيه نفسي، وأظهر فيه جسمي للسلاح غير متوقع، وأباشر غير متهيب، ولا أوجد السلاح سبيلا إلى عرضي بالإحجام عنه، ولا يتعلق على المذمة في الإشقاق منه.

تُبَدِّلُ أَيَّامِي وَعَيشِي وَمَنزِلينَجَائِبُ لا يُفكِرْنَ في النَّحسِ والسَّعْدِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»
وَأَوْجُهُ فِتيَانٍ حَيَاءٍ تَلَثَّمواعَلَيهِنَّ لا خَوفَاً مِنَ الحَرِّ والبَردِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»
وَلَيسَ حَيَاءُ الوَجْهِ في الذِّنْبِ شِيمَةًوَلَكنَّهُ مِنْ شِيْمَةِ الأسَدِ الوَردِ

النجائب: كرائم الإبل، والتلثم: التنقب على الفم، فإذا كان على الأنف فهو التلثم،

والشيمة: الخلق.

(فيقول) مشيرا إلى ملازمته للسفر، وما هو عليه من مداومه الرحل: تبدل أيامي بتخالفها، وعيشي بتصرفه، ومنزلي بتقاربه وتباعده، نجائب نافذات في السير، جريات على تقحم القفر، لا يفكرن فيما يتهيأ لهن من إقبال الجد، ولا يحلفن بما يواجهنه من النحس والسعد.

ثم قال: ويبدل ذلك فتيان أصحبهم، وأنجاد من الأبطال الفهم، وآنس بموضعهم، وأدل ببأسهم وتقدمهم، يستعملون اللثم على وجوههم حياء، يقودهم إليه فضلهم، ويحدوهم عليه وكرمهم، لا ضعفا عن الحر وتحمله، وإشفاقا عن البرد وتموته.

ثم قال: وليس حياء الوجه من شيم الذئاب، وما شاكلها من مخاتلة السباع، ولكنه من شيم الأسد التي تقصد ما تريده مجاهرة، وتأخذ ما تفرسه مغالبة. فأشار إلى أن الحياء الذي وصف به أصحابه موصول فيهم بأشد القوة، مصحوب بأوفر البأس والنجدة.

إذا لَمْ تُجِزهم دَارَ قَومٍ مَوَدَّةٌأَجازَ القَنَا والخَوفُ خَيْرٌ مِنَ الوُدِّ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»
يَحِيدونَ عَنْ هَزلِ المُلُوكِ إلى الَّذيتَوَفَّرَ مِنْ بَينِ المُلُوكِ على الجِدِّ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

الحائد عن الشيء: الذي يعدل عنه، والتوفر على الشيء: التفرغ له، والجد في الأمور: الاعتزام ومجانبة الهزل.

فيقول مشيرا إلى بأس أصحابه: إذا لم تجزهم ديار من يمرون به في سفرهم المودة والمقاربة، والمحبة والمؤالفة، أجازتهم رماحهم وشدتهم، ونفذ بهم إقدامهم ونجدتهم، والخوف في تقريب المطالب، وتسهيل المقاصد، أنفذ من المحبة، وأنفع من المعرفة والمودة، ولذلك تقول العرب: (فوق خير من حب).

ثم قال، وهو يريد أصحابه، يحيدون عن هزل الملوك وترفهم، وباطلهم ورفاهيتهم، إلى ابن العميد مقصودهم، وهو الذي وفر نفسه من بين سائر الملوك

على الجد، وصرف اعتياده إلى ما يستكثر به من السيادة والمجد.

وَمَنْ يَصحَبِ أسمَ ابن العَمِيدِ مُحَمَّدٍيَسرْ بَينَ أَنيَابِ الأسَاودِ والأُسدِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»
يَمُرُّ مِنَ السُّمِّ الوَحِيِّ بِعَاجِزوَيَعبُرُ مِنْ أَفواهِهِنَّ عَلى دُردِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

الأساود: الحيات، والأسد: معروفة في السباع، والسم الوحي: السريع القتل، والدرد: التي قد ذهبت أضراسها.

فيقول: ومن يصحب أسم ابن العميد متبركا به، ويتفاءل بسعادته قاصدا له، يستقرب البعيد، ويسهل عليه العسير، ويسير بين أنياب الأساود والأسد غير متهيب، ويتصرف هنالك غير متوقع.

ثم أكد ما قدمه؛ فيما يكشف قاصد ابن العميد من سعادته، فقال: يمر من السم الوحي بعاجز عن ضره، ويستعمله غير متخوف له على نفسه، ويعبر من أفواه الأسد والأساود على درد لا يتخوف عضها، ومغلوبة لا يتهيب أمرها، وجعل ما ذكره على سبيل المثل، وأشار إلى أن سعادة ابن العميد تحجز قاصده عن كل مضرة، وتحول بينه وبين كل مساءة.

كَفَانَا الرَّبِيعُ العِيسَ مِنْ بَرَكَاتِهِفَجَاَءتهُ لم تَسمَعْ حُدَاءً سِوَى الرَّعدِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»
إذا ما إستَحَينَ الماَء يَعرِضُ نَفسَهُكَرَعنَ بِسبتٍ في إناءٍ مِنَ الوَردِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
كَانَا أَرادَتْ شُكرَنَا الأرضُ عِندَهُفَلَم يُخلِنَا جَوٌّ هَبَطنَاهُ مِنْ رِفْدِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

الربيع: مدة ثلاثة أشهر، أولها انصرام ثنتين وعشرين ليلة من شهر آذار، والعيس: الجمال البيض، والكرع: الشرب، والسبت: جلود تدبغ من القرظ، والجو: المطمئن من الأرض، والرفد: المعونة.

فيقول: أن سعادة ابن العميد أوجبت سفره إليه في أوان الربيع، فكفاه ذلك تمون طلب الكلأ والماء، ولم يعدم من الربيع سحابا يرويه، ورياضا معجبة، فجاءت رواحله والرعد يسوقها حاديا بها، والسحاب يرويها متعاهدا لها، كل ذلك ببركة

من قصدته، وسعادة الرئيس الذي اعتمدته.

ثم قال مشيرا إلى رواحله: (إذا ما استحين الماء)؛ لكثرة تعاهده لها، وأردن مقارضته لما يظهره من البر لها، ألفينه والروض يشمله، وشربنه والزهر يستره، فتناولته بمشافر كالسبت، ووافقته في إناء من الورد؛ فأشار بالورد إلى تروض مشاربها، وبالسبت إلى رقة مشافرها، وكذلك ترق مشافر الإبل إذا كرمت مراعيها، وإذا رعت الشوك جفت وغلظت، وتغيرت وخشنت، وقد ذكر ذلك أبو عبيدة وغيره من الرواة.

ثم قال على نحو ما قدمه: كأنا بما أظهرته لنا الأرض من زخارفها، وطالعتنا من محاسنها، أرادت أن تشكر عند الرئيس الذي قصدناه بفعلها، ونثني عليه بما شهدناه من عونها، فلم يخلنا جو هبطناه، وموضع احتللناه، من رفد ومعونة، وتأثير ومبرة.

لَنَا مَذهَبُ العُبَّادِ في تَركِ غَيرِهِوإتيَانِهِ نَبغِي الرَّغائِبَ بالزُّهدِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»
رَجَوْنَا الَّذي يَرجونَ في كُلِّ جَنَّةٍبِأَرجَانَ حَتَّى ما يَئسنَا مِنَ الخُلْدِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الرغائب: الأشياء المرغوبة، واحدتها رغيبة، والزهد في الشيء: الإعراض عنه، وأرجان: البلد الذي كان فيه ابن العميد، والخلد: طول البقاء.

فيقول، وهو يريد ابن العميد: لنا مذهب العباد الذين يزهدون في الدنيا وأهلها، ولا يحفلون بشيء من أمرها، لما يرتجون في الآخرة من جزيل الثواب، ويرتقبونه فيها من كريم المآب، وكذلك رجونا نحن من الممدوح بزهدنا في غيره، كالذي رجاه العباد من نعيم الجنة، وأملوه من الراحة والنعمة، حتى ما يئسنا مع ذلك بسعادة الممدوح من بقاء يشبه الخلود بدوامه، ويتكمل بأفضل ما يؤمله من تفضله وإنعامه. وهذا الإفراط من تزيد الشعراء الذين يدعون فيه ما لا يمكن ليظفروا ببلوغ الغاية فيما يمكن.

تَعَرَّضُ لِلزُّوَّارِ أَعنَاقُ خَيلِهِتَعَرَّضَ وَحشٍ خائِفاتٍ مِنَ الطَّردِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»
وَتَلقَى نَواصِيها المَنَايا مُشيحَةًوُرُودَ قَطاً صُمٍّ تَشَايَحنَ في وِردِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»
وَتَنسُبُ أَفعَالُ السُّيُوفِ نُفُوسَهَاإليهِ وَيَنسُبنَ السُّيوفَ إلى الهِندِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

تعريض الفرس لعنقه: أن يولي الناظر صفحته، ويعدل عنه بوجهه، والمشيح: الجري المقدم، وقد تكون الإشاحة بمعنى الحذر، وتكون بمعنى الإعراض، والقطا الصم: الذي لا عهد لها بالأنيس ولا بأصواتهم، وهي تجيب (الماء) لا تسمع صوتا، ولا تذعر فيه، فليس تنثني عن الورود، قال الراجز:

رِدِي رِدِي وِردَ قَطاةٍ صَمَّاكُدْرِيَّة أَعجَبَها بَردُ المَا

فوصفها بالصمم لشدة إعتزامها على الورود.

فيقول: أن خيل ابن العميد تذعر بزواره؛ لاعتيادها أن تكون فيما يهبه لهم، فهي إذا أحست بهم عرضت أعناقها مستشرفة، وأصغت إليهم حذرة متوقعة، كما تفعل الوحش عند إحساسها بصائدها، وتوقعها لعادية طالبها.

ثم قال: وتلقى نواصي تلك الخيل المنايا مقدمة غير محجمة، ومبادرة غير متوقعة، وتردها ورد القطا الصم على مشاربها، وتسرع إليها كإسراعها إلى مواردها.

ثم قال، وهو يريد الممدوح: وتنسب أفعال السيوف أنفسها (إليه)، ولا تعول في نفاذها إلا عليه، مع أن السيوف إلى الهند منسوبة، وهي في تلك البلاد مطبوعة، ولكن أفعالها لهذا الممدوح خالصة، وهي في وقائعه متصرفة نافذة.

إذا الشُّرَفاءُ البِيضُ مَتُّوا بِقتوِهِأَتَى نَسَبٌ أَعلى مِنَ الأَبِ والجَدِّ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»
فَتىً فَاتَتِ العَدوَى مِنَ النَّاسِ عَينُهُفَمَا أَرمَدَتْ أَجفانُهُ كَثرَةُ الرَّمْدِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»
وخَالَفَهمْ خَلقَاً وخُلقاً وَمَوضِعَاًفَقَد جَلَّ أَن يُعدَى بِشَيءٍ وأَنْ يُعدِي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

القتو: الخدمة، والعدوى: اتصال الداء بغير صاحبه بالمجاورة ما هو أجل من

أنسابهم، وأعلى من أوليتهم وأحسابهم.

ثم قال وهو يريده: فتى فات بكرمه أهل داره، وأربى عليهم برفيع قدره، فلم يعدوه بالنقصان الذي لحقهم، ولا نالوه بالتخلف الذي أحاط بهم؛ وضرب بالرمد مثلا لأهل زمانه، فيما هم عليه من التأخر، وأشار بسلامة الممدوح منه إلى موضعه من الرئاسة والتقدم.

ثم دل على حال الممدوح في أهل الزمان، فقال: وخالفهم بخلقه وخلقه ومنزلته وموضعه، فقد جل أن يعدوه لتواضعهم عنه، أو يعديهم لتباعدهم منه؛ لأنهم يقصرون عن تمامه، ويعجزون عن تفضله وإنعامه.

يُغَيِّرُ أَلوانَ اللَّيالِي على العِدَىبِمَنشُورَةِ الرَّاياتِ مَنصُورَةِ الجُندِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»
إذا ارتَقَبُوا صُبحَاً رَأَوا قَبلَ ضَوئِهِكَتَائِبَ لا يَردِي الصَّباحُ كَما تَردِي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وَمَبثُوثَةً لا تُتَّقَى بِطَلِعَةٍولا يُحتَمَى مِنها بِغَورٍ ولا نَجدِ

المنشورة الرايات: الجيوش، والكتائب: مواكب الخيل المجتمعة، والرديان: ضرب من العدو شديد، والغور: ما اطمأن من الأرض، والنجد: ما ارتفع منها.

فيقول مشيرا إلى الممدوح، وما هو عليه من كثرة جيوشه التي يوجهها إليهم، وجموعه التي تتواتر عليهم: ومما تتضمنه تلك الجيوش من السلاح الذي يضيء ويشرق، وينير ويتألق، وما يقترن بذلك من الرايات المنشورة، والكتائب المؤيدة المنصورة.

ثم قال، وهو يريد أعداء الممدوح: إذا ارتقبوا إسفار صبحهم، وانتظروا انصرام ليلهم، رأوا قبل ذلك كتائب سائرة، ومقانب راجعة، تبادر الصباح لسرعة سيرها، وتسابقه برديانها وعدوها.

ثم قال: ورأوا كثرة من الخيل مبثوثة، لا يعتصم من مثلها بطليعة؛ تؤذن بقربها، وتنبه من وراءه على أمرها، ولا يتخلص منها بسهول الأرض والإمعان في

قطعها، ولا بجبالها والترقي في وعرها؛ لأنها تملأ السهول والأوعار، وتعم البسائط والجبال.

يَغضْنَ إذا ما عُدْنَ في مُتَفاقِدٍمِنَ الكُثرِ غَانٍ بِالعَبِيدِ عَنِ الحَشْدِ
حَثَتْ كُلُّ أرضٍ تُربَةً في غُبارِهِفَهُنَّ عَلَيهِ كالطَّريقِ في البُردِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

يغضن: يستترن، والمتفاقد: الجيش الذي يضل فيه الرجل صاحبه فلا يجده؛ لكثرة أهله، والكثر والقل: لغتان في الكثرة والقلة، والغاني: ذو الغنى، والحشد ما يستكثر به من الأباعد، وحثت: طرحت، والبرد: ثوب مطرق من ثياب اليمن.

فيقول مشيرا إلى (الكتائب) المبثوثة من الجيش الذي وصفه: يغضن، مع ما هن عليه من كثرتهن، واحتفال عدتهن عند انصرافهن إلى الجيش، في متفاقد لا يهتدي فيه الرجل إلى صاحبه، ولا الطالب إلى بغيته؛ لاحتفال جمعه وكثرة أهله، وهو مع ذلك مستغن بعبيد الممدوح عن الاحتشاد بغيرهم، وبخاصتهم عن الاستكثار بمن لا يدخل في رسمهم.

ثم قال مشيرا إلى كثرة ذلك الجيش، وحفل جماعته، وسعة موضعه، وبعد مسافته: حثت كل بقعة من الأرض في غباره تربة، وأظهرت في عجاجه سمة، فهي في ذلك الغبار كالطرائق في البرد تتبين ولا تكتتم، وتتميز ولا تستتر، وكل بقعة موضعه من الأرض على كثرة ما اشتمل عليه من الجمع.

فَإنْ يَكُنِ المَهدِيُّ مَنْ بَانَ هَديُهُفَهذا، وإلاَّ فالهُدَى ذَا، فما المَهدِى؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»
يُعَلِّلُنا هذا الزَّمَانُ بِذا الوَعدِوَيَخدَعُ عَمَّا في يَدَيهِ مِنَ النَّقْدِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»
هَلِ الخَيرُ شَيءٌ لَيسَ بِالخَيرِ غَائِبٌأَمِ الرُّشْدُ شَيءٌ غَائِبٌ لَيسَ بالرُّشدِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

المهدي: إمام عادل من أهل البيت، بشر به رسول الله ﷺ، يكون في آخر الزمان، فيما ينقله بعض الرواة، والهدى: الاحتمال على الرشد.

فيقول، وهو يشير إلى الممدوح: فأن يكن المهدي الذي بشر به، إنما استحق هذا

الاسم لبيان رشده، وتكامل فضله، فهذا الممدوح ذلك لا محالة، وإلا فأن الهدى مشهود في صواب فعله، وما أظهره الله من مشكور سعيه، فما المهدي؟ وما الزيادة التي ترتقب منه، والفضيلة الغائبة التي تؤثر عنه؟.

ثم قال: يعللنا هذا الزمان بما يتخاين به عن المهدي، وصلاح الجميع به، وما دخره الله من الفضائل له، ويخدعنا عما نشهده في ابن العميد من تمام خصاله، وجلالة حاله، فيصير في ذلك كمن يدع النقد لدين يرتقبه، والحاصل لأجل ينتظره.

ثم قال مؤكدا لما قاله: فهل يجوز لمن تحقق الخير وشاهده، أن يظن أنه غائب عن حضرته؟ أم يمكن لمن باشر الرشد وعاينه، أن يحتسب أنه بعيد عن مشاهدته؟! فأشار إلى أن ابن العميد تقتضي صفاته جميع ما بشر به في المهدي، وإذا كان ذلك، فهو أحق الناس بهذا الاسم، وأولاهم بإحراز هذا الفضل.

أأحزَمَ ذِي لُبٍّ وأَكرَمَ ذِي يَدٍوَأَشجَعَ ذِي قَلبٍ وَأَرحَمَ ذِي كِبدِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»
وَأَحسَنَ مُعتَمٍّ جُلوسَاً وَرِكبَةٍعَلَى المِنبَرِ العَالِي أَو الفَرَسِ النَّهدِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»
تَفَضَّلَتِ الأيَّامُ بالجَمعِ بَينَنَافَلَمَّا حَمِدْنا لَم تُدِمنا على الحَمْدِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

اللب: العقل، والفرس النهد: القوي المشرف.

فيقول، وهو يخاطب ابن العميد، وناداه بالألف وهي من حروف النداء: أأحزم ذوي الألباب فيما يشيره وتفعله. وأكرم ذوي الأيد فيما يسمح به ويبذله، وأشجع ذوي القلوب فيما يقصده، وأرحم ذوي الأكباد من يرعاه فقصر الحزم على اللب؛ لأنه الباعث عليه، والكرم على اليد؛ لأنها المتصرفة فيه، والشجاعة على القلب؛ لأنها منسوبة إليه، والرحمة على الكبد؛ لأنها موصوفة بها في المدح، وبالقسوة التي هي ضدها في الذم. وهذا باب من البديع يعرف بالتقسيم.

ثم قال على نحو ما قدمه: وأحسن المعتمين جلوسا على المنابر العالية، وأجملهم

ركوبا على الخيول العتاق السامية؛ فأشار بذكر العمائم إلى تفضيله على جميع ملوك العرب الذين يختارونها لزيهم، ويتجملون بها في أيام حفلهم، وذل بما وصفه من التمكن على المنابر إلى موضعه من الخطابة، وبما وصفه به من الحذق بركوب الخيل إلى موضعه من الشجاعة، وأبدع بحسن التقسيم ولطف الإشارة.

ثم قال مؤذنا لرحلته، وقاصدا إلى الممدوح بمخاطبته: تفضلت الأيام لمشاهدتي لك، وما مكنته من الاجتماع بك، فلما حمدت ما فعلته، وسكنت إلى ما مكنته، لم يدم ذلك فأديم حمدها، ولا وصلته فأقول بشكرها، ولكنها ألزمتني الارتحال عنك، وسلبتني غبطة الاقتراب منك.

جَعَلْنَ وَدَاعي واحِداً لِثَلاثَةٍجَمَالِكَ والعِلمِ المُبَرِّحِ والمَجدِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»
وَقَدْ كُنتُ أَدرَكتُ المُنَى غَيرَ أَنَّنييُعَبِّرُنِي أَهلِي بإدرَاكِها وَحدِي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»
وَكُلُّ شَرِيكٍ في السُّرورِ بِمُصبَحِيأَرَى بَعدَهُ مَنْ لا يَرَى مِثلَهُ بَعدِي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

العلم المبرح: الذي يشق بالطالب إدراك مثله، والصبح: وقت الصباح.

فيقول مشيرا إلى الأيام، ومخاطبا للممدوح: جعلن وداعي فعلا مني واحدا لخصال منك ثلاث؛ جمالك الذي لا تقاوم بهجته، وعلمك الذي لا تعادل كثرته، ومجدك الذي لا تماثل رفعته.

ثم قال: وقد كنت أدركت منك غاية الرغبة، واشتملت في حضرتك بأوفر النعمة، إلا أن أهلي يعيرونني بالاستئثار عليهم، وينكرون انفرادي بالحظ الجليل دونهم، فأنا أرغب مساهمتهم في فضلك، ومشاركتهم فيما وصله الله ﷿ علي من رفدك.

ثم قال: وكل من يسر من أهلي بمصاحبتي له، ويرتاح عند اختلائي به، أرى منك بعده من لا يعتاض بعدي بمثله، ولا يصل إلى ما أصل إليه من فضله، والنفوس

إلى الأهل جانحة، وفي مشاركتهم بصلاح الحال راغبة.

فَجُدْ لِي بِقَلبٍ إنْ رَحَلتُ فَإنَّنيأُخَلِّفُ قَلبِي عِندَ مَن فَضلُهُ عِندِي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وَلَو فَارَقَتْ جِسمِي إليكَ حَياتُهُلَقُلتُ أَصَابَتْ غَيرَ مَذمُومَةِ العَهدِ

يقول مخاطبا للممدوح: فجد لي بقلب أستمتع به بعد رحيلي عن أرضك، وأسكن إليه بعدما أحرمه من قدرك، فأني أخلف قلبي منك من يخلف عندي فضله، ولا أضن به على ما أستوفي بجهدي شكره.

ثم قال: ولو فارقتني حياتي إليك، وتاركتني بحرصها عليك، لقلت أصابت غير مذمومة العهد، وسلكت أبين مناهج الرشد.

النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.