تجاوز إلى المحتوى

من «الفلك الدائر على المثل السائر» لابن أبي الحديد (ت ٦٥٦هـ)

الفلك الدائر على المثل السائر (٤)

ومن ذلك في توقيع لبعض العدول، وقد رتبه مشرفا ببعض الأعمال أحذره من الخيانة، وأنه إن واقع ذلك أخذ طيلسانه، وأسقطت عدالته، وهو كناية لطيفة تنزع إلى القرآن الكريم، سكونا إلى أمانته ونزاهته، ووثوفا بحريته واستنابته وكفايته، إلى تقمصه بجلباب الديانة، وتحليه بحلاها، وإخلادا

إلى ما هو موسوم به من العدالة التي يقترن لفظها إن شاء الله بمعناها، ثم أتممت هذا الكلام بما يناسبه إلى أن قلت: "وأهم ما نفرضه عليه، والدنيا ألقت به إليه، لزوم الأمانة والعفاف، وصيانة العرض وحفظ الأطراف، فليحذر أن تدليه الأطماع بغرورها، وجهلها، وتلهيه بحلاوة شهدها عن إبر نحلها، وليكن من إغواء الشيطان بإطعامه الشجرة على أتم حذر، وأشد فرق، فإنه إن استزله نزع عنه لباس الرضا، ثم لا يتمكن من خصف الورقن فليحرص قاعدة العدالة التي هي مرسوم موسوم بشعارها، ومندوب إلى اقتفاء آثارها، والاهتداء بمنارها".

فهذه الكتاية من قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ وقولي في أول التوقيع التي يقترن لفظها إن شاء الله بمعناها لا يخفى ما فيه من الحلاوة في هذا الموضع.

ومن ذلك قولي في جملة وصايا يتضمنها توقيع لبعض النظار: "أيد الله نائب الأعمال الواسطية وحراسة الارتفاعات بالسطوة التي تزهق النفوس، وتغض لها الأبصار وتنكس الرءوس، وتحفظ بها الأموال المتمزقة في أقصى الديار، المشردة تحت الكواكب كتبدد الكواكب، فهو شجاعها المقدام وصارمها الصمصام، وقد نبهنا عمرو إن كنا لا ننام، فليستأصل شاقة المفسدين،

وليغلظ عليهم، وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم. فالسياسة شموس جامع لا يصحب إلا بالسيف والنطع، وعروس فارك لا تقطف حتى يخلق ملؤها بالنجيع".

وقد رصعت هذا الفصل ببعض قوله تعالى:

﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ وحللت فيه قول الشاعر:

إن المعالي عروس غير واصلةما لم يخلق رداؤها بنضخ دم

ومن ذلك قولي في هذا التوقيع في الوصاة بتخير العمال: وعماله ونوابه بالأعمال فهم جذوة من ناره، وأثر من آثاره وشعاع من شمسه، ودوحة من غرسه، وفضيلتهم نتيجة فضله، واختيار المرء بضعة من عقله، فليحسن في ارتيادهم، واختيارهم، وليجمل في اصطناعهم واصطفائهم، وليتخير أرباب الأغراض الزكية، والأفعال المرضية، والتجربة، والمسألة، والشباب، والحيلة، فإن كبا منهم سابق -والجواد قد يكبو- ونبا منهم صارم -والحسام قد ينبو- عالجه بالتقويم والإرشاد، فإن أصر فبالتخويف والإبعاد، وإن فاء فبالإقصاء والإبعاد، وإن أنس من أحد ما يقدح في الأمانة، ويشهد بوقوع الخيانة عاقبة معاقبة المجرمين، وجعله نكالا لما بين يديه وما خلفه وموعظة للمتقين.

آخر هذا من القرآن العزيز. وقد تضمن أيضا أمثالا غير خافية.

ومن ذلك قولي في هذا التوقيع: "وليواصل بالحمول الدارة في أوقاتها مواصلة توجب له الزيادة، وتستدر له أختلاف السعادة، وتجعله ممن وضحت براهينه، وثقلت موازينه، وأنار صباحه، وفازت قداحه، ويطلق عقله لسانه إذ خرس العاجز فلا يفوه، ويبيض وجهه يوم تبيض وجوه وتسود وجوه". موضع الترصيع من هذا الكلام بالألفاظ القرآنية الشريفة واضح.

ومن ذلك قولي في آخرل هذا التوقيع: "وليطالع الديوان العزيز بصالح الأعمال، ومتجددات الأحوال، في أوقاتها وأزمانها من غير إرجاء يفضي إلى فواتها وبطلانها، ليدبر من تقدماته العالية، وآرائه السامية بما يجعله من الأرشدين دليلا، والأوضحين سبيلا، وينتظم باقتفائه واحتذائه في سلك الذين التحق سرهم في الإخلاص بإعلانهم، ويعد باتباعه وامتثاله من الذين يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم".

وموضع الترصيع من هذا الفصل بالآية أيضا ظاهر.

ومن ذلك ما كتبته في بعض التوقيعات لناظر من نظار السواد والضياع: "فهي الأمهات الحوامل، والمرضعات الكوافل، فليتخير بها طيبة البقاع، ضامنة بنمو الارتفاع فتخير الضياع كتخير المناكح، من أحسن فيها الاختيار اليوم أنجبت عرسه غدا،

﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾،

والفدادين فهي حاملة الأثقال، وعامرة الأعمال، ومراكب البضاعة ورأس المال، فليجتهد في إراحة عاملها، والسلامة من درك نقصها وخللها" وما عساه يعوزها يتمة، وما تسرب منها يجمعه ويلمه، فقد من الله على عباده بأن خلقها كثيرة الحرث، ووسقاهم مما في بطونها من بين دم وفرث.

والآيات المدرجة في غضون هذا الكلام ظاهرة.

ومن ذلك قولي في هذا التوقيع: "فإذا تم ارتفاعه، وتكامل صلاحه وإيناعه، وبلغ الكتاب أجله لميعاده، ودنا الوقت الذي قيل فيه وآتوا حقه يوم حصاده، فليواصل بالحمول إدرارا، وليندب نفسه في جمع المال ليلا ونهارا، وليرهف للاستيفاء والاستخراج شبا العزم، ولينصب لذلك انتصاب أمثاله من ذوي البصيرة والحزم، فاستيفاء الأموال والحقوق هو النتيجة المرادة، والثمرة المستفادة، وذلك المحض عن هذه الزبدة أسفر، وذلك السرار عن هذا الهلال أبدر، وذلك الغرس لهذه الفائدة أثمر، وذلك البدل لهذه النفس النفيسة صور، وعلى قالبها تصور، والمضجع في الاستيفاء بعد

ارتكاضه السابق وتعبه مستحق المثل الإلهي: كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، وناهيك به".

فأول هذا الفصل آية وآخره آية أخرى.

وفي وصايا التوقيعات التي تتضمن الكلام النبوي قولي في توقيع بعض النظار: "وليعن بأمر الأكارة، فإنهم عمار الأراضي والضياع، وقوام المال والارتفاع، وجند السواد، وأوتاد البلاد، وليشملهم بالعدل والإنصاف، وليؤمنهم بوائق الجور والإجحاف، وليسهل إذنه عليهم، وليواصل إحسانه إليهم، فالكثير منهم يثبت ويقيم بالبشر والطلاقة، وينفر ويفر بالعنف والفظاظة، والاستقصاء على الرعية فراق، وفي الحكمة النبوية: إذا لم تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم. ويقال إنه ليس كلمة أجمع لمكارم الأخلاق منهما".

وأما الكتابة التي تتضمن الأمثال وهي مرصعة بالوقائع والأيام والنكت، فمن ذلك قولي في جملة توقيع: "وأهم ما يؤمر به وإن كان شيمته، وآكد ما يوصى به، وإن كان خلقه وسجيته، الاستمرار على ما اشتهر به من الأمانة

التي فاز من تدرع بأثوابها، وتعلق بأسبابها، وتحلى بسمطها ووشاحها، وتجلى في لألاء إصباحها، وارتقى أعلى مراتبها، واقتنى أسنى مناقبها، وارتدى بأرديتها، واجتى بأنديتها، وضير من نضا وأنضى ركابها، وعند عن طريقها، والقيام بحقوقها، وباعها بالثمن البخس، ووكس فيها شروكس، ورجع بالجد المنعوس، والحظ المنحوس، والرأس المنكوس، متلففا في العاجل بثوب الخزى والصغار، متعرضا في الآجل للنكال والبوار، فالحرة لا تأكل بثديها وإن جاعت، ولو اضطرت إلى الدنية لما أطاعت، ورب أكلة هاضت، وزيادة زيد عليها ففاضت، وطالما تئوب، البطنة بصاحبها، ثم يندم على سوء عاقبتها، ومن أكل قليلا نام قريرا، والثرئ من القناعة غني وإن كان فقيرا".

فهذا الفصل يشتمل على أمثال عدة مع ما فيه من شرف الصنعة.

ومن ذلك ما قلته في توقيع بعض النظار بأعمال السواد: "وليجتهد في تربية المزروعات و.. كرتبة الأولاد، وليحرسها من بوائق العيب والفساد،

وليستكثر من نواطيرها وسقاتها، في تطوافه عليها بنفسه في معظم أوقاتها، ففضيلة العمل في استتمامه، والهلال حسن وليس كحسنه لتمامه، وليهتم بإصلاح "السكور" و"البريدات" و"الرؤف" و"المرادات" ليأمن عليها من الانفتاح والانفجار، وتأسيس أساسها على شفا جرف هار. وليكن من الاعتناء بها والاهتمام بحيث يحلم بها في المنام، ويتخيلها في الأحلام، فإن الزلل فيها مذهب الأموال ومجتاح الرعية، وهي من المصالح الكلية، لا من المحقرات الجزئية، فإياه أن يستصغر منها الصغير، أو يستحقر الحقير، فرب أمر قل ثم جل، وفي المثل أول الغيث طل.

فهذا الفصل يشتمل على أمثال مأخوذة من الشعر، فمنها من قول أبي تمام:

هذا الهلال يروق أبصار الورىحسنا وليس كحسنه لتمامه
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لولا أبو يعقوب في إبرامه»

ومنه من قوله أيضا:

وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضهوأول الغيث طل ثم ينسكب

ومن ذلك قولي في هذا التوقيع: "وإياه أن يسلك في حراسة الأموال مسلك المداهنة، أو يذهب في السياسة مذهب الإغضاء والملاينة، فتضيع حركاته،

وتذهب حسنانه ويصبح كالتي أراقت سجلها أو يصبح كالتي نقضت غزلها، ويكثر العبث والفساد، ويستحكم الطبع ويزداد، فأدعى الأشياء إلى انحلال النظام وضع الصفح موضع الانتقام.

ولينتصب لاستيفاء الأموال وحملها، فقد علم أنها الثمرة المنتظرة، والغاية المرتقبة والزبدة التي تمخضت عنها هذه الحركات، والنتيجة التي تقدمت لها هذه المقدمات، فليواصل بها مواصلة يجني جناها، ويحمد عند الصباح سراها، وليطالع الديوان العزيز بجاري أحواله، ومصالح أعماله، ليدبر من آرائه العالية، وتقدماته السامية، بما يبصره، ويرشده، ويوفقه ويسدده، ويحميه من موارد الردى، ويجعله من الذين اهتدوا وزادهم هدى".

فهذا الفصل يتضمن آيتين من الكتاب العزيز وهما ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ و ﴿الَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾.

ويشتمل على أمثال شعرية وهي قول المتنبي:

ووضع الندى في موضع السيف بالعلامضر كوضع السيف في موضع الندى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

وقول الآخر: عند الصباح يحمد القوم السرى.

ومن ذلك ما قلناه في توقيع بعض كتاب: "وليرتب بديوان المعاملات نائبا جلدا يثق بأمانته، ويطمئن إلى كفايته، يقوم مقامه، ويسد مسده، فإنه لا غنى له عن المساعد على أثقاله، والمعاضد له في جميع أحواله، فالوادي لا يزخر بغير شعابه، والبيت لا يقوم إلا بعمده وأطنابه، والسيف يحتاج إلى القائم، والخوافي عدة للقوادم".

فهذا الفصل يتضمن أمثالا شعرية منها قول أبي تمام:

فاضمم قواصيهم إليك فإنهلا يزخر الوادي بغير شعاب
والسهم بالريش اللؤام ولن ترىبيتا بلا عمد ولا أطناب

ومنها قول بشار:

ولا تجعل الشورى عليك غضاضةفإن الخوافي عدة للقوادم
وما خير كف أمسك الغل أختهاوما خير سيف لم يؤيد بقائم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أبا مسلم ما طول عيش بدائم»

ومن ذلك ما قلناه في هذا التوقيع أيضا وهو:

"وليباشر بنفسه، أو من يقوم مقامه كل ما يستوفي ويحرر ويقرر ويحل ويعقد، ويستظهر على الأموال المستوفاة بختمه، ويضبط الحقوق بعمله وعلمه، فهو الشاهد المصدق في النقض والإبرام، وحذام في صناعته، والقول ما قالت حذام" وموضع المثل من هذا الفصل والبيت الذي فيه معلومان.

ومن ذلك قولي في هذ التوقيع أيضا عند وصية الكاتب بقوانين وقواعد يعتمدها في هذا الحساب ورفعه: "ولا حاجة له إلى أن يُجرى له في هذا الباب ما يتبعه ويقفوه، ولا يمثل له ما يطأ عقبه ويتلوه، فغيره تقرع

له العصا، وسواه يقعقع له بالحصا، والعوان لا تعلم الخمرة، والفطن لا يوصى إلا مره. وإذا احتاج الحسام إلى الغمد والجواد إلى الهمز، فهو الغني يرشده عن الإرشاد، وابن جلا وطلاع النجاد".

هذا الفصل يتضمن أمثالا عدة منها: فغيره يقرع له بالعصا، من قول الشاعر:

لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصاوما علم الإنسان إلا ليعلما
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «يعيرني أمي رجال لا أرى»

وذو الحلم هو عامر بن الظرب العدواني حكيم العرب، وقصته مشهورة، وكذلك الفطن لا يوصى إلا مرة.

وأما ابن جلا وطلاع النجاد فمثل شعري أصله قول القائل:

أنا ابن جلا وطلاع الثنايامتى أضع العمامة تعرفوني
للشاعر سليمان الباروني، من قصيدة «لبست التاج تاج الفخر كيما»

ومن ذلك ما كتبته في توقيع كاتب آخر وهو "حيث توقل "من" هذه الصناعة قللها، واجتاب ملابسها وحللها، وكشفت التجربة أنه ابن بجدتها، ورضيع درتها وجهينة أخبارها، وجواد مضمارها، ونسج وحدها، وصمصامة غمدها، واشتهرت عنه الأمانة التي تقمص برديها، واستلان سبلها ونهج طريقها، وحمى حقيقتها".

وفي هذا الكلام أمثال كثيرة، وألفاظ تجري مجرى الأمثال. ومن ذلك ما كتبته في وصايا توقيع بعض النظار وهو: "الحركة الدائمة التي

تذهب الكلال، وترهف الكليل، وتنزع الغل وتشفي الغليل، وتعقب الراحة، وإن عجلت النصب، وتقوم الأعمال مقام الدواء للوصب. فليكن لها ملازما، وعليها مواظبا، ولمهاد الدعة وجانب الكسل مجانبا، فمن لم تسوده البيداء لم تسوده العلياء، ومن لم تلفح جسمه السمائم لم تبيض وجهه المكارم".

وهذا مأخوذة من قوله:

ما ابيض وجه المرء في طلب العلاحتى يسود وجهه في البيد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما ابيض وجه المرء في طلب العلى»

ومن ذلك قولي في هذا التوقيع لناظر قد رتب على زراعة غيره، وأمر بتربية ذلك المزروع وهو: "وبتربية المزروعات لسنة كذا الخراجية، وترتيب النواطير والحفطة لها، وتعاهدها بالسقى عند حاجتها، فليكن معظم زمانه مصروفا إليه، وموقوفا عليه، فهذا الارتفاع إن لم يكن غارسه فهو حارسه، وإن كان قد سبقه إنشاؤه وابتداؤه فعليه تربيته وإنماؤه، فالأعمال بختامها، والمبادئ بإتمامها، وليس لمن وضع أسه، بل لمن كمله، ولا الصيد لمن أثاره، بل لمن حصله".

في هذا الكلام من الأمثال المشهورة قولهم: "الأعمال بخواتيمها"، ومن الأمثال النبوية قوله: ليس الصيد لمن أثاره، بل لمن حصله.

ومن ذلك قولي في هذا التوقيع توصية بالمعاملات لسنة كذا الخراجية: "فليضاعف رجالها، وليعمر أعمالها، فهو مفتتح ارتفاعه، وبكر خدمته،

والشاهد على وفور اجتهاده، وعلو همته، وعليه الاعتماد والمعول، فليحذر أن يقال إذا ما أول".

هذه إشارة إلى البيت المشهور الذي قد صار مثلا وهو:

إذا ما أول الخطى أخطافلن يرجي لآخره انتصار

ومن ذلك قولي: "فيحكم بنيانها، وليشيد أركانها، ليستر عوارها، ويأمن انفجارها، وتثبت تحت المياه عند طغيانها، وتقوى على تمردها وعصيانها. وليحذر عاقبة الهوينا فيها، ومغبة الإهمال لأمرها، فالدخان تلتهب ناره، والشر تبدو صغاره".

هذان مثلان مشهوران قد وقعا في هذا الكلام موقعهما.

ومن ذلك ما قلته في الوصاة بالأكرة: "والأكرة فهم جنده الذي به يحارب وسيفه الذي به يضارب، فليسجع في ملكته، ولينصف ضعيفهم في معاملته، وليوفر عليهم حصصهم وحقوقهم، وليخفف ما استطاع رسومهم وطسوقهم، فهم جند الرغبة، لا جند الرهبة، وعبيد البرو الإحسان، لا عبيد الظلم والطغيان، ومن طوق الأجياد فقد أوثق الأقياد، ومن لم يملك القلوب لم يملك الأجساد. والأكرة جند لا تزال البلاد ساكنة

آمنة، ما سكتوا وأمنوا، وفي الحكمة القديمة، استوصوا بأهل الخراج، فلا تزالون سمانا ما سمنوا".

في هذا الكلام من الأمثال قولهم: ملكت فأسجح، وقول أردشيرين بابك: استوصوا بأهل الخراج فإنكم ما تزالون سمانا ما سمنوا. وفيه نظر إلى قول المتنبي:

وقيدت نفسي في هواك محبةومن وجد الإحسان قيدا تقيدا

ومن ذلك ما صدرت به توقيعا في تقريظ بعض النظار وهو: "لما كان فلان من الرجال الأفراد الذين عليهم الخناصر تعقد، وإذا طلبت النظائر مثلهم تعز وتفقد، وكانت شمائله تنطق عنه بالكفاية ولو لم يخبر ويشهد، له مخايل الفراسة بخصائص النجابة، وقد دلت سوابق الاختبار له على حسن الاختيار، وإثبات سوالف مآثر خدماته على حميد الآثار، واستحقاق الإيثار. وكان الديوان العزيز قد بلاه في حالتي عمله وعطلته، وعرف ما تنطوي عليه أنباء برديه في يوم فقره وثروته، وكان في أيام خدماته

الرجل الشهم الذي ينفذ نفوذ السهم، ويدرك بحسه الثاقب خفي الوهم إذا سفى به أرضا صابها، وإن رمى به رمية أصابها، وإن عالج تدبيره معاملة سقيمة أبرأ أوصابها.

هذا إلى ما خص به من سياسة تمنع خطاب الضمير، فضلا عن خطوات التدبير، وأمانة ضم عليه إهابها، وسمع قرقعة جلبابها، وضفا عليه سربالها وتخب وراءه أذيالها. ومن أيام عطلته رب الصيانة التي لا تجحد، ومدخر القناعة التي هي كنز لا ينفد، والصابر على البؤس بل على العطب، بل لا يصبر على النار إلا خالص الذهب. فرأى الديوان العزيز إعادة النظر بالمعاملات الفلانية إليه، والتعويل في إصلاح فاسدها وتقويم مائدها عليه علما أنه قد سلم القوس إلى باريها، وأضاف العقيلة إلى كفئها وكافيها".

في هذا الكلام من الأمثال والنكت الرائقة ما لا خفاء به.

ومن ذلك قولي في هذا التوقيع من الوصايا: "وليهتم أولا بحفظ البذور التي هي رأس المال، وذخيرة الأعمال، والعروس التي تجتنى ثمارها، والبضاعة التي إذا حرست أمن بوارها، والتفريط في القليل عنها ليس بقليل ولا قريب.

وفي المثل: كم بذي الأثل دوحة من قضيب، وليتخيرها خالية من الغش

والدغل، فالغش في المتاجر الدنيوية، والغش في المتاجر الدينية، كلاهما يبصل العمل، ومن هون في البذر فيوم الحصاد يندم، وكل امرئ على ما قدم يقدم، ولا يتولد عن المعدوم إلا العدم، ومن أشبه أباه فما ظلم".

هذا الفصل يتشعب شعبا، فمنه ما ينزع إلى الخبر النبوي وهو قوله "وإنكم لتقدمون على ما قدمتم"، ومنه ما هو مأخوذ من قول القائل:

إذا أنت لم تزرع وأدركت حاصداندمت على التقصير في زمن البذر

ومنه ما يرجع إلى قوله أبي تمام:

لا تذيلن صغير همك وانظركم بذي الأثل دوحة من قضيب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أي مرعى عين ووادي نسيب»

وقد دخل فيه أيضا المثل السائر: من أشبه أباه فما ظلم.

وقولي: "ولا يتولد عن المعدوم إلا العدم" نكتة كلامية.

وقولي: "إن الغش الدنيوي كالغش الديني كلاهما يبطل العمل"، لا يخفى ما فيه من الحلاوة مع لطف الصنعة.

ومن ذلك قولي في الوصاة بحراسة الارتفاع وهو: "وحراسة الغلات عند الإدراك والحصاد، وإظهار الوزعة التي تشرد بالرقاد، وتغني عن تجريد السيوف من الأغماد. فأنت رضيع لبانها، لا شريك عنانها، والمضروبة بين أمثاله الأمثال، والمنقوضة لديه الأحلاس، والمحطوطة إليه الرحال. وسبيلك الأخذ على القتيل والنقير، وألا يحتقر في هذا الباب ما هو أحقر من الحقير، فقليل الجناية يدعو إلى كثيرها، وربما تهاج كبيرات الأمور بصغيرها، والشراك بالشراك يتصل، ومن الذود إلى الذود إبل".

في هذا الفصل من الأمثال والنكت قولهم: هما رضيعا لبان، وقولهم: هما شريكا عنان. ومن بيت الحماسة:

"يهيج كبيرات الأمور صغارها"

وبيت البحتري:

من لغا هذا إلى مخسوس ذاومن الذ ود إلى الذود إبل

ومن ذلك ما قلته من الوصاة يتخير النواب والعمال وهو: "والمستنابون بالأعمال فهم اليد الباطشة، والرجل الساعية، والعين الباصرة، والأذن الواعية، وأنت لهم بمنزلة الجسد ذي الأدوات، والقلب المستعمل للأعضاء والآلات، فإن صحوا كنت الصحيح السليم، وإذا سقموا كنت المريض السقيم، لأنهم أجزاؤك وأبعاضك، فصحتهم صحتك، وأمراضهم أمراضك. فأذك عليهم عيون التطلع، ولا تخلهم من التصفح والتتبع، واجعلهم نصب عينيك، وتجاه ناظرك، وتلقاء وجهك، وإزاء خاطرك، فمن كان أمينا أقررته وأدنيته، ومن شككت فيه طردته وأقصيته، ومن ثبت عليه هفوة، أو صحت عليه عثرة أو كبوة، فسبيلك أن تنكل به، وتبالغ في حسن أدبه. ولا تسلك في ذلك مسلك المجاملة والمداهنة، فما كل وقت تصلح

الملاينة، وليس كل ذنب يحتمل الإغضاء والطي، ومن الأمراض مالا يحسم إلا بالكي، وأفسد الأشياء لقانون الرياسة وضع الصفح موضع السياسة، وأدعى الأشياء إلى انحلال النظام، الصفح عن ذوي الذنوب والأجرام".

وهذه الأخيرة، قد تقدم نظيرها، وقو قولنا: فأدعى الأشياء إلى انحلال النظام، وضع العفو موضع الانتقام، وقد ذكرنا بيت أبي الطيب الذي أخذناها منه.

ومن ذلك قولي في خاتمة الوصايا في هذا التوقيع: "ولا حاجة لنا مع كما له وسداده، وهديه المجمع عليه ورشاده، إلى استقصاء ما في الوصايا والأوامر، ولو تيقن الكناية لقال فيها كم ترك الأول للآخر، فهو يخترع من محاسن التصرف من الخدمة ما يعجز عنه الكبير من أرباب السياسة والتدبير، ويستنبط بخبرته ما يستغنى به عمن يرشده، ولا ينبئك مثل خبير".

فآخر هذا الفصل من الكتاب العزيز، وصدره مثل شعري نظمه أبو تمام فقال:

لا زلت من شكري في حلةلابسها ذو سلب فاخر
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قل للأمير الأريحي الذي»
يقول من تقرع أسماعهكم ترك الأول للآخر
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قل للأمير الأريحي الذي»

ومن ذلك قولي في هذا التوقيع: "وليطالع الديوان العزيز بأحوال عمله

في أوقاتها، من غير إرجاء يفضي إلى قواتها، مستمدا من تدبيره الصائب ورشده، ما يبصر به سبيل قصده، ومستنجدا من رأيه الثاقب ما إذا شذ بزنده ضرب بنصل يقطع الهام من غمده".

هذا يتضمن من الأمثال الشعرية قول أبي الطيب المتنبي:

إذا شد زندي حسن رأيك في يديضربت بنصل يقطع الهام مغمدا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ومن ذلك قولي في توقيع بعض مشرفي الأعمال في ذكر الأمانة: "فإنها الدرع التي تسخر بالنبال، وتهزأ بالنصال، وتضمن سلامة دارعها يوم النزال. وقل من أصبح منها حاسرا، إلا وأمسى في صفقته خاسرا، أو كان لها مجانبا، إلا ونزل عن السعادة جانبا، فالأمانة سر المرء وجوهره، وباطن الإنسان ومخبره، وبها يستدل على شرف نفسه وديانتها، ومنها يعلم ثمنها ومقدار قيمتها، فإن كملت وتمت دلت على عزة النفس وعلوها، واحتقارها لدنايا الحطام وسموها، وإن نقصت أبانت عن لؤم المرء ونقصه، وكشفت عن شرهه وحرصه، فيستسلف عاجلا أقبح الذكر، ويتحمل آجلا أثقل الوزر، وقل أن يعدم بينهما تقديم العقوبة وتعجيلها، وطروق الحادثة وحلولها، فلتكن عصمة الله ممن يستشعر الحذر، ويشاهد الأشياء بالبصيرة قبل مشاهدتها بالبصر".

وفي أول هذا الفصل معنى قول الراجز، وقد صار مثلا:

ونثرة تهزأ بالنصالكأنها من خلع الهلال

ومن ذلك قولي في هذا التوقيع: "غير مستهين بالنزر اليسير، ولا مغض عن الأمر الحقير، ولا مسامح في الفتيل ولا النقير، فقد يهدي الأبؤس الغوير، وكم مطر بدؤه مطير".

في هذا الكلام ثلاثة أمثال: أحدها القتيل والنقير، والثاني قولهم عسى الغوير أبؤسا. وقد نظمه أبو تمام فقال:

أهدى لها الأبؤس الغويركم مطر بدؤه مطير

ومن ذلك قولي في توقيع لبعض المشرفين أيضا: "سكونا إلى تدرعه من العفة والنزاهة بأوفى جنة، والاعتصام من حولهما وقوتهما، بأتم حول، وأعظم منه، واتحادهما ألزم فرض وآكد سنة، فيواظب على حج كعبتهما، والتوجه إلى قبلتهما، والتدين بشرعهما، والسلوك في شرعتهما، وليستمر

على التغشي ببردهم السني، والتعري عن ثوب الإسفاف الدني، وليكن في إحراز الذكر الجميل إذا عرض ماهرا، ولنفسه عن مطعن السوء إن اعترض قاهرا، وفيما يثبت مدمه جاهدا، وللشيطان المسئول له مجاهدا، ليكون بأفعاله الحسنة مكافيا للإنعام، ومستحقا لزيادة الموهبة والدوام، فقديما قيل في المثل الزم الصحة يلزمك العمل".

وقد ذكره عبد الحميد بن يحيى الكاتب في رسالته إلى الكتاب.

ومن ذلك قولي في هذا التوقيع: "فإذا كان وقت الحصاد، وتفتقت الأكمام عن ثمار الاجتهاد، رتب من الأعوان من يثق بمناصحته، ويسكن إلى حراسته، وأذكى عليهم عيون التطلع، وأصغى إليهم بمسامع التصفح والتتبع، فمن وجده للمحجة سالكا، وللدناءة تاركا، أقره واستخدمه، وأدناه وأكرمه، ومن ألفاه عن الجدد ناكبا، ولاتباع الطمع راكبا، أحسن تأديبه وتقويمه، وفرى بضرب السياسة أديمه، وجعل ما يعتمده من نكاله رادعا لأمثاله، ونافعا له في مستقبل أمره ومآله، فليس الكهل كالحدث الصبي، ولا القارح كالجذع الفتى. والحوادث ذخيرة العواقب، والمصائب أثمان التجارب".

هذا معنى قولهم في المثل المشهور: إن المصائب أثمان التجارب.

ومن ذلك قولي في آخر هذا التوقيع: "فحقيق عليه بعد تعيينه واختباره، وإفراده بالتقديم والتأهيل وإيثاره، أن يهجر لذة الرقاد في بلوغ المراد، وأن يكون لين المهاد عند أحسن أخشن القتاد، إلى أن يقال له قد رقيت ولقيت، وعولج بك فشفيت".

هذا ينظر إلى قول ديك الجن:

فإذا شوفي بي كنت حماماوإذا عولج بي كنت شفاء

ومن ذلك قولي في هذا التوقيع أيضا: "وليواصل متجددات العمل في أوقاتها، على اختلاف أنواعها وجهاتها، ولا يستحقر منها حقيرا، ولا يستصغر صغيرا، فالكتاب سطر إلى سطر، وأول الغيث قطر إلى قطر".

هذا هو البيت المشهور للطائي:

وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضهوأول الغيث طل ثم ينسكب

ومن البديع النادر اللفظة التي ضممتها إليه وهي قولي: فالكتاب سطر إلى سطر.

ومن ذلك قولي في توقيع لبعض النظار: "وليشرع في تطواف المعاملات

واستقرائها، وتصفحها واستبرائها، ومشاهدة مزروعها وضياعها ورساتيقها وبقاعها ومحاويلها وأعمدتها ونواحيها وأكرتها، ليحصل عنده صورها وأشكالها، ويثبت في ذهنه هيئتها وخيالها، ولا يقنع بالأخبار والسماع، والتعويل على ما في المطالعات والرقاع.

فليس الخبر كالعيان، ولا التقليد كالبرهان، ومن عول على سماع الأقوال، واكتفى بها عن مشاهدة الأحوال، قصرت بنانه عند المطاولة، وأفحم لسانه عند المجادلة، وكان منقطع المادة، محتاجا لنقصه إلى التمام والزيادة.

وليواصل الحركة التي يدرك بها ما بعد من أعماله ونأى، كإدراكه ما قرب إليه ودنا، بحيث يكون كل عامل من عماله، ومتقدم من أكرته ورجاله، لا يأمن هجومه على غرة وقدومه على فترة فتكون عماله كلها آخذة أهبتها لابسة زينتها، منتظرة طلوعه عليها، مرتقبة وصوله إليها، فلا يزال الاجتهاد فيها بين المنار، ظاهر الآثار".

هذا المعنى ينظر إلى قول "بنت" المنتشر بن "وهب" الباهلي في قصيدتها المشهورة:

لا يأمن القوم ممساه ومصبحهمن كل أوب وإن لم يغز ينتظر

ومن ذلك قولي في صدر توقيع لكاتب: "لما كانت الكتابة الفلانية محتاجة إلى ناهض بأعبائها، فارج لغمائها، كاشف لمبهمها ومجهولها، ضابط لمجملها وتفاصيلها، نثلت كنانة ألرجال، وعجمت عيدان النصال، وانتصبت صوارم الكتاب الأجلاد ليوم الجلاد وأجريت سوابق الكتابة في مضمار السباق والطراد، كان فلان أوراها زندا، وأرواها عدا، وأصفاها وردا، وأضفاها بردا، وأتقنها صناعة، وأوسعها بضاعة، وأطهرها جيبا، وآمنها غيبا، وأبعدها عيبا فعول عليه في الكتابة بالأعمال المذكورة، علما أن قلمه يتمم نقصها، ويرقع خرقها، ويرأب صدعها، ويجمع شملها، ويجبر وهنها، ويلم شعثها، ويسد خللها، ويمحو زللها، ويحيي رسومها الداثرة، ويعمر بربوعها العافية".

أول هذا الفصل مأخوذ من قول الحجاج في خطبته بالكوفة: إن أمير المؤمنين نثل كنانته فعجمها عودا عودا. فوجدني أشدها عودا، وأصلبها مكسرا.

وباقي ألفاظ هذا الفصل ثلاث تجري مجرى الأمثال.

ومن ذلك قولي في صدر توقيع يصلح أن يوقع به لعارض الجيش وهو: "عوائد الديوان العزيز إهداء عقائل النعم إلى الأكفاء، وإسداء صنائع الكرام إلى الأولياء، وإيداع المعروف حيث ينشر ويشكر، لا حيث يجحد ويكفر، وعند من يعرف مواقعه، لا عند من ينفر واقعه، وأن يتخير لعروس إحسانه أطيب المغارس وأزكاها، وأخلقها أن يحلو لي حسناها، لتكون نعمه مستقرة في نصابها، رافلة في قشيب جلبابها، مودعة حيث تصان الودائع وتزكو الصنائع.

ولما كان فلان الرجل الذي تضرب به الأمثال، ولا تعدله الأمثال، والمهذب الذي لا يسأل له أي الرجال، والفائز بشرف الاستعلاءؤ على الأولين والحائز لقصب السبق يوم الرهان، والمتوحد بخصائصه عن مزاحمة المثالب، والمنفرد عن الأضراب بجميل الضرائب، رأي الديوان العزيز الإنعام عليه برد النظر في ديوان العرض المعمور إليه، علما باستقلاله واضطلاعه وثقة بصعة صدره وامتداد باعه، وسكونا إلى إغنائه وغنائه، وإيفائه ووفائه، وعلمه وتيقظه، وامتداد باعه، وسكونا إلى إغنائه وغنائه، وإيفائه ووفائه، وعلمه وتيقظه، وحزمه وتحفظه، وطمأنينة إلى قيامه بالمهم، ودفاعه للملم، وثباته حين تصيش الحلوم، وانتصاره حين يجيش الخصوم فليقابل هذه النعمة بالشكر الذي يكون لزيادتها مقتضيا، ولمضاعفتها ممتريا، ولأمثالها

مستمدا، ولما أخلق منها مستجدا، فالنعمة ضيف قراه الشكر إن وجدته لم ترم، وإن فقدته لم تقم".

في هذا الكلام إشارة إلى قول النابغة:

ولست بمستبق أخا لا تلمهعلى شعث أي الرجال المهذب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أتاني أبيت اللعن أنك لمتني»

ومن ذلك قولي في هذا التوقيع: "ولينتصب لاستيفاء أموال الإقطاعات انتصابا يظهر أثره، ويجتنى ثمره في ضمن قوة خالية من العنف، ولين لا ينسب معه إلى ضعف، فالزعماء كثرهم الله أولو الحمية، والنفوس الأبية، وعلى الحقيقة فهم السباع الوحشية في الصور الإنسية. فليحسن التوصل في مداراتهم، والاستيفاء منهم، والاستعانة بهيبة الديوان العزيز عليهم، غير مراقب من ذلك لعظيم منهم ولا جليل، ولا مغض عن كثير مما عليهم ولا قليل. فبا لمال تستمال الرجال، وتبلغ الآمال، وتفتح الصياصي وتملم النواصي، ويستدنى القاصي. والجند بالمال يجمع، والملك بالجند يمنع".

في هذا الفصل إشارة إلى الغزى في صفة الأتراك:

من رأى قبلهم مجتمعاخلقة الناس وأخلاق الأسود

ومن ذلك ما قلت في صدر توقيع لناظر بالسواد: "لما كان فلان ممن خبر رشاده فعلا، وسداده قولا، وتكاملت محاسنه وخصائصه، فلا يقال فيها لولا، وسبقت له سوابق الكتابة التي تقلد نطاقها، وأقام أسواقها، وأحكم ميثاقها، واجتلى بها عقائل المحامد بعد أن أغلى صداقها، وحمدت مذاهبه في حال إصداره وإيراده، وشهدت بعفافه وأمانته ألسنة أوليائه وحساده، رأى الديوان العزيز الإنعام عليه بنظر كذا، فليسأل الله التوفيق والخبرة، وليقدم تقواه فهي أنفع عدة، وأنفس ذخيرة، وليتوجه إلى الأعمال المذكورة بصدر رحب الفناء، وعزم نافذ المضاء، وأمل واثق بشمول الآلاء، وليسلك في جميع أنحائه مسلك أمثاله من ذوي الرشاد والتحصيل، ولا يتبع الهوى فيضل عن سواء السبيل".

آخر هذا الكلام من القرآن العزيز، وفي أوله إشارة إلى قول القائل:

ليس فيها ما يقال لهكملت لو أن ذابك لا أقول

وأنا أختم هذا الفصل بتوقيع كتبته لبعض الزعماء، وقد رتب شحينة واسط وهو: "أولى الأولياء باجتلاء عقائل النعم الجزيلة، وامتطاء كواهل الرتب الجليلة، واعتلاء صهوات المنازل السنية، وارتقاء درجات المناصب العلمية من محضت طاعته وعبوديته، واستوى سره في الإخلاص وعلانيته،

وحسنت أفعاله وآثاره، وطبت أنباؤه وأخباره، وكرم مغيبه، وعظم مشهده وأبر يومه على أمسه، وأربى على يومه غده.

ولما كنت أيها الأمير الأجل فلان الدين الجامع هذه الأوصاف والخصائص، والمتحلي من جواهر المناقب بما لم تظفر بمثله يد غائض، واقترنت بمسألتك التي سألت منها السيوف نفوسا ومهجا، وبرمايتك التي لم يجعل الله تعالى فيها عوجا ولا أمتا.

هذا مع ما خصصت به من وفور آياتك، ورجحان حصافتك، وعلو همتك، وطهارة شيمتك، وأنك بذذت الأشكال والأضراب، وأوتيت حزم الشيخوخة في عنفوان الشباب، ربي الإنعام عليك برد شحينة الأعمال الواسطية إليك، لاستقبال كذا.

فتلق هذه النعمة التي ترضيك بشكر يرضيها، وهذه المنزلة التي تضاهيك بحمد يضاهيها، وتوجه إلى الأعمال المذكورة بصدر رحب، ورأي مصيب، وسيف من دم أهل الكيد خضيب، واستشعر تقوى الله فالعاقبة لأهلها وقف عند حدودها، ولتستظل بظلها، وتذكر لها كلمة قصيرة غير طويلة: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وناهيك بها فضيلة.

وابدأ بالرفق الذي ما دخل في شيء إلا زانه، ولا استعان به أحد في مشكل إلا أعانه.

والق الناس ببشرك ولطفك وطولك، ولا تبدأهم بالفظاظة، فلو كنت فظاغليظ القلب لانفضوا من حولك.

والرعايا فهم الودائع عندك الموثوق لهم أن تلحقهم أمانك ورفقك، وتفرشهم سدادك ورشدك، واكفف عن الأذى، وأزح عنهم القذى، وقل لهم كما أدبك الله حسنا، وبدلهم من بعد خوفهم أمنا، ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا، وكن لهم حسبة من الجور وحصنا، واحمهم ممن يتعرض بهم في عرض هذا الأني، واسلك بالمعدلة فيهم صراطا سويا، واجل قويهم في الباطل ضعيفا، وضعيفهم في الحق قويا.

وحراسة الارتفاقات الديوانية بالسطوات المرهوبة، والنقمات المصبوبة، والهيبة التي تملأ القلوب ارتياعا، وتطير الأنفس منها شعاعا، فأنت فارسها

المعلم، وشجاعها المقدم، وليثها الذي تحجم الليوث ولا يحجم، فأمد وطأتك على أهل الريب والفساد، وشرد بهم عن جميع الأعمال والبلاد، وانتدب للقيام بسياستهم كانتدابك للقيام بالفرض، فما كان لزعيم أن تكون له سياسة حتى يثخن في الأرض.

والأموال المتمزقة في أقصى الأعمال ونائيها لا تحرس إلا بإراقة الدماء على جوانبها، ومن الجور البين والحيف وضع الصفح موضع السيف.

ونوابك الذين ترتبهم في الأعمال، وتستعين بهم على حراسة الأموال، فأصلحهم أولا وطهرهم، ليحصل بهم الصلاح والطهارة، ولا ترض لهم أن يكونوا ممن يأمر الناس وينسى نفسه الأمارة.

وألزمهم بمداومة فعل الخير يكونوا "أهله"، ولا تجعلهم ممن ينهى عن خلق ويأتي مثله.

وأقم عليهم الأرصاد، واقعد لهم بالمرصاد، ورضهم على اتباع منهاجك القويم، واهتداء صراطك المستقيم، وعلمهم من سجاياك المحمودة ما لم يعلموا "وفوق كل ذي علم عليم".

وحراسة الطرق والمذاهب، وحماية المسالك والمشارب وقمع كل ناجم

بفساد، أو قادح للشر بزناد، أو مخيف سبيل، أو قائد رعيل.

فكن في ذلك كالليث السغب ينهض إلى فريسته، والصقر القطم ينقض على طريدته، حتى توسع كل ساع بالفساد قتلا وأسرا، وتوثق كل عادل عن السداد حبسا وحصرا، وتأمن السبل والأطراف، وتصبح الناس فيها كحمام الحرم لا يخاف.

فهذه الأعمال مظلمة، فكن أضوأ من السراج، وهذه المدرة حجاجية فكن أهيب من الحجاج.

وقد تلخص من مجموع وصايا الملك أن يكون الملك ذالونين: أزهر وأقتم، وذا طعمين: أحلى من العسل، وأمر من الملقم، وذا وجهين: طلق وشتيم، وذا يومين: يوم بؤس ونعيم.

والدعامة التي تقوم بها السياسة، وبنصب عليها عمل الرياسة هي القوة من غير عنف، واللين من غير ضعف، فالرعية كمريض هذه زبدة علاجه، والسياسة كبدن هذا تعديل مزاجه.

واجعل أعظم كدك، وغاية قصدك، استجلاب الأدعية الصالحة

لهذه الأيام الشريفة الزاهرة، التي يحسدها سائر الأيام، ويتنافس الناس عليها فلا يبيعون ساعاتها بالأعوام، أن تدوم لأهلها فهم من الحوادث أمان، وتظن لرونقها ونضارتها أنها أيام الجنان، أيدها بدوام لا تماسك لسجابه، وبقاء لا نفاد لحسابه.

فهذه معظم وصايا التوقيع المذكور، وقد تضمنت من ترصيع الآيات الشريفة والأبيات الشريفة والنكت والأمثال جملة صالحة.

أما الآيات الشريفة فقوله تعالى: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين﴾، وقوله تعالى: ﴿مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وقوله تعالى ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ وقوله: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ وقوله: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ وقوله: ﴿وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ وقوله: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ وقوله: ﴿أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ وقوله ﴿شَرِّدْ بِهِمْ مَنْ

خَلْفَهُم﴾ وقوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾.

نقلته أنا إلى السياسة فقلت ما كان لزعيم أن تكون له سياسة حتى يثخن في الأرض.

ولا يخفى ما في النقل من اللطافتين. وقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُم﴾ وقوله: ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَد﴾ وقوله: ﴿صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيم﴾ وقوله: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيم﴾.

وأما حل الأبيات الشعرية فقول الشاعر:

حالك اليوم فوق حالك بالأمس وأرجو لك المزيد غدا

قد نثرناه نحن فقلنا: وأبر يومه على أمسه، وأربى على يومه غده.

وقول السموءل:

تسيل على حد السيوف نفوسناوليس على غير السيوف تسيل

أخذناه فقلنا: بمسألتك التي سالت منها السيوف نفوسا ومهجا.

وقول المتنبي:

وشيخ في الشباب وليس شيخايسمى كل من بلغ المشيبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ضروب الناس عشاق ضروبا»

حللناه نحن فقلنا: وأوتيت حزم الشيخوخة في عنفوان الشباب.

وقول قطري بن الفجاءة من شعراء الحماسة:

أقول لها وقد طارت شعاعامن الأبطال ويحك لا تراعي
للشاعر قطري بن الفجاءة، اقرأ القصيدة

أخذناه فقلنا: تملأ القلوب ارتياعا، وتطير النفوس منها شعاعا.

وقول المتنبي:

لا يسلم الشرف الرفيع من الأذىحتى يراق على جوانبه الدم
للشاعر ابن زيدون، من قصيدة «الدهر إن أملى فصيح أعجم»

حللناه فقلنا: والأموال المتمزقة في أقاصي الأعمال ونائيها لا تحرس إلا بإراقة الدماء على جوانبها.

وقول المتنبي أيضا: "ووضع الندى في موضع الانتقام" حللناه فقلنا: ومن الجور البين والحيف، وضع الصفح في موضع السيف.

وقد حللت هذا البيت بعبارات ثلاث والمعنى واحد وقد تقدم ذكرها،

وهي: أفسد الأشياء لقانون الرياسة، وضع العفو موضع السياسة.

والثانية فأدعى الأشياء إلى انحلال النظام، وضع الصفح موضع الانتقام.

والثالثة هذا الموضع.

وقول القائل:

لا تنه عن خلق وتأتي مثلهعار عليك إذا فعلت عظيم
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه»

أخذناه نحن فقلنا: وألزمهم بمداومة فعل الخير يكونوا أهله، ولا تجعلهم ممن ينهى عن خلق ويأتي مثله.

وقول ابن هرمة:

كريم له وجهان وجه لذي الرضاأسيل ووجه في الكريهة باسل

أخذناه فقلنا: وذا وجهين طلق وشتيم.

وقول الشاعر:

له يوم بؤس فيه للناس أبؤسويوم نعيم فيه للناس أنعم
للشاعر الحسين بن مطير الأسدي، اقرأ القصيدة

أخذنا فقلنا: ذا يومين: يوم بؤس ويوم نعيم.

وقول الشاعر:

تنافس الناس في أيام دولتهفما يبيعون أياما بأعوام
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «اسعد بعيد أخي نسك وإسلام»

أخذناه فقلنا: ويتنافس الناس عليها، فما يبيعون ساعاتها بالأعوام.

وقول المتنبي:

نسقوا لنا نسق الحساب مقدماوأتى فذلك إذ أتيت مؤخرا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»

أخذناه نحن فقلنا: بدوام لا تماسك لسحابه، وبقاء لانفاد لحسابه.

وأما الأمثال والنكت فقولهم. ما دخل الرفق في شيء إلا زانه.

وقول النبي ﷺ في دعائه على قريش: اللهم اشدد وطأتك على مضر.

وقد صار ذلك مثلا سائرا.

وقولهم السياسة لين من غير ضعف، وقوة من غير عنف.

ويقال إن أول من قال ذلك أبو بكر الصديق. وقولهم: هذا عصر تحسده الأعصر الخالية، وقد جاء في الشعر كثيرا، كقول ابن هانئ:

فأما الليالي السالفات فقطعتأناملها من حسرة وتندم
وأما الليالي الحاضرات فأدركتمآربها من بهجة وتكرم

وفي الفصول المذكورة من الألفاظ والتكت الجارية مجرى الأمثال، عدا ما ذكرناه ما لا خفاء به.

فهذه نبذة من حل المنظوم ذكرناها كعجلة القرى، وكهيئة الطارق إذا عرا.

إن وجدنا أدنى فسحة أتممنا ما شرعنا فيه من حل سيفيمات أبي الطيب المتنبي، وتقريبها إلى خزانة مالك الأمر، ووارث الدهر، جعله الله بألطافه وكراماته الجليلة ممنوحا، وأعطاه من البسطة في الملك والعمر ما لم يعطه الإسكندر ونوحا.

النص من طبعة دار نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الفلك الدائر على المثل السائر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.