تجاوز إلى المحتوى

من «المحاضرات والمحاورات» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)

من كتاب (اللطائف واللطف) [١] لأبي منصور الثعالبي

رأى أبو بكر الصديق- ﵁ رجلا بيده ثوب، فقال له: أهو للبيع؟

قال: لا، أصلحك الله، فقال له: هلّا قلت: لا، وأصلحك الله، لئلا يشتبه الدعاء لي، بالدعاء عليّ.

كان عمر يقول: لو كنت تاجرا لما اخترت على العطر، إن فاتني ربحه لم يفتني ريحه.

كان ابن مسعود يقول: الدنيا كلها غموم، فما كان فيها من سرور، فهو ربح.

كان ابن عباس كثيرا ما يروي عن النبي ﷺ: (الهدية مشتركة) فأهدي إليه من مصر ثياب، فأمر بتسليمها إلى خادمه، فقال له جلساؤه: ألم ترو لنا أن الهدية مشتركة؟

فقال: تلك مما يؤكل ويشرب، فأما ثياب مصر فلا.

كان أبو هريرة يقول: ما شممت رائحة أطيب من رائحة الخبز الحار. قال نصر بن سيار والي خراسان: كل شيء يرخص إذا كثر، إلا الأدب، فانه إذا كثر كان أغلى.

أبو جعفر المنصور، شكى إليه رجل بعض عماله في قصة،/ فوقّع: اكفني أمر هذا، وإلا كفيته أمرك. وقال له بعض الهاشميين: إني صرورة، قال: فاحجج، قال: ليس لي نفقة، قال: ليس عليك حج، قال: يا أمير المؤمنين، إنما جئتك مستمنحا لا مستفتيا.

مرض خاقان، فعاده المعتصم وابنه الفتح إذ ذاك صبي، فقال له المعتصم: داري أحسن أم دار أبيك؟ فقال: ما دام أمير المؤمنين فيها فهي أحسن، وكان في يده خاتم

ياقوت أحمر في نهاية الحسن، فقال لرجل: أرأيت أحسن من هذا الخاتم؟ قال: نعم، اليد التي هو فيها.

قال الفتح بن خاقان لأحد ندمائه: دخلت قصري، فاستقبلتني فلانة، فقبلتها، فوجدت فيها هواء لو رقد المخمور فيه لصحا. وأخذ أبو الفرج الوأواء الدمشقي هذا المعنى فقال:

سقى الله ليلا طاب إذ زار وصلهافألبسته حتى الصباح عناقا
بطيب نسيم منك يستجلب الكرىولو رقد المخمور فيه أفاقا

قال المنتصر بالله: والله ما ذل ذو حق، وإن أصفق عليه العالم، ولا عزّ ذو باطل، وإن طلع من جبينه القمران.

قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:

يقولون آفات وشتى مصائبفقلت مقالا ما عليه غبار
إذا سلمت في الناس للمرء نفسهوأحبابه فالحادثات جبار

قال المعتضد بالله لأحمد بن الطيب: «أرى في لسانك طولا، وفي عقلك قصرا».

قال عبد الله ابن المعتز: الخضاب من شهود الزور.

رأى الرشيد يوما رجلا بيده حزمة خيزران، فقال: ما تلك؟ قال: عروق القنا، يا أمير المؤمنين، لموافقته اسم أم الرشيد. قال الحسن بن سهل: لا يصلح للصدر إلا

واسع الصدر، وقيل له: لا خير في السّرف، فقال: لا سرف في الخير. فردّ اللفظ، واستوفى المعنى.

طلب المأمون من أحمد بن يوسف الكاتب السكين، فناوله إياها وحدها مما يليه، فعلم أنه أخطأ، فاستدركه أن قال: في نحر أعدائك يا أمير المؤمنين./

قال أبو الفتح البستي: النعمة عروس مهرها الشكر، والرشوة رشاء الحاجة، والمعاشرة ترك المعاسرة، وعادات السادات، سادات العادات.

قال أبو نصر العتيبي: الشباب باكورة الحياة، ولسان التقصير قصير. قال أبو عبد الله محمد بن عبد العزيز الوزير: الصدقة ترد بلاء الآخرة، والهدية ترد بلاء الدنيا.

قال أبو الحسن محمد بن محمد المزني: من دخل على السادة فعليه بتخفيف السلام، وتقليل الكلام، وتعجيل القيام.

قال أبو عمرو بن العلاء: كل ما تشتهي، والبس ما يشتهي الناس، وقد نظمه من قال:

أما الطعام فكل لنفسك ما اشتهتوالبس ثيابك ما اشتهاه الناس

قال الأصمعي: دخلت على الفضل بن الربيع يوما باردا، وعليّ ثياب قطن، فقال لي:

يا أبا سعيد، أين الوبر؟ فقلت: في خزانتك أصلحك الله فضحك وأمر لي بدواج سمور.

قال أبو بكر الخوارزمي: في قصة الجود بالذهب مثل الجود بالأدب:/ وهذا الخلق النفيس، لا يساعده الكيس، وهذا الطبع الكريم، لا يأخذه الغريم، والأدب لا

يمكن ثرده في قصعة، ولا يمكن صرفه في ثمن سلعة، ولو جهدت بالطباخ أن يطبخ من رائية الشماخ لونا لم يقبل، واحتيج في البيت إلى شيء من الزيت، فأنشدت من شعر الكميت مئتي بيت، فلم يغن، كما لم يغن لو وليت، ولو وقعت أرجوزة العجّاج في توابل السكباج، لما عدمتها عندي، ولكن ليست تنفع، فما أصنع.

أيوب الطبيب: كان الغالب عليّ من الأدعية: «اللهم اسقنا من رحمتك شربة تسهل بها دنوبنا، إنك أنت الغفور الرحيم». قال ثابت بن قرة الطبيب: ليس أضرّ على الشيخ من أن يكون له طباخ حاذق، وجارية حسناء، لأنه يستكثر من الطعام فيسقم، ومن النكاح فيهرم.

وقال: راحة الجسم في قلة الطعام، وراحة القلب في قلة الاهتمام، وراحة اللسان في قلة الكلام.

مرت عمرة بنت زهرة/ فتأملوها، فقالت: يا بني نمير، لا لقول الله تعالى أطعتم، ولا بقول الشاعر أخذتم، قال الله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ

، وقال الشاعر:

فغضّ الطرف إنّك من نميرفلا كعبا بلغت ولا كلابا
للشاعر جرير، من قصيدة «أقلي اللوم عاذل والعتابا»

كتب رجل إلى محبوبة له: طال العهد، واشتد الشوق، فاستدركي رمقي بلبان تمضغينه، وتجعلينه بين دينارين، وتنفذيه إليّ لأستشفي به. فكتبت إليه: قد امتثلت أمرك، فتفضل برد الطبق والمكبّة. سمع مزيد ضجيج الناس في يوم كسوف، وريح عاصف، وغبرة منكرة، وقولهم: القيامة، القيامة، فقال: ويحكم، هذه قيامة على الريق! أين دابة الأرض؟ أين الدجال؟ أين نزول عيسى؟ أين طلوع الشمس من المغرب.

قال أبو الحسن الموسوي: من هوان الدنيا على الله تعالى، أنه أخرج نفائسها من خسائسها، وأطايبها من خبائثها، أخرج الذهب والفضة من حجارة، والمسك من فارة، والعنبر من روث دابة، والعسل من ذبابة، والخز من دابة، والديباج من دودة، والإنسان من نطفة، فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ

قال علي بن الجهم: الهدية السحر الأكبر. سئل جحظة البرمكي عن دعوة حضرها، فقال: كان كل شيء فيها باردا إلا الماء. قال دعبل:

وإنّ أولى البرايا أن تواسيهعند السرور لمن واساك في الحزن
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «وإن أولى البرايا أن تواسيه»
إنّ الكرام إذا ما أسهلوا ذكروامن كان يألفهم في المنزل الخشن
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «وإن أولى البرايا أن تواسيه»

تعرض رجل للحسن بن سهل، فقال له: من أنت؟ فقال: أنا الذي أحسن إليّ الأمير عام كذا وكذا، فقال: مرحبا بمن توسل إلينا بنا، وقضى حوائجه. دخل أبو العميثل على عبد الله بن طاهر في يوم من أيام الخريف، وعليه قباء خز مبطن بسمور، فقال له: ما أعددت للشتاء؟ فقال: خلع الأمير، فقال: عجّلوها له.

وصف أبو بكر الخوارزمي شريفا في أصله، وضيعا في نفسه، فقال: استخراج المساوئ من المحاسن، هو: من الأسد بخره، ومن الدينار صغره، ومن اللجين خبثه، ومن الماء زبده، ومن الطاووس رجله، ومن الورد شوكه، ومن النار دخانها، ومن الخمر خمارها، ومن الدار ميضاؤها.

وكان يقول/ في التفضيل: فلان بيت القصيدة، وأول الخريدة، وغرّة الكتيبة، وواسطة القلادة، ودرّة التاج، وإنسان الحدقة، ونقش الفص. كان أبو العباس بن سريج يقول: غبار العمل خير من زعفران العطلة. أنتهى.

في (فوائد النجيرمي)، قال يحيى بن خلاد البرمكي: الدنيا دول، والمال عارية، ولنا بمن قبلنا أسوة، وممن بعدنا عبرة. قال الحجاج بن يوسف: الشيب بريد الآخرة.

قال أبو عمرو بن العلاء: قيل لرجل، قد ذهب منه المطعم والمشرب والمنكح: أتحب البقاء؟ قال: نعم، قيل له: فما ترجو من البقاء، وأنت على هذه الحال؟ قال: كي أسمع الأعاجيب.

قال الشعبي: قدم عليّ ﵁ من صفّين، وكان رأسه ولحيته قطنة، فقيل له:

يا أمير المؤمنين، لو غيّرت، قال: إن الخضاب زينة، ونحن محزونون.

قال عمر بن شبّة: ولدت هند بنت أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة، موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب،/ ولها ستون سنة، ولا يعلم أن امرأة ولدت لستين إلا قرشية، وموسى هو أخو محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن بن حسن،

وهو الذي يقول:

تولّت بهجة الدنيافكلّ جديدها خلق
للشاعر أبو العيناء، اقرأ القصيدة
وخان الناس كلّهمفما أدري بمن أثق
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «تولت جدة الدنيا»
رأيت معالم الخيرات سدّت دونها الطّرق
للشاعر أبو العيناء، اقرأ القصيدة
فلا حسب ولا نسبولا دين ولا خلق
للشاعر السهروردي المقتول، اقرأ القصيدة
فلست مصدّق الأقوام في قول وإن صدقوا

قال الجاحظ: أهل الكوفة يقولون: لنا ثلاثة فقهاء، لم ير الناس مثلهم: أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، ولنا ثلاثة نحويين كذلك، وهم: الكسائي، والفرّاء، وثعلب.

من شعر إبراهيم بن المهدي:

من قال في الناس قال الناس ما فيهوحسبه ذاك من خزي ويكفيه
من نمّ في الناس لم تؤمن عقاربهعلى الصديق ولم تؤمن أفاعيه
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة
لو فرّ من رزقه عبد إلى جبلدون السماء لألفى رزقه فيه
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة

قال الحسين بن فهم، لما قال أبو عيسى بن الرشيد:

دهاني شهر الصوم لا كان من شهرولا صمت شهرا بعده آخر الدهر
للشاعر أبو عيسى ابن هارون الرشيد، اقرأ القصيدة
ولو كان يعديني الإمام بقدرةعلى الشهر لا ستعديت جهدي على الشهر
للشاعر أبو عيسى ابن هارون الرشيد، اقرأ القصيدة

ناله بعقب هذا صرع، فكان يصرع في اليوم مرات، إلى أن مات ولم يبلغ شهرا مثله. انتهى.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاضرات والمحاورات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.