تجاوز إلى المحتوى

من «المحاضرات والمحاورات» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)

في تاريخ المدينة الشريفة للحافظ جمال الدين المطري

وصل السلطان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي سنة سبع وخمسين وخمسمئة، إلى المدينة الشريفة، بسبب رؤيا رآها، ذكرها بعض الناس، وسمعتها من الفقيه علم الدين يعقوب بن أبي بكر المحترق أبوه ليلة حريق المسجد، عمن حدثه عن أكابر من أدرك أن السلطان محمود المذكور، رأى النبي ﷺ، ثلاث مرات في ليلة واحدة، وهو يقول له في كل واحدة منها: يا محمود، أنقذني من هذين الشخصين، فأراه شخصين أشقرين تجاهه، فاستحضر وزيره قبل الصبح، فذكر ذلك له، فقال له: هذا أمر حدث في مدينة النبي ﷺ، ليس له غيرك، فتجهز وخرج على عجل، بمقدار ألف راحلة، وما يتبعها من خيل وغير ذلك، حتى دخل المدينة على حين غفلة من أهلها، والوزير معه، فزار وجلس في المسجد، لا يدري ما يصنع، فقال له الوزير: أتعرف الشخصين إذا رأيتهما؟ قال: نعم/ فطلب الناس عامة للصدقة، وفرق عليهم ذهبا كثيرا وفضة، وقال: لا يبقين أحد بالمدينة إلا جاء، فلم يبق إلا رجلان مجاوران من أهل الأندلس، نازلان في الناحية التي تلي قبلة حجرة النبي ﷺ، من خارج المسجد، فطلبهما للصدقة، فامتنعا، وقالا: نحن على كفاية، فجدّ في

طلبهما، فجيء بهما، فلما رآهما، قال للوزير: هما هذان، فسألهما عن حالهما وما جاء بهما، فقالا: لمجاورة النبي ﷺ، فقال: أصدقاني، وتكرر السؤال، حتى أفضى إلى معاقبتهما، فأقرا أنهما من النصارى، أنهما وصلا لكي ينقلا من في هذه الحجرة الشريفة المقدسة، باتفاق من ملوكهم، ووجدهما قد حفرا نقبا تحت الأرض من تحت حائط المسجد القبلي، وهما قاصدان إلى جهة الحجرة الشريفة، ويجعلان التراب في بئر عندهما في البيت الذي هما فيه، فضرب أعناقهما، ثم أحرقا بالنار. وركب متوجها إلى الشام./

وحكى الإمام زين الدين أبو بكر بن الحسين المراغي أيضا هذه الحكاية، في كتابه تاريخ المدينة، ثم قال: وقد اتفق بعد الأربعمئة من الهجرة، ما يقرب من ذلك، وهو ما أخرجه الحافظ محب الدين بن النجار، في تاريخ بغداد، بسنده عن أبي القاسم عبد الحكم بن محمد المغربي، أن بعض الزنادقة أشار على الحاكم العبيدي صاحب مصر، بنقل النبي ﷺ وصاحبيه، من المدينة إلى مصر، وزيّن له ذلك، وقال: متى تم ذلك، شدّ الناس رحالهم من أقطار الأرض إلى مصر، وكانت منقبة لسكانها، فاجتهد في ذلك، وبنى بمصر مكانا، وأنفق عليه مالا جزيلا، وبعث أبا الفتوح لنبش الموضع الشريف وحملهم، فلما وصل إلى المدينة، ماج الناس، وكادوا يقتلونه ومن معه، وأرسل الله ريحا كادت تزلزل الأرض من قوتها، حتى دحرجت الإبل بأقتابها، والخيل بسروجها، كما يدحرج الكرة على وجه الأرض، وهلك أكثرها، وخلق من الناس، فرجع أبو الفتوح عن ذلك./

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاضرات والمحاورات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.