من «زهر الأكم في الأمثال والحكم» للحسن اليوسي (ت ١١٠٢هـ)
اتميميا مرة وقيسيا أخرى
؟
يضرب لمن يتلون ويختلف كلامهم يقف على حال أي: أتنتسب إلى تميم مرة وإلى قيس مرة أخرى؟ وتميم وقيس قبيلتان عظيمتان من قبائل العرب. أما تميم فهو تميم بم مر بم آد بن طابخة بالباء الموحدة والخاء المعجمة بن الياس بن مضر بن نزار وأما قيس فهو قيس بن عيلان بفتح العين المهملة واسمه الياس بن مضر بن نزار وقيس لقب له. وقد قيل إنَّ عيلان هو أبو قيس. ويدل لصحته قول الحماسي:
لحى الله قيسا عيلان إنّهاأضاعت ثغور المسلمين وولت
فشاول بقيس في الطعان ولا تكنأخاها إذا ما المشرفية سلت
إلاّ إنّما قيس بن عيلان بقةإذا شربت الماء العصير تغنت
فصرخ بأنه أبن عيلان. وبين القبيلتين أبداً منافرات ومكافحات ومقاتلات. ومن ثم اشتهر بينهما التقابل كما في هذا المثل وشاع عند البيانيين في باب القصر التمثيلي بقولهم: فلان تميمي مراعاة لهذا الأمر. وفي بعض الأخبار قال رسول الله ﷺ: يا أبا الدرداء إذا فاخرت ففاخر بقريش وإذا كاثر فكاثر بتميم وإذا حاربت فحارب بقيس إلاّ إنَّ مجوهها كنانة
ولسانها أسد وفرسانها قيس إلاّ إنَّ لله فرسانا في سمائه وهم الملائكة وفرسان في الأرض وهم قيس وإنَّ آخر من يقاتل عن الإسلام حين لا يبقى إلاّ ذكره ومن القرآن إلاّ اسمه لرجل من قيس. قلت: يا رسول الله من أي قيس؟ قال: من سليم.
وسار معاوية يوما فإذا هو براكب فقال لبعض أصحابه: علي به من غير ترويع فاتاه وقال: اجب أمير المؤمنين فقال: إياه أدرت. فلما دنا حسر اللثام وانشد:
معاوية لم أزل آتيك تهويبرحلي نحو ساحتك الركاب
تجوب الأرض نحوك ما تأبىإذا ما الاكم قنعها السراب
وكنت المرتجى وبك استغثتلتنعشها إذا بخل السحاب
فإذا ليلى الاخيلية فهش لها معاوية وأمر لخها بخمسين بعيرا. ثم سألها عن مضر فقالت: فاخر بقريش وحارب بقيس وكاثر بتمبم وناطق بأسد وتقدم إنَّ هذا في الحديث وسيأتي تمام حديث ليلى في الأعيان. ويسمى أولاد الياس خندفا وهي اسم أمها ومضر كلها راجعة إلى خندف وقيس.
ومن اظرف من يتفق في هذا النسب ويزيد بصيرة في هذا المقام. ما ذكر أبو علي البغدادي يرفع إلى أبي عبيدة أن يزيد بن شيبان بن علقمة خرج حاجا فرأى حين شارف البلد شيخ يحفه ركب على ابل عتاق برحال ميس ملبسة ادما. قال: فعدلت فسلمت عليهم وبدأت به فقلت: من الرجل ومن القوم؟ فإنَ القوم ينظرون إلى الشيخ هيبة له فقال الشيخ: رجل من مهرة بن حيدان بن عمرو بن الحاف من قضاضة. فقلت: حياكم الله وانصرفت. فقال الشيخ: قف أيّها الرجل استنسبتنا فانتسبنا لك ثم انصرفت ولم تكلمنا ويروى: شاممتنا مشامة الذئب للغنم ثم انصرفت قال. قلت: ما أنكرت سوءا ولكنني ظننتكم من عشيرتي فانسبكم فانتسبتم نسبا لا اعرفه ولا أراه يعرفني. قال: فامال الشيخ لثامه وحسر عمامته وقال: لعمري لئن كنت من جذم من اجذام العرب لاعرفنك. قلت: فاني من اكرم اجذامها. قال: فإذا العرب بنيت على أربعة أركان: مضر وربيعة واليمن وقضاعة فمن أيهم أنت؟ قلت: من مضر. قال: أمن
الأرجاء أمن الفرسان؟ فعلمت إنَّ الأرجاء خندف وإنَّ الفرسان قيس. قلت: من الأرجاء. قال: أنت إذا من خندف؟ قلت: اجل قال: افمن الأرنبة أم الجمجمة؟ فعلمت إنَّ الأرنبة مدركة وإنَّ الجمجمة طابخة. فقلت: من الجمجمة. قال: فأنت إذن من طابخة؟ قلت: اجل قال: افمن الصميم أم من الشويط؟ فعلمت إنَّ الصميم تميم وإنَّ الشويط الرباب فقلت: من الصميم. قال: فأنت إذا من تميم؟ قلت: اجل قال: افمن الاكرمين أم من الاحلمين أم من الاقلين؟ علمت إنَّ الاكرمين زيد مناة وإنَّ الاحلمين عمرو بن تميم وإنَّ الاقلين الحارث بن تميم. قلت من الاكرمين. قال: فأنت إذا من زيد مناة؟ قلت: اجل قال: افمن الجدود أم من البحور أم من الثماد؟ فعلمت إنَّ الجدود مالك وإنَّ البحور سعد بن زيد مناة وإنَّ الثماد بنو امرئ القيس بن زيد بن مناة. قلت: من الجدود. قال: فأنت إذا من بني مالك؟ قلت: اجل قال: افمن الذرى أنت أم من الارداف؟ فعلمت إنَّ الذرى حنظلة وإنَّ الارداف ربيعة ومعاوية وهما الكرد وسان. قلت: من الذرى. قال: فأنت إذا من بني حنظلة؟ قلت: اجل قال: افمن البدور أم من الفرسان أم من الجراثيم؟ فعمت إنَّ البدور مالك وإنَّ الفرسان يربوع وإنَّ الجراثيم البراجم. قلت: من البدور. قال: فأنت إذا من بني مالك بن حنظلة؟ قلت: اجل قال: افمن الأرنبة أم من اللحيين أم من القفا؟ فعلمت إنَّ الأرنبة دارم وإنَّ اللحيين طهي والعدرية وإنَّ القفا ربيعة بن حنظلة قلت من الأرنبة قال: فأنت إذا من دارم؟ قلت اجل قال: افمن اللباب أم من الهضاب أم من الشهاب؟ علمت إنَّ اللباب عبد الله وإنَّ الهضاب مجاشع وإنَّ الشهاب نهشل. قلت: من اللباب. قال: فأنت إذا من عبد الله؟ قلت اجل قال: افمن البيت أم من الزوافر؟ فعلمت إنَّ البيت بنو زرارة وإنَّ الزوافر الاحلاف. قلت: من البيت. قال: فأنت إذا من بني زرارة؟ قلت: اجل قال: فإنَ زرارة ولد عشرة: حاجيا ولقيطا وعلقمة ومعبدا وخزيمة ولبيد وأبا الحارث وعمرا وعبد مناة ومالك فمن أيهم أنت؟ قلت: من بني علقمة ولد شيبان لم يلد غيره فتزوج ثلاثة نسوة: مهدد بنت حمران بن بشر بن عمرو بن مرثد فولدت له يزيد وتزوج عكرشة بنت حاجب بن زرارة بن عدس فولدت له المأمور وتزوج عمرة بنت بشر بن عمرو بن عدس فولدت
له المقعد. فلأيهم أنت؟ قلت: لمهدد. قال: يا أبن أخي ما افترقت فرقتان بعد مدركة إلاّ كنت في أفضلها حتى زاحمك أخزك فانهما إنَّ تلدني أما هما احب ألي من إنَّ تلدني أمك. يا أبن أخي أتراني عرفتك؟ قلت: أي وأبيك أتم معرفة قال: الميس ضرب من الشجر تعمل منه الرحال وارم القوم: سكنوا والوشيط الخسيس من الرجال والصميم الخالص. وفي معنى هذا المثل الذي نحن فيه قول زفر ابن الحارث لعمران بن حطان: ازدينا مرة واوزعيا أخرى؟ ومن التلون قول عمران المذكور:
فاعذر أخاك أبن زنباع فإنَ لهفي النائبات خطوبا ذات ألوان
يوما يمان إذا لا قيت ذا يمنوإنَّ لقيت معديا فعداني
وقول الآخر:
أفي الولائم أولاد لواحدةوفي المفاخر أولاد لعلات؟
تيسي جعار تيسي بكسر التاء الفوقانية المثناة بعدها مثناة تحتانية ساكنة بعدها سين مهملة. وجعار على مثال حذام وهي الضبع ويقال لها جعار وأم جعار وأم جعور ويقال أيضاً: عيثي جعار. أما تيسي فهي من مادة التيس ولم يذكروا لها فعلا بل قالوا إنّها كلمة تقال في معنى إبطال الشيء وأما عيثي وهو الإفساد واصله عيثي يا جعار قال الشاعر:
فقلت لها عيثي جعار وجرريبلحم امرئ لم يحضر اليوم ناصره
وسيأتي تمامه في محله ومما يلتحق بهذا الباب قولهم:
تحت طريقتك عنداوة والطريقة على مثال السكينة الرخاوة واللين والعنداوة: الخديعة والمكر أي تحت إطراق مكر. وهو مثل المثل الآتي: مخرنبق لينباع وسيأتي قولهم:
تركته باست الأرض أي تركته عديما فقيرا. وقولهم:
تركته على أنقى من الراحة ومما يتمثل به تارة قوله ﷺ: لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع.
ومن أمثال العامة الحكيمة في هذا الباب قولهم: اترك الحب تحب أي لا تطمع فيما أيدي الناس يحبونك وإنَّ تكثر غشيانهم يملونك. قال زهير:
ومن لا يزل يستحمل الناس نفسهولا يغنها يوما من الدهر يسام
وفي الأثر المروي: أزهد في الدنيا يحبك الله، وأزهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس. ويشبه هذا المثل مسألة الطائر، إنَّ ترك الحبة المعلقة في الفخ نجا، وإنَّ وإنَّ اقتحمها هلك. ومن أمثالهم أيضاً قولهم:
اترك صاحب الغاسول يسكت!
زعموا إنَّ شخصين اصطحبا في طريق، لأحدهما حمل من حديد أو أشبه، وللأخر حمل من الغاسول، وهو طين يغتسل به الرؤوس، فأصابهما مطر في منزل، فجعل صاحب الحديد يتوجه ويتخوف على سلعته من البلل. فقال له صاحب الغاسول ما ذكر. ومعلوم أنَّ الحديد وشبهه لا يضره البلل، وأما الغاسول المذكور فأدنى شيء من البلل خلص إليه يحله ويفسده. فيضرب فيمن يتوجع ويتألم، أو يشتكي ويتظلم، أو يتأسف ويتندم، وثم من هو اجدر منه.
وقد حان أن نذكر من الشعر ما يتيسر. قال الشاعر:
كم من فتى تحمد أخلاقهويسكن العافون في ذمته!
قد كثر الحاجب أعداءهواحقد الناس على نعمته
وسبب هذا الشعر أنَّ أعرابياً دخل البصرة، فسأل عن دار عبد الله بن عامر بن كريز، وكان عبد الله من فتيان قريش جوداً وسخاء، وكرماً وحياء، فدل على الدار، فأناخ راحلته بالباب. فاشتغل عنه الحاجب والعبيد وبات طاويا. فلما أصبح ركب راحلته ووقف على الحاجب فأنشأ يقول:
كأني ونضوي عند باب أبن عامرٍمن الجود ذئبا قفرة هلعان
وقفت وصنبور الشتاء يلفنيوقد مس برد ساعدي وبناني
فلما أوقدوا ناراً ولا بذلوا قرىولا اعتذروا عن عسرة بلسان
فقال بعض شعراء البصرة ما تقدم. فلما بلغ أبن عامر، عاقب الحاجب وأمر أنَّ لا يغلق بابه ليلا ولا نهاراً.
وقال الأخر:
لا تنظرن إلى عقلٍ ولا أدبٍإنَّ الحدود قرنات الحماقات
واسترزق الله مما في خزائنهفكل ما هو آت مرة آت
ومثله قول الصابئ:
إذا جمعت بين أمراين صناعةفأحببت أن تدري الذي هو احذق
فلا تتأمل منهما غير ما بهجرت لهما الأرزاق حين تفرق:
فحيث يكون النوك فالرزق واسعوحيث يكون الحذق فالرزق ضيق
وقال صالح ب عبد القدوس:
وليس رزق الفتى من حين حيلتهولكن جدود بأرزاق وأقسام
كالصيد يحرمه الرامي المجيد وقديرمى فيرزقه من ليس بالرامي
وقال الأخر:
متى ما يرى الناس الغني وجارهفقير يقولون: عاجز وجليد
وليس الغنى والفقر من حيلة الفتىولكن أحاظٍ قسمت وجدود
وقولي، من قصيدة:
والحظ والمقدار ما حصرافي ذي الذكاء يبيت يستمري
بل قسمة أزلية نشأتبيدي مدبرها على قدر
وإذا نظرت رأيت في قرنعمر الغني وجهالة الغمر
وترى اللبيب يبيت في ضعفبهمومه متقسم الفكر
ليكون فضل حجى الفتى عوضاعن فضل مل الأنوك الكثر
وتكون أحكام الإله جرتفي الخلق عن غلب وعن قسر
وسيأتي ذكر ما في هذا المعنى من الشعر عند ذكر الجد، إنَّ شاء الله تعالى.
وقال الحماسي عمرو بن معدي كرب:
وجاشت إلي نفسي أوّل مرةفردت على مكروهها فاستقرت
ومنه قول الآخر:
صبرت على اللذات حي تولتوألزمت نفسي هجرها فاستقلت
وكانت مدى الأيام نفسي عزيزةفلما رأت صبري على الذل ذلت
والسادات الصوفية، رضوان الله عليهم، يتمثلون به كثيراً في نجح الرياضة.
وقول الحماسي أيضاً سيار بن قصير الطائي:
عشية أرمي جمعهم بلبانهاونفسي قد وطنتها فاطمأنت
وقول كثير:
فقلت لها: غز كل مصيبةإذا وطئت يوماً لها النفس ذلت
قال المبرد: وكان عبد الملك يقول: لو كان هذا البيت في صفة الحرب لكان أشعر الناس.
وقوله أيضاً:
فيا عجب للقب كيف اعتزامهوالنفس لمّا وطئت كيف ذلت!
وقول ضابئ بن الحارث:
ولا خير فيمن لا يوطن نفسهعلى نائبات الدهر حين تنوب!
وقال الأخر:
تمتع إذا ما أمكن الدهر واغتنمزمانك واعلم إنّه سيفوت!
وقال الأخر:
داء قديم وأمر غير مبتدع:جور الزمان على أهل المروآت
وقال الأخر:
سكت عن السفيه فظن إنيعييت عن الجواب، وما عييت
وقال الأخر:
سروران ما لهما ثالث: حياة البنين وموت البنات
وهذا من قول الأعراب: موت البنات، من المكرمات. وقال الأخر:
كانت سليمى تنادي يا أخي وقدصارت سليمى تنادي اليوم يا أبت!
وقال الأخر:
كلام الناس أشتاتومعنى كله: هاتوا!
وقال الأخر:
كم عائد رجلا وليس بعائدإلاّ ليعلم هل يراه يموت!
وقال الأخر:
كم مات قوم وما ماتت مكارمهموعاش قوم وهم في الناس أموات!
وقال الأخر:
وأنطقت الدراهم بعد عيأناس بعد ما كانوا سكوتا!
وقال الأخر:
وما تنفع الآداب والحلم والحجىوصاحبها عند الكمال يموت!
وقال الأخر:
ويحسن إظهار التجلد للعدىويقبح غير العجز عند الأحبة
وقال الأخر:
لا تتهم من شف فاك فانهأعطى الحياة وقدر الأقواتا
وقال أبو الطيب:
إنَّ الكرام بلا كرام منهممثل القلوب بلا سويداواتها
وقال: أبو العلاء المعري:
فالأرض تعلم أنني من فوقهامتصرف وكأنني من تحتها
غدرت بني الدنيا وكل مصاحبصاحبته غدر الشمال بأختها
شغفت بوامقها الحريص وأظفرتمقتي لمّا أظهرته من مقتها
لابد للحسناء من ذامٍ ولاذام لنفسي سيئ بختها
وقال الأخر:
إنَّ الصروف كما علمت صوامتعنها وكل عبارة في صمتها
متفقه للدهر إنَّ تستفتيهنفس عن جرمه لم يفتها
وتكون كالورق الذنوب على الفتىومصابه ريح تهب لحتها
وقال أيضاً:
رويدا عليها إنّها مهجاتوفي الدهر محيى لامرئ وممات
أرى غمرات ينجلن عن الفتىولكن توافي بعدها غمرات
ولابد للإنسان من سكر ساعةتهون عله بعدها السكرات
إلاّ إنّما الأيام أبناء واحدوهذي الليالي كلها أخوات
فلا تطلب من عند يوم وليلةخلاف الذي مرت به السنوات
وقال أيضاً:
والموت احسن بالنفس التي الفتعز القناعة من إنَّ تسال القوتا
بت الزمان حبالي من حبالكماعزز علي بكون الوصل مبتوتا
وقال:
أحسنت ما شئت في إيناس مغتربولو بلغت المنى أحسنت ما شيتا
وقال القاضي التنوخي:
القرآن العدو بوجه لا قطوب بهيكاد يقطر من ماء البشاشات
فأحزم الناس من يلقي أعاديهفي جسم حقد وأثواب المودات
وقال الآخر:
إذا نطق السفيه فلا تجبهفخير من إجابته السكوت
وهو مثل قول الآخر:
أو كلما ظن الذباب طردتهإنَّ الذباب إذا علي كريم
يحكى إنَّ رجلا اسمع أبن هبيرة وهو معرض عنه فقال له الرجل: إياك اعني فقال: وعنك أنا اعرض! وقال الآخر وينسب لعثمان بن عفان ﵁:
خليلي لا والله ما من ملمةتدوم على حي وإنَّ هي جلت
فإنَ نزلت يوما فلا تخضعن لهاولا تكثر الشكوى إذا النعل زلت
فكم من كريم قد بلى بنوائبفصابرها حتى انجلت واضمحلت
وقال أبو محمّد الحريري:
يا من تظن السراب ماءلمّا رويت الذي رويت
وقال:
فمهد العذر أو فسامحإنَّ كنت أجرمت أو جنيت
وقال أيضاً:
لا تحقرن أبيت اللعن ذا أدبلأن بدا خلق السربال سبروتا
ولا تضع لأخي التأميل حرمتهأكان ذا لسن أم كان سكيتا
وانفح بعرفك من وافك مختطباوأنعش بغوبك من ألفيت منكوتا
فخير مال الفتى مال اشد لهذكر تناقله الركبان أو صيتا
وما على المشتري حمدا بموهبةغبن ولو كان ما أعطاه ياقوتا
لولا المروءة ضاق العذر عن فطنإذا اشرأب إلى ما جاوز القوتا
لكنه لابتناء المجد جد ومنحب السماح ثنى نحو الغنى ليتا
وما تنشق نشر الشكر ذو كرمإلاّ وأزرى بنشر المسك مفتوتا
والحمد والبخل لم يقض اجتماعهاحتى لقد ذا ضبا وذا حوتا
السمح في الناس محمود خلائقهوالجامد الكف ما ينفك ممقوتا
وللشحيح على أمواله علليوسعنه أبداً ذما وتبكيتا
فجد بما جمعت كفاك من نشبحتى يرى مجتدي جدواك مبهوتا
وخذ نصيبك من قبل رائعةمن الزمان تريك العود منحوتا
فالدهر أنكر من إنَّ تستمر بهحال تكرهت تلك الحال أم شيتا
قوله: أشاد له ذكرا أي رفعه وهذا محمود مطلوب. ففي الحديث: إذا أردتم أن تعلموا ما للعبد عند الله فانظروا ما يتبعه من الذكر الحسن وقيل لبعض الحكماء: ما أحمد الأشياء؟ قال: أن يبقى للإنسان أحدوثة حسنة وقال اكثم بن صيفي: إنّما انتم خبر فطيبوا أخباركم وآخذه حبيب فقال:
وما أبن آدم الاذكر صالحةوذكر سيئة تسري بها الكلم
أما سمعت بدهرجاءت بأخبارها من بعدها الأمم
وأبو بكر بن دريد حيث قال:
وإنّما المرء حديث بعده:فكن حديثا حسنا لمن وعى
وقال الأحنف بن قيس: وما ادخرت الآباء للأبناء ولا أبقت الموتى للأحياء افضل من اصطناع المعروف عند ذوي الاحساب. وقيل لمعاوية: أي الناس احب إليك؟ فقال: من كانت له عندي يد صالحة. وقيل: إذا أقبلت عليك الدنيا فانفق منها فإنّها لا تفنى وإذا أدبرت عنك فأنفق منها فإنّها لا تبقى. واخذ هذا المعنى الشاعر فقال:
ولا تبخلن بدنيا وهي مقبلةفليس ينقصها التبذير والسرف
فإنَ تولت فأحرى أن تجود بهاوالحد منها إذا ما أدبرت خلف
وقال الآخر:
إذا جادت الدنيا عليك فجد بهاعلى الناس طرا قبل أن تنقلت
فلا الجود يقنيها إذا هي أقبلتولا البخل يبقيها إذا هي ولت
قوله: فكن البيت مثله قول الآخر:
لولا توقع معتر فأرضيهما كنت أوثر أترابا على تربي
وقال الآخر:
لولا شماتة أعداء ذوي حسدوأن أنال بنفع من يرجيني
لمّا خطبته إلى الدنيا مطايبهاولا بذلت لها عرضي ولا ديني
قوله: وما تنشق نشر الشكر ذو كرم البيت نحوه ما يحكى عن بعضهم قال: رأيت رجلا من وجوه أهل مكة لا يزال دائبا في طلب حوائج الناس وادخل الرفق على الضعفاء. فقلت له: اخبرني عن الحال التي أوجبت لك هذا التعب. فقال: قد والله سمعت تغريد الطير بالأسحار من فروع الأشجار وسمعت خفوق أوتار العيدان وترجيع أصوات القيان فما طلابت من صوت قط طربي من ثناء حسن على رجل قد احسن ومن شكر حر لرجل حر ومن شفاعة محتسب لطالب شاكر وفي مدح الكرم وذم البخل قول الله تعالى: ومن يوق شح نفسه. وقول النبي ﷺ: " إنَّ الله يحب الجود ومكارم الأخلاق، ويكره سفسافها ". وقوله ﷺ: أي داء أدوا من البخل؟ كما مر في قصته. وقيل لمحمود بن عياد: أنت متلاف! فقال: منع الجود، سوء الظن بالمعبود. أخذه محمود الوراق فقال:
من ظن بالله خيراً جاد مبتدياًوالبخل من سوء ظن المرء بالله
وخوف بعض البخلاء بعض الأسخياء الإملاق، فرد عليه السخي وقال: الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء، والله يعدكم مغفرة منه وفضلا. وقيل لعبد الله بن جعفر: إنك قد أسرفت في بذل المال. فقال: إنَّ الله تعالى عودني أنَّ يتفضل علي، ودعوته أنَّ أتفضل على عبيده؛ فأخاف أنَّ أقطع العادة، فيقطع عني عادته.
وقال أيضاً:
إنَّ الغريب الطويل الذيل ممتهنفكيف حال غريب ما له قوت؟
لكنه ما يشين الحر موجعة:فالمسك يسحق والكافور مفتوت
وطالما أصلي الياقوت جمر غضاثم انطفى الجمر والياقوت ياقوت
وقال أيضاً:
أستغفر الله من ذنوبأسرفت فيهن واعتديت
كم خضت بحر الضلال جهراورحت في الغي واغتديت!
وكم أطلعت الهوى اغتراراًواختلت واغتلت وافتريت!
وكم خلعت العذار ركضاإلى المعاصي وما ونيت!
وكم تناهت في التخطيإلى الخطايا وما انتهيت!
فليتني كنت قبل هذانسيا ولم أجد ما جنيت!
فالموت للمجرمين خيرمن المساعي التي سعيت
وقال طفيل الغنوي:
جزى الله عنا جعفراً حينما أزلقتبنا رجلنا في الواطئين وزلت
أبوا أنَّ يلمونا ولو أنَّ أمناتلاقي الذي يقولون منا لملت
وهم أسكنوا في ظلال بيوتهمظلال بيوت أدفأت وأكنت
ويروى أنَّ مالا جاء من البحرين فقسمه أبو بكر الصديق ﵁ بالسوية، فغضبت الأنصار وقالوا: لنا فضل. فقال: صدقتم! إنَّ أردتم أنَّ أفضلكم ذهب عملكم للدنيا، وإنَّ صبرتم كان ذلك لله. فقالوا: والله ما عملنا إلاّ لله! وانصرفوا. فخطب أبو بكر وقال أثناء خطبته: يا معشر الأنصار! لو شئتم لقلتم: أنا آويناكم في ظلالنا، ونشاطركم في أموالنا، ونصرناكم بأنفسنا. يا معشر الأنصار! لكم من الفضل ما لا يحصيه العدد، وإنَّ طال به الأمد. فنحن وأنتم كما قيل طفيل الغنوي وأنشد الأبيات، متمثلا. وقال كثير:
هنيئا مريئا غير داءٍ مخامرٍلعزة من إعراضنا ما استحلت
حكي أنَّ الشعبي أتى المسجد يوما فصادف فيه قوما يغتابونه، فأخذ بعضادتي الباب وقال: هنيئا مريئا " البيت ". وهذا البيت من قصيدة كثير التائية المشهورة التي أولها:
خليلي هذا ربع عزة فاعقلاقولوا صيكما ثم أبكيا حيث حلت!
ومنها:
وكنت كذي رجلين: رجل صحيحةورجل رمى فيها الزمان فشلت
وكانت كذات الضلع لمّا تحاملتعلى ضلعها بعد العثار استقلت
أريد الثواء عندها وظنهاإذا ما أطلنا عندها المكث ملت
ومنها.
وإني وتهيامي بعزة بعدماتخليت مما بيننا وتخلت
لك المرتجي ظل الغمامة كلماتبوا منها للمقيل اضمحلت
كأني وإياها سحابه ممحلرجاها فلما جاوزته استهلت
وذكر أبو علي البغدادي إنّه قيل لكثير: من أشعر؟ أنت أم جميل؟ قال: أنا. فقيل له: كيف، وأنت راويته؟ فقال جميل الذي يقول:
رمى الله في عيني بثينة بالقذاوفي الغر من أنيابها بالقوادح!
وأنا أقول: هنيئا مريئا غير داءٍ مخامر، الخ.
قلت: وقد وقع له بعد هذا البيت نحو ما لجميل، حيث قال:
فإن تكن العتبي فأهلا ومرحباوحقت لها التعبسي لدينا وقلت
وإنَّ تكن الأخرى فإن وراءنامنادح لو سارت بها العيس كلت
فقوله: وراءنا مناديح أضر على قلب عزة من القذى في العين، غير إنّه قال أيضاً:
أسيئي بنا أو احسني لا ملومةلدينا ولا ملقية إنَّ تقلت
وقال الأخر:
سقوني وقالوا لا تغن، ولو سقواجبال حنين ما سقوني لغنت
ذكروا أنَّ فتى أتي به بعض الخلفاء ثملا، فسأله. فأنشد ذلك، وقال آخرون: أتي بفتى من قريش إلى عبد الملك بن مروان، فقال له: أين شربت؟ فقال:
شربت مع الجوزاء كأسا رويةوأخرى مع الشعري إذا ما استقلت
معتقة كانت قريش تعافهافلما استحلت قتل عثمان حلت
فاستظرفه وأمر بإطلاقه، وأعطاه عشره آلاف درهم. والسادات الصوفية، أسبل الله رضوانه عليهم، وحشرنا إليهم، يتمثلون بالبيت السابق في شرابهم المستطاب، الذي كل شراب
دونه سراب أو عذاب؛ وفي ذلك قال الإمام المقدسي، مضمنا للبيت المذكور:
أباحت دمي إذ باح قلبي بحبهاوحل لها في حكمها ما استحلت
وما كنت ممن يظهر السر إنّماعروس هواها في ضميري تجلت
فشاهدتها فاستغرقتني فكرةأغيب بها عن كل كلي وجملتي
وحلت محل الكل مني بكلهافإياي إياها إذا ما تبدت
ونمت على سري فكانت هي التيعليها بها بين البرية نمت
إذا سألت من أنت؟ قلت أنا الذيبقائي إذا أفنيت قيل هويتي
أنا الحق في عشقي كما أن سيهيهو الحق في حسني لغير معية
فإن أك في سكري فإننيحكمت بتمزيق الفؤاد المفتت
ولا غرو إنَّ أصليت نار تحرقيونار الهوى للعاشقين أعدت
ومن عجبي أنَّ الذين أحبهموقد أعلقوا أيدي الهوى بأعنة
سقوني وقالوا لا تغن، ولو سقواجبال حنين ما سقوني، لغنت
وقال الأخر:
لقد بخلت حتى لو إني سألتهاقذى العين من ضاحي التراب لضنت
فإنَ بخلت فالبخل منها سجيةوإنَّ بذلت أعطت قليلا وأكدت
وسيأتي في هذا المعنى ما فيه كفاية، إن شاء الله تعالى.
وقال أعرابي:
شر قرين للكبير بعلتهتولغ كلبا سؤره أو تكفته
البعلة: الزوجة، والرجل بعل. والمعنى أن الرجل إذا كبر تقذرته امرأته: فلا تشرب فضلة شرابه، بل تسقيه كلبا أو تكفته على الأرض.
وقال الأخر:
أقول إذ حوقلت أو دنوت،وبعض حيقال الرجال الموت:
مالي إذا أنزعتها صأيتأكبر غيري أم بيت؟
والبيت: الزوجة أيضاً.
فائدة: الزوجة لها أسماء عدة: منه البعلة والبيت وتقدم ومنها الشهلة. قال الشاعر:
له شهلة شابت ومامس جيبهاولا راحتيها الشثنتين عبير
وتطلق الشهلة على العجوز كقول الآخر:
باتت تنزي دلوها تنزياكما تنزي شهلة صبيا
وهذا أيضاً محتمل. ومنها الحليلة وجمعها حلائل. قال الله تعالى: وحلائل آبائكم. ومنها العرس بكسر العين. قال امرؤ القيس:
كذبت لقد أصبى على المرء عرسهوامنع عرسي أن يزن بها الخالي
ويقال للرجل أيضاً عرس وكذا العروس يستويان فيه غير إنّه إنّما يوصفان به ما دام في إعراسهما بخلاف العرس. وأما العرس بضم العين فاسم الوليمة ومنها الحنة. قال الشاعر:
ما أنت بالحنة الودود ولاعندك خير يرجى لملتمس
ومنها الطلة قال الشاعر:
وإنَّ امرؤا في الناس كنت أبن أمهتبدل مني طلة لغبين
دعتك إلى هجري فطاوعت أمرهافنفسك لا نفسي بذاك تهين
ومنها الربض ويقال الربض أيضاً لكل ما أويت إليه. قال الشاعر:
جاء الشتاء ولمّا اتخذ ربضايا ويح نفسي من حفر القراميص
ومنها القعيدة. قال الحطيئة:
أطوف ما أطوف ثم آويإلى بيت قعيدة لكاع
ومنها الزوج ويطلق على الذكر والأنثى. وقد بقال الزوجة على قلة كقول الفرزدق:
وإنَّ الذي يسعى ليفسد زوجتيكساع إلى أسد الشرى يستبيلها
وقال سليمان العدوي أو الخزاعي في مرثيته للحسين ﵁:
إذا افتقرت قيس جبرنا فقيرهاوقتلنا قيس إذا النعل زلت
وهو مثل قول اللحيص بيض:
ملكنا فكان العفو منا سجيةفلما ملكتم سال بالدم ابطح
وقرئ على قبر بالمدينة:
يا مفردا سكن الثرى وبقيت لوكنت اصدق إذ بليت بليت
الحي يكذب: لا صديق لميتلو صح ذاك ومت كنت أموت
ومثله قول الآخر:
ومن عجب أن بت مستشعر الثراوبت بما زودتني متمتعا
ولم إنني أنصفتك الود لم أبتخلافك حتى تنطوي في الثر معا
وقول الآخر:
ما وفي العباد حي لميتبعد ياس منه له في الإياب
وقول الآخر:
نسيبك من أمسى يناجيك طرفهوليس لمن وارى التراب نسيب
وقال أبو محمّد الحريري رحمه الله تعالى في غلام ابقل عذاره:
قال العواذل ما هذا الغلام به:أما ترى الشعر في خديه نبتا
فقلت والله لو إنَّ المفند ليتأمل الرشد في عينيه ما ثبتا
ومن أقام بأرض وهي مجدبةفكيف يرحل عنها والربيع أتى؟
وقال أبن زهر الاشبيلي إذ غلب عليه الشيب:
إني نظرت إلى المرآة إذ جليتفأنكرت مقلتاي كل ما رأتا
رأيت فيها شيوخا لست اعرفهوكنت اعهده من قبل ذاك فتى
فقلت: أين الذي بالأمس كان هنامتى ترحل عن هذا المكان متى؟
فاستضحكت ثم قالت وهي معجبةأتى الذي أنكرته مقلتاه أتى
كانت سليمة تنادي: يا أخي وقدصارت سليمى تنادي اليوم: يا أبتا
وتقدم بعضه قبل هذا الباب. وقال الآخر:
الصبر محمود إلى غايةوهذه الغاية حتى متى؟
ما احسن الصبر ولكنهفي ضمنه يذهب عمر الفتى
وهو مأخوذ من قول بعض الحكماء: ما احسن الصبر لولا إنَّ النفقة عليه من العمر.
وقال الآخر:
ألم تر إنَّ الدهر يوم وليلةيكران من سبت عليك إلى سبت؟
فقل لجديد العيش: لا بد من بلىوقل لاجتماع العيش: لابد من شت
وقال الآخر:
إذا لم يكن مني تصامموفي بصري غض وفي منطقي صمت
فحظي إذا من صومي الجوع والظماوإنَّ قلت إني صمت يوما فما صمت
وفيه الجناس التام. وقال الآخر وقد قدم على المواريث:
وما نلت من شغل المواريث غير إنَّاسرح نعشا كلما مات ميت
واكتب بالأموات صك كأنهميخاف عليهم من الحساب التفلت
كأني لعزرائيل صرت مناقضا:فهاهو يمحو كل يوم واثبت
وقال الفرزدق:
بنو دارم إكفاؤهم آل مسمعوتنكح في اكفائها الحبطات
وكان بلغه إنَّ رجلا من الحبطات يخطب امرأة من دارم فقال ذلك. ودارم هو مالك بن حنضلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم وآل مسمع كمنبر من بني قيس بن ثعلبة وهم بيت بكر بن وائل في الإسلام. والحبطات بنو الحارث بن عمرو بن تميم وكان أبوهم الحارث يلقب بالحبط بكسر الباء الموحدة والحبط هو الذي يصبه الحبط بفتحتين وهو انتفاخ بطون الماشية من أكل النبات كما مر. وأصاب ذلك الحارث في بعض أسفاره فقيل له الحبط وقيل لأولاده الحبطات. ويضرب هذا البيت مثلا لمن طمح إلى فوق قدره في هذا المعنى.
وقال بعض الأعراب:
وسائلي عن خبري لويتفقلت: لا ادري وقد دريت
وقبله:
ومنهل في الغراب ميتكأنه من الأجوان زيت
سقيت منه القوم واستقيتوليلة ذات ندى سريت
ولم يلتني عن سراها ليتولم تضرني كنة وبيت
وجمة تسألني أعطيتوسائلي عن خبري لبيت
والبيت هنا أيضاً الزوجة والجمة القوم يسألون في الديات.
وقال الآخر:
خليلي هذي زفارة اليوم قد مضتفمن لغد من زفرة قد أظلت
ومن زفارات لو قصدن قتلننيتقص التي تبقى التي قد تولت
وقال الآخر:
القني في لظى: فإن أحرقتنيفيقين أن لست بالياقوت
جمع النسيج كل من حاك لكنليس داود فيه كالعنكبوت
وهذا الشعر معروف مشهور ولم يعرف قائله ويتمثل به على نحو قولهم: ما كل سوداء تمرة وقولهم: مرعى ولا كالسعدان. وتقدم معنى البيت الأول في قول الحريري:
وربما أصيل الياقوت جمر لطىثم أنطفى الجمر والياقوت ياقوت
وقال بعضهم في مناقضة البيتين المذكورين:
أيّها المدعي الفخار دع الفخر لذي الكبرياء والجبروت
نسيج داود لم يفد ليلةالغار وكان الفخار للعنكبوت
وبقاء السمند في لهبالنار مزيل فضيلة الياقوت
وكذاك النعمام يلتقم الجزيرةمر وما الجمر للنعام بقوت
وأراد إنَّ للعنكبوت شرف عظيما بنسيجها على فم الغار الذي دخله النبي ﷺ وأبو بكر وذلك مشهور. وقد قيل إنّها أيضاً نسجت على نبي الله داود ﵇ حين طلبه طالوت وعلى عبد الله بن انس حين بعثه النبي ﷺ إلى قتل خالد الهذلي وعلى عورة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي
طالب ﵃ حين صلب عريان والله اعلم. والسمند الذي ذكره هو السمندل بالام وهو طائر يكون في أرض الهند لا يحترق بالنار تصنع منه المناديل فإذا اتسخت ألقيت في النار فأكلت النار ما عليها من الأوساخ وبقيت نظيفة فكان ذلك لها غسلا وإذا غمس شيء منها في الزيت وجعل في المصباح اشتعل بما فيه من الزيت ولم يحترق منه شيء أصلا ولو بقي ما بقي. وبعد كتابي هذا وجدت في بعض الدواوين أصل هذا الشعر وهوان بعض الملوك كان له وزير فعتب عليه شيئاً وحلف ليستبدلنه بمن لقي. فلقي أعرابي رث الهيئة فاستوزره فقال الوزير الأول وكان اسمه ياقوت يعرض للثاني:
احكم النسيج كل من حاك لكننسيج داود ليس كالعنكبوت
القني في لظا البيت.
فأجابه الثاني بقوله:
نسج داود ما حمى صاحب الغاروكان الغار للعنكبوت
وفراخ السمند في لهب النارأزالت فضيلة الياقوت
وقالت امامة العامرية من شعراء الحماسة:
وحرب يضج القوم من نفيانهاضجيج الجمال الجلة الدبرات
سيتركها قوم ويصلى بحرهابنو نسوة للثكل مصطبرات
وقال جحدر:
قد علمت والدتيي ما ضمتولففت خرق وشمت
إذا الكماة بالكماة التفتامخدج اليدين أم أتمت
أي قد علمت مخائل الكرم في منذ ولدتني وعلمت إني تام الخلق غير ناقص لإقدامي وجراتي.
وقال سنان بن فحل الطائي:
وقالوا قد جننت فقلت كلاوربي ما جننت ولا انتشيت
ولكني ظلمت فكدت ابكيمن الظلم المبرح أو بكيت
فإنَ الماء ماء أبي وجديوبئري ذو حفرة وذو طويت
وقبلك رب خصم قد تمالواعلي فما جزعت ولا نيت
ولكني نصبت لهم جبينيوألة فارس حتى قريت
وقال تأبط شرا:
ألم تعلم بأني لا كبيرفتهونه ولا ضرع شخيت
وإنَّ على وداعي كل خيروإنَّ قذافي الموت المميت
الضرع: الضعيف والشخيت: الضئيل الحقير والوداع: المودعة والمسالمة والقذاف: المقاذفة اللسان وقال المأمون العباسي:
وما أحد طالت له لحيةفزادت اللحية في هيئته
إلاّ وما ينقص من عقلهاكثر مما زاد في لحيته
وكان يوما جالسا مع ندمائه يذكرون أخبار الناس فقال المأمون: ما طالت لحية إنسان قط إلاّ نقص من عقله بمقدار ما طال من لحيته وما رأيت عاقلا قط طويل اللحية فلم يسلم له جلساؤه ذلك. فبينما هم كذلك إذ اقبل رجل كبير اللحية حسن الهيئة حسن الثياب. فقال المأمون: ما تقولون في هذا الرجل؟ فقال بعضهم: هو رجل عاقل وقال آخر: يجب إنَّ يكون هذا قاضيا. فقال المأمون: علي به فلم يلبث أن صعد إليه فسلم وأجاد السلام واستنطقه بأحسن المنطق. فقال المأمون: أبو حمدوية. قال: ما الكنية؟ قال: علوية. فضحك المأمون واقبل على جلسائه فغمزهم عليه ثم قال: ما صنعتك؟ قال: أنا فقيه أجيد الشرح للسائل. فقال المأمون: نسألك عن مسألة؟ قال: سل عما بدا لك! فقال المأمون: ما تقول في رجل اشترى شاة من رجل فلما سلمها المشتري ومضى خرجت من أستها بعرة ففقأت عين رجل. على من تجب دية
العين؟ قال: تجب على البائع دون المشتري. فقال المأمون: وما العلة التي أوجبت الدية على البائع دون المشتري؟ قال: لأنّه لمّا باعها لم يشترط إنَّ في أستها منجنيقا. قال: فضحك المأمون حتى استلقى على قفاه وضحك كل من حضر من الندماء وأنشأ المأمون يقول: ما أحد طالت لحيته البيتين ومثله قول الآخر:
إذا عظمت للفتى لحيةفطالت وصارت إلى سرته
فنقص عقل الفتى فاعلمنبمقدار ما زاد من لحيته
وقول الآخر:
لا تفخرن بلحيةكثرت منابتها طويلة
تهوي بها هوج الرياحكأنها ذنب السحلية
قد يدرك الشرف الفتىيوما ولحيته قليلة
السحلية: ولد البقرة والجمع حسيل. وقول الآخر:
وكل امرئ ذي لحية عثوليةيقوم عليها ظن إنَّ له فشلا
وما الفضل من طول السبال وعرضهاإذا الله لم يجعل لصاحبها عقلا
وقال الحسن بن المثنى: إذا رأيت رجلا له لحية طويلة ولم يتخذ لحية بين لحيتين كان في عقله شيء. وسيأتي من هذا المعنى ما في الكفاية إن شاء الله تعالى. وقول الآخر:
إذا لم يكن فيك ظل ولا جنىفأبعدكن الله من شجرات
وقال الآخر:
يقوا أناس: لو نعت لنا الهوىووالله ما ادري لهم كيف انعت
فليس لشيء منه حدّثني أحدهوليس لشيء منه وقت موقت
إذا اشتد مابي كان آخر حيلتيله وضع كفي فوق خدي واصمت
وانضح وجه الأرض طورا بعبرتيواقرعها طورا بظفري وانكت
وقد زعم الواشون إني سلوتها:فما لي أراها من بعيد فأهبت؟
وقال دعبل بن علي الخزعلي:
أحببت ومي ولم اعدل بحبهمقالوا: تعصب جهلا قول ذي بهت
دعني أصل رحمي إنَّ كانت قاطعها:لا بد للرحيم الدنيا من الصلة
فاحفظ عشيرتك الادنين إنَّ لهمحقا يفرق بين الزوج والمرة
وقال الأخر: ليس أعرابي من بالحارث:
رئمت لسلمى فضيم وإننيقديما لآبي الضيم وأبن أبات
فقد وقفتني بين شك وشبهةوما كنت وقافا على الشبهات
وقال الحامسي:
إذا ما يد لم تعط مما تخولتمن المال في المعروف يوم فشلت
فلولا ثلاث هن من عيشة الفتىوجدك لم احفل حتى متى ما أظلت
فمنهن أن ألقى الصليب وأهلهواقدم فوق القارح المتفلت
ومنهن أن أعطي الكريم بسؤلهإذا شعب المعروف في الناس قلت
ومنهن إبراز الفتاة بنانهاوقد أعطيت من صورة ما تمنت
اصاح تروح نترك الجهل والصباونمح بقيا فتنة قد أظلت
فما لك من ليلى ساء تحيةتكون وداعا للفرق وقلت
وزفرة مجزون وذكر مصيبةسلوت ولو عزت علي وجلت
لم احفل: لم أبال وأظلت: أقبلت وغشيت وشعب المعروف: طرقه وأسبابه. وهذا التقسيم كأنه آخذه من قول طرفة بن العبد:
فلولا ثلاث هن من عيش الفتىوجدك لم أحفل متى قام عودي
فمنهن سبقي العاذلات بشربةكميت متى ما تجعل بالماء تزبد
وكري إذا نادى المضاف مجنباكسيد الغضا نبهته المتورد
وتقصير يوم الدجن والدجن معجبببهكنة تحت الطرف المعمد
وسيأتي مع بيانه في محله إن شاء الله تعالى.
وقال الشيخ أبي الفارض ﵁:
كأني هلال الشك لولا تأوهيخفيت فلم تهد العيون لرؤيتي
وسيأتي إنشاد ما قيل في النحول إن شاء الله تعالى. وقال:
أروم وقد طال المدى منك نظرةوكم من دماء دون مرامي طلت
وقال:
وجنبني حبيبك وصل معاشريوحببني ما عشت قطع عشيرتي
وأبعدني عن أربعي بعد أربعشبابي وعقلي وارتياحي وصحتي
فلي بعد أوطاني سكون إلى الفلاوبالوحش أنسي إذ من الأنس وحشتي
وما ظفرت بالود روح مراحةولا بالولا نفس صفا العيش ودت
وأين الصفا؟ هيهات من عيش عاشقوجنة عدن بالمكاره حفت
وحسن به تسبي النهى دلني علىهوى حسنت فيه لعزك ذلتي
وقال أبو الفرج بن هند:
لا يرد الردى لزوم بيوتلا ولا يقتضيه جوب فلاة
مولد الدر حماة فإذا سافر حل التيجان واللماتسة
وتقدم في هذا المعنى شعر كثير. ولنذكر هنا شيئا من غير ما مر من ذلك قول أبن الساعاتي:
اهلك والليل منضيا جملكشمر فخير البلاد ما حملك
لا خير في بقعة تروى من الأرض إذا لم تنل بها املك
حتام لا تعمل الجياد ولاتعمل في كل غاية جملك
لقد تربص خيفة الأجلالمحتوم لو كان دافعا أجلك
وحبذا ذاك لو وجدت فتىافضل يوما عليك أو فضلك
قال أبن قلاقس:
سافر إذا حاولت قدراسار الهلال فصار بدرا
والماء يسكب إن جرىطيبا ويخبث ما استقرا
وبنقلة الدرر النفيسةبدلت بالبحر نحرا
وله أيضاً:
شرفي جاوز الغنى ومن العارضما انحط عن رؤوس الجبال
كيف لا أسرع التنقل والمشهرللبدر سرعة الانتقال
وقوله أيضاً:
إنَّ مقام المرء في بيتهمثل مقام الميت في لحده
فواصل الرحلة نحو الغنىفالسيف لا يقطع في غمده
والنار لا يحرق مشبوبهاإلاّ إذا ما طار عن زنده
وقول أبن الغنائم:
سر طالبا غاياتها: أما ترىفوق الثريا أو ترى تحت الثرى
لا تخلدن إلى المقام فإنماسير الهلال قضا له أن يقمرا
لا تبك دارا فالفتى من إن دعادمعا عصاه وإن دعاه ما جرى
أين الكنائس من العرين وغزلان اللوى في المجد من أسد الشرى
لو ينتج الوطن العلا ما سار عنغمدان سيد حمير مستنصرا
والليث لو وجد الفريسة رابضاأو ناهضا في خيسة ما اصحرا
لا عار في بيع النفوس على الردىعندي إذا كان العلاء المشترى
حتام حظي في الوهاد وأصحابالدناءة في الشواهق والذرى؟
ما الجبن يحميني الحمام ولا أرىالأقدام يجلب لي سوى ما قدرا
لا بد منها وثبة تسعى الظبىفيها وتكسو الجو فيها العيثرا
أشكو إلى الأيام ما ألقى لهاوجها على تلوينها مستبشرا
ما عذر من لم يلق وجها ابيضامنهن إن لم يلق وجها احمرا
وقال أبو الفضل التميمي:
دعني اسر في البلاد متلمسافضل مال إن لم يفر زانا
فبيدق الرخ وهو ايسر مافي الدست إن سار صار فرزانا
وقال أبن صردر:
قلقل ركابك في الفلاودع الغواني للقصور
لولا التغرب ما ارتقىدر البحور إلى النحور
وقول الآخر:
دعي عزمات المستضام تسيرفتنجد في عرض الفلا وتغور
اللم تعلمي إنَّ الثواء هو التوىوإنَّ بيوت العاجزين قبور
وقول أبي إسحاق الغزي:
يا حليا عاطل البيدبوجه النجيبة الشملال
زحل اكبر الكواكب لايحمل إلاّ من قلة الانتقال
وقول أبن قلاقس أيضاً:
إن كنت تبغي وطنامن العلى فاغترب
فالسمر في غاباتهامعدودة في القصب
والشمس لا ترقب فيالمشرق لو لم تغرب
وقول أبن الساعاتي أيضاً:
وكن غنيا عن كل أرض بأختهاوإنَّ حل مغناها كواعب عين
فلولا فراق الدر أصداف بحرهلأنكره تاج وصد جبين
وقوله أيضاً:
ولا يصدنك عن شيء ترفعهفربما صار وردا نازح السحب
لم يشرق الدر لولا هجر موطنهوالبدر ما تم حتى جد في الطلب
وقول الآخر:
فالتبر كالتراب ملقى في موطنهوالعود في أرضه نوع من الحطب
ومثله قول الآخر:
أضيع في معشري وكم بلديعود الكباء من حطبه
وقول أبن السكن:
قالوا نراك كثير السير مجتهداًفي الأرض طوراً وترتحل
فقلت لو لم يكن في السير فائدةما كانت السبع في الأبراج تنتقل
وقال الأخر:
أقول لجارتي والدمع جرٍولي عزم الرحيل من الديار
ذريني أنَّ أسير ولا تنوحيفإن الشهب أشرفها السواري
وقال أبن سناء الملك:
وأسعد الناس من لاقى بلا تعبمبدأ السعادة في مبدأ شبيبته
وهذا البيت من أبيات يمدح بها والده الرشيد، وهي:
إني لأرثي لدمعي من تزاحمهكما رثيت لشملي من تشتته
أنا القوي بعزمي والرشيد أبيهو الرئيس على الدنيا بهمته
أبني وأنشر بيت المجد مجتهداًفي لم لمته أو رم رمته
أصبحت أحتال في حال ونضرتهابه وارتع في عيشي وخضرته
واسعد الناس " البيت " ومما مدحه به أيضاً قوله:
يكفيك أني بك يا سيديقد طاب أصلي وزكا محتدي
جاوزت حدّثني البر بي صاعداًفقف: فما أبقيت من مصعد!
وقوله أيضاً من قصيدة:
أني لي النقص إنَّ مجد أبيسام كما أنَّ قدره سابق
هو الرشيد الذي رياستهسارت، فلا زاجر ولا سائق
يكنى أبا الفضل وهو يعشقنفس الفضل، والمرء لابنه عاشق
وأين هذا من أبن الرومي، حيث يقول في هجو أبيه، وبئس ما قال!:
لو كان مثلك في زمان محمّدًما جاء في القرآن بر الوالد!
وأبن عنين في قوله:
وجبتني أن أفعل الخير والدقليل إذا عد أهل المناسب!
بعيد من الحسنى قريب من الخناوضيع مساعي الخير جم المثالب
إذا رمت أنَّ أسمو صعوداً إلى العلاغدا عرقه نحو الدنية جاذبي
ومثل هذا البيت قول الآخر في خالد بن عبد الله القسري، أو في غيره:
إذا نبهته نخوة عربيةإلى المجد قالت إرمنيته نم
وممن هجا والده أبن بسام، حتى قال: فيه بعض الشعراء:
من شاء يهجو عليافشعره قد كفاه
لو إنّه لأبيهما كان يهجو أباه
وقال الأخر:
لا تخف للخطوب في كل وقتٍلا ولا تخشاها وإنَّ هي جلت!
فحقيق دوامها ليس يبقىكثرت في الزمان أو هي قلت
واردع للهموم صبرا جميلاًفالرزايا إذا توالت تولت
وقال الأخر في هذا المعنى:
اصبر إذا نائبه حلتفهي سواء والتي ولت
واستنهض العزم فليس الظباتربي وتفري كالتي كلت
وفي هذا المعنى شعر كثير تقدم بعضه، وسيأتي في محل أخر، إن شاء الله تعالى.
وقال الأخر:
القبر أخفى سترة للبناتودفنها يروى من المكرمات
أما رأيت الله جل اسمهقد وضع النعش بجنب البنات؟
وسيأتي هذا المعنى مستوفي، إن شاء الله تعالى.
وقال الأخر:
اقنع بأسير شيء أنت نائلهواصبر ولا تتعرض للولايات!
فما صفا النيل إلاّ وهو منتقصولا تكدر إلاّ في الزيادات
ومثله قول أبن طباطبا:
كن بما اوتيته مغتبطاتستدم عمر القنوع المكتفي!
إنَّ في النيل المنى وشك الردىوقياس عند السرف
كسراج دهنه قوتهفإذا أغرقته فيه طفي
وقال الأخر:
خذ من العيش ما كفى
كسراج منورإن طفا دهنته انطفا
وسيأتي هذا المعنى مستوفي، إن شاء الله تعالى.
وقال البحتري:
إنَّ أبق أو اهلك فقد نلت التيملأت صدور أقاربي وعداتي
وغنيت ندمان الخلائف نابهاذكري وناعمة بهم نشواتي
وشفعت في الأمر الجليل إليهمبعد الجليل فأنجحوا طلباتي
ووضعت في العرب الصنائع عندهممن رفد طلاب وفك عناة
وقال دعبل الخزاعي:
لا تعرضن بمزح لامرئ طبنما راضه قلبه أجراه في الشفة
فرب قافية بالمزح جاريةفي محفل لم يرد إنماؤها نمت
إني إذا قلت بيتا ماتب قائلهومن يقال له والبيت لم يمت
ونحوه قول الآخر:
فللشعراء ألسنه حدادعلى العورات موفية دليله
ومن عقل الكريم إذا اتقاهمودارهم مدارة جميلة
إذا وضعوا مكاويهم عليهوإنَّ كذبوا فليس لهن حيله
وسيأتي هذا المعنى مستوفي، إن شاء الله تعالى.
وقال الأخر يتشوق إلى أهله:
ولي كبد مكلومة لفراقكمأطمئنها صبراً على ما أجنت
تمنتكم شوقا إليكم وصبوةعسى الله أنَّ يدني لها ما تمنت
وعين جفاها النوم واعتادها البكاإذا عن ذكر القيروان استهلت
وقال تميم بن جميل بين يدي المعتصم، وقد قدم السيف والنطع ليقتله:
أرى الموت بين النطع والسيف كامنايلاحظني من حيث ما أتلفت
واكبر ظني أنك اليوم قاتليوأي امرئٍ مما قضى الله يفلت؟
وأي امرئ يدلي بعذر وحجةٍوسيف المنايا بين عينيه مصلت؟
يعز على الأوس بن تغلي موقفيهز علي السيف فيه وأسكت
فما حزني إني أموت وإننيلأعلم أنَّ لموت شيء موقت
ولكن خلفي صبية قد تركتهموأكبادهم من حسرة تتفتت!
كأني أراهم حين أنعى إليهموقد خمشوا تلك الوجوه وصوتوا
فإن عشت عاشوا خافضين بنعمةٍأذوذ الردى عنهم وإنَّ من موتوا
فكم قائل لا يعبد الله دارهوآخر جذلان يسير ويشمت!
فعفا عنه المعتصم، واحسن إليه، وقلده عملا. ونحو البيت الأخير قول الأول:
إذا مت كان الناس صنفان شامتوآخر مثن بالذي كنت أصنع
وقال أبن رشيق:
أيّها الموحي إلينانفثه الصل الصموت
ما سكتنا عنك عيارب نطقٍ في السكوت
لك بيت في البيوتمثل بيت العنكبوت
إنَّ يهن وهنا ففيهحيلتا سكنى وقوت!
ومثل هذا قوله أيضاً:
واحرق أكال للحم صديقهوليس لجاري ريقه بمسيغ
لست له ظنا بعرضي فلم أجبورب جواب في السكوت بليغ
وقول الآخر:
واعلم بأن من السكوت إبانةومن التكلم ما يكون خبالا
وقول الآخر:
أيا رب إنَّ الناس لا ينصفونيولم يحسنوا قرضي على حسنات
إذا ما رأوني في رخاء توددواإلي وأعداء لدى الأزمات
ومهما أكن في نعمة حزنوا لهاذوو أنفس في شدتي جذلات
ثقاتي ما دامت صلاتي لديهموإنَّ عنهم أخرتهم فعداتي
سأمنع قلبي إنَّ يحن إليهمواصرف عن قاليا لحظاتي
والزم نفسي الصبر دائبا لعلنيأعين ما أملت قبل مماتي
ألا إنّما الدنيا كفاف وصحةوأمن ثلاث طيب كل حياة
وقال الأخر:
وما النفس إلاّ حيث يجعلها الفتى:فإن توقت تاقت وإلاّ تسلت
وقال الأخر:
إذا ما مددت النفس التمس الغنىإلى غير من قال اسألوني فشلت
سأصبر جهدي إنَّ في الصبر عزةوأرضى بدنياي وإنَّ هي قلت
وقال الأخر:
من لي بذكري كلما أوحشتهتمحو سلوي واشتياقي تثبت
وسحاب دمع كلما أمطرتهغير القتاد بمضجعي لا ينبت؟
وقد كنت قلت معنى البيت الأخير، قبل إنَّ أراه، وهو مطلع قصيدة:
طرقت من بعد الهدو بلابلتمهى كما طرق الخميلة وابل
سحب متى تحلل بأكناف الحشىينبت به منها القتاد الراعل
إلاّ إنّه جعله في مطر الدموع، وأنا جعلته في مطر الأحزان؛ وجعله في المضجع، وأنا جعلته في وسط الفؤاد، وإليك ارتياد الإبلاغ!
تقسم منك الترب قومي وجيرتي: ففي الظاهر إحيائي وفي البطن أمواتي
وتقدم كثير مما قيل في ذكر الوطن، وسيأتي مزيد فيه، إن شاء الله تعالى.
وقلت أنا في قوم غشوا لئيما فجعل جائزتهم الازدراء:
لأن تهملوا أو يزدرى بوجوهكمفذوا ورطات خاضها الطين بابته
ومن يستبل يوما حميراً ينلنهفلا يشجعه من بولهن إصابته
ولو كان حلم لأدري المرء إنّهمن النوك أنَّ تمتد للصخر راحته
إلاّ إنَّ برقا خلبا غير ممطروشائمة الحرمان والغم غايته!
ودخلت يوما عليه للتسليم عليه، فرأيت من لقياه ما أكره، فقلت في نفسي ارتجالا أو شبه ارتجال:
أتكبر يا أبن اللؤم بالكبر والخناولؤم لديه ما درى كرم الخلق؟
وتلتمس ركن المعالي براحةمغللة منها البنان إلى العنق؟
وتستقبلن وجه السيادة مسفراًبوجه كوجه الضفدع التف في سحق؟
وترقى سرير الملك يوما بأحمصٍلو أعتسفت خضر الصوح بالمحق؟
ولو خاضت العذاب الفرات غدابهازعاقا يغص الشاربين وذا رنقِ
وتجري تصريف الرعايا جميعهاعلى مسكة العصفور ذي الطيش الخرق
وتقدم في دفع الملمات عنهمبقلب هيوب يستفز من الوق
فهيهات منك المجد إنَّ كنت عاقلاًفدعه وإنَّ كنت المهوس فأسترق!
فلا خير فيه غير أن لقاءهيعلمك الهجو البليغ على صدق
وإن هجا الناس ليس يسوؤهوهل ساء من على العرض يستبقي؟
دخلت عليه زائرا فإذا أنابكلب مطير عابس مائل الشدق
واحسن إذا أخطأت إن زرت مثلهفيعاقبني بالتيه أو سيئ الخلق
وأنا أستغفر الله العظيم من هجو المسلمين، وثلب أعراض الغافلين. ولولا أن اغتياب
البخيل، ورد فيه ترخيص وتسهيل، مع إبتناء الكتاب، على قصد الإمتاع من كل باب، ما مضمضت بالهجو لساني، وسطرته ببناني.
وهيهفاء يحكيها القضيب تأوداًإذا ما انثنت في الريط أو حبراتها
يضيق الإزار الرحب عن ردفها كمايضيق بها الأحشاء عن زفراتها
وما ظبية أدماء تألف وحدةتزيد ظلال الضال أو أثلاتها
بأحسن منها يوم أومت بلحظهاإلينا ولم تنطق حذار وشاتها
وقال أبن النبيه:
من لي بسلمى وفي أجفان مقلتهاللحرب بيض حداد قط ما صحفت
يهتز بين وشاحيها قضيب نقىحمائم في أفنانه صدحت
وأسود الخال في محمر وجنتهاكمسكة نفحت في جمرة لفحت
وقال الحماسي في غير هذا المعنى:
لا تنكحن الدهر ما عشت أيمامجربة قد مل منها وملت
تحك قفاها من وراء خمارهاإذا فقدت شيئاً من البيت جنت
تجود برجليها وتمنع درهاوإنَّ طلبت منها المحبة هرت
وقوله تحك قفاها: يريد إنّها لا تحسن احتكاكا، فضلا عن غيره. وقوله تجود برجليها، الخ: يريد إنّها تتأتى لمن يريد غشيانها، ولا تصلح للولادة، لأنها قعدت عنها فلا در لها. وتقدم هذا المعنى. وقال الحماسي أيضاً في لتلميح:
إذا اجتمع الجوع المبرح والهوىعلى الرجل المسكين كاد يموت
وفي هذا القدر كفاية من هذا الباب، والله يقول الحق ويهدي السبيل.
النص من طبعة دار الثقافة بالدار البيضاء (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع