تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الأكم في الأمثال والحكم» للحسن اليوسي (ت ١١٠٢هـ)

خالف تعرف

!

ونحوه قول الشاعر:

خلافا لرأي من فيالة رأيهكما قيل قبل اليوم: خالف فتذكر!

ويظهر من هذا البيت إنَّ المثل قديم، والبيت انشده الجاحظ.

ولنلم الآن بشيء في هذا الباب. قال الشاعر:

تركت النبيذ لأهل النبيذوأصبحت أشرب ماء نقاخا
شراب النبيئين والمرسلينومن لا يحاول منه اطباخا
رأيت النبيذ يدل العزيزويكسو التقي النقي اتساخا
فهبني عذرت الفتى جاهلافما العذر فيه إذا المرء شاخا؟

قوله ماء نقاخا، أي بارداً عذبا صافيا، وهو بضم النون وبالقاف على مثال غراب. وقال الآخر:

نعوذ بالله من أناسٍتشيخوا قبل إنَّ يشيخوا
تقوسوا وانحنوا رياءفأحذرهم: انهم فخوخ!

وأشار بهذا التمثل في الرياء إلى نحو ما حكي في الإسرائيليات إنَّ عصفورة على فخ فقالت له: مالي اراك منحنيا؟ قال:: لكثرة صلاتي انحنيت. قالت: فمالي أراك بادية عظامك؟ قال: لكثرة صيامي، بدت عظامي! قالت: فما هذا الصوف عليك؟ قال: لزهادتي لبست الصوف. قالت: فما هذه العصا عندك؟ قال: أتوكؤ عليها وأقضي بها حوائجي. قالت: فما هذه الحبة في يدك؟ قال: قربان إنَّ مر بي مسكين أناوله إياها. قالت: فإني مسكينة. قال: خذيها! فقبضت على الحبة فإذا الفخ في عنقها، فصاحت: قعى! قعى! وتفسيره: لا غرني مراءٍ بعدك أبداً! ومما جاء في الرياء، أعاذنا الله منه!، قوله ﷺ: " إنَّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ". قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال:

" الرياء ". يقول ﷿ يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤونهم في الدنيا، فانظروا كيف تجدون عندهم الجزاء. وقوله ﷺ: " من راأى، راأى الله به، ومن سمع، سمع الله به ". وقوله ﷺ: " من أسر سريرة ألبسه الله رداءها، خيرا فخير وإنَّ شرا فشر. والآيات والأحاديث والآثار في ذم الرياء والتنفير عنه لا تحصى وهي مشهورة. وفي معنى ذلك قول الشاعر:

وإذا أظهرت شيئاً حسنافليكن أحسن منه ما تسر
فمسر الخير موسم بهومسر الشر موسوم بشر

وقول الآخر في المتشابهين:

أهل الرياء لبستهم ناموسكمكالذئب يدلج في الظلام العاتم
فملكتم الدنيا بمذهب مالكوقستم الأموال بابن القاسم
للشاعر الأبيض الإشبيلي، اقرأ القصيدة
وركبتم شهب البغال بأشهبوبأصبغ صبغت لكم في العالم
للشاعر ابن سارة الأندلسي، اقرأ القصيدة

وقول الآخر:

قل للأمام سنا الأئمة مالكٍنور العيون ونزهة الأسماع:
للشاعر أبو جعفر البني، اقرأ القصيدة
لله درك من همام ماجدقد كنت راعينا فنعم الراعي!
للشاعر أبو جعفر البني، اقرأ القصيدة
فمضيت محمود النقيبة طاهراوتركتنا قنصا لشر سباع
للشاعر أبو جعفر البني، اقرأ القصيدة
أكلوا بك الدنيا وأنت بمعزلٍطاوي الحشا متكفت الأضلاع
للشاعر أبو جعفر البني، اقرأ القصيدة
تشكوك دنيا لم تزل بك برةماذا رفعت بها من الأوضاع
للشاعر أبو جعفر البني، اقرأ القصيدة

وقال محمود الوراق لابن أخته:

تصوف كي يقال له أمينوما معنى التصوف والأمانة؟
ولم يرد الإله به ولكنأراد به الطريق إلى الخيانة
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «تصوف فازدهى بالصوف جهلا»

وقول الآخر:

صلى وصام لأمر كان يطلبهومذ حواه فما صلى ولا صاما!

وقول الآخر:

شمر ثيابك واستعد لقابلواحكك جبينك للقضاء بثوم
وعليك بالغنوي فاجلس عندهحتى تصيب وديعة ليتيمِ!
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «شمر ثيابك واستعد لقائل»

وقول الآخر:

لا شيء أخسر صفقة من عالمٍلعبت به الدنيا مع الجهالِ
للشاعر أبو اسحاق الألبيري، اقرأ القصيدة
فغدا يفرق دينه أيدي سباويديه حرصاً بجمع المالِ
للشاعر أبو اسحاق الألبيري، اقرأ القصيدة
لا خير في كسب الحرام وقلمايرجى الخلاص لكاسب الحلالِ
للشاعر أبو اسحاق الألبيري، اقرأ القصيدة
فخذ الكفاف ولا تكن ذا فضلةٍفالفضل تسأل عنه أي سؤالِ!
للشاعر أبو اسحاق الألبيري، اقرأ القصيدة

وقول بعضهم وقد رأى ثم افتضح نعوذ بالله!:

بينا أنا في توبتي مفبلاًقد شبهوني بابن روادِ
وقد حملت العلم مستظهراًوحدوثوا عني بإسنادِ
الله تعالى خطر الشيطان بي جطوةنكست منها في أبي جادِ

وقال آخر يخاطب معزولا:

ولوك إذ علموا بجهلك منصباًعلموا بأنك عن قليل تبرحُ
طبخوا بنار العزل قلبك بعد ذاوكذا القلوب على المناصب تطبخُ

وقال الآخر في حمام:

حمامكم قيمته أسودهربت منه وأنا صارخُ
قد سلخت جسمي أظافرهيا قوم هذا الأسود السالخُ

وفي هذين الشعرين التورية وهي إن يذكر الشاعر لفظاله مهنيان: قريب وبعيد. ويريد البعيد نحو قوله تعالى: الرحمن على العرشِ استوى فإنَّ المراد أحد معنيي الاستواء وهو الاستيلاء قهرا وغلبة وهو المعنى الأبعد لأنّه مجاز وتسمى التورية إيهاما. فإن كان المعنيان مستويين سمي ذلك توجيها. وقد تقدم في ذلك جملة من الشعر في الأبواب السابقة ونحن نريد هنا من مستحسن ذلك قول بعضهم يهنيءبعيد النحو:

تهن بعيد النحو وابق ممتعاًبأمثاله سامي العلى نافذ الأمرِ!
تقلدنا فيه قلائد أنعمٍواحسن ما تبدو القلائد في النحرِ
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «أيا ملكا أيامه الغر كلها»

وقول الآخر:

بروحي أفدي خاله فوق خدهوما أنا في الدنيا فأفديه بالمالِ
تبارك من أخلى من الشعر خدهوأسكن كل الحسن في ذلك الخالِ

وقول الآخر:

مهفهف القد إذا ما انثنىقال ولا يخشى من الود
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «مهفهف القد إذا ما انثنى»
ما أنت كفلي يا كثيب اللوىولست يا غصن النقا قدي!
لو نلت من خده تقبيلةًتزين الريحان بالوردِ

وقول الآخر:

قلت للأهيف الذي فضح الغصنكلام الوشاة ما ينبغي لك
قال: قول الوشاة عندي ريحٌقلت: أخشى يا غصن أن تستميلك!

وقول الآخر:

تهاون شمس الين بي وهو صاحبٌوأظهر لي أضعاف ما يظهر العدا
نزلت به أبغي النا وهو طالعٌوعند طلوع الشمس يرتفع الندا!

وقول الآخر في حق النبي ﷺ:

يا عين إن بعد الحبيب ودادهونأت مرابعه وشط مزارهُ
فلقد ظفرت من الزمان بطائلٍإن لم تريه فهذه آثارهُ

وقول الآخر:

عاينته ودموعي غير جاريةٍلأن دمعي من طول البكا نشفا
فقال: لم أدر وكف الدمع قلت له:حسيبك الله يا بدر الجا وكفا!

وقول الصفدي مع حسن التضمين:

ملكت كتابا أخلق الدهر جلدهوما أحدٌ في دهره بمخلدُ
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «ملكت كتابا أخلق الدهر جلده»
إذا عاينت كتبي الصحيحة حالهيقولون: لا تهلك أسى وتجلد!

وقول أبي بكر بن حجة:

عزمت على السلو لطول هجريفجاءتني عوارضه تعارض
وكان العذر يقبل في سلويولكن ما سلمت من العوارض

وقول البدر الدماميني:

وبي وجنةٌ حمراء زاد صفاؤهافأبدت صفات أبع الحسن كونها
للشاعر بدر الدين الدماميني، اقرأ القصيدة
فدع لائمي فيها عن الحب جهدهفما أنا بالسالي صفاها ولونها
للشاعر بدر الدين الدماميني، اقرأ القصيدة

وقول أبن جعفر العسقلاني:

قد جئت في علم الأصول لنا وفيعلم الفروع بخالص الابريز
برزت في هذا وفي هذا علىالرازي بالإحسان والتبريزي

وقوله:

خليلي ولى العمر منا ولم نتبوننوي فعال الصالحين ولكنا
للشاعر الأمير الصنعاني، من قصيدة «لك الحمد حمدا باللغات جميعها»
فحتى متى نبني بيوتا مشيدةوأعمارنا منا تهد وما تبنا؟
للشاعر الأمير الصنعاني، من قصيدة «لك الحمد حمدا باللغات جميعها»

وقول المعمار:

إنَّ قام يتلو سورة الشمس المنيرة في ضحاها

يا حسنه فكأنه القمر المنير إذا تلاها

وقوله:

تملك قلبي صارم قد هويتهمن الهند معسول اللمى أهيف القد
أقول لصاحبي حين يرنو بلحظه:خذوا حذركم قد سل صارمه الهندي

وقول الآخر:

يا من تولى قاضياهذا قضاء أم قدر؟
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «قالوا بدا الشعر أما تشعر»
عذرك في نسيانناأنَّ القضا يعمي البصر!
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «قالوا بدا الشعر أما تشعر»

وقول أبن العفيف:

ليس خليليا ولكنهيضرم في الأحشاء نار الخليل
يا ردفه جرت على خصرهوفقا به ما أنت إلاّ ثقيل!
للشاعر الشاب الظريف، من قصيدة «أسير ألحاظ بخد أسيل»

وقوله مما يكتب على كأس:

أدور لتقبيل الندامى ولم أزلأجود للندامى وأنفاسي
وأكسو أكف الشرب ثوبا مذهبفمن أجل هذا لقبوني بالكأس

وقوله في مليح خيالي:

خيالي أخاف الهجر منهوليس أراه يرغب في وصالي
للشاعر الشاب الظريف، من قصيدة «خيالي أخاف الهجر منه»
وكنت عهدتني قدما شجاعافمالي صرت أفزع من خيالي؟

وما قيل في التورية والتوجيه أكثر من إنَّ يحصى. ولولا خوف الإطالة لأوردنا من مستحسن ذلك ما يكون جزءا مستقلا، وليس ذلك من غرضنا. وأنا أذكر هنا بعض ما اتفق لي نظمه

في باب التورية أو التوجيه من غير تعبئة لنزول هذا الميدان، ومطاردة هؤلاء الفرسان. فمن ذلك قولي:

بنفسي من أضحى فؤادي طائراعلى غصن من قده اللدن ميال
على روضة من خده الخال عارضوأبهج روض ما علا عارض الخال

وفيه التورية بالطائر من حيث إنّه اسم فاعل أو اسم ذي الجناح على التشبيه وحرف الجر بعده للتعليل على الأول والاستعلاء على الثاني، والتوريه بالخال من حيث إنّه النقطة أو الغيم المخيل بالمطر مع الجناس بين على وعلا والعكس.

وقولي:

مررت على بالٍ من الربع دارسبكل ربابٍ عارض اسحم خال
ففاضت شؤون الجفن من ذكر حيرتيوثار هواهم إذ مررت على البال

وفيه التورية بالخال من حيث إنّه وصف للدارس من الخلو أو وصف للرباب بمعنى المخيل كما مر. والتورية بالبال آخراً من حيث إنّه راجع إلى الربع من البلى أو إنّه الفكر والخاطر ومعمول مررت عليهن محذوف عي عليه.

وقولي:

وعاذل عن الهوى عادليدعو لأمر في الهوى إمر
قال أسلهم واصبر فكم ذائقأمر في الهجر من الصبر
وزع عنان القلب عما جرىعليه من بلواء أو يجري
فأي عذر في اتباع الصبا؟قلت له إنَّ الهوى عذري

وفيه التورية بالصبر من حيث إنّه معناه أو إنّه المر المعروف. وأصله صبر ثم خفف بالتسكين والتورية يجري من حيث إنّه من الجريان بقرينة العنان أو إنّه من الوقوع. والمعنى عليهما واضح. والتورية بالعذر من حيث إنّه الاعتذار أضيف إلى ياء المتكلم أونسوب إلى بني عذرة، وهو الهوى الشديد، والمعيان ظاهران وقولي:

قال العذول إذ بدابعارض معذر:
الوجه الاعتزال عنهذا الوجيه الأشعر
فقلت: ذلك الوجهيبقى فيه فضل نظر

وفيه التورية في الاشعر مع الاعتزال من حيث إنّه وصف كأحمر أي ذو شعر أو بياء النسبة، والتورية في النظر والوجه من حيث إنّه نظر البصر أو نظر البصيرة، والوجه وجه الحبيب أو وجه الدليل.

وقولي من قصيدة زمن الصبا أخاطب شيخنا الإمام الهمام أمتعني الله به:

وفينا معان بينت قدم الهوىفليس لعمري بالبديع إلى الصدر
وقد أعربت جزما بنصب أدلةفيرفع ما بينى على الظن من هجر
فإنَّ لم يكن عن ذلك فعلي معرباتغنيت بالماضي من الحال والأمر

وهذه التوريات واضحة كلها، وقد وقع لي مثل هذا النوع كثيرا ولم أذكره.

وقولي من قصيدة أخرى موريا بالعباب و " الجوهري " من كتب اللغة:

وعبرت من لجج العلوم عبابهاحتى أنثنيت بمنفسات الجوهر

وهذه القصيدة خاطبت بها بعض فضلاء العصر. فلما وقف عليها استحسنها هو وجماعة من الفضلاء الواقفين عليها غاية. وكان من أغبياء الطلبة بعضهم من لم يرتق فهمه إلى ألفاظها، فضلاً عن معاينتها، فتعلل لنفسه القاصرة بأنها مشتملة على الوحشي من اللغة. فلما بلغني ذلك قلت:

تسامى لأذيالي مذال ولم أكنلكل ذليل بالذلول ولا السهل
ورام مرامات امرئ طالما علاعلى الحزن من فيح البلاغة والسهل
وأرسلتها غراء ليس يذيمهاسوى العمي عن شمس الظهيرة والجهل
فأنكر جهلا ما حوته رسالتيولا غرو فالتكذيب شان أبي جهل!

وفيه التورية بابي جهل مع الجناسات الكثيرة. والجهل بضم فسكون جمع جاهل. وتخلف بعض أصحابي عن مجلس الدرس في اليوم المسمى بالعجوز، وآخر ينير، حبسه البرد، فكتبت إليه على سبيل المطايبة:

أعجزت عنا العجوز ولم يكنرجل لتمنعه عجوز عائده؟
وعدلت عن أبكار فكري بكرةاتباع بكر بالعجوز الباردة؟

وفيه التورية بالعائدة من حيث إنّه وصف للعجوز أي صارفة وعائقة وإنّه معمول المنع بمعنى العطية والصلة، وفي العجوز أيضاً بين اليوم والمرأة بقرينة ذكر الرجل. وينشد أيضاً عجوز جالدة أو فائدة، وفي كليهما التورية: فالجالدة إما بمعنى ذات الجليد، من

قولك جلدت الأرض بالكسر، تجلد فهمي جلدة والجالدة، اعتباراً للعجوز بمعنى اليوم على قصد الليلة أو الصبيحة أو البكرة؛ وإما بمعنى المدافعة والمقاتلة، من قولك جلدته بالعصا: ضربته، اعتبارا للعجوز بمعنى المرأة؛ والفائدة إما بمعنى الإفادة وهو معمول المنع، أو بمعنى الهالكة، من قولك: فاد يفيد، فيدا، إذا هلك ومات، اعتبارا للعجوز بمعنى المرأة وإنّها هرمة فانية، فكيف تغلب الرجل؟ والتورية في العجوز الباردة واضحة؟ وأعلم أنَّ التورية والتوجيه أعلى فنون البديع وأجلها وأدقها، وهو أحد معاريض البلغاء الذي يرفلون به في الحلل الرقائق، وينجون بفسحتها من المضائق. فمن أظرف ما وقع من ذلك ما روي عن خالد بن الوليد، ﵁، إنّه لمّا نزل على الحيرة أتاه عبد المسيح الغساني، وهو أبن ثلاثمائة وخمسين سنة. فلما مثل بين يديه قال له: انعم صباحا أيها الأمير! فقال له خالد: قد أغنى الله عن تحيتكم بسلام عليكم. ثم قال له خالد: من أين أقصى أثرك أيّها الشيخ؟ قال: من ظهر أبي. قال: من أين خرجت؟ قال من بطن أمي. قال: فعلام أنت؟ قال: على الأرض. قال: فيم أنت؟ قال: في ثيابي. قال: أتعقل؟ قال: أي والله، وأقيد. قال: أبن كم أنت؟ قال: أبن رجل وامرأة. قال: كم سنك؟ قال: اثنان وثلاثون بيض ضرس وغضيض. قال: كم لك من السنين؟ قال: السنون كلها لله. قال: كم أتى عليك؟ قال: لو أتى علي شيء لقتلني. قال: كم عمرك؟ قال: لا يعلمه إلا الله. فقال خالد: ما رأيت كاليوم إنسانا أسأله عن شيء وهو ينحوا في غيره. فقال: ما أجبتك إلا عن مسألتك. وما روي عن النبي ﷺ حيث قال له الأعرابي: من أنتم؟ فقال ﷺ: نحن من ماء، والقصة مشهورة.

وما روي من أنَّ رجلا وقف بباب المأمون ليشكو فلم يجد من يدخله فصاح: أنا أحمد المصطفى النبي المبعوث! فأخذ وأدخل على المأمون وقيل له إنّه تنبأ عن أمره فذكر شكواه فقال له: ما هذا الذي حكي عنك؟ قال: ما هو؟ قال: انهم قالوا إنك تنبأت. قال: معاذ الله! إنّما قلت: أنا أحمد المصطفى النبي المبعوث، وأنت يا أمير المؤمنين تحمده، وكذلك هؤلاء. فاستظرفه المأمون وأمر بأنصافه.

وما روي عن بشار بن برد من أنه خاط له رجل أعور يعرف بعمرو بردا فلم يعجبه فقال له:

ما هذه الخياطة؟ قال له: خطته لك كذلك لتلبسه إنَّ شئت على وجهه، وإنَّ شئت من باطنه. فقال له بشار: وأنا قد قلت فيك شعرا، إنَّ شئت جعلته مدحا وإنَّ شئت جعلته هجوا، ثم انشد:

خاط لي عمرو قباءليت عينيه سواء
فأحاجي الناس طراأمديح أم هجاء!

ويروى:

خاط لي عمرو قباءليت عينيه سواء
فسل الناس جميعاأمديح أم هجاء!

وهو على نصب الجزأين بليت.

وما روي إنّه نشأ ببغداد غلامان أحدهما أبن حجام والآخر أبن مراق، فبرعا في الأدب. فخرجا ليلة وهما ثملان من نبيذ. فأخذهما العسس فأتوا بهما إلى صاحبهما. فلما مثلا بين يديه قال لهما: ما أخرجكما جوف الليل؟ فقالا: القدر والقضاء. فقال من أنتما؟ فقال أبن المراق:

أنا أبن الذي لا تنزل الدهر قدرهوإنَّ نزلت يوما فسوف تعود
ترى الناس أفواجا إلى ضوء نارهفمنهم قيام حولها وقعود

وقال أبن الحجام:

أنا أبن من ذلت الرقاب لهما بين مخزومها وهاشمها
تأتيه طوعا إليه خاضعةيأخذ من مالها ومن دمها

فقال في نفسه: الأول من أبناء الكرام، والثاني من أبناء الملوك. فقال لأعوانه: خلوا عنهما، فإنه بلغنا عن رسول الله ﷺ إنّه قال: اقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم. فلما انصرفا أخبر بأمرهما، فاسترجعهما بالغد وقال لهما: ويحكما! خدعتماني. فقالا: ما خدعناك إلاّ بما هو صفة والدينا. فلما تأمل كلامهما وجده صدقا وقال: انطلقا! من لم ين منكما شريف فلقد كان ظريفا. وما روي عن أبي الفرج الجوزي، ﵁، إنّه كان في مجلسه في السنية والشيعة، فسأله سائل، أي الناس كان احب إلى رسول الله ﷺ، أبو بكر أم علي؟ فتغافل، فقيل ما عندك! فقال: أحبهما إليه من كانت ابنته تحته.

ويروى: أفضلهما من كانت ابنته تحته على إنَّ السؤال كان على الأفضلية. ففهم السنية أبا بكر وفهم الشيعة عليا ورضي الفريقان. ومحاسن هذا النوع أكثر من أن تحصى. وقد خرجنا عن الغرض فلنعد إلى المقصود. وقال أبو محمّد الحريري:

يقولون إنَّ جمال الفتىوزينته أدب راسخ
وما أن يزين سوى المكثرينومن طود سودده شامخ
فأما الفقير فخير لهمن الأدب القرص والكامخ
وأي جمال له أن يقالأديب يعلم أو ناسخ

الكامخ: شيء يؤتدم به أو طعام يتخذ من الحنطة واللبن على أنواع والعرب كانت لا تعرفه. وقدم لأعرابي فقال: ما هذا؟ فقيل له: كامخ. فقال: مم صنع؟ فقيل: من الحنطة واللبن. فقال: أبوان كريمان وما أنجبا وقلت:

إذا المرء إن أرضيته كان لي أخاوإن أس عادني فما هولي بأخ
فلا خير في ود امرئ ليس صافياتراه بأدران المساوي قد اتسخ
ولا خير في ود يكون تكلفاولا في ودود حيث لنت له شمخ
وما الود إلاّ ما تكنفه الحشامتى تهزز الأحداث أغصانه رسخ

وقلت أيضاً في هذا المعنى:

ولا تبت من فتى على ثقةولا يغرن حجاك من آخى
حتى تراه لدى النوائب إنقاضيه في الحاجات هل ساخى
وعند سعي الوشى هل ثبتترجلا حشاة في الود أم ساخا

سخى الأول فاعل من السخاء وهو الكرم وساخ الثاني من ساخ يسوخ ويسيخ إذا هوى في الطين ونحوه وفيهما يكون الجناس التام.

ولنكتف بهذا القدر من هذا الباب والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

النص من طبعة دار الثقافة بالدار البيضاء (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الأمثال وما يلتحق بها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.