من «زهر الأكم في الأمثال والحكم» للحسن اليوسي (ت ١١٠٢هـ)
أخرجت له حريشتي
أي ملك يدي. وقولك مثلا:
أخشن من ليفة والخشونة ضد اللين والليف بالكسر ليف النخل وهو معروف والواحدة ليفة بالهاء وهذا المعنى مطرد كما مر في نظائره.
ومن هذا الباب قولهم:
خفة الظهر أحد اليسارين جعلوا خفة الظهر كنية عن عدم أو قلة الحقوق اللازمة والنفقات الواجبة فإنّها للزومها كالشيء المحمول على الظهر يخف ويثقل. ولا فرق في إنَّ الأحمال المحسوسة يحملها البدن المحسوس والحقوق تحملها اللطيفة الروحانية من البدن وهي القلب وهذه أقل صبرا على الثقل للطافتها. واليسار: الغنى. وثنى بحسب حقيقته ومجازه لا تفاق اللفظ. وقد قالوا من هذا النحو: الغربة أحد السباءين واللبن أحد اللحمين وتعجيل اليأس أحد اليسرين والشعر أحد الوجهين أي النظر إلى الشعر كالنظر إلى الوجه والحمية إحدى الموتتين أي امتتاع الطعام والقلم أحد اللسانين والخال أحد الأبوين والراوية أحد الهاجيين
أي رواية الهجو كقائله. وهذا كله من تثنية الحقيقة والمجاز. وفي ذلك خلاف عند النحويين والمشهور المنع والصحيح جوازه وإنّه لا يشترط اتفاق معنى المثنيين بل اللفظ فقط.
ومما يشهد لصحته هذا الذي ذكرناه من الأمثلة فإنّها أمثال من كلام العرب ودليله من الشعر قول الشاعر:
كم ليث اعتنى لي أشبل غرثتفكأنني أعظم الليثين إقداما
أي كان أعظم الليثين إقداما إياي. وقول الآخر:
يداك كفت إحداهما كل بائسوأخراهما كفت أذى كل معتد
وإن كان في هذا المثل ضعيف. ومما يدل عليه قول جحدر: ليث وليث في محل ضنك إذ لا فرق بين نحو هذا العطف وبين التثنية فانه أصلها. وليس هذا محل تحرير المسألة والاحتجاج لها.
وقولهم أيضاً:
خفيف الحاذ الحاذ بالذال المعجمة الظهر. وألفه عن واو والذال لام الكلمة ومحل الأعراب وليس بعدها ياء كما يصحف. ومعنى خفيف الحاذ: قليل الماء والعيال. وفي الحديث: مؤمن خفيف الحاذ. وقولهم:
خفيف الرداء أي قليل العيال والدين. والرداء بالكسر والمد يطلق على الملحفة المعروفة وعلى السيف والقوس وعلى الجهل وعلى ما زان وما شان وعلى الضد وعلى الوشاح وعلى الدين. ومما يحسن أن يتمثل به في هذا الباب قول النبي ﷺ لابن صياد:
خلط عليك الأمر والقصة مشهورة وقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁:
هو يخبأ وأبوه يكنز وذلك إنَّ خبيئة بن كناز ولي في خلافته الابلة فقال عمر ﵁: لا حاجة لنا وهو يخبأ وأبوه يكنز.
ومن الأمثال المولدة قولهم:
اخط الحسن يزيد من الحق وضوحا بمعنى إنّه إذا أجيد الخط وبينت الحروف تبينت الألفاظ المؤدية للمعاني وانشرحت النفس وانبسطت إليها وأقبلت عليها فكان قبولها للمعاني أتم وفهمها لها أكثر. وقد قالوا: الخط الحسن أحد اللسانين. وقالوا حسن الخط إحدى الفصاحتين. وقال جعفر بن يحيى: الخط بسط الحكم: به تفصل شذورها وينتظم منثورها. وقال المبرد: رداءة الخط زمانة الأدب. وقال الإمام الماوردي: خطوط العلماء في الأغلب رديئة لاشتغالهم بالعلم حتى قال الفضل أبن سهل: من سعادة المرء رداءة خطه أي لئلا يشغله تعلم الخط عن تعلم العلم. قيل: والأسباب المخلة بالخط ثمانية: إسقاط ألفاظ منه أو زيادة ألفاظ فيه أو إسقاط بعض حروف الكلم أو زيادة حروف أثناءها أو وصل المفصول أو فصل الموصول أو تغيير الحرف حتى يشتبه حرف بغيره أو ضعف الخط جملة أو إهمال النقط أو الشكل.
قيل: وقد استقبح الكتاب النقط والشكل في مكاتبهم ورأوا ذلك من تقصير الكتاب وسوء نظرتهم في فهم المكتوب لا سيما مكاتبات الرؤساء. كما حكي إنَّ بعض كتاب الديوان حاسب عاملا فشكاه في رقعته إلى عبيد الله بن سليمان فوقع فيها: هذا هذاء. فظن العامل إنَّ عبيد الله أراد: هذا هذا إثباتا لذلك القول كما تقول في إثبات الشيء هو هو. فحمل الرقعة للذي يحاسبه فخفي عليه ما يقتضي التوقيع فطيف به على الكتاب فلم يفهموه. فرد إلى عبيد الله. فشدد الثانية وكتب تحتها: والله
المستعان استعظاما لقصور نظرهم.
واستحسن آخرون لنقط والشكل، وقالوا: المعجمة كالبرود المعلمة. وقالوا: إعجام الخط يمنع استعجامه، وشكله يمنع من إشكاله. وقيل، رب علم لم تعجم فصوله فاستعجم محصوله.
آلات الكتابة وأصناف الكتب وإذ أنجز بنا الكلام في الخط فلنكمل الغرض بذكر ما تيسر من آلات الكتابة، ومعنى الكتاب، والبراءة، والطبع، والتوقيع، والعنوان، وأصناف الكتاب، وجملة من شعر الأدباء في ذلك، وهذا باب واسع ألف فيه الناس. لكن نشير نحن إلى جملة يسيرة على وجه الاختصار وينتفع بها.
فمن الآلات الدواة ووزنها فعلة كالشجرة، ثم قلبت الياء ألفا فصارت كفتاة وقناة، ز الجمع دويات كقنوات ودوي كقنى. قال الشاعر:
لمن الدار كخط باللدوى؟أنكر المعروف منها وأمحى
ودوي بضم الأول على فعول كما يقال قني وعصي في الجمع. قال الشاعر
عرفت الديار كرقم الدويحبره الكتاب الحميري
وقال الآخر:
وكم تركت ديار الشرك تحسبهاتلقى الدوي على أطلالها ليقا
واشتقاقها من الدواء، لأن بها صلاح أمر الكاتب. واشتقها بعض الأدباء من قولك: دوي الرجل بالكسر دوي إذا مرض فقال:
أما الدواة فأدوى حملها جسديوحرف الحظ تحريف من القلم
أي أمرضه. ونحو هذا الاشتقاق لا يعتمد عليه. ويقال لصانعها مدو، كما يقال لصانع القني مقني، ولبائعها دواء كحناط لبائع الحنطة، ولحاملها داوٍ كسائف لصاحب السيف ولمتخذها مدو، وقد أدوى دواة. ولمّا تصان به صوان وغشاء وغلاف وما تسد به صمام وسداد وعفاص، وكذا غيرها يقال لصفوتها إذ أنفشت لتعمل فيها
قبل أنَّ تبلّ، البوهة بالضم، وإذا بلت فهي الليقة، وقد تسمى به قبل ذلك مجازاً. ولقت الدواة فهي ملقية، وألقتها فهي ملاقة. فإنَّ كانت من قطن فهي العطبة والكرسفة، والقطن كله يقال له ذلك. ولمدادها نقس بكسر الأول، ويفتح. والمداد يذكر ويؤنث. ومددت الدواة مداً: جعلته فيها؛ وأمددتها: زدتها منه؛ واستمددت: أخذت بالقلم من المداد؛ وأمددت فلانا من دواتي: أعطيته. ويقال للدواة محبرة بالفتح لأنها محل الحبر بالكسر وهو النقس؛ ويقال لها النون والجمع أنوان ونينان؛ ويقال لها الرقيم أيضا. وأمهت الدواة وموهتها جعلت فيها ماء.
ومنها القلم، والجمع قلام وأقلام كجبال وأجبال. ويقال له المزبر والمذبر بالذال المعجمة لأنه يزبر به ويذر أي يتب وقيل الذبر، بمعنى القراءة. ويقال للقصبة يراعة وأباءة والجمع يراع واباء؛ ويقال لعقدة الكعوب: فإنَّ كانت فيه عقدة تشينه فهي الابنة؛ ولمّا بين العقد الأنابيب، وكذا في الرماح. ويقال لطرفي القلم اللذين يكتب بهما السنان والشعيرتان، والواحد سن وشعيرة. فإنَّ سويا في القطع فهو قلم مبسوط، وإنَّ جعل أحدهما أطول فهو محرف.
ومنها السكين والمقص. قال أبن عبد ربه: ينبغي للكتاب أنَّ يصلح آلته التي لا بد له منها، وأداته التي لا تتم صناعته إلاّ بها، وهي دواته. فلينعم ربها وإصلاحها، وثم يتخير من أنابيب القصب أقله عقدة، وأكتافه لحما، وأصلبه قشرا، وأعد له استواء. ويجعل لقرطاسه سكينا ليكون عونا على بري أقلامه، ويبريها من ناحية نبات القصب. انتهى.
ويقال السكين والمدية والمجزاة والمبراة والفالية والشلقاء بالكسر والمد، وغير ذلك ويقال المقص والمقراض والمقطع بكسر أوائلها والجلم، وأكثر ما يقال بالتثنية. قال الشاعر:
ولولا نوال من يزيد بن مزيدلصوت في حافاتها الجلمان
يعني لحيته. وجاء فيه الأفراد. قال سالم بن وابصة:
داويت صدرا طويلا غمرة حقداًمنه وقلمت أظفارا بلا جلم
وقال أعرابي:
فعليك ما استطعت الظهور بلمتيوعلي أنَّ ألقاك بالمقراض
وأما الكتاب فهو مكتوب ويقال له الزبور والزبير والذبير. قال امرؤ القيس:
كخط زبور في مصاحف رهبانِ
وقيل: الزبور في هذا البيت هو الكتاب وهو الظاهر. فإن كان ما يكتب فيه من جلود فهو رق وقرطاس بكسر القاف وضمها؛ وإن كان من خرق فهو كاغد بدال مهملة وروي بمعجمة. وقد يستعمل القرطاس في الكل. ويقال لمّا يكتب الصحيفة والمهرق على وزن مكرم والجمع مهارق. قال الأعشى:
ربي كريم لا يغير نعمةوإذا تنوشد بالمهارق أنشدا
والقضيمة. قال امرؤ القيس:
وبين شبوبٍ كالقضيمة قرهبِ
والسجل والصك والقط. وكذا كتب الجوائز والصلات والجمع صكوك وقطوط. قال الأعشى:
ولا الملك النعمان يوم لقيتهبغبطته يعطي القطوط ويأفقُ
وقال المتلمس:
ألقيتها بالثني من جنب كافركذلك أقنو كل قط مضللِ
فإن كتب فيها بعد محو فهي طرس. ونمقت الكتاب نمقا ونمقته تنميقا، وحبرته ورقشته وزورته تحبيرا وترقيشا وتزويرا؛ وكذا زبرجته وزخرفته زبرجة وزخرفة أي كتبته كتابة حسنة. فإذا نقطه قلت وشمه وشما، وأعجمته إعجاما ورقشته ترقيشا. قال طرفة:
كسطور الرق رقشهبالضحى مرقش يشيمه
فاا أفسد الخط قلت مجمجه وشرمجه وهلهله ولهلهه مجمجة وشرمجة وهلهلة ولهلهة وثبجه تثبيجا. وإذا لم يبينه قلت دحمسه دحمسة ومجمجه وعقمه عقما وعقله عقلا. فإذا أدق الحرف وقارب بعضها بعض قلت قرمط وقرصع قرمطة وقرصعة. فإذا مد الحروف قلت مشق مشقا وقيل المشق سرعة الكتابة وخفتها. فإن نقص شيئا فألحقه فهو لحق وجمعه إلحاق.
قال الشاعر:
عورٌ وحولٌ وثالثٌ لهمكأنه بين أسطر لحقُ
فإن وضعت عليه بعد الكتب ترابا قلت تربته تتريبا وأتربته إترابا؛ أو نشارة قلت نشرته تنشيرا.
وأما البراءة فهي في الأصل مصدر قولك: برئت من الأمر بالكسر براءة أي تبرأت؛ وأما هذه البراءة المستعملة في صناعة الكتاب فقال أبو محمد بن السيد ﵀: سميت بذلك لمعنيين: أحدهما أن يكون من قولهم برئت إليه من الدين براءة إذا أعطيته ما كان له عندك وبرئت إليه من الأمر براءة إذا تخلف عنه فكأن المرغوب إليه يتبرأ إلى الراغب مما أمله لديه ويتخلى له عما رغب فيه إليه. وقيل إنّما كان الأصل في ذلك أنَّ الجاني كان إذا جنى جناية يستحق عليها العقاب ثم عفا عنه الملك كتب له أمانا مما كان يتوقعه ويخافه فكان يقال: كتبت لفلان براءة أي أمانا ثم ضار مثلا واستعار في غير ذلك. قال: وقد جرت عادة الكتاب ألا يكتبوا في صدر البراءة: بسم الله الحمن الرحيم اقتداء بسورة براءة التي كتبت في المصحف من غير بسملة.
وأما الطبع فهو طبع الكتاب. تقول: طبعت الكتاب طبعا وختمته ختما وأفقته أفقا ومن ذلك قول الأعشى السابق: يعطي القطوط ويأفق أي يختم ويقال لمّا يطبع به طابع. قيل: وأول من طبع الكتب عمرو بن هند وذلك أنه لمّا أعطى المتلمس الصحيفة ليقتل ثم استقرأها فهرب كما سيأتي حديثه أمر عمرو بعد ذلك بالكتب تختم. فكان يؤتى بالكتاب مطبوعا فقيل من عني به فلذلك سمي العنوان عنوانا. ثم لمّا كتب النبي ﷺ كتابا إلى ملك الروم ولم يختمه قيل له إنه لا يقرؤه إن لم يكن مختوما. فأمر أن يعمل له خاتم وينقش على فصه: محمد رسول الله فصار الختم سنة في الإسلام. وقيل أول من ختم الكتاب سليمان أبن داود ﵇. وقيل في تأويل قوله تعالى: إني ألقي إلي كتاب كريم أي مختوم. وأكرمت الكتاب ختمته وهو أول من افتتح كتابه بالبسملة. قيل: وكانت العرب تقول في افتتاح كتبها وكلامها. باسمك اللهم! فجري الأمر على ذلك في صدر الإسلام حتى نزلت: بسم الله مجراها ومرساها فكتب رسول الله
صلى الله عليه وسلم: بسم الله حتى نزلت قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن فكتب: بسم الله الرحمن. ثم نزلت: إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم فصارت سنة إلى يومنا هذا.
وأوّل من كتب من فلان إلى فلان رسول الله ﷺ فصار ذلك سنة يكتب الكتاب ويبدأ باسمه قبل اسم من يخاطبه ولا يكتب لقبا ولا كنية حتى ولي عمر بن الخطاب وتسمى بأمير المؤمنين فكتب من أمير المؤمنين عمر. فجرت السنة بذلك إلى أيام الوليد بن عبد الملك فكان الوليد أوّل من اكتنى في كتبه وأوّل من عظم الخط والكتب وجود القراطيس. ولذلك قال أبو نواس:
سبط مشارفها رقيق جطمهاوكأن سائر خلفها بنيانُ
واحتازها لون جرى في جلدهايقف كقرطاس الوليد هجانُ
فجرت سنة الوليد بذلك إلى أيام عمر بن عبد العزيز ويزيد الكامل فإنهما لمّا وليا ردا الأمر إلى ما كان عليه في زمن رسول الله ﷺ وزمن أحابه رضوان الله عليهم. فلما ولي مروان رجع إلى أمر الوليد فجرى الأمر عليه. ذكر ذلك أبو محمد بن السيد رحمه الله تعالى.
وأما التوقيع فهو ما يلحق بالكتاب بعد الفراغ منه ممن رفع إليه كالسلطان ونحوه من ولاة الأمر كما إذا رفعت إلى السلطان أو إلى الوالي شكاة فكتب تحت الكتاب أو على ظهره: ينظر في أمر هذا أو: يستوفى لهذا حقه أو نحو ذلك. فهذا توقيع.
ورفع إلى جعفر بن يحيى كتاب يشتكى فيه بعامل فكتب على ظهره: يا هذا قد قل شاكروك وكثر شاكوك فإما اعتدلت وإما اعتزلت! ورفع إلى الصاحب بن عباد كتاب فيه: إنَّ إنسانا هلك وترك يتيما وأموالا جليلة لا تصلح لليتيم وقصد الكاتب إغراء الصاحب. فأخذها فوقع الصاحب فيها: الهالك ﵀ وو اليتيم أصلحه الله والمال ثمرة الله والساعي لعنه الله! ونحو هذا من التوقيعات. والتوقيع في الأصل التأثر في الشيء. يقال: حمار موقع الظهر أي أصابته في ظهره دبرة فسمي هذا توقيعا لنه تأثر في الكتاب حسنا أو في الأمر معنى؛ أو في الوقوع لأنه سبب لوقوع الأمر المذكور أو لأنه إقاع لذلك المكتوب: فتوقيع كذا بمعنى إيقاعه.
وأما العنوان فهو ما يجعل عليه ليستدل به عليه ويقال قيه: عنوان وعنيان بضم الأول فيهما وكسره. وأصله عنان على مثل رمان لأنّه مشتق من قولك: عن لي الأمر يعن إذا عرض لأنّه هو يعرض للكتاب من ناحية وعننه وعنونه وعناه: كتب عنوانه. ويقال فيه أيضاً علوان باللام وعلون الكتاب وعلاه تعلية: كتب عنوانه وكل ظاهر شيء استدلت به على باطنه فهو عنوان له. قال الشاعر:
رأيت لسان المرء رائد عقلهوعنوانه فانظر بماذا تعنون!
وقال الآخر:
ضحوا بأشمط عنوان السجود بهيقطع الليل تسبيحا وقرآنا
وما أصناف الكتب فكثيرة منها: كاتب التدبير وهو أجلها وأعلاها درجة وهو كاتب السلطان الذي يكتب سره؛ ومنها كاتب أرباب الأحكام وأجلها كاتب القاضي ثم كاتب صاحب المظالم ثم كاتب صاحب الديوان وهو الخراج ثم كاتب صاحب الشرطة؛ ومنها كاتب العامل وكاتب المجلس إلى غير وكل واحد منها له أحكام وآداب ذكرت في محلها.
ولهم أقلام مختلفة اصطلحوا عليها في الكتابة. انتهى. مجموعها بحسب ما ذكروا إلى أحد وعشرين وهي الجليل والسجلى ويسمى قلم الثلثين والقلم الرئاسي والنصف وخفيف النصف والثلث وخفيف الثلث والمسلسل وغبار الحلبة وصغير الغبار وهو قلم المؤامرات وقلم القصص والحوائجي والمحدث والمدمج وثقيل الطومار وخفيف الطومار والشامي ومفتح الشامي والمنثور وخفيف المنثور وقلم الجزم.
واختلف في أوّل من كتب: فقيل آدم ﵇ كتب الصحف قبل موته بثلاثمائة سنة في طين ثم طبخه. فلما كان بعد الطوفان أصاب كل قوم كتابهم؛ وقيل أوّل من كتب إدريس ﵇؛ وقيل أوّل من وضع الكتابة إسماعيل ﵇ وضعها بلفظه ومنطقه؛ وقيل أوّل من كتب قوم من الأوائل أسمائهم أبجد هوز حطي إلى آخرها. وكانوا ملوك مدين وقيل هم أبجد هوز إلى قرست ملوك مدين فوضعوا الكتابة العربية على عدد حروف أسمائهم وكان سيدهم كلمن فهلكوا يوم الظلة فقالت ابنة كلمن ترثيه:
كلمن هدم ركنيهلكه وسط المحله
سيد القوم أتاهالحتف نارٌ وسط ظله
جعلت نارٌ عليهمدراهم كالمضمحله
ويروى أيضاً:
ألا يا شعيب قد نطقت مقالةًسبقت بها عمراً وحي بني عمرِ
ملوك بني حطي هوز منهموسعفص أهل للمكارم والفخرِ
وقيل هم ملوك الجن الذين سكنوا الأرض قبل آدم ﵇ فألقيت إلى العرب؛ وقيل أسماء ملوك الجبابرة.
وقيل أوّل من وضع الخط العربي نفر من طيء من بولان وهم: مرامر بن مرة وأسلم بن سدرة وعامر بن حدرة. فساروا إلى مكة فتعلمه منهم شيبة بن ربيعة بن حرب بن عبد شمس وعتبة بن ربيعة وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وهشام بن المغيرة المخزومي. ثم أتوا الأنبار فتعلمه نفر منهم. ثم أتوا الحيرة فتعلمه منهم جماعة منهم: سفيان بن مجاشع بن عبد الله بن دارم وولده يسموه بالكوفة بني الكاتب. ثم أتوا الشام فعلموه جماعة فانتهت الكتابة إلى رجلين من أهل الشام يقال لهما الضحاك وإسحاق بن حماد واخترع منه خطا أخف فسماه الثلثين السابق. ثم جعل الناس يختصرون ويغيرون حتى انتهى إلى ما مر. وليس هذا محل تفصيل هذا.
وأما ما قيل من الشعر في وصف الكتاب أو الأقلام أو المحابر أو تفضيل القلم على السيف أو العكس فأكثر من أن يحصى. وقد وضعت في ذلك موضوعات مستقلة. فمن مستحسن ذلك قول أبي الفتح البستي:
إن هز أقلامه يوما ليعملهاأنساك كل كمي هز عاملهُ
وإن أقر على رقٍّ أناملهأقر بالرق كتاب الأنام لهُ
وقال الآخر:
يمسك الفرس رمحا بيدٍوأنا أمسك فيه قصبه
فكلانا فارسٌفي شأنه:إنَّ الأقلام رماحُ الكتبه
وقول الآخر:
وما روض الربيع وقد زهاهندى الأشجار يأرج بالغداةِ
بأوضاع أو بأبسط من نسيمٍتوديه الأفاوه من دواةِ
وقول الآخر في خلاف هذا:
دعي في الكتابة لا رويٌله فيما يعد ولا بديهُ
كأن دواته من ريق فيهتلاق فريحها أبداً كريهُ!
وقول بعضهم وقد نظر إلى فتى عليه أثر المداد وهو يستره:
لا تجزعن من المداد فإنهعطر الرجال وحلية الكتاب!
ويقال: أثر المداد دليل على الفضل حتى إنَّ عبيد الله بن سليمان رأى صفرة زعفران في ثوبه فطلاها بالحبر وقال: المداد أحسن بنا من الزعفران! وأنشد:
إنما الزعفران عطر العذارىومداد الدوات عطر الرجالِ
وقول الآخر يهجو كاتبا:
حمارٌ في الكتابة يدعيهاكدعوى آل حربٍ في زيادِ
فدع عنك الكتابة لست منهاولو غرقت ثوبك في المدادِ!
وقال بعضهم: كنت عند إبراهيم بن العباس وهو يكتب كتابا فوقعت من القلم نقطة مفسدة فمسحها بكمه فتعجبت فقال: لا تعجب! المال فرع والقلم أصل والأصل أحوج من الفرع إلى المراعات وبهذا السواد جاءت الثياب. ثم أطرق قليلا فأنشد:
إذا ما الفكر ولد حسن لفظٍوأسلمه الوجود إلى العيانِ
ووشاه فنمنمه مشدٍفصيحٌ في المقال بلا لسانِ
ترى حلل البيان منشراتٍتجلى بينها صور المعاني
وكتب سليمان بن وهب بقلم صلب واعتمد عليه فصر تحت يده فقال:
إذا ما التقينا وانتضينا صوارماًيكاد يصم السامعين صريرها
تساقط في القرطاس منها بدائعٌكمثل اللآلي نظمها ونثرها
تقود أبيات البيان بفطنةٍيكشف عن وجه البلاغة نورها
تظل المنايا والعطايا شوارعاًتدور بما شئنا وتمضي أمورها
إذا ما خطوب الدهر أرخت ستورهاتجلت بنا عما تسر ستورها
وقول أبي تمام يمدح محمد بن عبد الملك الزيات من قصيدة:
لك القلم الأعلى الذي بشباتهيصاب من الأمر الكلى والمفاصلُ
له الخلوات اللاء لولا نجيهالمّا اختلفت للملك تلك المحافلُ
لعاب الأفاعي القاتلات لعابهوأرى الجنا اشتارته أيدٍ عواسلُ
له ريقٌ طل ولكن وقعهابآثاره في الشرق والغرب وابلُ
فصيحٌ إذا استنطقته وهو راكبٌوأعجم إن خاطبته وهو راجلُ
إذا ما امتطى الخمس اللطاف وأفرغتعليه شعاب الفكر وهي حوافلُ
اطاعته أطراف القنى وتقوضتلنجواه تقويض الخيام الجحافلُ
إذا استغزر الذهن الذكي وأقبلتأعاليه في القرطاس وهي أسافلُ
وقد رفدته الخنصران وسددتثلاث نواحيه الثلاث الأناملُ
رأيت جليلاً شأنه وهو مرهقٌضنى وسميناً خطبه وهو ناحلُ
وقول أبي الفتح البستي:
إذا أقسم الأبطال يوما بسيفهموعدوه مما يكسب المجد والكرم
كفى قلم الكتاب مجداً ورفعةًمدى الدهر أنَّ الله أقسم بالقلم
وقول البحتري:
تعنو له وزراء الملك قاطبةًوعادة السيف أن يستخدم القلما
وقول الآخر:
إن يخدم القلم السيف الذي خضعتله الرقاب ودانت خوفه الأممُ
فالموت والموت لا شيء يقابلهما زال يتبلع ما يجري به القلمُ
بذا قضى الله للأقلام مذ بريتأنَّ السيوف لها مذ أرهفت خدمُ
وقول أبي الطيب مناقضا لهذا:
حتى رجعت وأقلامي قوائل لي:المجد للسيف ليس المجد للقلمِ
اكتب بذا أبداً بعد الكتاب لهافإنما نحن للأسياف كالخدمِ
وقول سليمان بن جرير النمري في نحوه:
جهابذةٌ وكتابٌ وليسوابفرسان الكريهة والطعانِ
ستذكرني وتعرفني إذا ماتلاقى الحلقان من الباطنِ
وقول كشاجم:
هنيئاً لأصحاب السيف بطالةًتقضى بها أيامهم في التنعمِ!
وكم فيهم من دائم الأمن لم يرعبحربٍ ولم ينهد لقرن مصممِ
وكل ذوي الأقلام في كل ساعةٍسيوفهم ايست تجف من الدمِ
وقول الآخر في مدح القلم وأهله:
قومٌ إذا أدخلوا الأقلام من قصبٍثم استمدوا بها ماء المنياتِ
نالوا بها من أعاديهم وإن بعدواما لا ينال بحد المشرفياتِ
وقول البحتري يمدح الحسن بن وهب ويصف أقلامه:
وإذا تألق في الني كلامهالمصقول خلت لسانه من عضبهِ
وإذا دجت أقلامه ثم انتحتبرقت مصابيح الدجى في كتبهِ
فاللفظ يقرب فهمه في بعدهمنا ويبعد نيله في قربهِ
حكمٌ فسائحها خلال بنانهمتدفق وقليلها من قلبهِ
فكأنها والسمع معقودٌ بهاشخص الحبيب بدا لعين محبهِ
وقوله أيضاً في أبن الزيات:
لتصرفت في الكتابة حتىعطل الناس فن عبد الحميدِ
في نظام من البلاغة ما شكامرؤ أنه نظام فريدِ
وبديع كأنه الزهر الضاحك في رونق الربيع الجديدِ
ما أعيرت منه بطون القراطيسوما حملت طهور البريدِ
حزن مستعمل الكلام أخباراًوتجنبن ظلمة التعقيدِ
كالعذارى غدون في الحلل الصفرإذا رحن في الخطوب السودِ
ومن أمثال الأدباء قولهم:
أخف من دينار يحيى وهو يحيى بن علي أعطى بعض الأدباء دينار خفيفا فقال فيه عدة مقاطع منها:
دينار يحيى زائد النقصانفيه علامة سكة الحرمانِ
قد راق منظره ورق خيالهفكأنه روح بلا جثمان
أهداه مكتتما إلي برقعةٍفوجدته أخفى من الكتمان!
ومن أمثال العامة قولهم:
النص من طبعة دار الثقافة بالدار البيضاء (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع