تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الأكم في الأمثال والحكم» للحسن اليوسي (ت ١١٠٢هـ)

خير العلم ما حوضر به

المحاضرة: المذاكرة. والمعنى أنَّ خير العلم ما حصل الإنسان في صدره فوجده عند المحاضرة وكان عدة له عند المذاكرة. ويقال حرف في قلبك خير من ألف في كتبك. ويقال: لا خير في علم لا تعبر به الأودية ولا تعمر به الأندية. ويقال: حفظ سطرين خير من حمل وقرين ومذاكرة اثنين خير من هذين. وينسب للشافعي:

علمي معي حيثما مشيت يتبعنيوعاؤه القلب لا بيتي وصندوقي
إن كنت في البيت كان العلم فيه معيأو كنت في السوق كان العلم في السوق
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «علمي معي حيثما يممت ينفعني»

وقال الآخر:

عليك بالحفظ دون الكتب تجمعهافإن للكتب آفات تفرقها
الماء يغرقها والنار تحرقهاوالفأر يخرقها واللص يسرقه

لكن قد يولع المرء بالحفظ حتى يفوته تصور المعاني فيكون كالحمار يحمل أسفارا. ولذلك روي في الخبر: همة السفهاء الرواية وهمة العلماء الدراية. وقال أبن مسعود: كونوا للعلم وعاة ولا تكونوا له رواة فقد يروى ما لا يدرى ويدرى ما لا يروى. وحدث الحسن البصري بحديث. فقال له رجل: عمن؟ فقال: وما تصنع بعمن؟ قد نالتك عطيته وقامت عليك حجته. وربما وثق بصدره ولم يقيد فيطرأ عليه النسيان ويضيع علمه ولذلك ورد في الخبر: قيدوا العلم بالكتاب.

وورد أنَّ رجلا شكا إلى النبي ﷺ كثرة النسيان فقال له استعمل يدك أي اكتب! وشاع في أمثال الناس: ينسى الرأس ولا ينسى الكراس.

خير الغداء بواكره الغداء بالفتح والمد والدال مهملة ضد العشاء وتقدم هذا. والمراد أنَّ خير الغداء أيضاً ما ابتك به. ولهذا علة وتحقيق يذكر في الطب. ومنهم من رأى في الغداء

التأخير. ويروى قول علي كرم الله وجهه أو غيره من الحكماء: من أراد النساء ولا نساء فليكر الغداء وليبكر العشاء وليخفف الرداء وليقلل غشيان النساء. انتهى. قوله فليكر الغداء: أي يؤخره كما في بيت الحطيئة. وأراد بتخفيف الرداء أن يجنب نفسه ثقل الدين: فإن هم الدين يهرم كما قال: لا هم إلاّ هم الدين ولا وجع إلاّ وجع العين.

خير الغنى القنوع وشر الفقر الخضوع الغنى بكسر الغين وألف مقصورة ضد الفقر. قال:

فتى غير محجوب الغنى عن صديقهولا مظهر الشكوى إذا النعل زلتِ
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة

وقد يمد للضرورة. قال:

سيغنيني الذي أغناك عنيفلا فقر يدوم ولا غناءُ

والقنوع: السؤال والتذلل للمسؤول. وقد قنع الجل بالفتح قنوعا فهو قانع وقنيع. قال:

لمال المرء يصلحه فيغنيمفاقره أخف من القنوع
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «أعائش ما لأهلك لا أراهم»

والمفاقر جمع فقر على غير قياس مثل مذاكير لذكر ومحاسن لحسن على ما في ذلك من كلام عند النحويين. ومنه قول النابغة:

فأهلي فداء لامرئ إن أتيتهتقبل معروفي وسد المفاقرا
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كتمتك ليلاً بالجمومين ساهرا»

وقال عدي بن زيد العبادي:

وما خنت ذا عهد وأنت بعهدهولم أحرم المضطر إذ جاء قانعا

أي سائلا. وفي كلامهم: نسال الله القناعة ونعوذ به من القنوع.

وقلت في هذه المادة من قصيدة:

إن دعا القنوع ليس بشافيههذا المرء نيل اقصى الأماني
ومن اعتز بالقناعة أمسىفي نعيم وعزة وأمانِ

وقد يكون القنوع بمعنى القناعة وهو الرضى بالقسم على الضد وهذا هو المراد في المثل. قال الشاعر:

وقالوا قد ذهبت فقلت كلاولكني أعزني القنوعُ

والقانع: الراضي. قال لبيد:

فمهم سعيد آخذٌ بنصيبهومنهم شقى بالمعيشة قانعُ

ويقال إنما سمي السائل قانعا لنه يرضى بما أعطي وإ، كان قليلا. فيكون معنى القنوع والقناعة واحد أبدا؛ غير أنَّ فعل القناعة هو بالكسر يقال قنع بالكسر يقنع قناعة فهو قنع وقانع وقنوع وقنيع. ة الفقر بفتح الفاء الحاجة: والخضوع: التذلل.

ومعنى المثل واضح في صيانة الحر نفسه عن خسيس المكاسب. وهو من كلام أوس بن حارثة.

روي أنه عاش دهرا وليس له إلاّ ابنه مالك. وكان لأخيه الخزرج خمسة أولاد: عمرو وعوف وجشم والحارث وكعب. فلما احتضر أوس قال له قومه: كنا نأمرك بالزواج في شببك فلم تتزوج حتى حضرك الموت. فقال: الأوس: لم يهلك هالك ترك مثل مالك يعني مالك بن أوس ولده وإن كان الخزرج ذا عدد وليس لمالك ولد. فلعل الذي استخرج العذف من الجريمة والنار من الوثيمة أن يجعل لمالك مسلا ورجالا بسلا يا مالك المنية ولا الدنية والعتاب قبل العقاب والتجلد لا التبلد! وأعلم أنَّ القبر خير من الفقر؛ وشر شارب المشتف وأقبح طاعم المقتف؛ وذهاب البصر خير من كثير من النظر؛ ومن كرم الكريم الدفاع عن الحريم ومن قل ذل ومن أمر فل. وخير الغنى القناعة وشر الفقر الضراعة؛ والدهر يومان: فيوم لك ويوم عليك فإذا كان لك فلا تبطر وإذا كان عليك فاصبر فكلاهما سينحسر. فإنما تعز من ترى ويعزك من لا ترى. ولو كان الموت يشترى لسلم منه أهل الدنيا ولكن الناس فيه مستوون: الشريف الأبلج واللئيم المعلهج؛ والموت المفيت خير من أن يقال لك هبيت. وكيف بسلامة من ليست له إقامة؟ وشر من المصيبة سوء الخلف وكل مجموع إلى تلف. حياك إلاهك! انتهى.

فنشر الله من مالك بعدد بني الخزرج. والعذق بالفتح النخلة نفسها وبالكسر كباستها كما مر في الهمزة؛ والجريمة النواة؛ والوثيمة الموطوءة من الحجارة بحوافر الخيل ونحوها من الوثم وهو الكسر كما قال عنترة:

خطارة غب السرى موارةتطس الاكام بذات خف ميثمِ

وهذا الكلام يحلف به العرب يقولون: لا والذي أخرج العذق من الجريمة والنار من الوثيمة! ومن أيمانهم أيضاً: لا والذي شقهن خمسا من واحد! أي الأصابع ولا والذي أخرج قابية من قوب! أي فرخا من بيضة كما مر؛ و: لا والذي وجهي زمم بيته! بفتحتيناي تلقاءه وتجاهه؛ والبسل: الشجعان وأحدهم باسل والبسالة: الشجاعة؛ والمشتف هو المستقصي ما في إنائه ومنه حديث أم زرع: إن شرب اشتف. والمقتف: الآخذ للشيء بعجلة؛ وأمر الرجل: كثر عدده؛ وتعز: تغلب؛ والمعلهج: المتناهي في الدناءة واللؤم، وقيل هو العريق فيه اللئيم بن اللئيم، والهبيت: الأحمق الضعيف، ويقال له الجبان المخلوع القلب. وضده الثبيت. قال طرفة:

فالهبيت لا فؤاد لهوالثبيت قلبه قيمه

ويروى: فهمه قيمه.

وقد علمت أنَّ لفظ المثل في هذه الوصية التي سردنا من كلام أوس: خير الغنى والقناعة، وشر الفقر الضراعة. ورواية المثل على هذا الوجه هو رأي من لا يرى أنَّ القنوع يكون بمعنى القناعة، وبذلك اعترض البكري على أبي عبيد في إيراده المثل على الالفظ السابق، وقد علمت مما مر إنّه صحيح ومثل هذا المثل قول الفارعة بنت طريف ترثي أخاها:

فتى لا يعد الزاد إلاّ من التقىولا مال إلاّ من قنى وسيوف
للشاعر ليلى بنت طريف الشيبانية، اقرأ القصيدة

وقول الأبيرد اليربوعي:

فتى كان يدنيه الغنى من صديقهإذا ما هو استغنى ويبعده الفقر
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «فتى كان يدنيه الغنى من صديقه»

وقول إبراهيم بن العباس الصولي:

أسد ضار إذا استنجدتهوأب بر إذا ما قدرا
يعرف الأبعد إنَّ أثرى ولايعرف الأدنى إذا ما افتقرا
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة

وقوله أيضاً:

ولكن الجواد أبا هشامنقي الجيب مأمون المغيب
بطي عنك ما استغنيت عنهوطلاع عليك مع الخطوب

وقول الآخر:

إذا أعطشتك اكف اللئامكفتك القناعة شبعا وريا
فكن رجلا رجله في الثرىوهامة همته في الثريا
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «إذا أظمأتك أكف الرجال»
فإنَّ إراقة ماء الحياة دون إراقة ما المحيا!
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «إذا أظمأتك أكف الرجال»

وتقدم ما في ذكر القناعة من الشعر وسيأتي أيضاً كثيرا، إن شاء الله تعالى! ووصية أوس المذكورة مشتملة على أمثال عدة، وقد نبهنا على غريبها، والباقي واضح

النص من طبعة دار الثقافة بالدار البيضاء (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الأمثال وما يلتحق بها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.