من «زهر الأكم في الأمثال والحكم» للحسن اليوسي (ت ١١٠٢هـ)
خير ما رد في أهلٍ ومالٍ
هذا يستعمل في الدعاء بالخير للقادم من سفر. والمعنى: جعل الله ما جئت به خير ما رجع به الغائب! وقيل: المعنى أنَّ مجيئك بنفسك خير مارد في أهلك ومالك.
خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة المال معروف؛ والسكة بالكسر: الحديد التي تضرب عليها الدراهم، والتي يحرث بها. وتطلق أيضاً على السطر من الأشجار؛ والمأبورة: المصلحة، يقال: أبر نخلة، يأبره، أبارا وغبارة ككتب كتبا وكتابا وكتابة؛ وأبرة تأبير: ألقحه وأصلحه؛ وأئتبر الرجل: طلب غيره أنَّ يأبره له. فقال طرفة:
ولي الأصل الذي في مثلهيصلح الآبر زرع المؤتبر
وتأبرت النخل: قبلت الإبار. قال الراجز:
تأبري يا خير فسيلإذ ضن أهل النخل بالفحول!
والمهرة معروف، والمأمورة: كثيرة النسل والنتاج. تقول: آمرته بالمد: كثرته. فكان القيلس أنَّ يقال مؤمرة، كما تقول أعمرتها فهي معمرة؛ ولكنه قيل مأمورة إتباعا لمأبورة، كما قيل لا دريت ولا تليت أي تلوت وأرجعن مازورات، غير ما جورات أي مزورات. على إنّه قد يقال أمرته كنصرته
فهو مامور، كثرته، وهو لغية. وقد قيل بذلك في قوله تعالى:) وإذا أردنا أنَّ نهلك قرية أمرنا مترفيها (. أي كثرنا. ويقال: أمر القوم بالكسر أي كثروا ومنه قول أوس بن حارثة السابق: من أمر فل، وقول الآخر:
نعلهم كلما يبني لهم سلفبالمشرفي ولولا ذاك قد أمروا
وقول أبي وجرة: أمرون لا يرثون سهم القعدد أي كثيرون اسم فاعل أمر. وقول الآخر: أم جوار ضنؤها غير أمر أي نسلها. وقول الآخر:
والإثم من شر ما يصال بهوالبر كالغيث نسله أمر
والسكة هنا أريد بها الأشجار. والمعنى أنَّ خير المال نخيل قمت عليه وأصلحته، أو فرس ولود. وقيل: أريد بالسكة الحديدة التي يحرث بها. ومعنى مأبورة: مصلحة. والمعنى أنَّ خير المال الحرث والبطن. وأعلم أن هذا الكلام ذكره اللغويون، وظاهر كلامهم إنّه من كلام العرب. وفي الصحاح إنّه حديث، والله أعلم! ووري في الحديث أيضاً من هذا المعنى: خير المال عين ساهرة لعين نائمة. وروي: تسعة أعشار الرزق في التجارة. ووري إنّه ﷺ كان يأمر الأغنياء باتخاذ الغنم، ويأمر الفقراء باتخاذ الدجاج. وقات ابنه الخس: مائة من المعز قني، ومائة من الضأن غنى، ومائة من الإبل مني.
الخيل تجري على مساويها الخيل جماعة الأفراس. قال عنترة:
والخيل تقحم الخبار عوابساما بين شيظمة وأجرد شيظم
ولا واحد لها. وحكى بعض اللغويين في واحده خائل من الختيال وهو التبختر. والخيل أيضاً جماعة الفرسان. قال امرؤ القيس:
فيا رب مكروب كررت وراءهوطاعنت عنه الخيل حتى تنفسا
وقال الآخر:
علام تقول الرمح يثقل عاتقيإذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت؟
والجري معروف والمساوي: المعائب قيل لا واحد لها وقيل جمع مسوء على غير قايس والإظهار إنّه جمع مساءة كما تقول في منارة منائر قال الشاعر في المفرد:
لئن ساءني أن نلتني بمساءةلقد سرني أني خطرت ببالك
وقول الآخر في الجمع:
وعين الرضى عن كل عيب كليلةولكن عين السخط تبدي المساويا
يقال ساء يسوؤه سوءا بالفتح وسوءا وسوائية كعلانية وسواية بحذف الهمزة ومساء ومساءة ومسائية ومساية إذا فعل به ما يكره. وهذا المثل يضرب في حماية الحريم والدفاع عنه مع الضرر والخوف. والمعنى أن الخيل وإن كانت بها أواصب وعيوب فإنَّ كرمها مع ذلك يحملها على الجري. فذلك الحر من الرجال يحمي حريمه على ما فيه من علة. وقيل إنَّ المراد بالمثل إنَّ الرجل يستمع به وفيه الخصال المكروهة وهو ظاهر.
الخيل اعلم بفرسانها الخيل تقدم والفرسان جمع فارس والفارس صاحب الفرس كما قالوا لابن وتامر لصاحب اللبن والتمر. ويجمع على فوارس. قال عنترة:
فإنَّ يك عبد الله لاقى فوارسيردون خال العارض المتوقد
والفراسة بالفتح والفروسة والفروسية الحذق بركوب الخيل وأمورها. وقد فرس الرجل بالضم يفرس. قال أبن ظفر: وليس من ركب الفرس له حكم الفراسة عند العرب ولكن الفارس عندهم من أحسن الجلاد على الفرس واشتهر بالشجاعة كعمرو بن معدي كرب وربيعة بن مكدم وملاعب الأسنة وعنترة العبسي وأضرابهم. فهؤلاء فرسان العرب. قال الشاعر:
لعمر أبيك الخير إني لخادملضيفي وإني إن ركبت لفارس
فلم يمتدح بنفس الركوب. انتهى.
والمثل يضرب لمن يظن إنَّ عنده غنى ولا غنى عنده.
الخيل أعلم من فرسانها هذا المثل يضرب لمن تظن به ظنا فتجده على ما ظننت هكذا قال بعض العلماء. ويحتمل إنَّ هذين المثلين واحد وإنّما وقع التحريف في أحدهما. والتفسير الثاني انسب بالأول كما لا يخفى.
أخيل من مذالة يقال: خال الرجل يخال واختال إذا تكبر وتبختر عجبا فهو خال وخائل وخال كقاص مقلوبا ومختال. والإذالة بالذال المعجمة: الإهانة. يقال: أذلت الرجل فهو مذال. قال زيد الخيل يخاطب بني الصيداء وكان غزا غزوة فطلع بعض خيله فأدركوه فأخذوه:
يا بني الصيداء ردوا فرسيإنّما يصنع هذا بالذليل
لا تذيلوه فإني لم أكنيا بني الصيدا لمهري بالمذيل
عودوه كالذي عودتهدلج الليل وإطاء القتيل
ويحكى إنَّ أبا تمام الطائي خرج قاصدا البصرة وفيها عبد الصمد بن المعذل. فلما سمع عبد المد بقدومه إليه كتب إليه:
أنت بين اثنتين تبرز للناسوكلتاهما بوجه مذال
لست تنفك راجيا لوصالمن حبيب أو طالبا لنوال
أي ماء لحر وجهك يبقىبين ذل الهوى وذل السؤال؟
فلما وقف أبو تمام على الأبيات رجع وقال: شغل هذا ما وراءه ولا حاجة لنا فيه. وقريب من هذا قول بعضهم في هجو أبي الطيب المتنبي:
أي فضل لشاعر يطلب الفضلمن الناس بكرة وعشيا؟
عاش حينا يبيع في الكوفة الماءوحينا يبيع ماء المحيا
وإنّما قال: ذلك لمِا يحكى إنَّ أبا الطيب المتنبي كان سقاء بالكوفة والله اعلم.
ونحو الأول قول الإسعري في مجونه الهجوية:
أنت بين اثنين يا نجل يعقوبوكلتاهما مقر السيادة
لست تنفك راغبا عرد عبدمستبطرا أو حاملا خف عادة
أي ماء لحر وجهك يبقىبين ذل البغا وذل القيادة
والمذالة في هذا المثل أرادوا بها الأمة لأنها تذال أي تمتهن بالخدمة ويرها وهي أكثر خلق الله اختيالا وتبخترا وعجبا وذلك من ضعف عقلها وسقاطة نفسها ونقصان همتها فإنَّ الهموم بقدر الهمم.
ومما يلتحق بهذا الباب قولهم:
النص من طبعة دار الثقافة بالدار البيضاء (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع