من «زهر الأكم في الأمثال والحكم» للحسن اليوسي (ت ١١٠٢هـ)
ذلك الظن بك يا أبا إسحاق
!
وهو سعد بن أبي وقاص أحد العشرة ﵁ لمّا شكاه أهل الكوفة فقال له عمر ﵁: إنهم شكوك في كل شيء حتى الصلاة! فقال: إني أفعل ما رأيت النبي ﷺ يفعل أركد في الأولين وأحذف في الأخيرين. فقال عمر: ذلك الظن بك! وأما الشعر، فقال ضابئ:
لكل جديد لذة غير إننيوجدت جديد الموت غير لذيذ!
وقال الآخر:
طلبت الجميع ففات الجميعفمن طول حرصك لا ذا وذا!
غيره:
ما زال جيش الحب يغزو قلبهحتى وهى وتقطعت أفلاذه!
وقال الصابئ:
والعمر مثل الكأس يرسب في أواخره القذا
ومنه قول أبن النبيه:
خذ من زمانك ما أعطاك مغتبطاوأنت ناه لهذا الدهر آمره
فالعمر كالكأس تستحلى أوائلهلكنه ربما مجت أواخره!
ويقال إنّه لمّا سمع أبن التعاويذي قول الصابئ، قال:
من شبه العمر كأسا يقرقذاه ويرسب في أسفله
فإني رأيت القذى طافياعلى صفحة الكأس من أوله!
ومن ذلك قول الفاضل:
إليك بعد انقضاء اللهو واللعبعني فلم أربي ما يقتضي أربي
فالعمر كالكأس والأيام تمزجهوالشيب فيه موضع الحبب
أقول إذ فاض فيض فضته:يا وحشة لشباب ذاهب الذهبِ!
وقول الخالدي:
لقد فرحت بما عاينت من عدمخوف القبيحين من كبر ومن بطر
وربما الأعمى بحالتهلأنه قد نجا من طيرة العور
ولست أبكي على شيء منيت بهيبكي على الشيب من يأسى على العمر
وما بكيت زماني وهو يصعدنيفكيف أشكره في حال منحدر؟
وقال الشيخ أبن فارض، ﵀:
أهوى رشا هواه للروح غذاما أحسن فعله ولو كان أذى
لم أنس وقد قلت له الوصل متىمولاي إذا مت أسى قال إذا
وقال أبو نواس في مجونه، عفا الله عنا وعنه!
وقائل: هل تريد الحج قلت له:نعم إذا فنيت لذات بغداد
وكيف بالحج لي ما دمت منغمسافي بيت قوادةٍ أو بيت نباذ؟
ومثله قول الآخر:
ألم ترني وبشار حججناوكان الحج من خير التجارة؟
خرجنا طالبي سفر بعيدفمال بنا الطريق إلى زرارة
فآب الناس قد حجوا وبرواوأبنا موقرين من الخسارة!
ونحوه ما يحكى أنَّ موسى بن داود الهاشمي عزم على الحج، فقال لأبي دلامة:
احجج معي ولك عشرة آلاف درهم! فقال له: هاتها! فدفعها إليه فقبضها وهرب إلى
السواد، فجعل ينفقها هنالك في شرب الخمر. فطلبه موسى فلم يجده وخشي فوت الحج فخرج. فلما شارف القادسية إذا هو بأبي دلامة خارجا من قرية إلى أخرى سكران. فأمر به فأخذوه وقيد وطرح في محمل بين يديه. فلما سار غير بعيد اقبل على موسى وقال:
يا أيها الناس قولوا أجمعون معا:صلى الإله على موسى بن داود
كأنَّ ديباجتي خديه من ذهبٍإذا بذلك في أثوابه السود
إني أعوذ بداود وأعظمهمن أنَّ أكلف حجا يا أبن داود
خبرت أنَّ طريق الحج معطشةمن الشراب وما بتصريد
والله ما في من أجر فتطلبهولا الثناء على ديني بمحمود!
فقال موسى: ألقوه على المحمل، لعنه الله! فألقي به إلى قصفة بالسواد حتى أنفق المال. وقد قلت أنا قصيدة أكثرها يتعلق بالباب، فأثبت هنا، وهي:
هام الفؤاد بسعدي بعدما نزحتوأصبح الصبر عنها وهو مجذوذ
والعين منها سوابق الدموع علىميدان خد رديات مهابيذ
وأصبحت في الحشى من بينها حرقيصلى بها لن جراحات مغاذيذ
كأنما القلب إذ بانت ركائبهامن الجوى صلب في النار محنوذ
وكنت قدما بها في روضة أنفمن الوداد ثراها الدهر مرذوذ
أيام ورد المنى عذب مشاربهوغصن الود مهصور ومجبوذ
وإذ غفت مقل الأحداث وابتسمتسن المنى ولنا في الدهر تلميد
فلم يدم والغواني عهد وصلتهاآل: من أغتر منه فهو موقوذ
لو إنّها أحكمت حبل الوصال مسالم يأته الصبح إلاّ وهو مهذوذ
وما يمنين من جدوى ومن صلةٍخضراء في الحزن مرعاها معاويذ
إنَّ الهوى لجة سهل مشارعهالكن يعز بها ناجٍ ومنقوذ
وما الفتى غير خلو عن عمايتهذو همة ذيله للجد مشموذ
عاط كؤوس رشاد لا كؤوس الهوىفالغي مطرح والرشاد مأخوذ
سام إلى كل ما يعلى مزاولهكما سما عن حضيض الأرض خنذيذ
فالعون مورده مر مذاقتهوإنَّ حلا وأجاج العز ملذوذ
وما المنى بالهوى يجرين بل بمنىما أحد كل ما يرجوه مفلوذ
والدهر مخلوجة أحداثه تركتفكر اللبيب لديها وهو مبذوذ
دجى حوالك لا يجلو مغالقهاإلاّ فطين ذكي القلب خنذيذ
وللمفكر آيات تبصرهلا يقطع السيف إلاّ وهو مشحوذ
والناس في الحب أخياف وأكثرهموإنَّ بدا منهم ود ملاويذ
بور مناكيس لا يزكوا معاشرهمجريب يعادون عرا كلما حوذوا
فلا منوح نوالا إنَّ هم سئلوافي الجهل عندهم التحقيق منبوذ
سبحان إنَّ ليس يحز وفر الغنى حصيروباقل عندهم إنَّ جد خنذيذ
فلا تثق إنَّ هم ذموا وإنَّ مدحوا:فهم عن الرشد عمي أو مماليذ
والصدق أشرف خيم أنت لابسهوخير ما يحتلي الصيد المشاويذ
وخير ذخر الفتى دهر قناعتهفذاك أوثق ما عض النواجيذ
وعفة وندى يحمي مسارحهإنَّ تتحاماه ألسن ملاجيذ
والمرء يمضي ويبقي بعده نبأمدح يخلد أو نيل منافيذ
والموت حتم لديه الكل مرتهنإذا أتى الحتم لم تجد التعاويذ
وقلت أيضاً:
تحل بسبط الخلق واحتمل الأذىمن الناس إنَّ عاشرتهم ودع البذا
وكن مغضيا عما يريبك باذلاًنداك ولا تغلل يديك فتنبذا
فإنَّ بني الدنيا بنو الحاج ما أجتنوامن العود إلاّ مثمرا غصنه غذا
وإني رأيت الحوض يغشى إذا صفاويلقى إذا كان المشوب أو الوذا
وللنحل فضلا دون كل ذبابةٍوللمسك والكافور عم كل ذي شذا
على أنَّ هذا الجيل آساد بيشةملاذك منهم للحسام مشحذا
متى تعتلق أظفارهم كاهل أمرئأصاروه رهنا للبلايا وللأذا
وإنَّ يعلقوا قلبا أعاروه حيرةوإنَّ يركبوا ظهرا تفتا أو ارتذا
فمن يستطع عنهم نوى فليجافهمبعاد ومن ألفى معاذاً تعوذا
فإنَّ البحار الخضر تحمى ظهورهازخورا وتعلوها مع الركدة الشذا
وتعدوا على الشاء الذياب بلا حمىوأكبادها من مربض الليث تهتذا
وما ذل إلاّ الفقع يوطأ بقرقروإلاّ حمار الحي إنَّ رمته خذا
وذو الهمة العلياء من ليس جاعلامقادته للجاهل النذل مأخذا
ولا تارك الأقذار تعلوا ذيولتهإليه ولا في عرضه الناس لجذا
ولنكتف بهذا المقدار. من هذا المضمار، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل!
النص من طبعة دار الثقافة بالدار البيضاء (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع