من «زهر الأكم في الأمثال والحكم» للحسن اليوسي (ت ١١٠٢هـ)
دون ذا وينفق الحمار
!
دون تقدم معناه، والنفاق: الروجان، تقول، نفق البيع بالفتح ينفق، نفاقا على مثال سحاب إذا راج؛ ونفقت الدابة أو الرجل: مات؛ والحمار معروف. ودخل رحل السوق بحمار له يبيعه. فقام رجل يقال له أبو يار يمدح الحمار، وجعل يقول: إنَّ حافره جلمود، وإنَّ ظهره حديد. فقال صاحبه: شاكه أبا يسار، دون ذا وينفق الحمار! فذهب مثلا يضرب للمفرط في الثناء والمدح. ومعنى شاكه: شابه وقارب في المدح ولا تفرط من المشاكهة وهي المشابهة. وسيأتي المثل في الشبن. إن شاء الله.
ومن أمثال العامة في هذا الباب قولهم:
دجاجة وتركل يضرب لاستبعاد الصولة من الضعيف، والدجاجة معروفة مثلة الأول والجمع دجاج، والركل ضرب الأرض برجل واحدة، وركض الفرس بالرجل، والأرض المركلة
المكدود بحوافر الدواب. قال امرؤ القيس يصف فرسا:
مسح إذا ما السحابات على الونىأثرن غبارا بالكديد المركل
ويستعمل الركل، في لسان العرب، في الضرب بالرجل مطلقا، وهو المراد.
ثم نذكر من الشعر في هذا الباب ما تيسر، والله المستعان.
قال طرفة بن العبد:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاويأتيك بالأخبار من لم تزود
وإلى معنى هذا البيت أشار أبن شرف في لاميته بقوله:
لا تسأل الناس والأيام عن خبرهما يبثانك الأخبار تطفيلا!
وقال دريد بن الصمة:
وهل أنا إلاّ من غزية إنَّ غوتغويت وإنَّ ترشد غزية أرشد
وغزية قبيلة، وهي فيما أظن بفتح المعجمة وكسر الزاي. وهكذا رأيته في نسخة من الصحاح مضبوطا بالقلم، ويؤيده ما في القاموس من انهم يسمون غازية وغزية كغنية ولم يثبت في أسمائهم غزية. بلفظ التصغير. وقال من هذه القصيدة أيضاً:
أمرتهم أمري بمنزعج اللوىفلم يستبينوا الرشد إلاّ ضحى الغد
وتمثل بهذا البيت أمير المؤمنين على كرم الله وجهه على المنبر، في قصة التحكيم حين وقع ما وقع من الحكمين يعاتب أهل العراق ويوبخهم على سفاهة رأيهم في ذلك وتوجيههم أبا موسى الأشعر، والقصة مشهورة. وعلى هذا البيت نبه أبن شرف بقوله في لاميته:
يرى البليد البلايا بعد ما نزلتوذو الذكاء يرى الأشياء تبخيلا وقال الأسود بن يعفر:
جرت الرياح على محل ديارهمفكأنهم كانوا على ميعاد
ونظمه أبن شرف في لاميته بقوله:
بادوا كأنهم للفرقة اتعدوافلم يكن ذلك الميعاد ممطولا
وقال الآخر:
أجل إذا طالبت في طلبفالجد يغني عنك لا الكد!
ونظمه أبن شرف بقوله:
والجد يغني الفتى عم كد مهجتهفليغتد تكثير حرص المرء تقيلا!
وقال الشاعر:
السيف يقطع وهو ذو صدإٍوالحد يفري الهام لا الغمد
ونظمه أبن شرف بقوله:
والنفس جوهرة ملبوسها صدفوالسيف يقطع رذل الغمد مفلولا
وقال:
هل تنفعن السيف حليتهيوم الجلاد إذا نبا الحد
ونظمه أبن شرف بقوله:
ورب سيف كهامٍ لا مضاء لهوقد تراه محلى المد مصقولا
وقال الآخر:
وإنَّ أمرءاً يمسي ويصبح سالمامن الناس إلاّ ما جنى لسعيد
ونظمه أبن شرف بقوله:
ومن يعاقب بما تجني يداه بلاظلم التجني فقد نال اليد الطولى
وقال الآخر:
وغيظ على الأيام كالنار في الحشىولكنه غيظ الأسير على القد
ونظمه أبن شرف بقوله:
لنا على الدهر غيظ ليس ينفعناغيظ الأسير أسير القد مغلولا
وقال الآخر:
ماذا لقيت من الدنيا وأجبهإني بما أنا باك منه محسودا!
ونظمه أبن شرف بقوله:
قل للحسود على أشياء تحزنني:خذها احتقاراً وتهويناً وترذيلا!
وقال بعض العرب:
إذا الرجال ولدت أولادهاواضطربت من كبرٍ أعضادها
وجعلت أوصابها تعتادهافهن زروع قد دنا حصادها
وقال الآخر:
لقد أسمعت لو ناديت حياولكن لا حياة لمن تنادي!
وما أحسن قول عز الدين المقدسي في كتابه كلام الطيور والأزهار على لسان الغراب:
أنوح على ذهاب العمر منيوحق أن أنوح وأن أنادي
وأندب كلما عاينت ربعاحدا بهم لوشك البين حادِ
يعنفني الجهول إذا رآنيوقد ألبست أثواب الحدادِ
فقلت له: اتعظ بلسان حاليفإني قد نصحتك باجتهادِ!
وها أنا كالخطيب وليس عيباًعلى الخطباء أثواب السوادِ
ألم ترني إذا عاينت ركباًأنادي بالنوى في كل نادِ
أنوح على الطول فلم يجبنيبساحتها سوى خرس الجمادِ
فأكثر في نواحيها نواحيمن البين المفتت للفؤادِ
فما من شاهدٍ في الكون إلاّعليه من شهود الغيب نادِ
فكم من رائحٍ فيها وغادٍينادي من دنوٍّ أو بعادِ
لقد أسمعت لو ناديت حياًولكن لا حياة لمن تنادي!
وقال الحطيئة: وما قلت إلاّ بالذي علمت سعدُ وهذا مثل مشهور وصدر البيت:
وتعذلني أبناء سعدٍ عليهم
وهذا البيت من جملة أبيات له وهي من جيد شعره. يقول فيها:
وإنَّ التي نكبتها عن معاشرٍعليَّ غضابٍ أن صددت كما صدوا
أتت آل شماش بن لأيٍ وإنّماأتاهم بها الأحلام والحسب العدُ
فإنَّ الشقي من تعادي صدورهموذو الجد من لانوا إليه ومن ودوا
يسوسون أحلاماً بعيداً أناتهاوإن غضبوا جاء الحفيظة والجدُ
أقلوا عليهم لا أبا لأبيكممن اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا!
أولئك قومٌ إن بنوا أحسنوا البناوإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
وإن كانت النعمى عليهم جزوا بهاوإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا
وإن قال مولاهم على جل حادثٍمن الدهر ردوا فضل أحلامكم ردوا
فكيف ولم أعلمهم خذلوكعلى معظمٍ ولا أديمكم قدوا؟
مطاعين في الهيجا مكاشيف للدجىبنى لهم آبائهم وبنى الجدُ
فمن مبلغ أبناء سعدٍ فقد سعىإلى السورة العليا لهم حازمٌ جلدُ
رأى مجد أقوامٍ أضيع فحثهمعلى مجدهم لمّا رأى أنه الجهدُ
وتعذلني أبناء سعدٍ " البيت "
وقال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي:
ما لامرئٍ خاض في بحر الهوى عمرإلاّ وللبين فيه السهل والجدُ
كما نما البين من إلحاحه أبداًعلى النفوس أخ للموت أو ولدُ
وقال يخاطب محمد بن يوسف:
واعذر حسودك فيما قد خصصت بهإنَّ العلى حسنٌ في مثلها الحسدُ!
وقال أيضاً في وداعه لعلي بن الجهم يمدحه:
هي فرقةٌ من صاحب لك ماجدٍفغداً إذابة كل دمعٍ جامدِ
فافزع إلى ذخر الشؤون وغربه: فالدمع يذهب بعض جهد الجاهدِ
فإذا فقدت أخاً فلم تفقد لهدمعاً ولا صبراً فلست بفاقدِ
ومنها:
إن يكد مطرف الإخاء فإننانغدو ونسري في إخاءٍ تالدِ
أو يختلف ماء الوصال فماؤناعذبٌ تحدر من غمامٍ واحدِ
أو نفترق نسباً يؤلف بينناأدبٌ أقمناه مقام الوالدِ
وقال أيضاً من قصيدة أخرى:
سقته ذعافاً غارة الدهر فيهموسم الليلي فوق سم الأساودِ
ومنها:
غدا قاصدا للحمد حتى أصابهوكم من مصيبٍ قصده غير قاصد!
ومنها:
يصد عن الدنيا إذا عنَّ سؤددٌولو برزت في زي عذراء ناهد
إذا المرء لم يزهد وقد صبغت لهبعصفرها الدنيا فليس بزاهد
وقال أيضاً من أخرى:
إذا انصرف المحزون قد فل صبرهسؤال المغاني فالبكاء له ردُ
ومنها:
نوى كانقضاض النجم كانت نتيجةمن الهزل يوماً إنَّ هزل الهوى جدُ
فلا تحسبا هندا لها العذر وحدهاسجية نفسٍ كل غانيةٍ هندُ
ومنها:
وقدٌ من الأيام وهي قديرةٌوشر السجايا قدرةٌ حازها حقدُ
إساءة دهرٍ أذكرت حسن فعالهإلي ولولا الشري لم يعرف الشهدُ
وقال أيضاً:
ومن يأذن إلى الساعين يسلقمسامعه بألسنةٍ حدادِ
وقال أيضاً:
ولكم عدوقال لي متمثلاً:كم من ودودٍ ليس بالمودودِ!
ومنها:
وإذا أراد الله نشر فضيلةٍطويت أتاح لها لسان حسودِ
لولا اشتعال النار فيما جاورتما كان يعرف طيب عرف العودِ
لولا التخوف للعواقب لم تزلللحاسد النعمى على المحسودِ
يعطي لها البشرى الكريم ويحتبيبردائها في المحفل المشهودِ
بشرى الغنى أبي البنات تتابعتبشراه بالفارس المولودِ
وقال أيضاً:
وإني رأيت الوسم في خلق الفتىهو الوسم لا ما كان في الشعر والجلدِ
وقال أيضاً:
ولكنني لم أحو وفراً مجمعاًففزت به إلاّ بشملٍ مبددِ
ولم تعطني الأيام نوما مسكناًألذ به إلاّ بنوم مشردِ
وطول مقام المرء في الحي مخلقٌلديباجته فاغترب تتجددِ!
فإني رأيت الشمس زيدت محبةًإلى الناس أن ليست عليهم بسرمدِ
ومنها:
وليس يجلي الكرب رأي مسددٌإذا هو لم يؤنس برمح مسددِ
ومنها:
محاسن أصناف المغنين جمةٌوما قصبات السيف إلاّ لمعبدِ
وقال ابيضا:
أحلى الرجال من النساء مواقعاًمن كان أشبههم بهن خدودا
حتى إذا ما الشعر سود وجههكان المسود بينهن مسودا
ومنه:
ما إن ترى الأحساب بيضاً وضحاًإلاّ بحيث ترى المنايا سودا
ومنها:
أيقنت أنَّ من السماح شجاعةٌتدمي وأنَّ من الشجاعة جودا؟
ومنها:
إنَّ القوافي والمساعي لم تزلمثل النظام إذا أصاب فريدا
هي جوهرٌ نثرٌ فإن ألفتهبالشعر صار قلائداً وعقودا
في كل معتركٍ وكل مقامٍيأخذن منه ذمةً وعقودا
وقال أيضاً:
شاب رأسي وما رأيت مشيبالرأس من فضل شيب الفؤادِ
وكذاك الرؤوس في كل بؤسٍونعيمٍ طلائع الأجسادِ
طال إنكاري البياض وإن عمرت شيئا أنكرت لون السوادِ!
ومنها:
وضياء الأمور أفسح في الطرفوفي القلب من ضياء البلادِ
ومنها:
غير أنَّ الربى إلى سبل الأنواءأدنى والحظ حظ الوهادِ!
ومنها:
كأنَّ شيء غثٌ إذا عاد والمعروفغث ما كان غير معادِ
وقال أيضاً:
وما شيء من الأشياء أمضىعلى المهجات من رأي سديدِ
وقال أيضاً:
لم تنكرين مع الفراق تبلديوبراعة المشتاق أن يتبلدا؟
وقال أيضاً:
والسيف أعمى غير أنَّ غرارهيقظٌ إذا هادٍ نحاه لهادِ
ومنها:
ومن العجائب شاعرٌ قعدت بههماته أوضاع عند جوادِ
وقال أيضاً:
ما كل من شاء استمرت بالندىيده ولا استوطا فراش الجودِ
وقال أيضاً:
وكذا المنايا يطأن بمنسمٍإلاّ على أعناق أهل الؤددِ
وقال أيضاً:
لو يعلم الناس علمي بالزمان وماعاثت يداه لمّا ربوا ولا ولدوا!
وقال أبو الطيب أحمد بن الحسن المتنبي:
فما ترجي النفوس من زمنأحمد حاليه غير محمودِ
إنَّ نيوب الزمان تعرفنيأنا الذي طال عجمها عودي
وفي ما قارع الخطوب وماآنسني بالمصائب السودِ
وقال أيضاً من قصيدة:
إذا كنت تخشى العار في كل خلوةٍفلم تتصباك الحسان الخرائدُ
ومنها:
أهم بشيءٍ والليالي كأنهاتطاردني عن كونه وأطاردِ
وحيدٌ من الخلان في كل بلدةٍإذا عظم المطلوب قل المساعدُ
ومنها:
ولكن إذا يحمل القلب كفهعلى حالةٍ لم يحمل الكف ساعدُ
ومنها:
أحقهم بالسيف من ضرب الطلاوبالأمن من هانت عليه الشدائدِ
ومنها:
بذا قضت الأيام ما بين أهلهامصائب قومٍ عند قومٍ فوائدُ
ونظمه أبن شرف بقوله:
وموت قومٍ حياةٌ عند غيرهموقد أبى الدهر بين الناس تعديلا
ومنها:
وكل يرى طرق الشجاعة والندىولكن طبع النفس للنفس قائدُ
ومنها:
فإنَّ قليل الحب بالعقل صالحٌوإنَّ كثير الحب بالجهل فاسدُ
وقال أيضاً من أخرى:
لكل امرئ من دهره ما تعمدا
ومنها:
ومن يجعل الضرغام في الصيد بازهتصيده الضرغام فيمن تصيدا
ونظمه أبن شرف بقوله:
ولا تضمن ليثاً كي تصيد بهفتغتدي خاتلاً للصيد مختولا
ومنها:
وما قتل الأحرار كالعفو عنهمومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا؟
إذا أنت أكرمت الكريم ملكتهوإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
ووضع النى في موضع السيف بالعلىمضر كوضع السيف في موضع الندا
ومنها:
ودع كل صوتٍ غير صوتي فإننيأنا الصئح المحكي والآخر الصدا
ومنها:
وقيدت نفسي في ذراك محبةومن وجد الإحسان قيداً تقيدا
وقال أيضاً:
يا عاذل العاشقين دع فئةًأضلها الله كيف ترشدها
ومنها:
فعد بها لا عدمتها أبداً:خير صلات الكريم أعودها
وقال أيضاً:
عش عزيزا أو من وأنت كريمٌبين طعن القنا وخفق البنودِ!
فرؤوس الرماح أذهب للغيظوأشفى لغل صدر الحقودِ
لا كما قد حييت غير حميدٍوإذا مت، مت غير فقيدِ
فاطلب العز في لظى ودر الذلولو كان في جنان الخلدِ!
يقتل العاجز الجبان وقد يعجزعن قطعٍ بخنق المولودِ
ويوقى الفتى المخش وقد خوَّض في ماء لبه الصنديدِ
لا بقومي شرفت بل شرفوا بيوبنفسي فخرت لا بجدودِ
وقال أيضاً:
يفنى الكلام ولا يحيط بفضلكمأيحيط ما يفنى بما لا ينفذُ؟
وقال أيضاً:
وكم للهوى من فتى مندفوكم للنوى من قتيل شهيدِ!
ومنها:
فما لك تقبل زور الكلاموقدر الشهادة قدر الشهودِ؟
وقال أيضاً:
وما ماضي الشباب بمستردولا يومٌ يمر بمستعادِ
ومنها:
فإنَّ الجرح ينفر بعد حينٍإذا كان البناء على فسادِ
وإنَّ الماء يخرج من جمادٍوإنَّ النار تخرج من زنادِ
وقال أيضاً:
سأطلب حقي بالقنا ومشايخٍكأنهم من طول ما التثموا مردُ
ثقالٍ إذا لاقوا خفافٍ إذا دعواكثيرٍ إذا شدوا قليلٍ إذا عدوا
ومنها:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرىعدوا له ما من صدلقته بدُ
يروح ويغدو كارها بوصالهوتضطره الأيام والزمان النكدُ
وزعموا أنه قد قيل له إذ تنبأ: لكل نبي معجزة فما معجزتك؟ فقال: هذا البيت.
وقال أيضاً:
من خص بالذم الفراق فإننيمن لا يرى في الهر شيئاً يحمدُ
وقال أيضاً:
إذا غدرت حسناء أوفت بعدهاومن عهدها أن لا يدوم لها عهدُ
وإن عشقت كانت أشد صبابةًوإن فركت فاذهب فما فركها قصدُ
وإن حقدت لم يبق في قلبها رضىوإن رضيت لم يبق في قلبها حقدُ
كذلك أخلاق النساء وربمايصل بها الهدي ويخفى بها الرشدُ
ومنها:
يرمون شأوي في الكلام وإنمايحاكي الفتى فيما سوى المنطق القردُ
ومنها:
وأصبح شعري منهما في مكانهوفي عنق الحسناء يستحسن العقدُ
وقال أيضاً:
أبى خلق الدنيا تدميهفما طلبي منها حبيبا تردهُ
وأسرع مفعولٍ فعلت تغيراًتكلف شيء في طباعك ضدهُ
ونظم الأول أبن شرف بقوله:
قد يحتني الدهر من كفيك ما اجتنتافكيف ما كان عن كفيك معزولا؟
ومنها:
وأتعب خلق الله من زاد همهوقصر عما تشتهي النفس وجده
ومثله قول الإمام الشافعي ﵁:
وأحق خلق الله بالهم امرؤٌذو همة يبلى بعيشٍ ضيقِ
وبعده:
فلا ينحلل في المجد مالك كلهفينحل نجدٌ كان بالمل عقدهُ
ودبره تدبير الذي المجد كفهإذا حارب الأعداء والمال زندهُ
فلا مجد في الدنيا لمن قل مالهولا مال في الدنيا لمن قل مجدهُ
ونظم هذا أبن شرف بقوله:
لا مال إلاّ بمجدٍ فالتمسه ولامالٌاذا لم يكن بالمجد مشمولا
هكذا وجدته وكأنه تحريف وإنّما قال هكذا:
لا مال إلاّ بمجدٍ فالتمسه ولامجدٌ إذا لم يكن بالمال مشمولا
أو هكذا:
لا مجد إلاّ بمالٍ فالتمسه ولامالٌ إذا لم يكن بالمج مشمولا
ومنها:
إذا كنت في شك من السيف فابله:فإنما تنفيه وإما تعدهُ
وما الصارم الهني إلاّ كغيرهإذا لم يفارقه النجاد وغمدهُ
وقال أيضاً:
حسم الصلح ما اشتهته الأعاديوأذاعته ألسن الحسادِ
ومنها:
وكلام الوشاة ليس على الأحبابسلطانه على الأضدادِ
إنما تنجح المقالة في المرءإذا وافقت هوى في القادِ
ومنها:
قد يصيب الفتى المشير ولم يجهدويشوي الصاب بعد اجتهادِ
ومنها:
وإذا الحلم لم يكن في طباعٍلم يحلم تقادم الميلادِ
ومنها:
إنما أنت والد والأب القاطع أحنى من واصل الأولادِ
ومنها:
هذه دولة المكارم والرأفة والمجد والندى والأيادي
ومنها:
كيف لا يطرق الطريق لسيلٍضيقٍ عن أتيه كل وادِ
وقال أيضاً:
إذا أردت كميت اللون صافيةًوجتها وحبيب النفس مفقودُ
ماذا لقيت من الدنيا وأجبه؟أني بما أنا باكٍ منه محسودُ
ومنها:
العبد ليس لحر صالح بأخٍلو أنه في ثياب الحر مولودُ
لا تشتري العبد إلاّ والعصا معهإنَّ العبيد لأنجاسٌ مناكيدُ!
ما كنت أحسبني أحيى إلى زمنٍيسيء بي فيه كلبٌ وهو محمودُ
ومنها:
إنَّ امرءاً أمه حبلى تدبرهلمستضامٌ سخين العين مفؤودُ
وعندها لذلك طعم الموت شاربهإنَّ المنية عند الذل قنديدُ
وقال أيضاً:
إنَّ في الموج للغريق لعذراًواضحا أن يفوقه تعداده
وقال أيضاً:
وغيظٌ على الأيام كالنار في الحشاولكنه غيظ الأسير على القدِّ
ومنها:
وليس حياء الوجه في الذئب شيمةًولكنه من شيمة الأسد الوردِ
وقال أيضاً:
رأوك لمّا بلوك نابتةًيأكلها قبل أهله الرائدُ
وخل زياً لمن يحققه:ما كل دامٍ جبينه عابدُ
ومنها:
فالأمر لله رب مجتهدٍما خاب إلاّ لأنه جاهدُ
وقال أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي المعري:
غير مجدٍ في ملتي واعتقادينوح باكٍ ولا ترنم شادِ
وشبيهٌ صوت النعي إذا قيسبصوت البسير في كل نادِ
ومنها:
تعبٌ كلها الحياة فما أعجبإلاّ من راغبٍ في ازديادِ!
إنَّ حزناً في ساعة الموت أضعافقط سرور في ساعة الميلادِ
خلق الناس للبقاء فضلتأمةٌ يحسبونهم للنفادِ
إنّما ينقلون من دار أعمالٍ إلى دار شقوةٍ أو رشادِ
ضجعة الموت رقدةٌ يستريحالجسم فيها والعيش مثل السهادِ
ومنها:
زحلٌ أشرف الكواكب داراًمن لقاء الردى على ميعادِ
والنار المريخ من حدثانالدهر مطفٍ وإن علت في اتقادِ
ومنها:
وإذا البحر غاض عني ولم أروفلا ري بادخار الثمادِ
كل بيتٍ للهدم ما تبنتني الورقاء والسيد الرفيع العمادِ
والفتى ظاعنٌ ويكفيه ظلالسدر ضرب الأطناب والأوتادِ
بان أمر الإله واختاف الناسُ فداعٍ إلى الضلال وهادِ
والذي حارت البرية فيهحيوان مستحدثٌ من جمادِ
واللبيب اللبيب من ليس يغتربكونٍ مصيره للفساديِ
وقال أيضاً:
أحسن بالأحد من وجدهصبرٌ يعين النار في زنده
ومن أبى في الرزء إلاّ الأسىكان أساه منتهى جهدهِ
ومنها:
والشيء لا يكثر مداحهإلاّ إذا قيس إلى ضدهِ
لولا عضى نجدٍ وقلامهلم يثن بالطيب على رندهِ
ليس الذي يبكي على وصلهمثل الذي يبكي على فقدهِ
والطرف يرتاح إلى غمضهوليس يرتاح إلى سهدهِ
ومنها:
إن لم يكن رشد الفتى نافعاًفغيه أنفع من رشدهِ
ومنها:
لو عرف الإنسان مقدارهلم يفخر المولى على عبدهِ
أمس الذي مر على قربهيعجز أهل الأرض عن ردهِ
ومنها:
سلم إلى الله فكل الذيساءك أو سرك من عندهِ
لا يعدم الأسمر في غابهحتفاً ولا الأبيض في غمدهِ
وقال أيضاً:
أفوق البدر يوضع لي مهادأم الجوزاء تحت يدي وسادُ؟
قنعت فخلت أنَّ النجم دونيوسيان التقنع والجهادِ
وأطربني الشباب غداة ولىفليت سنيه صوتٌ يستعادُ!
وليس صباً يعاد وراء شيبٍبأعوز من أخي ثقةٍ يفادُ
ومنها:
سفاهٌ ذاد عنك الناس حلمٌوغيٌ فيه منفعةٌ ورشادُ
وقال أيضاً:
ثلاثة أيامٍ هي الدهر كلهوما هو غير الأمس واليوم والغدِ
ومنها:
وقد يجتدى نيل الغمام وإنّمامن البحر فيما يزعم الناس يجتدي
ويهدي الدليل القوم والليل مظلمٌولكنه بالنجوم يهدي ويهتدي
ومنها:
وليس قضيب الهند إلاّ كنابتٍمن القصب في كف الهدان المعردِ
الهدان على مثال كتاب: الجبان ويقال هو الأحمق الثقيل.
ومنها:
أرى المجد سيفاً والقريض نجادهولولا نجاد السيف لم يتقلدِ
وخير حمالات السيوف حمالٌتحلت بأبكار الثناء المخلدِ
وقال أيضاً:
كذاك الليالي ما يجدن بمطلبٍلخلقٍ ولا يبقين شيئاً على عهدِ
وقال أيضاً:
أرى العنقاء تكبر أن تصادافعاند من تطيق له عنادا!
وما نهنهت في طلبٍ ولكنهي الأيام لا تعطي قيادا
فلا تلم السوابق والمطاياإذا غرضٌ من الأغراض حادا
ومنها:
إذا ما النار لم تطعم ضرامافأوشك أن تمر بها رمادا
فظن بسائر الأخوانشراًولا تأمن على سرٍّ فؤادا
فلو خبرتهم الجوزاء خبريلمّا طلعت مخافة أن تكادا
تجنبت الأنام فما أواخيوزدت عن العدو فما أعادى
ولمّا أن تجهمني زمانيجريت مع الزمان كما أرادا
وقال أيضاً يخاطب خاله وقد سافر إلى المغرب:
ظعنت لتستفيد أخاً وفياًوضيعت القديم المستفادا
وقال طرفة بن العبد:
وظلم ذوي القربى أشد وضاضةًعلى الحر من وقع الحسام المهندِ
وقال عدي بن زيد:
إذا كنت في قومٍ فصاحب خيارهمولا تصحب الأردى فتردى مع الردي
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه:فكل قرينٍ بالمقارن يقتدي
إذا ما رأيت الشر يبعث أهلهوقام جنلت الشر للشر فاقعدِ
وقال الأعشى:
إذا أنت لم ترحل بزادٍ من التقىولاقيت بعد الموت من قد تزودا
ندمت على أن لا تكون كمثلهفترصد للموت الذي كان أرصدا
وقال المهلبي:
وكيف جحود القلب والعين تشهدُ؟
وقال أيضاً:
ولا خير فيمن لا يدم له عهدُ
وقال الخريمي:
وحسبك مني أن أود فأجهدا
وقال الخوارزمي:
لا تصحب الكسلان في حاجاتهكم صالحٍ بفساد آخر يفسدُ!
عدوى البليد إلى الجليد سريعةٌوالجمر يوضع في الرماد فيخمدُ
وقال عمر بن أبي ربيعة:
حسنٌ في كل عينٍ من تود
وقال أيضاً:
وكل ريحٍ لها هبوبٌيوما فلا بد من ركودِ
وقال الآخر:
إذا أكل الأحباب لحمي بغيبةٍفأهون منه ما ستأكله الدودُ!
وقال الآخر:
إذا قل عقل المرء قلت همومهومن لم يكن ذا مقلةٍ كيف يرمدُ؟
وقال الآخر:
إذا كان غير الله للمرء عدةًأتته الرزايا من وجوه الفوائد
وقال الآخر:
تخونون عهدي في الهوى وأحبكمكذا الورد محبوبٌ وليس له عهد
وقال الآخر:
تشكى المحبون الصبابة ليتنيتحملت ما يلقون من بينهم وحدي!
وقال الآخر:
تصافحت الأكف وكان أشهىإلينا لو تصافحت الخدودُ
وقال الآخر:
تعدون ذنباً واحداً إن جنيتهعليكم ولا أحصي ذنوبكم عدا
وقال أبو الطيب:
تفضلت الأيام بالجمع بيننافلما حمدنا لم تدمنا على الحمد
وقال الآخر:
ثوبي على من كسوت في نظريأزين من كونه على جسدي
وقال الآخر:
جامل عدوك ما استطعت فإنمابالرفق يطمع في صلاح الفاسد!
وقال الآخر:
جدلي يعفوك يا من دأبه الجودفالجود عندك مأمول ومعهود
وقال الآخر:
جعلت إليك يا ربي انقطاعيإذا انقطع العباد إلى العبادِ
وقال الآخر:
حاشاك أن يقبض الزمان يديعن نيل سؤالٍ وأنت لي عضدُ
ومثله:
حاشاك يا قوتي ويا سندييضعف ركني وأنت لي سندُ
وقال الآخر:
حسبي بقلبي شاهدٌ لك في الهوىوالقلب أعدل شاهدٍ يشهدُ
وقال الآخر:
ذو العقل يسخو بعيش ساعتهوبالذي بعدها تشح يده
غيره:
رأيت دنو الدار ليس بنافعٍإذا كان ما بين الفؤاد بعيدا
غيره:
رسول الله كذبه الأعاديفلا تجزع لتكذيب الجحودِ!
غيره:
رينك الله في القلوب كمازين في قلب والدٍ ولدا
غيره:
سقى الله أياماً تقضت بقربكمكأني بها قد كنت في جنة الخلدِ!
غيره:
سقى الله دهراً لم أبت فيه ليلةًمن العمر إلاّ من حبيبٍ على وعدِ!
غيره:
صحح لنا والدةً أولاًوأنت في حل من الوالدِ
غيره:
صل من دنا وتناس من بعدا:لا تكرهن على الهوى أحدا!
غيره:
طعم عيشي مرٌ إذا لم تزرني أبداًقصير عمر الأعادي والمواعيدِ
غيره:
قد جن أصحابك من جوعهمفاقرأ عليهم سورة المائدة!
غيره:
قد حفظوا القرآن واستعملواما فيه إلاّ سورة المائدة!
غيره:
قد يصاد القطا ويغدو سليماويحل البلاء بالصيادِ
غيره:
قلَّ الثقات فإن ظفرت بواحدٍفاشدد يديك وأين ذاك الواحدُ؟
غيره:
قليل المال تصلحه فيبقىولا يبقى الكثير مع الفسادِ
غيره:
كل المصائب قد تمر على الفتىفتهون غير شماتة الحسادِ
غيره:
كلما زادت الذبالة ضوءاًكان أدنى لها إلى الإخمادِ
غيره:
كلما قلت أعتق الشكر رقيصيرتني لك المكارم عبدا
غيره:
كلوا اليوم من رزق الإله وابشروا:فإنَّ على الرحمن رزقكم غدا!
غيره:
كم تائه بولايةٍوبعزله يغدو البريد!
غيره:
لأخرجن من الدنيا وحبكمبين الجوانح لم يشعر به أحد
غيره:
لمائدةٍ موضوعةٍ ألف عائبٍوعيب التي لم توضع الدهر واحدُ
غيره:
لم أبك من زمن أشكو مساءتهإلاّ بكيت عليه حين أفقده
غيره:
لو علمنا مجيئكم لفرشناتحت أقدامكم بساط الخدودِ
غيره:
ليس في العلمين أفقنع منيأنا أرضى بنظرةٍ من بعيدِ
غيره:
ما كلف الله نفسا فوق طاقتهاولا تجود يدٌ إلاّ بما تجدُ
غيره:
معاتبة الأحباب تحسن مرةًفإن أكثروا منها تؤول إلى الصدِّ
غيره:
من لم يبت والحب حشو فؤادهلم يدر كيف تفتت الأكبادِ
غيره:
نعم الإله على العباد كثيرةٌوأجلهن نجابة الأولادِ
غيره:
وأحسن من وجه الصنيعة شكرهاوأقبح من حرمان نعمى جحودها
غيره:
وإذا صفا لك من زمانك واحدٌفهو المراد وأين ذاك الواحدُ؟
غيره:
وحدثتني يا سعد عنها فزدتنيشجوناً فزدني من حديثك يا سعدُ!
غيره:
ودع ظلم العباد فليس شيءٌأضر عليك من ظلم العبادِ!
غيره:
وكل أخٍ عند الهوينا ملاطفٌولكنما الإخوان عند الشدائدِ
غيره:
وكنت من الناس في محفلٍفقد صرت في محفلٍ من قرودِ!
غيره:
ولا بدلي من خفةٍ في وصالهفمن لي بخلٍّ أودع العقل عندهُ؟
غيره:
ولرب عودٍ قد يشق لمسجدٍنصفاً وآخره لبيت يهودي!
غيره:
ولربما نال المراد مرفهٌلم يسع فيه وخاب سعي الجاهدِ
غيره:
وليس قريباً من تخاف بعادهولا من يرجى قربه ببعيدِ
غيره:
وما الدهر إلاّ ما ترى: فتى علتيداك بدنيا فاصطنع بهما يدا!
غيره:
وما الشعر إلاّ روضةٌ راق زهرهاولا سيما إن كان قد وقع الندا
غيره:
وما المال والأيام إلاّ معرةٌ:فما استطعت من معروفها فتزودِ
غيره:
وما حملت من ناقةٍ فوق راحلهاأبر وأوفى ذمة من محمدِ
وهذا أصدق بيت قاله شاعر بعد قول لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطلوكل نعيم لا محالة زائل!
غيره:
وما كان طرفي بالسهاد معوداولكنه لمّا هجرتم تعودا
غيره:
وما ماضي الشباب بمستردولا يومٌ يسر بمستعادِ
غيره:
ويفسد بالإكثار ما هو صالحٌويصلح بالإقلال ما هو فاسدُ
غيره:
لا تحقرن صغيراً في تقلبهإنَّ البعوضة تدمي مقلة الأسد!
غيره:
وللشرارة نارٌ حين تضرمهاوربما أضرمت ناراً على بلدِ
غيره:
لا تلق إلا بليلٍ من تواعده: فالشمس نمامةٌ والبدر قوادُ
غيره:
لا يحسد المرء إلاّ من فضائلهلا عاش من عاش يوماً غير محسودِ!
غيره:
يا أخلاي هل يعود التدانيمنكم بالحمى يعود رقادُ؟
غيره:
يا رب من أسخطنا بجهدهقد سرنا جهلاً بغير قصدهِ
غيره:
يا صاحب العودين لا تهملهماحرك لنا عوداً وحرق عودا!
غيره:
يا من يعد الميتين تعجباًعما قليل سوف تدخل في العدد
غيره:
يجود بالنفس إذ ضن الجبان بهاوالجود بالنفس أقصى غاية الجودِ
غيره:
يدبر بالنجوم وليس يدريورب النجم يفعل ما يريدُ
غيره:
يرى عاقبات الرأي والأمر عازبٌكأن له في اليوم عينا على غدِ
ومثله:
يرى العواقب في أثناء فكرتهكأن أفكاره بالغيب كهانُ
غيره:
يشرون مثل ثيابه وعبيدهأفيقدرون على شراء أسوده؟
غيره:
إلهي على كل الأمور لك الحمدفليس لمّا أوليت من نعمٍ حدُ!
وقال ابن أبي عيينة:
كل المصائب قد تمر على الفتىفتهون غير شماتة الحسادِ
ومثله قول حبيب:
أجرؤ لكني نظرت فلم أجدأجرأ يفي بشماتة الأعداءِ
وقال الآخر:
لم يبق إلا نفس خافتومقلةٌ إنسانها باهتُ
ومدنفٌ تصرم أحشاؤهبالنار إلاّ أنه ساكتُ
رق له الشامت مما به:يا ويح من يرثي له الشامتُ!
ويروى أنه قيل لأيوب ﵇: أي شيء كان في بلائك أشد عليك؟ فقال: شماتة الأعداء!
وقال علقمة الفحل:
ويلم لذات الشباب معيشتهمع تاكثر يعطاه الفتى المتلف الندي
وقد يقصر القل الفتى دون همهوقد كان لولا القل طلاع أنجدِ
القل بالضم: الإقلال؛ وهمه: ما يهم بفعله من المكارم والعطايا فيمنعه الفقر من ذلك كما قال الإمام الشافعي ﵁:
أرى نفسي تتوق إلى أمورٍيقصر دون مبلغها مالي
فنفسي لا تطاوعني لبخلٍومالي لا يبلغني فعالي
وقال أيضاً:
يا لهف نفسي على ملٍ أفرقهعلى المقلين من أهل المروءاتِ
إنَّ اعتذاري إلى من جاء يسألنيما ليس عندي من إحدى المصيباتِ
وفلان طلاع أنجد أي ذو أفعال كريمة ومآثر عظيمة؛ والأنجد جمع نجد وهو ما ارتفع من الأرض جعل طلوعه كناية عن البروز والاستعلاء وعدم الاستتار كقول الآخر:
أنا أبن جلا وطلاع الثنايا
وقول دريد بن الصمة:
كميش الازار خارجٌ نصف ساقهبعيدٌ من السوءات طلاع أنجدِ
وقال الآخر:
لعمري ما يدري الفتى أي يومهوإن كان محروساً على الرشد أرشدُ
أفي عاجلات الأمر أم آجلاتهأم اليوم أدنى للسعادة أم غدُ؟
وقال المثقب:
وللموت خيرٌ للفتى من حياتهإذا لم يثب للأمر إلاّ بقائدِ
ويروى:
إذا لم يطق علياء إلاّ بقائدِ
وبعده:
فعالج جسيمات الأمور ولا تكنهبيت الفؤاد همه للوسائدِ
إذا الريح جاءت بالحمام تشلههذاليله شل القلاص الطرائدِ
وأعقب نوء المرزمين بغبرةٍوقطر قليل الماء بالليل باردِ
كفى حاجة الأضياف حتى يريحهاعلى الحي منا كل أروع ماجدِ
تراه لتفريج الأمور ولفهالمّا نال من معروفها غير زاهدِ
وليس أخونا عند شيء يخافهولا عند خيرٍ إن رجاه بواحدِ
إذا قيل من للمعضلات أجابهعظام اللهى منا طوال السواعدِ
الهبيت الفؤاد: الضعيف، والهذاليل جمع هذلول وهو ما طال من الرمال. وهذاليل الريح: ما امتد منها؛ والمرزمان نجمان مع الشعريين.
وقال حارث بن عمرو:
إذا هتف العصفور طار فؤادهوليثٌ حديد الناب عند الثرائدِ
وهذا الشعر هجا به أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد. فقال عبد الملك بن مروان يوما لأمية هذا: مالك ولحرثان بن عمرو إذ يقول فيك: إذا هتف العصفور " البيت "؟ فقال: يا أمير المؤمنين وجب عليه حدّثني فأقمته عليه. فقال: هلا درأت بالشبهات عنه؟ فقال: كان حده أبين وكان زعمه علي أهون. فقال عبد الملك: يا بني أمية! أحسابكم أنسابكم لا تعرضوها للجهال: فإنه باق ما بقي الدهر والله ما يسرني أني هجيت بهذا البيت وأن لي ما طلعت عليه الشمس:
تبيتون في المشتى ملئ بطونكموجاراتكم غرثى يبتن خمائصا
وما يبالي من مدح بهذين البيتين إلاّ يمدح بغيرهما:
هنالك إن يستخبلوا المال يخبلواوإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا
على مكثريهم رزق من يعتريهموعند المقلين السماحة والبذلُ
قلت: وهذان البيتان لزهير وقبلهما:
إذا السنة الشهباء بالناس أجحفتونال كرام المال في الجحرة الأكلُ
رأيت ذوي الحاجات حول بيتهمقطينا بها حتى إذا نبت البقلُ
هنالك " البيت "
وبعده
وفيهم مقاماتٌ حسانٌ وجوههموأنديةٌ ينتابها القول والفعلُ
على مكثريهم " البيت " قوله: إن يستخبلوا، الاستخبال أن يستعير الرجل من آخر إبلا يحلبها ويشرب ألبانها فإذا أخصب ردها. وأنكر بعضهم هذا اللفظ وقال: لعله قال يستخولوا والاستخوال يملكها إياه.
وقوله: أن ييسروا يغلوا، يريد أنهم إذا يسروا بالقداح أعطوا سمان الإبل وأغلاها ثمنا. وتقدم هذا المعنى. وقال أعرابي كان يمنعه أبوه من الضرب في الأرض وطلب المعيشة شفقة عليه فكتب إلى أبيه:
ألا خلني أذهب لشأني ولا أكنعلى الناس كلا إنَّ ذا لشديدُ
أرى الضرب في البلاد يغني معاشراولم أر من يجدي عليه قعودُ
أتمنعني خوف المنايا ولم أكنلأهرب مما ليس عنه محيدُ؟
فدعني أجول في البلاد لعلنيأسر صديقاً أو يساء حسودُ
فلو كنت ذا مالٍ لقرب مجلسيوقيل إذا أخطأت أنت سديدُ
وسياتي ما قيل في هذا المعنى بعد إن شاء الله تعالى وقال كلثوم بن عمرو:
إنَّ الكريم ليخفي عنك عسرتهحتى تراه غنياً وهو مجهودُ
وللبخيل على أمواله عللٌزرق العيون عليها أوجهٌ سودُ
وكان كلثوم هذا كتب إلى صديق له: أما بعد أطال الله بقاءك وجعله يمتد بك إلى رضوانه والجنة! فإنك كنت عندنا روضة من رياض الكرم تبتهج النفوس لها وتستريح القلوب إليها. وكنا نعفيها من النجعة استتماما لزهرتها وشفقة على خضرتها وادخارا لثمرتها حتى اصابها سنة كانت عندي قطعة من سني يوسف واشتد علينا كدها وغابت عنا فضلها وكذبتنا غيومها وأخلفتنا بروقها وفقدنا صالح الإخوان فيها فانتجعتك وأنا بانتجاعي إياك شديد الشفقة عليك مع علمي بأنك نعم موضع الزاد وأنك نغطي عين الحاسد. والله يعلم أني ما أعدك إلاّ في حومة الأهل. وأعلم أنَّ الكريم إذا استحيا من إعطاء القليل ولم يحضره الكثير لم يعرف
جوده ولم تظهر همته. وأنا أقول في ذلك:
ظل اليسار إلى العباس ممدودوقلبه أبداً بالمحل ممدودُ
إن الكريم.. الخ قيل: فشاطره ماله حتى أعطاه إحدى نعليه ونصف قيمة خاتمه.
واجتمع جماعة بباب دار عدي بن الرقاع فخرجت إليهم بنية له صغيرة فقالت لهم: ما تريدون؟ فقالوا لها: نريد أباك. فقالت: وما حاجتكم به؟ فقالوا: جئنا إليه نهاجيه. فقالت على الفور:
تجمعتم من كل أوب ووجهةٍعلى واحدٍ لا زلتم قرن واحدِ
وقال أبو مسلم الخرساني:
أدركت بالحزم والكتمان ما عجزتعنه ملوك بني مروان إذ حشدوا
ما زلت أسعى بجدي في دمارهموالقوم في غفلة الأيام قد رقدوا
حتى ضربتهم بالسيف فانتبهوامن نومةٍ لم ينمها قبلهم أحدِ
ومن رعى غنما في أرض مسبعةٍونام عنها تولى رعيها الأسدُ
وقال الآخر:
وأكرم نفسي إن أهنها لأنهاوحقك لم تكرم على أحدٍ بعدي
حدث الأصمعي قال: مررت في بعض سكك الكوفة فإذا رجل خرج من حش على كتفه جرة وهو يقول: وأكرم نفسي " البيت ". قال: فقلت له: أبمثل هذا تكرمها؟ قال: نعم! وأستغني عن مسألة مثلك. فصاح: يا أصمعي! فالتفت فقال:
لنقل الصخر من قلل الجبالأحب إلي من منن الرجال
يقول الناس كسب فيه عارٌوكل العار في ذل السؤال!
وقال الآخر:
يا أيها الأخوان أوصيكموصية الوالد والوالدة
لا تنقلوا الأقدام إلاّ إلىمن ترتجي من عنده فائدة
إما لعلم تستفيدونهأو لكريم عنده مائدة!
وروي عن الأصمعي قال: لقيني أبو عمرو بن العلاء وأنا ماشٍ في بعض أزقة البصرة فقال: إلى أين يا أصمعي؟ قلت: لزيارة بعض إخواني. فقال: يا أصمعي إن كان لفائدة أو لمائدة وإلاّ فلا! وقال الآخر:
ولمّا رأيت الدهر أنحت صروفهعلي وأوهت بالذخائر والعقد
حذفت فصول العيش حتى رددتهاإلى القوت خوفاً أن أجاء إلى أحد
وقلت لنفسي: أبشري وتوكليعلى قاسم الأرزاق والواحد الصمد
فإلا تكن عندي دراهم جمةٌفعندي بحول الله ما شئت من جلد
وقال الآخر:
إن يحسدوني فإني غير لائمهم:قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
فدام لي ولهم ما بي وما بهمومات أكثرنا عيطاً بما يجدُ
أنا الذي يجدوني في صدورهملا أرتقي صدرا منها ولا أردُ
وقال أبو نواس:
قد كنت عدتي التي أسطو بهاويدي إذا أشتد الزمان وساعدي
فرميت منك بضد ما أملتهوالماء يشرق بالزلال الباردِ
وقال أبن الضرير النهرواني:
لا بارك الله في الطعام إذاكان هلاك النفوس في المعدِ
كم دخلت لقمةٌ حشى شرهٍفأخرجت روحه من الجسدِ
وقال الوزير المهلبي في غلام قدمه معز الدولة على سرية من أبيات:
جعلوه قائد عسكرٍ:ضاع الرعيل ومن يقوده
وقال أبو الفتح أبن جني النحوي وقيل أبو منصور الديلمي:
صدودك عني ولا ذنب لييدل على نيةٍ فاسدة
فقد وحياتك مما بكيتخشيت على عيني الواحدة
وقال الإمام السهروردي لمّا ضعف وكبر:
يا رب لا تحيني إلى زمنٍأكون فيه كلأ على أحدِ
خذني قبل أن أقول لمنألقاه عند القيام: خذ بيدي!
وقال أبو محمد اليزيدي:
عش بجد ولا يضرنك نوكٌ:إنما عيش من ترى بالجدودِ
رب ذي إربةٍ مقل من المالِو ذي عنجهيةٍ مجدودِ
عش بجدٍّ وكن هبنقة القيسأو مثل شيبة بن الوليدِ
وسبب قوله ذلك أنه تناظر هو والكسائي في مجلس المهدي وكان شيبة بن الوليد حاضرا فتعصب للكسائي وتحامل على اليزيدي فهجاه بذلك والله اعلم. وقال السلامي يصف الدرع:
يا رب سابغة حبتني نعمةًكافأتها بالسوء غير منفندِ
أضحت تصون عن المنايا مهجتيوظللت أبذل لكل مهندِ
وقال الآخر:
أخٌلك ما مودته بمذقٍإذا ما عاد فقر أخيك عادا
سألناه الجزل فما تلكىوأعطى فوق منيتنا وزادا
فعدنا ثم عدنا ثم عدنافأعطى ثم عدت له فجادا
مرارا ما نعود إليه إلاّتبسم ضاحكا وثنى الوسادا
وقال الآخر:
هجرتك لا قلي مني ولكنرأيت بقاء ودك في الصدودِ
كهجر الحائمات الورد لمّارأت أنَّ المنية في الورود
تغيظ نفسها ظلماً وتخشىحماماً فهي تنظر من بعدِ
تصد بوجه ذي البغضاء عنهوترمقه بألحاظ الورودِ
وقال أبو نواس:
ليس من الله بمستنكرٍأن يجمع العالم في واحدِ
وهذا المعنى سبق إليه جرير فقال:
إذا غضبت عليك بنو تميمٍرأيت الناس كلهم غضابا
إلاّ إنَّ قول أبي نواس أشمل. ومن هذا المعنى قول السلامي:
فبشرت آمالي بملك هو الورىودار هي الدنيا ويوم هو الدهرُ
وأخذه الأرجاني فقال:
قد زرته فرأيت الناس في رجلوالدهر في ساعة والأرض في دار
ومنه أيضاً قول أبي الطيب:
هي الغرض الاقصى ورؤيتك المنىومنزلك الدنيا وأنت الخلائق
وبيتا السلامي والارجاني أساس وأفخم مع انتقاض الزمن من بيت أبي الطيب إلاّ إنَّ قوله: وأنت الخلائق إن لم يقصره العرف ويقوم مقام قول أبي نواس في الشمول. وهذا المعنى موجود في بعض أبيات البوصيري في البردة في حق النبي ﷺ. وقول الأفوه الأودي:
بني معاشر لم يبنوا لقومهموإن بنى قومهم ما أفسدوا عادوا
لا يرشدون ولن يرعوا لمرشدهمفالجهل منهم معا والغي ميعاد
أضحوا كقيل بن عمرو في عشيرتهإذ أهلكت بالذي قد قدمت عاد
ويروى: كانوا كمثل لقيم في عشيرته إذ أهلكت............. البيت.
أو بعده كقدار حين تابعهعلى الغواية أقوام فقد بادوا
والبيت لا يبنى إلاّ له عمدولا عماد إذا لم ترس أوتاد
فإن تجمع أوتاد وأعمدةوسكان بلغوا الأمر الذي كادوا
وإن تجمع أقوام ذوو حسباصطاد أمرهم بالرشد مصطاد
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهمولا سراة إذا جالهم سادوا
ونظمه أبن شرف بقوله:
إذا تساوى الورى ضاعوا وحفظهمأن يجعلوا فاضلا منهم ومفضولا
تهدى الأمور بأهل الرأي ما صلحتفإن تولت فبالأشرار تنقاد
ونظمه أبن شرف بقوله:
فإن هم سودوا جهالهم هلكواهلك الدليل إذا ما ضل مدلولا
وقد علمت إنَّ ما يطابق آخر شطر البيت قبله:
إذا تولى سراة القوم أمرهمنما على ذاك أمر القوم فازدادوا
أمارة الغني أن تلقى الجميع لدىالابرام للأمر والأذناب اكتاد
وبعده:
حان الرحيل إلى قوم وإن بعدوافهم صلاح لمرتاد وإرشاد
فسوف أجعل بعد الأرض دونكموإن دنت رحم منكم وميلاد
إنَّ النجاة إذا ما كنت في تفرمن لجة الغم أبعاد فأبعاد
والخير تزداد منه ما لقيت بهوالشر يكفيك منه قلما زاد
وقال بشار:
فخير منك ما لا خير فيهوخير من زيارتكم قعودي
وسبب قوله ذلك إنّه تعشق امرأة فراسها مرارا. فلما ألح عليها شكته إلى زوجها فقال لها: أجيبيه وعديه أن يأتي هنا فوجهت إليه فجاء وزوجها معها ويشار لا يشعر فجعلا يتحدثان ثم قال لها بشار: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة. فقال:
أمامة قد وصفت لنا بحسنوإنا نراك فالمسينا
فأخذت يده ووضعتها على أير زوجها وقد أنعط من حسن ما سمع من حديثهما. ففزع ووثب قائما وقال:
علي ألية ما دمت حياأمسك طائعا إلاّ بعود
ولا اهدي لأرض أنت فيهاسلام الله إلاّ من بعيد
طلبت غنيمة فوضعت كفيعلى أير أشد من الحديد
فخير منك............... البيت.
ومثل هذا البيت في المعنى قول طرفة:
فليت لنا مكان الملك عمرورغوثا حول قبتنا تخور
من الزمرات أسبل قادماهاوضرتها مركنة درور
يشاركنا لنا رخلان فيهاوتعلوها الكباش فما تنور
يقول: ليت لنا بدل هذا الملك وهو عمرو بن هند رغوثا أي شاة ترضع من الزمرات أي القليلات الصوف وضرتها أي لحم ضرعها مركنة مجتمعة ويعني إنّها قليلة الصوف صغيرة الجسم ومع ذلك يرضعها رخلان أي ولدان لها وهي هزيلة تعلوها
الكباش للسفاد فما تنور أي ما تستطيع أن تنفر لهزلها. ومعلوم أنها إذا كانت على هذه الأوصاف لم يكن بها خير من صوف ولا لبن ولا لحم ومع ذلك فهي خير لنا من هذا الملك. وهذا الشعر كان سبب قتل عمرو بن هند طرفة، وسنشرح قصته بعد إن شاء الله تعالى. وقال عبيد بن الأبرص:
لأعرفنك بعد الموت تندبنيوفي حياتي ما زودتني زادي!
وهو مثل سائر يضرب للرجل يضيع حق أخيه في حياته ثم يبكيه بعد الموت.
يروى عن طلحة بن عبيد الله ﵁ قال: خرجت مع عمر بن الخطاب في بعض أسفاره فإذا بركب على الطريق فقال: ما وراءك؟ قال: أمر جليل. قال: ويحك ما هو؟ قال: مات خالد بن الوليد! فاسترجع عمر استرجاعاً طويلا فقالت له: يا أمير المؤمنين:
ألا أراك بعيد الموت تندبنيوفي حياتي ما زودتني زادي؟
فقال: يا طلحة لا تؤنبني! وقال من شعراء الحماسة عمرو بن معدي كرب الزبيدي:
ليس الجمال بمئزرٍفاعلم وإن رديت بردا!
إنَّ الجمال معادنٌومناقبٌ أورثن مجدا
ومنها:
كل امرئٍ يجري إلىيوم الهياج بما استعدا
النص من طبعة دار الثقافة بالدار البيضاء (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع