من «زهر الأكم في الأمثال والحكم» للحسن اليوسي (ت ١١٠٢هـ)
دون ذا وينفق الحمار (٢)
ومنها:
كم من أخٍ لي ماجدٍبوأته بيدي لحدا
ما إن جزعت ولا هلعتولا يرد بكاي زندا
ألبسته أثوابهوخلقت يوم خلقت جلدا
أغني غناء الميتينأعد للأعداء عدا
ذهب الذين أحبهموبقي مثل السيف فردا
وقال العباس بن مرداس السلمي:
إذا طالت النجوى بغير أولى النهىأضاعت وأصغت خد من هو فاردُ
فحارب فإنَّ مولاك حارد نصرهففي السيف مولى نصره لا يحارد
الفارد: المنفرد؛ وحارد نصره: قل من قولك: حاردت الإبل إذا قل درها.
وقال العباب العجلي:
لعل الذي قاد النوى أنيردهاإلينا وقد يدني البعيد من البعد
وعل النوى في الدار تجمع بينناوهل يجمع السيفان ويحكفي غمد؟
ومنها:
فكنت كمهريق الذي في سقائهلرقراق آل فوق رابيةٍ صلدِ
كمرضعةً أولاد أخرى وضيعتبني بطنها هذا الضلال عن القصدِ!
وقال عقيل بن علفة المري:
وأبغض من وضعت إلي فيهلساني معشر عنهم أذودُ
ولست بسائل جارات بيتيأغياب رجالك أم شهودُ
ولا ملق لذي الودعات سوطيألاعبه وريبته أريدُ
ولست بصادر عن بيت جاريصدور العير غمره الورود
العير: الحمار؛ والتغمير: أن يشرب دون ري. يقول: لست بخارج من بيت جاري مريبا ألتفت وأتحير خشية أن أرى كالعير المزعج عن الماء قبل أن يروي أوّ لا أخرج متلفتا عاملا على العود إلى الريبة مرة أخرى كالعير المتلفت إلى الماء لبقاء العطش. وقال قيس بن كلثوم:
قد يخطم الفحل قسراً بعد عزتهوقد يرد على مكروهه الأسد
الخطم: أن يشد على البعير خطامه فيملك بذلك. وقال تأبط شرا:
وإنك لو أصلحت ما أنت مفسدٌتوددت الأقصى الذي تتوددُ
وكان لك أبن العم يحمي ذمامهويمنعه حين الفرائص ترعد
أخوك الذي إن تدعه لملمةيجبك لها والمستعدون رقدُ
وقال الفرزدق:
وفي الأرض عن ذي الجود منأى ومبعدٌوكل بلاد أوطنت كبلادِ
وماذا عسى الحجاج يبلغ جهدهإذا نحن خلفنا حفير زياد؟
وقال غسان بن وعلة:
إذا كنت في سعد وأمك منهمغريبا فلا يغررك خالك من سعدِ
فإنَّ أبن أخت القوم مصغى إناؤهإذا لم يزاحم خاله بأبٍ جلدِ
وقال شبيل الفزاري:
وما عن ذلةٍ غلبوا ولكنكذلك الأسد تفرسها الأسود
وقال دريد بن الصمة:
صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسهفلما علاه قال للباطل: ابعد
وكان الأصمعي يقول: هذا أحسن بيت قالته العرب! ومنها:
وهون وجدي إنما هو فارطأمامي وأني هامة اليوم أو غد
وقال عبد الله بن ثعلبة:
لكل أناس مقبر بفنائهمفهم ينقصون والقبور تزيد
وما إن يزال رسم دار قد أخلقتوعهد لميت بالفناء جديد
فهم جيرة الأحياء أما محلهمفدان وأما الملتقى فبعيد
وقال الآخر في أبن له:
ألام على تبكيهوألمسه فلا أجده
وكيف يلام محزونكبير فاته ولده؟
وقال رجل من خثعم:
خلت الديار فسدت غير مسودومن الشقاء تفردي بالسؤدد
وهذا مثل مشهور. روي أنَّ حارثة بن الغداني خرج ومعه كعب مولاه. فجعل لا يمر بمجلس من بني تميم إلاّ قالوا: مرحبا بسيدنا! فقال كعب: ما سمعت قط كلاما أقر لعيني من هذا! فقال حارثة: ما سمعت كلاما أكره إلي منه! وتمثل بالبيت.
ويروى أيضاً أنَّ أمة مرت بابن جريج أحد علماء المدينة وهو يصلي وقد خط خطا بين يديه. فقالت: وا عجبا لهذا الشيخ وجهله بالسنة! فأشار إليها أن قفي! فلما أن قضى صلاته قال: ما رأيت من جهلي؟ فقالت: إنك تخط خطا تصلي عليه وقد
حدثتني مولاتي عن أمها عن أم سلمة زوج النبي ﷺ إنّه قال: الخط الباطل لأن العبد إذا كبر تكبيرة الاحرام سدت ما بين السماء والأرض. فسألها أن تقفوه لمولاتها. ففعلت فحدثته بذلك وقالت: أتجهل وأنت من علماء المدينة؟ فقال عند ذلك: خلت الديار فسدت غير مسود.......البيت وقال الآخر:
إنَّ المساءة للمسرة موعدأختان رهن للعشية أو غد
فإذا سمعت بهالك فيتقننإنَّ السبيل سبيله فتزود
وقال رجل من بني قريع:
متى ما ير الناس الغني وجارهفقير يقولوا: عاجز وجليد
وليس الغنى والفقر من حيلة الفتىولكن أحاط قسمت وجدود
إذا المرء أعيته المروءة ناشئافمطلبها كهلا عليه شديد
وكائن رأينا من غني مذمموصعلوك قوم مات وهو حميد
وقال المقنع الكندي:
يعاتبني في الدين قومي وإنّماديوني في أشياء تكسبهم حمدا
ألم ير قومي كيف أوسر مرةوأعسر حتى تبلغ العسرة الجهدا
فما زادني الاقتدار منهم تقرباولا زادني فضل الغنى منهم بعدا
أسد به ما قد أخلوا وضيعواثغور حقوق ما أطلقوا لها سدا
ومنها:
وإنَّ الذي بيني وبين بني أبيوبين بني عمي لمختلف جدا
أراهم إلى نصري بطاء وإن همدعوني إلى نصر أتيت لهم شدا
إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهموإن يهدوموا مجدي بنيت لهم مجدا
وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهموإن هم هووا غيي هويت لهم رشدا
وإن رجزوا طيرا بنحس تمر بيزجرت لهم طيرا تمر بهم سعدا
ولا أحمل الحقد القديم عليهموليس رئيس القوم من يحمل الحقدا
لهم جل مالي إن تتابع لي غنىوإن قل مالي لم أكلفهم رفدا
وإني لعبد الضعيف ما دام نازلاوما شيمة لي غيرها تشبه العبدا
وقال محمّد بن أبي شحاذ الضبي:
إذا أنت أعطيت الغنى ثم لم تجدبفضل الغنى ألفيت مالك حامد
إذا أنت لم تعرك بجنبك بعض مايريب من الأدنى رماك الأباعد
إذا الحلم لم يغلب لك الجهل لم تزلعليك بروق جمة ورواعد
إذا العزم لم يفرج لك الشك لم تزلجنيبا كما استتلى الجنيبة قائد
وقل غناء عنك مال جمعتهإذا صار ميراثا وواراك لاحد
إذا أنت لم تترك طعاما تحبهولا مجلس تدعى إليه الولائد
تجللت عارا لا يزال يشبهسباب الرجال نثرهم والقصائد
وقال أعرابي قتل أخوه ابنا له فقرب إليه ليقتنص منه فألقى السيف من يده وقال:
أقول للنفس تأساء وتعزية:إحدى يدي أصابتني ولم ترد
كلاهما خلف من فقد صاحبه:هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي
وقال أحد بني فقعس:
وذوي ضباب مظهرين عداوةقرحى القلوب معاودي الأفناد
ناسيتهم بغضاءهم وتركتهموهم إذا ذكر الصديق أعادي
كيما أعدهم لأبعد منهمولقد يجاء إلى ذوي الأحقاد
الضباب: جمع ضب هو الحقد.
وقال الآخر:
تمنى لي الموت المعجل خالدولا خير فيمن ليس يعرف حاسده
وقال الآخر:
وانك لا تدري إذا جاء سائلأأنت بما تعطيه أم هو أسعد؟
عسى سائل ذو حاجة إن منعتهمن اليوم سؤلا أن يكون له غد
وفي كثرة الأيدي على الجهل زاجروللحلم أبقى للرجال وأعود
وقال شبيب بن البرصاء:
إذا المرء أعراه الصديق بدا لهبأرض الأعادي بعض ألوانه الربد
أعراه: انفرد به وأفضى به العراء. يقول: إذا أنفرد الرجل بمن يعتده صديقا وصار معه في بلاد العدو فاحتاج إلى نصرته ومشورته أنكشف له أمره وبان له حينئذ أنه عدو له أم صديق. والربد الغبر المظلمة. ضربه مثلا لمّا يخى من الصداقة والعداوة. وقال الحسن بن المطير:
كنت أذود العين أن ترد البكافقد وردت ما كنت عنه أذودها
خليلي ما بالعيش عتب لو أنناوجدنا لأيام الحمى من يعيدها
وقال الآخر:
هل الحب إلاّ زفرة بعد زفرةوحر على الأحشاء ليس له برد؟
غيره:
وما كل ما في النفس للناس مظهرولا كل مالا تستطيع تذود
وقال آخر من الحارث بن كعب:
منى إن تكن حقا تكن أحسن المنىوإلاّ فقد عشنا بها زمنا رغدا
وقال حطائط أخو الأسود بن يعفر:
أريني جوادا مات هزلا لعلنيأرى ما ترين أو بخيلا مخلدا
وقال يزيد الحارثي:
وإذا الفتى لاقى الحمام رأيتهلولا الثناء كأنه لم يولد
وقال آخر وتروى لقيس بن عاصم ﵁:
أيا ابنة عبد الله وابنة مالكويا ابنة ذي البردين والفرس الورد
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي لهأكيلا فإني لست آكله وحدي
أخا طارقا أو جار بيت فإننيأخاف مذمات الأحاديث من بعدي
وكيف يسيغ المرء زادا وجارهخفيف المعي بادي الخصاصة والجهد؟
وللموت خير من زيارة باخليلاحظ أطراف الأكيل على عمد
وإني بعد الضيف ما دمت ثاوياوما في إلاّ تلك من شيمة العبد
وقال الآخر:
ونبئت ركبان الطريق تناذرواعقيلا إذا حلوا الذناب فصر خدا
فتى يجعل المحض الصريح لبطنهشعارا ويقري الضيف عضبا مهندا
وقال الآخر:
وأنا لنجفو الضيف من غير علةمخافة أن يغري بنا فيعود
غري: كلف.
وقال الأسود بن يعفر:
ولقد علمت لو إنَّ علمي نافعإنَّ السبيل سبيل ذي الأعواد
ماذا أؤمل بعد آل محرق؟تركوا منازلهم وبعد إياد
أرض الخورنق والسدير وبارقوالقصر ذو الشرفات من سنداد
جرت الرياح على محل ديارهمفكأنهم كانوا على ميعاد
ولقد غنوا فيها بأكرم غنيةفي ظل ملك ثابت الأوتاد
فإذا النعيم وكل ما يلهى بهيوما يصير إلى بلى ونفاذ
وتقدم بعض هذا الشعر. وذو الأعواد رجل أسمه غوي بن سلامة أو سلامة بن غوي وقيل غير ذلك. وكان له خراج على مضر. فلما شاخ وضعف كان يحمل على سرير ويطاف به على مياه العرب فيجيبها. وقيل هو جد لأكثم بن صيفي الحكيم المعروف. وكان أعز أهل زمانه فكان لا يأتي سريره خائف إلاّ أمن وجائع إلاّ شبع. ومثل هذا الشعر ما روي إنّه وجد في حفير رجل عليه خفان وعند رأسه لوح فيه مكتوب: أنا عبد المسيح بن حيان بن نفيلة:
حلبت الدهر أشطره حياتيونلت من المنى فوق المزيد
وكافحت الأمور وكافحتنيولم أخضع لمعضلة كؤود
وكدت أنال بالشرف الثرياولكن لا سبيل إلى الخلود
ودخل أرطأة بن سهيل على عبد الملك: كيف حالك؟ وكان قد أسن فقال: ضعف حالي وقل مالي وكثر مني ما كنت أحب أن يقل وقل مني ما كنت أحب أن يكثر قال: فكيف أنت في شعرك؟ قال: والله ما أغضب ولا أطرب ولا أرهب. وما الشعر إلاّ من نتائج هذه على إنني القائل:
رأيت المرء تأكله اللياليكأكل الأرض ساقطة الحديد
وما تبقى المية حين تأتيعلى نفس أبن آدم من مزيد
وأعلم أنها عمال قليلستوفي نذراها بأبي الوليد
فارتاع عبد الملك ثم قال: بل توفي نذرها بك ويلك مالي ولك؟ فقال: يا أمير المؤمنين لا ترع والله ما عنيت إلاّ نفسي فقال: أما والله لتلمن بي وأبو الوليد كنية لعبد الملك وكنية لأرطأ أيضاً. وقال الآخر:
لنا عز ومرمانا قريبومولى لا يدب مع القراد
وقوله لا يدب مع القراد أشار به إلى رجل من العرب كان يخرج ومعه شنة فيها قردان فيشدهما في ذنب بعير من الإبل فإذا قرصته القردان نفر فنفرت الإبل لقعقة الشن. فإذا نفرت أستل منها بعيرا فذهب به.
وقال الآخر:
ستبكي المخاض الجرب إن مات هيثموكل البواكي غيرهن جمود
يقول إنّه كان بخيلا يستبقينه وينحرهن: فهن يبكين عليه إن مات لمّا أحسن إليهن ولا يبكي عليه أحد من الناس لعدم خيره وإحسانه. وهذا من أقبح الهجو غير أنَّ في قوله جمود مغمزا. وضد هذا من المدح قول الآخر:
قتيلان لا تبكي المخاض عليهماإذا شعبت من قرمل وأفان
والأفاني جمع افانية والأفانية والقرمل نبتان يرعيان. وقال الآخر:
إذا جاوزت من ذات عرق ثنيةفقل لأبي قابوس ما شئت فارعد
ونحوه قول الفرزدق السابق:
وماذا عسى الحجاج يبلغ جهدهإذا نحن جاوزنا حفير زياد؟
وتقدم تفسير رعد وبرق بما أغنى عن إعادته. ونحوه قال الآخر:
يا جل ما بعدت عليك بلدنافابرق بأرضك ما بدا لك وأرعد
وقال الآخر:
ما قام عمرو في الولايةقائما حتى قعد
وسبب هذا أنَّ بعض الوزراء قلد أبن حجاج ولاة فخرج إليها يوم الخميس وتبعه عزله يوم الأحد فقال فيه:
يا من إذا نظر الهلالإلى محاسنه سجد
وإذا رأته الشمس كادتأن تموت من الحسد
يوم الخميس بعثتنيوصرفتني يوم الأحد
والناس قد غنوا عليكما خرجت من البلد
ما قام عمرو........ البيت وقال جميل:
فأقسم طرفي بينهن فيسوىوفي الصدر بينهن بعيد
وقال أيضاً:
يموت الهوى مني إذا ما لقيتهاويحيى إذا فارقتها فيعود
وهذان البيتان من قصيدة لجميل يقول فيها:
إلاّ ليت أيام الصفاء جديدودهراً تولى يا بثين يعود
فتغنى كما كنا نكون وأنتمصديق وإذ ما تبذلين زهيد!
وما أنس من أشياء لا أنس قولهاوقد قربت نضوي أمصر تريد؟
ولا قولها: لولا العيون التي ترىأتيتك فاعذرني فدتك جدود!
خليلي ما أخفي من الوجد ظاهرودمعي بما أخفي الغداة شهيد
ألا قد رأى الله أنَّ رب عبرةٍإذا الدار شطت بيننا ستزيد
إذا قلت: ما بي يا بثينة قاتليمن الحب قالت: ثابت ويزيد
وإنَّ قلت: ردي بعض عقلي أعش بهمع الناس قالت: ذاك منك بعيد
فلا أنا مردود بما جئت طالباولا حبها فيما يبيد يبيد،
جزتك الجوازي يا بثين ملامةإذا ما خليل بان وهو حميد
وقلت لها: بيني وبينك فأعلميمن الله ميثاق له وعهود
وقد كان حبيكم طريفا وتالداًوما الحب إلاّ طارف وتليد
وإنَّ عروض الوصل بيني وبينهاوإنَّ سهلته بالمنى لصعود
فأفنيت عيشي بانتظاري نوالهاوأبلت بذاك الدهر وهو جديد
فليت وشاة الناس بيني وبينهايدوف لهم سما طماطم سود
وليت لهم في كل ممسىً وشارقٍتصاعق أكباد لهم وقيود!
ويحسب نسوان من الجهل أننيإذا جئت إياهن كنت أريد
وبعده:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةبوادِ القرى إني إذا لسعيد!
وهل أهبطن أرضا تظل رياحهالها بالثنايا القاويات وئيد
وهل ألقين سعدي من الدهر مرةومارث من حبل الصفاء جديد؟
وهل تلتقي الأهواء من بعد يأسةٍوقد تطلب الحاجات وهي بعيد؟
وهل أزجرن حرفا علاة شملةبخرق تباريها سواهم سود
على ظهر مرهوب كأن ستورهإذا جاز هلاك الطريق رقود
سبتني بعيني جؤذر وسط ربربٍوصدر كفاثور اللجين وجيد
تزيف كما زافت إلى سلفاتهامباهية طي الوشاح ميود
إذا جئتها يوما من الدهر زائراًتعرض منقوصا اليدين صدود
يصد ويغضي عن هواي ويجتنيذنوبا علينا إنّه لعنود
فأصرمها خوفا كأني مجانبويغفل عنا مرة فنعود
فمن يعط في الدنيا قرينا كمثلهافذاك في عيش الحياة رشيد!
وبعده:
يقولون: جاهد يا جميل بغزوة!وأي جهاد غيرهن أريد؟
لكل حديث بينهن بشاشةوكل قتيل بينهن شهيد
فمن كان في حبي بثينة يمتريفبرقاء ذي ضالٍ علي شهيد
ألم تعلمي يا أم ذي الودع أننيأضاحك ذكراكم وأنت صلود؟
وقال الآخر:
إذا كنت تهوي الحمد والمجد مولعابأفعال ذي غي فلست براشد
ولست وإنَّ أغيى أباك مجادةإذا لم ترم ما أسلفاه بماجد
وقوله: اباك، أي أبواك، فثني لفظ الأب من غير إنَّ يرد لأمه. وقال الآخر:
شريت برداً ولولا ما تكنفنيمن الحوادث ما فارقته أبداً!
وقال الآخر:
أتعجب أن رأيت علي دنيا؟
وقال الأشهب بن رحيلة:
أسود شرى لاقت أسود خيفةتساقت على حرد دماء الأساود
وقال الآخر:
إذا كانت الهيجاء وانشقت العصافحسبك والضحاك سيف مهند!
وقال أعرابي في السجن:
أيا واليي سجن اليمامة أشرفابي القصر أنظر نظرة هل أري ونجدا!
فقال اليمانيان لمّا تبيناسوابق دمع ما ملكت لها رداً:
أمن أجل أعرابية ذات بردةتبكي على نجد وتبلى كذا وجدا؟
لعمري لأعرابية في عباءةٍتحل دماثا من سوقية أو فردا
أحب إلى القلب الذي لج في الهوىمن اللأبسات الريط يظهرن كيدا
وقال الآخر، ويقال الشافعي، ﵁:
تمنى رجال أنَّ أموت فأن أمتفتلك طريق لست فيها بأوحد!
يقال: لست في هذا الأمر بأوحد، أي لا أخص به: وقال الآخر، ويقال هو هاتف سمع لمّا ولي عمر بن عبد العزيز، ﵁:
من الآن قد طابت وقر قرارهاعلى عمد المهدي قام عمودها
وقال يزيد بن الصقيل العقيلي، وكان يسرق الإبل ثم تاب:
ألا قل لأرباب المخائض أهملوافقد تاب عما تعلمون يزيد
وإنَّ أمرءاً ينجو من النار بعدماتزود من أعمالها لسعيد!
وتقدم هذا الثاني. والإهمال ترك الإبل بلا راع. وقال الآخر:
تمنيتم مائتي فارسٍفردكم فارس واحد
وقبلها:
فليت لها بارتباط الخيولضأناً لها حالب قاعد!
ألا هل أتاها على نأيهابما فضحت قومها غامد؟
وغامد أبو قبيلة، وهو غامد بين نصر بن الأزد بن الغوث، فهاجم هذا الشاعر. وقال حاتم:
وإنَّ الكريم من تلفت حولهوإنَّ اللئيم دائم الطرف أقود
وقال نبهان العبشمي:
يقر بعيني إنَّ أرى من مكانهذرى عقدات الأبرق المتقاود
وأنَّ أرد الماء الذي شربت بهسليمى وقد مل السرى كل واخد
وأخلط أحشائي ببرد ترابهوإنَّ كان مخلوطا بسم الأساود!
والعقدات واحد العقدة - بكسر القاف وفتحها وهو ما تراكم من الرمل وانعقد؛ والأبرق حجارة يخالطها رمل أو طين؛ والنتقاود: المنقاد المستقيم؛ الأساود جمع أسود، وهو الأسود السالخ. وقال أبو الحسن بن أبي الطيب:
لا تنكري يا عز إنَّ ذل الفتىذو الأصل واستعلى خسيس المتحد
إنَّ البزاة رؤوسهن عواطلوالتاج معقود برأس الهدهد
وقال الحارث بن كلدة:
ولقد رأيت معاشراجمعوا لهم مالا وولدا
وهم زباب حائرلا تسمع الآذان رعدا
الناس وجهالهم الحائرين. وقوله: لا تسمع الآذان رعدا، أي لا تسمع آذانهم صوت الرعد لصممهم، فأقام الألف واللام مقام ضمير وقال الآخر:
فأثنوا علينا لا أبا لأبيكمبأفعالنا إنَّ الثناء هو الخلد!
ومثله قول الآخر:
فإذا باغتم أرضكم فتحدثواومن الحديث مثالب وخلود!
وتقدم ذكر هذا المعنى. وقال: أبن اللبانة يمدح المعتمد:
لقد ضم أمر الملك حتى كأنهنطاق بخصر أو سوار على زند
وحسن طعم العيش حتى أعادهألذ من الإغفاء في عقب السهد
وحسب الليالي إنّها في زمانهبمنزله الخيلان في صفحة الخد
توقد عن نارين للحرب والقرىوقام على طودين للحلم والمجد
وجاءت به الأيام تاجر سؤددٍيبيع نفيسات المواهب بالحمد
يغيث في محل يعينك في ردىيروعك في درع يروق في برد
جمال وإجمال وسبق وصولةكشمس الضحى كالمزن كالبرق كالرعد!
وقال أيضاً:
إليه وإلاّ قيودا قدم السرىوفيه وإلاّ أخرسوا ألسن الحمد
وعنه أفيضوا، إنّه مشعر الهدىوحوليه طوفوا: إنّه كعبة القصد
وألغوا حديث البحر عند حديثه:فكم بين ذي جزر وكم بين ذي مد!
وقال الآخر:
قلدتني منك الجميل قلائدورحمتي حتى سبتك والدا
والله لو جاز السجود لمحسنٍما كنت إلاّ راكعا لك ساجدا!
وقال أبو جعفر البطروني:
وما زلت أجني منك والدهر ممحلولا ثمر يجنى ولا زرع يحصد
ثمار أيادٍ دانيات قطوفهالأغصانها ظل علينا ممدد
ترى جاريا ماء المكارم تحتهاوأطيار شكري لا تزال تغرد
وقال أبن اللبانة أيضاً:
وهو صبح وربيع وحياويجتلى أو يجتنى أو يجتدى
وهو طود وشهاب ولظىمارسا أو ماسرى أو ماعدا
وقال بكر بن النطاح:
ملأت يدي من الدنيا مراراًفما طمع العواذل في قيادي
وما وجبت علي زكاة مالٍوهل تجب الزكاة على الجواد؟
وقال الآخر:
بفعالي عرفت لا بمقاليوبذاتي شرفت لا بجدود
إنَّ رأيي ورأيت بلغانيغايتي هذه بحكم السعود
وقال أبن الخطيب:
تعجلت وخط الشيب في زمن الصبالخوضي غمار الهم في طلب المجد
فمهما رأيتهم شيبة فوق مفرقيفلا تنكروها إنّها شيبة الحمد!
وقال أبن الحداد، وللشعر حكاية:
شقيقك غيب في لحدهوتطلع يا بدر من بعده
فهلا خسفت فكان الخسوفحداداً لبست على فقده؟
وقال آخر في التعزية:
لابد من فقد ومن فاقدهيهات ما في الناس من خالد
كن المعزي لا المعزى بهإنَّ كان لابد من الواحد!
وقال الوزير المهلبي:
خليلي إني للثريا لحاسدوإني على ريب الزمان لواجد
أيبقى جميعا شملها وهي سبعةوأفقد من أحببته وهو واحد؟
وقال الآخر:
دهى الله مصرا وسكانهاوفتت أكبادهم وبالحسد!
متى يرتجي مفلس عندهمغنى وعلى كل فلس أسد؟
وقال الآخر:
ما للمعيل وللسفار وإنمايجلى بوصل البيد من هو فارد
فالشمس تجتاب السماء فريدةوأبو بنات النعش فيها راكد
وقال أبن سكرة:
قيل: ما أعددت للبردوقد جاء بشده؟
قلت: دراعة عريتحتها جبة رعده
وقال الآخر:
بين اللثام وصدغه المعقودخمران: من ريق ومن عنقود
يلوى على زرد العذار دلاله:كم فتنةٍ بين اللوى وزرود!
وقال الآخر:
أهلا بطيفك زائراً أو عائدتفديك نفسي غائبا أو شاهدا!
يا من على طيف الخيال أحالنيأتظن طرفي مثل طرفك راقدا؟
ما نمت لكن الخيال يلم بيفيجله طرفي فيطرق ساجداً
وقال الراضي بن عباد:
مروا بنا أصلا من غير ميعادوأوقدوا نار قلبي أي إيقاد
لا غزو إنَّ زاد في قلبي مرورهمفرؤية الماء تذكي غلة الصاد!
وقال الآخر:
قالوا: خسرت القلب حين علقتهوربحت فيه شماتة الحساد
فأجابهم: لا تعذلوني إننيصانعته عن مهجتي بفؤاد!
وقال بعض المشارقة:
ألحاظكم تجرحنا في الحشاولحظنا يجرحكم في الخدود
جرح بجرح فاحسبوا ذابذافما الذي أوجب جرح الصدود؟
وقال أبو العباس بن الفياض:
قم اسقني بين الناي والعودولا تبع طيب مفقود بموجود
نحن الشهود وصوت العود خاطبنافزوج أبن غمام بنت عنقود!
وقال أبو البركات في غرناطة:
رعى الله من غرناطة متبوءاًيسر كئيبا أو يجير طريدا!
تبرم منها صاحبي عندما رأىمسارحها بالبرد عدن جليدا
هي الثغر صان الله من أهله بهوما خير ثغر لا يكون برودا
وقال أبن الحجاج في صاحب وليمة أبطأ بالطعام فيها.
يا جائيا في داره ذاهبالغير معنى لا ولا فائدة
قد جن أصحابك من جوعهمفأقراً عليهم سورة المائدة!
وتقدم بعضه. وقال الآخر:
مال أبن دارة دونه لعفاتهخرط القتاد والتماس الفرقد
مال لزوم الجيمع يمنع صرفهفي راحةٍ مثل المنادى المفرد
وقال الآخر:
فأكثر من الإخوان للدهر عدة:فكثرة در العقد من شرف العقد
وعظم صغير القوم وأبدا بحقه:فمن خنصري كفيك تبدأ في العد!
وقال الآخر:
ألا! إنّه كلنا بائدوأي بني آدم خالد؟
وبدؤهم كان من وبهموكل إلى ربه عائد
فيا عجبا كيف يعصى الإلهأم كيف يجحده الجاحد
ولله في كل تحريكةٍوتسكينة أبداً شاهد
وفي كل شيء له آيةتدل على إنّه واحد
وقال البستاني:
أبوك حوى العليا وأنت مبرزعليه إذا نازعته قصب المجد
وللخمر معنى ليس في الكرم مثلهوللنار نور ليس يوجد في الزند
وقال أبو القاسم الاصبهاني:
أصبحت صبا دنفابين عناء وكمد
أعوذ من شر الهوىبقل هو الله أحد!
وقال ابن الجهم:
انفس حرة ونحن عبيدإنَّ رق الهوى لرق شديد
لي حبيب نأى الهجر عنيوأشد الهوى القريب البعيد
وقال الآخر:
وكم ليلة بت من حبكمتطول على طرفي الساهد
كأن نجوم الدجى في الدجىصوار تفرقن عن صائد
وقال أبن الرومي:
لما تؤذن الدنيا به من صروفهايكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلاّ فما يبكه منها وإنّهالأوسع مما كان فيه وأرغد؟
وقال الآخر في التورية:
تقول سليمى إذ رأت شيب لمتي:لقد حال من ذلك الشباب سواده
وما تنر الحسناء من خط كاتبإذا ابيض من طول الكتاب مداده
وقال كثير:
فإنَّ تسل عنك النفس أو تدع الهوىفباليأس تسلو عنك لا بالتجلد!
وكل خليل زارني فهو قائل:من أجلك هذا هامة اليوم أو غد!
وتقدم أنَّ بن عبد الملك تمثل به على قبر جاريته حبابة لمّا ماتت: وقال أبو جعفر المنصور العباسي، وله قصة ستأتي في اللام:
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة:فإنَّ فساد الرأي إنَّ يترددا
ولا تمهل الأعداء يوما بقدرةوحاذرهم أنَّ يملكوا مثلها غدا!
وسبب ذلك أنَّ جارية له أهدت إليه تفاحة بعد إنَّ طيبتها، وكتبت عليها:
هدية مني إلى المهديتفاحة تقطف من خدي
محمرة مصفرة طيبتكأنها من جنة الخلد!
وقال عروة بن أذينة، ﵁:
إذا وجدت أوار الحب في كبديأقبلت نحو سقاء القوم ابترد
هبني بردت ببرد الماء ظاهرةفمن لنار على الأحشاء تتقد؟
وقال الإمام الشافعي، ﵁، فيما زعموا:
خذوا بدمي ذلك الغزال فانهرماني بسهمي مقلتيه على عمد
ولا تقتلوه أنني أنا عبيدهوفي مذهبي لا يقتل الحر بالعبد!
وقال القاضي عبد الوهاب بن نصر المالكي، ﵀:
ونائمة قبلتها فتنبهتوقالت: تعالوا فاطلبوا اللص بالحد!
فقلت لها: إني لثمتك غاضباوما حكموا في غاضب بسوى الرد
خذيها وكفي لي عن إثم ظلامتيوإنَّ أنتِ لم ترضي فألفا من العد
فقالت: قصاص يشهد العقل إنّهعلى كبد الجاني ألذ من الشهد
فباتت يميني وهي هيمان خصرهاوباتت يساري وهي واسطة العقد
وقالت: ألم أخبر بأنك زاهد؟فقلت: بلى ما زلت أزهد في الزهد
وقال مسكين الدارمي:
قل للملحة في الخمار الأسود:ماذا فعلت بزاهد متعبد؟
قد كان شمر للصلاة إزارهحتى قعدت له بباب المسجد
ردي عليه صلاته وصيامهلا تفتنيه بحق جاه محمد!
وزعموا إنّه كان مشتهرا بالمجون، فنسك ولزم المسجد، وصار من العباد. فورد بعض تجار العراق على المدينة، على سكانها الصلاة والسلام، بسلة فيها خمر مختلفة الألوان. فباعها
جميعا إلاّ الأسود من الخمر. فتحير في أمرها وجاء نحو المسجد وسلأل عن من به من أهل الخير. فدل على مسكن الدارمي المذكور. فجاء وشكا إليه أمره وسأله الدعاء بتيسير بيع اللون فدفعها له وقال له: غن بها حيثما أمكنك فإنّها لى! فذهب يغني بها في سكك المدينة فظن الناس إنّه ترك التنسك وعاد إلى المجون ولامه أصحابه في ذلك فقال: ولتعلمن نبأه بعد حين! وشاع في المدينه أنَّ الدارمي تعشق صاحبة الخمار الأسود فبيعت بذلك خمر التاجر وعاد الدارمي إلى نسكه.
وهو القائل:
وسميت مسكيناً وما بي حاجةٌوإني لمسكين إلى الله راغبُ
وإني امرؤ لا اسأل الناس ما لهمبشعر ولا تعيي على المكاسبُ
وينسب إلى القاضي التنوخي في معارضة أبيات الخمار المذكورة:
قل للمليحة في الخمار المذهب:أفسدت نسك أخي التقي المترهبِ
نور الخمار ونور خدك تحتهعجباً لوجهك كيف لم يتلهب!
وجمعت بين المذهبين فلم يكنللحسن عن نهجيهما من مذهبِ
وإذا أتت عين اتسرق نظرةقال الشعاع لها اذهبي لا تذهبي!
وقال الفرزدق:
وخير الشعر أشرفه رجالاوشر الشعر ما قال العبيدُ
وسبب قوله ذلك إنّه اجتمع مع نصيب الشاعر الأسدي في مجلس سليمان بن عبد المكل فقال الفرزدق شعرا يفخر فيه بأبيه ومنه:
وركبٍ كأن الريح تطلب عندهملهاترةً من جذبها بالعصائبِ
سروا يخبطون الريح وهي تلفهمإلى شعب الأكوار ذات الحقائبِ
إذا آنسوا ناراً يقولون ليتهاوقد خصرت أيديهم نار غالبِ!
فأعرض سليمان كالمغضب ففطن له نصيب فقال له: أيأذن أمير المؤمنين أن أقول؟ قال: قل! فقال نصيب:
أقول لركب صادرين لقيتهمقفا ذات أوشال ومولاك قاربُ
قفوا خبروني عن سليمان إننيلمعروفه من أهل ودان طالبُ
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهلهولو سكتوا أثنت عليك الحقائبُ
وقالوا: تركناه وفي كل ليلةٍيطوف به من طالب العرف راغبُ
فلو كان فوق الناس حيٌّ فعالهكفعلك أو في الفضل منك يقاربُ
لقلنا له شبهٌ ولكن تعذرتسواك على المستشفعين المطالبُ
هو البدر والناس الكواكب حولهوهل تسبه البدر المنير الكواكبُ
فطرب سليمان وأمر لنصيب بعسرة آلاف. ثم التفت إلى الفرزدق فقال: كيف ترى يا أبا فراس؟ فقال: هو أشعر أهل جلدته. فقال سليمان: وأهل جلدتك! فغضب الفرزدق وقال:
وخير الشعر أشرفه رجالاًوشر الشعر ما قال العبيد!
وعن دعبل قال: نودي بالنفير فخرجت مع الناس فإذا فتى يجر رمحه بين يدي فقال: يا دعبل اسمع مني! وأنشد:
أنا في أمري رشادبين حب وجهادِ
بدني يغزو عدويوالهوى يغزو فؤادي!
ثم قال: كيف ترى؟ قلت: جيد والله! فقال: ما خرجت إلاّ هاربا من الحب! ثم قاتل حتى قتل.
وقالت فاطمة بنت عبد الملك بن مروان تخاطب زوجها عمر بن عمر بن عبد العزيز حيث اشتغل بأمور الخلافة ولم يتفرغ لها:
ألا يا أيها الملك الذي قدسبى عقلي وهام به فؤادي
أراك وسعت كل الناس عدلاًوجرت علي من بين العبادِ
وأعطيت الرعية كل فضلوما أعطيتني غير السهادِ
وقال الآخر:
نحن قوم تذيبنا الأعين النجلعلى أننا نذيب الحديدا
نقتل الأسد ثم تقتلنا البيضالمصروفات أوجهاً وخدودا
وتراني لدى الكريمة أحراراًوفي السلم للحسان عبيدا
وزعموا أنَّ العلوي قائل هذا الشعر حاصر قلعة حتى كاد يقتحمها. وكانت فيها امرأة ذات حسن وجمال فقالت لأهلها: أنا أكفيكم أمره! فتبرقعت وخرجت نحو العسكر وقالت: أبلغوني إلى الأمير! فأبلغوها إليه فقالت: أنت القائل:
نحن قوم تذيبنا الأعين
فقال: نعم! فنزعت البرقع عن وجهها وقالت: أحسنا ترى أم قبيحاً؟ فقال: والله ما أرى إلاّ حسنا! فقالت: ما حق المولى على عبده؟ فقال: السمع والطاعة. فقالت: فأرحل عنا وانصرف راشداً قال: نعم: وأمر بالرحيل. فقال له أهل العسكر: إنَّ المدينة بأيدينا. فقال: لا سبيل إلى الإقامة ساعة واحدة. ثم خطب تلك المرأة وتزوجها، فكانت عنده أحظى نسائه.
وقال الآخر في الثقلاء:
إلمام كل ثقيل قد أضر بنانروم نقصهم والشيء يزداد
ومن يخف علينا لا يلم بناوللثقيل على الساعات ترداد
وقال الآخر:
إذا هز الكريم يزيد خيراًوإنَّ هو اللئيم فلا يزيد
وروي أنَّ أعرابيا وقف على مروان بن الحكم، وهو يفرض العطاء بالمدينة، فقال له: أفرض لي! فقال: قد طوي الكتاب! فقال له الأعرابي: أما علمت إني القائل: إذا هز الكريم؟ فقال: نشدتك الله، وأنت القائل له؟ قال: نعم! فقال مروان: افرضوا عليه ما يرضيه! وقال الآخر:
لا يوجد الخير إلاّ في معادنهوالشر حيث طلبت الشر موجود
ويحكى عن جعفر بن يحيى إنّه في بعض أسفاره عرض عليه مماليك رجل جفاه السلطان، وفيهم غلام جميل. قال: فقلت له: ما اسمك؟ قال: ماهر. قلت وما صنعتك؟ قال: الأدب والشعر والغناء، وما شئت من بعد. فسألت عن ثمنه فقيل خمسمائة دينار على الضرورة. فوزنت ثمنه وسألته إنَّ يسمعني شيئاً من غنائه. فأخذ العود واندفع يغني:
حملتم جبال الحب فوقي وإننيلأعجز عن حمل القميص وأضعف
ظفرتم بكتمان اللسان فمن لكمبكتمان عين دمعها الدهر يذرف؟
فأطربني غناؤه وشجاني، فأجرته وخلعت عليه، وأمرته بمعادلتي. فلما أجزت منزل مولاه بمقدار ميل أنشأ يقول:
وما كنت أخشى معبدا أنَّ يبيعنيبشيء ولو أضحت أنامله صفراً
أخوهم ومولاهم وحامل سيرهمومن قد ثوى فيهم وعاشرهم دهرا
أشوق ولمّا يمض لي غير ساعةٍفكيف إذا سار المطي بنا شهرا؟
فقلت له: يا غلام، أتعرف منزل مولاك من هنا؟ فقال: وهل تخفى معالم الحب؟ فقالت: أذهب فأنت حر لوجه الله! ووهبت له ألف دينار. فقال لي زميلي: أمثل هذا يعتق؟ فقلت له ويحك! وهل مثله يملك؟ فأنطلق وهو يقول:
لا يوجد الخير إلاّ في معادنه
وقال محمد بن عبد الملك الزيات:
وأي امرئ سمى بها قط نفسهففارقها حتى يغيب في اللحد؟
وكان سبب ذلك أنَّ إبراهيم بن المهدي اقترض من التجار أموالا كثيرة ببغداد. فيها لعبد الملك الزيات عشرة آلاف دينار. فلما لم يتم لها أمر الخلافة لوى التجار أموالهم. فصنع محمد أبن عبد الملك قصيدة يخاطب المأمون، وهذا صغير، منها:
تذكر أمير المؤمنين قيامةبإيمائه في الهزل منه وفي الجد
ووالله ما من توبةٍ نزعت بهإليك ولا ميل إليك ولا ود
ومن صك تسليم الخلافة سمعهينادي به بين السماطين عن بعد؟
وأي امرئ سمى بها قط نفسه
وعرضها على إبراهيم وقال له: إما أنصفت أبي، وإما أنشدتها المأمون! فأذى إلى أبيه ماله دون سائر التجار، واستحلفه على كتمانها، فحلف له، وهذا من فوائد الشعر. وقال أبن الرومي يمدح النرجس:
للنرجس الفضل المبين وإنَّ أبىآبٍ وحاد عن طريقة حائد
وللنرجس احتاز الملاحة كلهاوله فضائل جمة وفوائد
ومنها:
شتان بين اصنين: هذا موعدبتسلب الدنيا وهذا واعد!
وسيأتي تتمة هذا الشعر وما عورض به وما قيل في ذلك، إن شاء الله.
وقال الآخر:
وتحت البراقع مقلوبهاتدب على ورد خد ندي
وقال الآخر:
إذا أنت وليت الخؤون أمانةفأنك قد أسندتها شر مسند!
وقال الآخر يصف الكتب:
لنا جلساء لا يمل حديثهمألباء مأمونون غيبا ومشهدا
ويفيدوننا من علمهم علم من مضىوعقلا وتأديبا ورأيا مسددا
فلا فتنة تخشى ولا سوء عشرةولا تتقي منهم لسانا ولا يداً
فإنَّ قلت: أموات فلست بكاذبوإنَّ قلت: أحياء فلست مفندا!
وقال الآخر:
علي لأخواني رقيب من الصفاتبيد الليالي وهو ليس يبيد
يذكرنيهم في مغيب ومشهدفسيان منهم غائب وشهيد
وإني لأستحيي أخي أنَّ أبرهقريبا وأنَّ أجفوه وهو بعيد
وقال الآخر:
رأيت صلاح المرء يصلح حالهويعيدهم داء الفساد إذا فسد
ويعظم في الدنيا بفضل صلاحهويحفظ بعد الموت في الأهل والولد
وقال الآخر:
أرى صاحب النسوان يسحب أنهاسواء، وبون بينهن بعيد
فمنهن جنات تفيء ظلالهاومنهن نيران لهن وقود!
وقريب من هذا قول الأعرابي:
وإنَّ من النسوان من هي روضةتهيج الرياض دونها وتصوح
غيره:
وكل أخس عند الهواينا ملاطفولكنما الأخوان عند الشداد!
غيره:
ما خطب من حرم الإرادة وادعامثل الذي حر الإرادة جاهدا
غيره:
ولقد أصرف الفؤاد عن الشيءحياء وحبة في السواد
غيره:
عود لسانك قول الصدق تحظ بهإنَّ اللسان لمّا عودت معتاد
موكل بتقاضي ما سننت لهفي الخير والشر فأنظر كيف ترتاد!
وقال أبو الفتح البستي:
تكلم وسدد ما استطعت فإنماكلامك حي والسكوت جماد!
فإنَّ لم تجد قولا سديداً تقولهفصمتك عن غير السداد سداد
وقال أبن الرومي. وقد سمع رجلا يثني عن آخر مبالغا:
إذا ما وصفت أمرءا لامرئٍفلا تغل في وصفه وأقصد
فإنك إنَّ تغل تغل، الظنونفيه إلى الآمد الأبعد
غيره:
ألم تر أن الدهر من سوء فعلهيكدر ما أعطى ويسلب ما أسدى
فمن سره ألا يرى ما يسوءهفلا يتخذ شيئاً يخاف له فقدا
غيره:
إنّما الدنيا هباتوعوار مستردة
شدة بعد رخاءورخاء بعد شدة
غيره:
لو إنَّ ما انتم فيه يدوم لكمظننت ما أنا فيه دائما أبدا!
لكنني عالم إني وأنكمسنستجد خلاف الحالتين غدا
غيره:
صل من دنا وتناس من بعدالا تكرهن على الهوى أحدا
قد أكثرت حواء إذ ولدتإذا جفا ولد فخذ ولدا!
غيره:
إذا اجتمع الناس في واحدٍسوخالقهم في الرضى واحدُ
فقد دل إجماعهم دونهعلى عقله أنه فاسدُ
غيره:
وإخوان اتخذتهم درعاًفكانوا ولكن للأعادي
وخلتهم سهاما صائباتٍفكانوها ولكن في فؤادي
وقالوا: قد صفت منا قلوبٌلقد صدقوا ولكن من ودادي
وقالوا: قد سعينا لك سعيٍلقد صدقوا ولكن في فسادي!
وقال أبو محمد الحريري:
ولمّا تعامى الدهر وهو أبو الورىعن الرشد في أنحائه ومقاصده
تعامت حتى قيل إني أخو عمىولا غرو أن يحذو الفتى حذو والده!
وله: والشبل في البخر مثل الأسد وله أيضاً:
من ضامه أو ضاره دهرهفليقصد القاضي في صعده
سماحه أزرى بمن قبلهوعدله أتعب من بعده
وله أيضاً:
خذها إليك وصيةًلم يوصها قبلي أحد
غراء حاويةً خلاصاتالمعاني والزبد
نقحتها تنقيح منمحض النصيحة واجتهد
واعمل بما مثلتهعمل اللبيب أخي الرشد
حتى يقول الناس هذاالشبل من ذاك الأسد
وقال أبن الساعاتي:
حددت بجفنيها على رشف ريقهاومن شرب الصهباء يلزم بالحدِّ
وقال شرف الدين الحموي:
ونحن معاشرٌ نأبى الدنياونلبس من صوان العرض بردا
نعانق من رماح الخط باناًوننشق من سيوف الهند وردا
وقال المتلمس:
إنَّ الهمان حمار الذل يألفهوالحر ينكره والفيل والأسدُ
ولا يقيم بدار الذل يألفهاإلاّ الأذلان: عير الحي والوتدُ
هذا على الخسف مربوطٌ برمتهوذا يشج فلا يرثي له أحدُ
وقال أبن قلاقس:
إنَّ مقام المرء في بيتهمثل مقام الميت في لحده
فواصل الرحلة نحو الغنىفالسيف لا يقطع في غمده
والنار لا يحرق مشبوبهاإلاّ إذا ما طار عن زنده
غيره:
قد تعففت وارتضيت بترفيعزماني وقلت إني وحدي
لا لأني أنفت مع ذا من الكدية أين الكرام حتى أكدي
وقال أبو دلف:
أطيب الطيبات قتل الأعاديواختيالي على متون الجيادِ
ورسولٌ يأتي بوعد حبيبٍوحبيبٌ يأتي بلا ميعاديِ
وسببه أنه قد قيل لأعرابي: ما أمتع لذات الدنيا؟ فقال: بيضاء رعبوبة بالشحم مكروبة بالمسك مشبوبة. وسئل الأعشى فقال: صهباء صافية يمزجها ساقية من صوب غادية. وسئل طرفة عن ذلك فقال: مركب وطي وثوبٌ بهي وطعامٌ شهي. قال بعضهم: فحدثت بذلك أبا دلف فقال: أطيب الطيبات.. البيتين وقال: وحدثت بذلك حميدا الطوسي فقال:
فلولا ثلاثٌ هن من عيشة الفتىوجدك لم أحفل متى قام عودي
فمنهن سبق العاذلات بشربةكميت متى ما تعل بالماء تزبد
وكري إذا نادى المضاف مجنباًكسيد الغضى نبهته المتوردِ
وتقصير يوم الدجن والدجن معجبٌببهكنةٍ تحت الطرف النعمدِ
قال: وحدثت بذلك الزبير بن عبد الله فقال: ما أدري ما أقول ولكني أقول:
فاقبل من الدهر ما أتاك بهمن قر عيناً بعيشه نفعه
قلت: والأبيات الأربعة التي أنشدها حميد ليست له وإنّما تمثل بها وهي لطرفة بن العبد من قصيدته الدالية المشهورة؛ وكذا البيت الذي أنشده الزبير هو لشاعر قديم وسيأتي ذكره مع غيره في موضعه. وشيع طرفة في ذكر الثلاث جماعة من الفضلاء. فمن ذلك قول عز الدين بن هبة الله المعتزلي معارضا:
لولا ثلاث لم أخف صرعتيليست كما قال فتى العبدِ
أن أنصر التوحيد والعدل فيكل مكان باذلاً جهدي
وأن أناجي الله مستمتعاًبخلوة أحلى من الشهدِ
وإن أتيه الدهر كبراً علىلئيم " بياض " الخدِّ
لذلك أهوى لا فتاة ولاخمراً ولا ذا ميعةٍ نهدِ
وقول الآخر:
لولا ثلاثٌ هن والله منأكبر آمالي في الدنيا
حجٌ لبيت الله أرجو بهأن يقبل التوبة والسعيا
والعلم تحصيلا ونشراً لمّارويت أو سعت الورى ريا
وأهل ود أسأل الله أنيمتع بالبقيا إلى اللقيا
ما كنت أخشى الموت أني أتىبل لم أكن التذ بالمحيا
وقال اثير الدين:
أما إنه لولا ثلاث أحبهاتمنيت أني لا أعد من الأحيا
فمنهن صوني النفس عن كل جاهللئيم فلا أمشي إلى بابه مشيا
ومنها رجائي أن أفوز بتوبةٍتكفر لي ذنباً وتنجح لي سعيا
أتترك نصاً للرسول وتقتديبشخصٍ لقد بدلت بالرشد الغيا؟
وقول الصفدي:
لولا ثلاث هن أقصى المنىلم أهب الموت الذي يردي
تكميل ذاتي بالعلوم التيتنفعني أن صرت في لحدي
والعي في رد الحقوق التيأصاحبي نلت بها قصدي
وأن أرى الأعداء في صرعةٍلقيتها في جمعهم وحدي
فبعدها اليوم الذي حم ليعندي استوى في القرب والبعدِ
وقولي أنا من هذا الباب:
لولا ثلاث فوائدٍ ترجى لمّاأحببت تنفيس الحياة إلى مدا
قربٌ من المولى وعلم نافعٌوأجٌ يؤازرني ويشفع لي غدا
وذكر الجاحظ أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ أنشده رجل قول طرفة المذكور فقال: لولا أن أسير في سبيل الله وأضع جبهتي لله وأجالس أقواما ينتقون أطايب الحديث كما ينتقون أطايب الثمار لم أبال أن أكون قد مت. قال: عامر بن عبد الله القيسي: ما آسى من العراق إلاّ على ثلاث: على ظمأ الهواجر وتجاوب المؤذنين وإخوان لي منهم الأسود بن كلثوم. وقال إعرابي:
لولا ثلاث هن عيش الدهر:الماء والنوم وأم عمرو
لمّا خشيت من مضيق القبر وقال الآخر:
صنت نفسي عما يليق بمثليوتحصنت بالجفاء الشديدِ
ما يساوي قضاء حقِّ المواليما يقاس من سوء خلق العبيدِ
وقال البحتري:
ولست ترى شوك القتادة خائفاًسموم الرياح الآخذات من الرندِ
ولا كلب محوماً وإن طال عمرهألا إنّما الحمى على الأسد الوردِ
غيره:
لقد كسدت سوق الفضائل كلهاوللهزل أحظى في الزمان من الجدِّ
فلست أرى إلاّ كريماً يفر منلئيم وحراً يشتكي الضيم من عبدِ
غيره:
وما زال هذا الدهر يلحن في الورى:فيرفع مجروراً ويخفض مبتدا
وقال أبن سناء الملك:
أبى الدهر إلاّ ضد ما أنا طالبٌفيا ليت مني مكن الله ضدهُ
يعد الفتى إخوانه لزمانهوأعدا له من خوفه من أعدهُ
غيره:
تحفظ من ثيابك ثم صنهاة إلاّ سوف تلبسها حدادا
وميز عن زمانك كل حينٍونافر أهله تسد العبادا
وضن بسائر الأجناس خيراًوأما جنس آدم فالبعادا
أرادوني بجمعهم فردواعلى الأعقاب قد نكصوا فرادى
وعادوا بعد ذا إخوان صدقٍكبعض عقاربٍ رجعوا جدادا
وقال الأرجواني:
أرى بين أيامي وشعري قد بدالتعجيل أتلافى خلافاً يجددُ
فقد أصبحت سوداً وشعري أبيضاًوعهدي بها بيضاً وشعري اسودُ
وقال بعض أهل المجون:
تعشقته شيخاً كأن مشيبهعلى وجنتيه ياسمينٌ على وردِ
أخا العقل يدري ما يراد من النهىأمنت عليه من رقيبٍ ومن ضدِّ
غيره:
لام العواذل إذ عشقت فتى لهسبعون عاماً غير عامٍ واحدِ
لا تعذلوني في هواه فإننيعاينت فيه لمحةً من والدي
النص من طبعة دار الثقافة بالدار البيضاء (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع