تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الأكم في الأمثال والحكم» للحسن اليوسي (ت ١١٠٢هـ)

دون ذا وينفق الحمار (٣)

قيل لبعض أهل المجون: لم لا تميل الذي النسوان؟ قال: أذكر أمي فاستحي. فقيل له: لم لا تذكر بالذكور أباك؟ وعكس هذا الشاعر ذلك المعنى. ومن هذا النمط قول بهاء الدين بن النحاس:

قالوا: حبيبك قد تبدى شيبهفإلام قلبك في هواه يهيم؟
قال: اقصروا فالآن تم جمالهوبدا سفاه فتى عليه يلزمُ
الصبح عرته وشعر عذراهليلٌ ونبت الشيب فيه نجومُ

وقول أبن الوكيل وهو لطيف لولا عيب القافية:

شب وجدي بشائبٍمن سنا البدر أوجهُ
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة
كلما شاب ينحنيبيض الله وجههُ
للشاعر صدر الدين ابن الوكيل الأموي، اقرأ القصيدة

وقال الصفدي:

عشقت شيخاً بديع حسنٍلام على حبه العذولُ
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «عشقت شيخا بديع حسن»
كأن ياقوت وجنتيهلا شيب فيها جبال لولوُ
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «عشقت شيخا بديع حسن»

أي لؤلؤ. وقال الآخر:

شمس الضحى يعشى العيون ضياؤهاإلاّ إذا روقت بعينٍ واحدة
للشاعر نصر النميري، اقرأ القصيدة
فلذاك تاه العور واحتقروا الورىفاعرف قضيتهم وخذها فائدة
نقصان جارحةٍ أعانت أختهافكأنها قويت بعينٍ زائدة
للشاعر نصر النميري، اقرأ القصيدة

وقال أبو نواس:

إني وما جمعت من صفدوحويت من سبدٍ ومن لبدِ
هممٌ تصرفت الخطوب بهافنزعت من بلدٍ إلى بلدِ
يا ويح مذ حسمت قناعتهسبب المطامع عن غدٍ فغدِ
لو لم يكن لله متهمالم يمس محتاجاً إلى أحدِ

وقال محمد بن كنانة الأسدي:

ومن عجب الدنيا تيقنك البلاوأنك فيها للبقاء مريدُ
إذا اعتادت النفس الرضاع من الهوىفإنَّ فطام النفس عنه شديدُ

وقال الإمام البوصيري رحمه الله تعالى يمدح الشيخ أبا العباس المرسي رحمه الله تعالى ونفع به:

قل للذين تكلفوا زي التقىوتخيروا للدرس ألف مجلدِ:
للشاعر البوصيري، من قصيدة «كتب المشيب بأبيض في أسود»
لا تحسبوا كحل الجفون بحيلةٍإنَّ المهى لم تكتحل بالاثمدِ!

الكحل بفتحتين أن يعلو منابت الأشفار سوادٌ خلقةً أو أن تسود مواضع الكحل. يقال: كحلت بالكسر فهي حكلاء وهو أكحل. وهذا مثل قول الآخر: ليس التكحل في العينين كالكحل وسيأتي. وقال الآخر:

وكنا كزوجٍ من قطا في مفازةٍلدى خفض عيش معجب مونق رغدِ
أصابها ريب الزمان فأفرداولم نر شيئاً قط أوحش من فردِ

حكي عن أبي الموءل قال: دخلت منزل نخاس في شراء جارية فسمعت في بيت بإزاء البيت الذي فيه صوت جارية وهي تقول: وكنا كزوجٍ.. " البيتين " فقلت للنخاس: اعرض علي هذه المنشدة! فقال: إنها شعثة مرهاء حزينة. فقلت: ولم ذاك؟ قال: اشتريتها من ميراث فهي باكية على مولاها. ثم لم ألبث أن أنشدت:

وكنا كغصني بانةٍ وسط روضةٍنشم جنى الرضات في عيشةٍ رغدِ
فأفرد هذا الغصن من ذاك قاطعٌفيا فردةً باتت تحنُ إلى فردِ

قال أبو السموءل: فكتبت إلى عبد الله بن طاهر أخبره بخبرها فكتب إلي أن ألق هذا البيت عليها فإن أجابت فاشتريها ولو بخراج خراسان! والبيت هو:

قريبٌ صد بعيد وصلٍجعلته منه لي ملاذا

قال: فألقيته فقالت في سرعة:

فعاتبوه فذاب شوقاًومات عشقاً فكان ماذا؟

قال: فاشتريتها وحملتها إليه فماتت في الطريق فكانت إحدى الحسرات.

وقال عمرو بن معدي كرب:

أريد حياته ويريد قتليعذيرك من خليلك من مرادِ
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «أعاذل عدتي بزي ورمحي»

وهذا مثل مشهور كان علي كرم الله وجهه فيما يروون يتمثل به عندما يرى ابن ملجم. وتمثل به غيره أيضاً كما في حرف الهمزة. والعذير: العاذر والحال التي تحاولها لتعذر عليها. والعرب يقولون: عذريك من فلان وينصبونه بعامل لا يظهر. والمعنى: هلم من يعذرك من فلان فيلومه ولا يلومك كما قال النبي ﷺ: من يعذرني من أناس أبنو أهلي في حديث الافك. وقال زيد الخيل:

أمرتحلٌ قومي المشارق غدوةًوأترك في بيتٍ بفردة منجدِ؟
إلاّ رب يومٍ لو مرضت لعادنيعوائد من لم يبر منهن يجهدِ
فليت اللواتي عدنني لم يعدننيوليت اللواتي غبن عني شهدي!
للشاعر زيد الخيل الطائي، اقرأ القصيدة

وقال أعرابي:

إذا وجدت أوار الحب في كبديأقبلت نحو سقاء القوم أبتردُ
للشاعر ابن باجه، اقرأ القصيدة
هبني بردت ببرد الماء ظاهرهفمن لنار على الأحشاء تتقدُ
للشاعر عروة بن أذينة، اقرأ القصيدة

وقال الآخر:

ما لعيني كحلت بالسهادولجنبي نائيا عن وسادي؟
لا أذوق النوم إلاّ غراراًمثل حسو الطير ماء التمادِ
ابتغي إصلاح سعدى بجهدٍوهي تسعى جهدها في فسادي
فتتاركنا على غير شيءربما أفسد طول التمادي

وقال المعتد بن عباد في باب الغزل:

أباح لطيفي طيفها الخد والنهدافعض به تفاحةً واجتنى وردا
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «أَباحَ لِطَيفي طَيفُها الخدَّ»
ولو قدرت زارت على حال يقظةٍولكن حجاب البين ما بيننا مدا
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «أباح لطيفي طيفها في الكرى الخد»
أما وجدت عنا الشجون معرساًولا وجدت منا خطوب النوى بدا؟
سقى الله صوب القطر أم عبيدةٍكما قد سقت قلبي على حرة بردا
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «أباح لطيفي طيفها في الكرى الخد»
هي الظبي جيداً والغزالة مقلةًوروض الربا عرفاً وغصن النقى قدا

وقال الرئيس أبو مروان بن رزين:

وروضٍ كساه الطل وشياً مجددافأضحى مقيماً للنفس ومقعدا
للشاعر البحتري، من قصيدة «وروض كساه الطل وشيا مجددا»
إذا صافحته الريح خلت غصونهرواقص في خضر من العشب ميدا
للشاعر ذو الرئاستين المغربي، اقرأ القصيدة
إذا ما انسكب الماء عاينت خلتهوقد كسرته راحة الريح مبردا
وإن سكنت عنه حسبت صفاءهحساماً صقيلاً صافي المتن جردا
للشاعر البحتري، من قصيدة «وروض كساه الطل وشيا مجددا»
وغنت به ورق الحمائم بينناغناءً ينسيك الغريض ومعبدا
للشاعر ذو الرئاستين المغربي، اقرأ القصيدة
فلا تجفون الدهر ما دام مستعداًومد إلى ما قد حباك به يدا
وخذها مداماً من غزالٍ كأنهإذا ما سقى بدرٌ يحمل فرقدا
للشاعر البحتري، من قصيدة «وروض كساه الطل وشيا مجددا»

وقال أبو بكر بن عمار من قصيدة:

وما هذه الأشعار إلاّ مجامرٌتضوع فيها للنوى قطع الند

وقال أيضاً:

تبرعت بالمعروف قبل سؤالهوعدت بما أوليت والعود أحمد
للشاعر ابن عمار الأندلسي، اقرأ القصيدة

وقال أبو الحسن بن الحاج اللورقي يتغزل في معذر:

وقد كان ينبت زهر الرياضفأصبح ينبت شوك القتادِ
أين لي متى كان بدر التماميدرك بالكون أو بالفسادِ
وهل كنت في الملك من عبد شمسٍفأخفى عليك ظهور السوادِ؟

وقال أبو محمد بن عبد البر في مجذوم:

مات من كنا نراه أبداًسالم العقل سقيم الجسدِ
للشاعر ابن عبد البر القرطبي، اقرأ القصيدة
بحر سقمٍ ماج في أعضائهفرمي في جلده بالزبدِ
للشاعر ابن عبد البر القرطبي، اقرأ القصيدة
كان مثل السيف إلاّ أنهحسد الدهر عليه فصدي
للشاعر ابن عبد البر القرطبي، اقرأ القصيدة

وقال أبو بكر بن الملح:

والروض يبعث بالنسيم كأنماأهداه يضرب لاصطباحك موعدا
سكران من ماء النعيم فكلماغناه طائره وأطرب رددا
يأوي إلى زهر كأن عيونهرقباء تعقد للأحبة مرصدا
زهر يبوح به اخضرار ذباتهكالزهر أسرجها الظلام وأوقدا
ويبيت في فنن توهم ظلهبالصبح في عين القرارة مرودا
قد خف موقعه عليه وربمامسح النسيم بعطفه فتأودا

وقال الفقيه أبو الحسن بن زنباع:

ومن يطفي بنزر الماء ناراًفليس يزيدها إلاّ اتقادا

وقال أبو جعفر التطيلي:

تنافس الناس في الدنيا وقد علمواأن سوف تقتلهم لذاتها بددا
للشاعر الأعمى التطيلي، اقرأ القصيدة
تبادروها وقد آذتهم فشلاًوكلثروها وقد أحصتهم عددا
قل للمحدث عن لقمان اة لبدٍلم يترك الموت لقماناً ولا لبدا
ولا الذي همه البنيان يرفعهإنَّ الردى لم يغادر في الشرى اسدا
ما لابن آدم لا تفنى مطالبهيرجو غداً وعسى إلاّ يعيش غدا؟
للشاعر الأعمى التطيلي، اقرأ القصيدة

وقال الآخر:

باح مجنون عامرٍ بهواهوكتمت الهوى فمت بوجدي
للشاعر ليلى العامرية، اقرأ القصيدة
فإذا كان في القيامة نودي:من قتيل الهوى؟ تقدمت وحدي!
للشاعر ليلى العامرية، اقرأ القصيدة

وقال الآخر:

يقولون: إنَّ الحب كالنار في الحشىلقد كذبوا فالنار تذكو وتخمد
وما هو إلاّ جذوة مس عودهاتسعر قلبا للمشوق وتوقد!

وقال الآخر:

أمسك ملامك عني إنني كمدإذ لم تجد في الهوى يوما كما أجد
إنَّ لم تصدق دموعي في الذي شهدتفأنظر إلى جسدي إنَّ كان لي جسد
يا ويح أهل الهوى إني لأرحمهمتبلى الجسوم وأثواب الهوى جدد
لولا ترحمهم أيقنت انهميشقون دهرهم أضعاف ما سعدوا!

وقال الآخر:

كفى حزنا إني مقيم بلذةٍوأحباب قلبي نازحون بعيد
أقلب طرفي في الديار فلا أرىوجوها لأحبابي الذين أريد!

وقد قلت في غرض الباب قصيدة، فرأيت إنَّ أثبتها هنا، وإنَّ كان فيها بعض ول، وهي:

أبى الدهر إلاّ أنَّ يجوز على القصدوأنَّ يعكس الآمال في كل ما يبدي
ويبسط بين الفرقدين يد النوىويدني الثريا من سهيل على بعد
ويسمو بالوهد الحضيض على الذرىويسفل بالطود السمي على الوهد
ويستبدل البردي في الطعن بالقناوغصن النفى الأملود بالصارم الهندي
وأنَّ يجعل العقبان في الجو طعمةلورقاء والضبعان مفترس الأسد
ويهدي بالضب القطاة ركيةعلى العشر والسمع النتائف بالخلد
ويرفع أقدار اللئام على الألىلهم فدم في المجد والشرف العد
ويلوي تدبير الورى كل مائقٍوفضل الغنى كل امرئ شكس نكد
أجل إنّها الأحداث تجري مدارةمقاليدها في قبضة الصمد الفرد!
مقادير منه أبرمت عن مشيئةٍقديما وعن علم محيط وعن قصد
وعدل وأحكام مبين وحكمةتحار النهي في نيل فياضها المد
وليست بما تهوى النفوس صروفهاولا حذر المحتال في صرفها يجدي
ولا يحرم الوفر الفتى بجهالةٍوعجز ولا يحظى بعقل ولا كد
ولكنها الأرزاق أعددن للفتىقديما على قدر الشقاوة والجد
فكائن رأينا من حليم مفترعليه وغمر بات في عيشةٍ رغد
أراني عروفا بالزمان فمن يكنكمثلي لم يصبح على الدهر ذا نقد
ولم يبتئس إنَّ مسه بمضوفةٍولم يزه بالدنيا إذا فاز بالوجد
وقد قرعتني الحادثات فلم تلنقناتي لغمز من شابها ولا لهد
وما رسنني حتى نزعن عن امرئٍبعيد الهوى ثبت الحشا حازم جلد
إذا ظفرت كفاه لو يزه فاخراًوإنَّ نيل لم يضرع ولم يمس ذا وجد
فأصبحت لا آسى على فقد هالكٍولا يعتريني بين غانية رأد
ولا أبتغي امرئ عن تكلفوإنَّ كان حسن العهد ديني لذي ود
ولو ملني من الدهر معصميلفارقته طوعا ولم يشكه عضدي
ورب غبي يزدريني إنَّ رأىشحوبي من حادث آونةٍ لد
ولم يدر أنَّ الأجرد النهد فضلهبإحضاره لا باللجام ولا اللبد
وأنَّ الحسام الهندواني إنّمابمضربه يعتام لا جده الغمد
وأنَّ وراء الوهم لن يبق عزةعليه إذا ما قاده أصغر الولد

الوهم: الجمل العظيم الذلول، ورواؤه: منظره.

وإنَّ براٍ الهدهد التاج وهو لميفز بالذي للباز والنسر من مجد
وإنَّ بهار الدفل كالورد منظراًوحسنا وبعد الخبر محمدة الورد
وغمر جهول يرتجي نيل منصبيرجاء حضيض أنَّ سيرقي إلى النجد
يصبو إلى ما نلته مثل ما صباحصور إلى ما نيل من عذر الخرد
ويسعى إلى إدراك شأوي كما سعتأتان خريع خلف صافنةٍ جرد
وغرته مني لينة وبشاشةٍكما غر غمراً كشرة الأسد الورد
ومن مد للبدر المنير يمينهليمسكه فيلبسن ضيعة المد!
وذي ثروة يستأمني بلعاعةٍليقتادني قود الوديق إلى الورد
ولم يدر إني أجتوي الأري شابههوان وأستحلي بعز جنى الهبد
وأنَّ لست للباغي ضيما بمصحبولا باذل ماء وجهي على شكدِ
وإني لو أرتاد ما ضاق مذهبيبحول ولم يصلد لمفلقة زندي
ولكن صون النفس عن كل موردٍتهان به أحظى بعزته عندي
وإني لفضاض السجايا دميثهالالفي ونشاب إذا شئت اللغد
وأنَّ لساني الصبر ما لم أزمهوإنَّ كان أحلى للودود من الشهد
وإني لو هاجيت دان أبن غالبٍلأمري ولم يعرض لسيلي فتى العبد
ولو ثلاث هن أجررن مقوليعن الشر وائتمت به جدد الجد:
فمنها تحاشى أنَّ يمر به الخنافإن الخنا من شيمة الدانيء الهد
ومنها تجافي أنَّ أناصب معشرالئاما فمن لؤم مناصبة الوغد
ومنها التحامي عن وعيد التي إلىمداها جميع العالمين على وخد
وما المرء إلاّ حيث حل برحلهفكن نازلا بالنفس في يفع الحمد
وكن رابئا عن كل ورد دنيةٍبنفسك تغشاه مع الشرع الورد
وحم بجانب الورد إنَّ كنت صاديافإنَّ تسرب فلتوله صفحة الصد
كما أعرضت كدر عن الماء عندماتوجسن ذعرا فانثنين على جهد
ولا تك كالعير الوديق يؤمهفيحلأ عنه بالهراوى وباللكد!
فإنَّ حايض العز تغشى سخينةوإنَّ حايض الذل تقلى على برد
وما ضيم غير الفقع يوطأ بمنسمٍعلى قرقر من غير نكر ولا رد
وغير تريك بيضة بلديةوغير أتان الحي تعصى أو الود
وكن حافظا بالغيب والسخط والرضىلعهد مصافيك الهوى دائم الود!
ألم بنا إلمامة بعد هداةٍمن الليل طيف من أميمة أو هند
سرى ورواق من دجى الليل منطببما لو سرته الريح ضلت من البعد
فلم أر مثل الطيف جواب لاحبٍبلا سائق يحدو ولا سابق يهدي
ولا والجا لا يغلق الباب دونهولا يتلقى منه بسرور ولا سد
وأمن من لحظ الرقيب وريبهإذا زار ونه الرقيب على رصد!

فهيج أشجانا من القلب وانثنى بلا طائل منها عتيد ولا وعد

بأسرع من لحظ الجفون إذا رناإليك وبالبرق والوميض من الرعد
فيا ليت شعري والحوادث جمةوعهد الغواني كالسراب على صلد!
أقامت على ما بيننا من صبابةٍأميمة أم غيت مودتها بعدي؟
فخال من الأخدان كل مساعدٍعلى أي حالٍ خضته صادق العهد
حليم غضيض الطرف عما يربيهسليم الحشا من هاجس الضغن والحقد!
فإنَّ وداد المرء كالظل زائلإذا لم يكن بين الجوانح عن عقد
وإنَّ حبال الوصل منقوضة العرىإذا لم تكن في القلب محكمة المسد
وإنَّ بناء شدته وأشتدهلواهٍ إذا لم يرس عن ثابت العمد
وإنَّ ركيا ردته ووردتهلغور إذا لم يزك من باطن المد
فهل تستوي عادية بخميلةٍبها الماء عد دائم بحسى ثمد؟
وإنَّ أليف المرء إلف مشاكلوأحسن شيء ضمك الند للند
ولا تطمعن من غير شكل مودةتودم ويجني الود فيها على الود!
فإنَّ السجايا في الأنام سويةوشتى وبدع صحبة الضد للضد
وانك ما أبصرت أسداً أليفةلحمر وغربانا تحن إلى العفد
وما المرء إلاّ أبن الثرى فمراحهوإنَّ عاش أزمانا إلى ذلك المهد
وعمر الفتى المضمار بينا جوادهيباري مداه إذ هوى في هوى اللحد
وبينا الفتى يزهو بمال وأسرةٍإذا هو يشجى بالرزايا وبالفقد
إذا ما سمعت الدهر عولة حائرفكن حائر فكن راصد أمثالها إنّها تعدي

وقلت أيضاً:

أستغفر الله قد ضيعت نحوكمخطا وذلك من أخطائي السددا
سلكت فيها خباراً بل وطئت بهاشوك القتاد ولم أسلك بها جددا
لو كنت أعلم ما ألقى ببابكمجعلت تصفيد رجلي دونكم صفدا

وقال الآخر:

إنَّ وصفوني فناحل الجسدأو فتشوني فأبيض الكبد
للشاعر شَمروخ، اقرأ القصيدة
أضعف وجدي وزاد في سقميأنا لست أشكو الهوى إلى أحد
للشاعر شَمروخ، اقرأ القصيدة
أهٍ من الحب أهٍ من كبديإنَّ لم أمت في غد فبعد غد
للشاعر شَمروخ، اقرأ القصيدة
جعلت كفي على فؤادي منحر الهوى وانطويت فوق يدي
للشاعر شَمروخ، اقرأ القصيدة
كأن قلبي إذا ذكرتكمفريسة بين ساعدي أسد!

وقال الآخر:

تغرب أمري فانفردت بغربةفصرت فريدا في البرية أوحدا
تسرمد وقتي فكيف فهو مسرمدوأفنيت عني فصرت مجددا

وقال الآخر:

لو كنت املك طرفي ما نظرت بهمن بعد فرقتكم يوما إلى أحد
ولست أعتده من بعدكم نظراًلأنه نظر من ناظري رمد

وقال الآخر:

تزود من الدنيا النقاخ ولن ترىبوادي الغضا ماء نقاخا ولا وردا
ونل من نسيم ألبان والرند نفحةوهيهات وادٍ ينبت ألبان والرندا!
وكرر إلى تجدٍ بطرفك أنهمتى تغد لا تنظر عقيقا ولا نجدا!

وقال الآخر:

أكلف القلب أنَّ يهوى وألزمهصبرا وذلك جمع بين أضداد
للشاعر صردر، من قصيدة «ماذا يعيب رجال الحى في النادي»
وأكتم الركب أوطاري وأسألهحاجات نفسي لقد أتعبت روادي
هل مخبر عنده من منكر خبروكيف يعلم حال الرائح الغادي؟
فإنَّ رويت أحاديث الذين مضوافعن نسيم الصبا والبرق إسنادي

وقال الآخر:

زعموا أنَّ من تباعد يسلوولقد زادني التباعد وجدا
إنَّ وجدي بكم وإنَّ طال عهديوجد يعقوب حين فارق عهدا
خليلي إنَّ الجزع أضحى ترابهمن الطيب كافورا وأغصانه رندا
وأصبح ماء البحر خمراً وأصبحتحجارة دراً وأوراقه وردا
وما ذاك إلاّ إنَّ مشت بجانبهأميمة أو جرت بتربته بردا

وهذا الشعر يتمثل به السادات في انخراق العوائد واستحالة الأشياء ببركة من جاورها ومسها أو استدعاها من الصالحين.

وذكر صاحب التشوف رحمه الله تعالى عن بعض الناس قال: كنت أتوضأ في البحر على

قرب من الشيخ أبي عبد الله الصنهاجي، المعروف بابن أمغار. قال: وكان أبو عبد الله شرع في الوضوء من البحر، فتطعمت ماء البحر فوجدته حلوا، فقلت له: يا أبا عبد الله، إنَّ ماء هذا البحر حلو! فقال لي: هو كما قلت! وقال بعض الناس: كنت بالحرم الشريف مكة، فخرجت وقت السحر لأشرب من زمزم، فوجدت شيخا قد أخذ الدلو فشرب وأفضل، فوجدت الماء أحلى من العسل والسكر. فلما كان الغد، خرجت في ذلك الوقت أيضا إلى زمزم، فوجدت صاحبي. فلما شرب، أخذت الفضلة، فتعلقت به وقلت: سألتك بالله إلاّ أخبرتني من أنت! قال: أنا سفيان الثوري، واستر علي!

وحدث صاحب التشوف أيضاً عن بعضهم قال: مررت بالشيخ أبي موسى الدكالي السلاوي المشهور، وهو يأكل عسلوجا من عسالج الكلخ. فناولنيه فأكلته فوجدته طيبا. وعن أبي الحسن الأنصاري، المعروف بابن الصائغ، قال: زرت الشيخ أبا يعزى، فلما كان غروب الشمس خرجت للضوء مع جماعة، فبعدنا عن القرية، فحال الأسد بيننا وبين القرية. فقيل للشيخ أبي عز: حال الأسد بين أصحابك وبين القرية. فأخذ الشيخ عصاه بيده وجعل يضرب الأسد، ففر أمامه وقربنا منه، فجعل يأكل عيون الدفلى، فقال لترجمانه: قل لأبي الحسن: ما تقولون انتم معشر الفقهاء فيمن يأكل الدفلى؟ فقلت له: قل له: يقولون: من أكل الدفلى طرد الأسد! فأعلمه الترجمان بقولي، فرأيته يبتسم.

ومن هذا ما حدثني به بعض الثقات، وإنَّ بساحل حاحة، عند ضريح الشيخ أبي العباس أحمد الهشتوكي، المعروف بالسائح، تلميذ الشيخ سيدي سعيد بن عبد المنعم المناني. قال: حدثني فلان وكان أصحاب أبي العباس قال: جئت مع أبي العباس عند هبوطه إلى هذا الساحل، فأتينا على مصلى الشيخ محمد بن سليمان الجزولي، وكان مصلاه معروفا هناك بشاطئ البحر يزار. قال: فأقمنا في المصلى يومين أوقال ثلاثة. واحسبه قال - قال: لا نطعم شيئاً حتى أحسست بجوع شديد. فقال لي أبو العباس: قم إلى الضرو فخذ لنا من أوراقه! والضرو شجر معروف أوراقه أمر شيء. قال فقمت إلى الشجرة منها، فملأت حجري من الورق، وجئت به إليه فطرحته أمامه وأحسبه قال - قال: فحركه، فعاد زبيبا ولوز. قال: فأكلنا حتى اكتفينا. فلما قمنا من ذلك الموضع ومررنا على قرب من موضع الشجرة، تركت الشيخ حتى أدبر، فانسللت منه

وأتيت الشجرة، فاقتطفت قبضة من أوراقها وجعلتها في فمي ومضغتها، فوجدتها أمر شيء، فمججتها، واتبعت الشيخ فأدركته يتوضأ في شعب هنالك. فلما رآني جعل يبتسم وقال لي: أفعلت كيت وكيت؟ قلت نعم! فقال لي ما معناه: أفتحسب أنَّ لا اله إلاّ الله في أفواه الرجل سواء؟ وقد وقع مثل هذا لإبراهيم بن أدهم. وحكايات الصالحين في نحو هذا لا تنحصر، وإنّما أردنا أنَّ نتبرك ببعض ذلك، نفعنا الله بمحبتهم وحشرنا في زمرتهم! وهذا القدر يكفي، والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل.

النص من طبعة دار الثقافة بالدار البيضاء (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الأمثال وما يلتحق بها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.