تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الأكم في الأمثال والحكم» للحسن اليوسي (ت ١١٠٢هـ)

رويد الشعر يغب

!

يقال: غب الرجل وأغب إذا بات.

ومن الأمثال الجارية على الألسن قولهم:

رب حليةٍ، انفع من قبيلة ولنذكر في هذا الباب من الأمثال الشعرية ما تيسر وما جرى على مثالها، وأنتسج على منوالها

قال البارقي:

فألقت عصاها واستقر بها النوىكما قر عيناً بالإياب المسافرُ

وقبله:

وحلت سليمى في هضاب وأيكةٍفليس عليها يوم ذلك قادرُ
للشاعر معقر بن حمار البارقي، اقرأ القصيدة

قيل: كان يزيد بن عبد الملك يقول: ما يقر عيني بما أوتيت من الخلافة حتى أشتري سلامة وحبابة جاريتان لبعض أهل الحجاز حتى اشتريتا له. فلما اجتمعتا في ملكه قال: أنا اليوم كما قال الشاعر: فألقت عصاها.. " البيت ". ثم قال: ما يشاء بعد من أمور الدنيا فليفتني.

ويقال لمّا بويع لأبي العباس السفاح قام خطيبا فسقط القضيب من يده فتطير من ذلك. فقام رجل وأخذ القضيب ومسحه إليه وأنشد: فألقت عصاها.. " البيت ".

وقيل إنَّ قتيبة بن مسلم لمّا قدم واليا على خراسان رقي المنبر ليخطب فسقطت المخصرة من يده فتطير من ذلك. فقام بعض الأعراب فمسحها وناوله إياها وقال: أيّها الأمير ليس كما ظن العدو وساء الصديق ولكنه كما قال الشاعر: وألقت عصاها.. " البيت "! فسري عنه. وقيل هو القائل ذلك.

ومثل هذا ما روي أنَّ خالد بن يزيد لمّا دخل الموصل واليا عليها اندق منه اللواء في بعض أبوابها فتطير من ذلك فبادره أبو الشمقمق وكان معه قائلا:

ما كان مندق اللواء لطيرةتخشى ولا سوء يكون معجلا
للشاعر أبو الشمقمق، من قصيدة «ما كان مندق اللواء لطيره»
لكن هذا الرمح أضعف متنهخطر الولاية واستقل الموصلا

فسرى عن خالد وكتب صاحب البريد بذلك الذي المأمون فزاده ديار ربيعة فأعطى أبا الشمقمق عشرة آلاف درهم. ومثل ذلك ما يحكى أنَّ طاهر بن الحسين لمّا خرج لقتال علي بن عيسى بن ماهان وفي كمه دراهم يفرقها على الضعفاء وغفل عنها فأسبل كمه فتبددت فتطير بذلك. فأنشده شاعر كان معه:

هذا تفرق جمعهم لا عيرهوذهابها منه ذهاب الهمِ
شيء يكون الهم نصف حروفهلا خير في إمساكه في كمِ

والعرب ضربت المثل بإلقاء العصى في الاستقرار والراحة من الأسفار ولذلك قال حبيب:

كريمٌ إذا ألقى عصاه مخيماًبأرضٍ فقد ألقى بها رحله المجدُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «تجرع أسى قد أقفر الجرع الفرد»

وقال أبن عنين:

ولمّا استقرت في ذراه بي النوىوألقت عصاها بين مزدحم الوفد
تنصل دهري واستراح من الوجىقلوصي ونامت مقلتي وعلا جدي

وقال عمارة اليمني:

إنَّ الكفالة والوزارة لم تزليومي إليك بفعلها وتشارُ
كانت مسافرة إليك وتبعدالأخطار ما لم تركب الأخطارُ
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «يا ملطق العبرات وهي غزار»
حتى إذا نزلت عليك وشاهدتملكاً يزين الملك منه سوارُ
ألقت عصاها في ذراه وعريتعنها السروج محطة الأكوارُ

وقال صردر:

على رسلكم في الهجر إنَّ عصابةًإذا ظفرت بالحب ضل ضميرها
سواءٌ على المشتاق والهجر حظهاأألقت عصاها أم أجد بكورها

وقال أيضاً:

أنعمت في نعماء مطمئنةتحكم الفؤاد في أطرافهِ
ألقت عصاها وارتمت ركابهافي سرر الوادي وفي شعافه
للشاعر صردر، من قصيدة «قد رجع الحق إلى نصابه»

قال الحسين بن إبراهيم:

ألا ليت شعري هل أقولن مرةوقد سكنت مما أجن الضمائرُ
ومالي إلى باب المحجب حاجةٌوما بي عما يخفض العرض زاجرُ
فألقت عصاها واستقر بها النوىكما قر عيناً بالإياب المسافرُ

وقال الآخر:

إذا لم ير الإنسان عند قدومهمحياك مثل البدر والبدر سافرُ
فأقسم ما ألقت عصاها يد النوىولا قر عيناً بالإياب المسافرُ

وقال كليب بن ربيعة أو طرفة:

يا لك من قبرةٍ بمعمرخلا لك الجو فبيضي واصفري
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «يا لك من قبرة بمعمر»

ونقري ما شئت أن تنقري!

وتقدم ذكر هذا وما فيه.

وقال المجنون:

أمر على الديار ديار ليلىأقبل ذا الجدار وذا الجدارا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أمر على الديار ديار ليلى»
وما حب الديار شغفن قلبيولكن حب من سكن الديارا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أمر على الديار ديار ليلى»

وتقدم ما يشبه في حرف الباء.

ومثله أيضاً قول الآخر:

فإن تدعي نجداً أدعه ومن بهوإن نسكني نجداً فيا حبذا نجدُ!
للشاعر يزيد بن مجالد الفزاري، اقرأ القصيدة

وقبل هذا البيت:

سقى دمنتين ليس لي بها عهدبحيث التقي الدارات والجرع الكبدُ
فيا ربوة الربعين حييت ربوةًعلى النأى منا واستهل بك الرعدُ
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «سقى دمنتين ليس لي بهم عهد»
قضيت الغواني غير أنَّ مودةًلذلفاء ما قضيت آخرها بعدُ
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «سقى دمنتين ليس لي بهم عهد»
إذا ورد المسواك ضمآن بالضحىعوارض منها ظل يخصره البدُ
وألين من مس الرخامات يلتقيبمارنه الجادي والعنبر الوردُ
جرى نائبات الدهر بيني وبينهاوصرف الليالي مثل ما جرت البردُ

فإن تدعي نجداً.. " البيت " وبعده:

وإن كان يوم الوعد أدنى لقائنافلا تعذلني أن أقول متى الوعدُ
للشاعر يزيد بن مجالد الفزاري، اقرأ القصيدة

وقال تأبط شراً:

وأبت إلى بهمٍ وما كدت آئباًوكم مثلها غادرتها وهي تصفرُ!

والشطر الثاني مثل سائر في عدم الاكتراث بالشيء.

ومن لطائف شرف الدين الحلاوي أنه أنشد بين يديه لغز في الشبابة وهو:

وناطقةٍ خرساء بادٍ شحوبهاتكنفها عشرٌ وعنهن تخبرُ
للشاعر محيي الدين ابن زيلاق العباسي، اقرأ القصيدة
يلذ إلى الأسماع رجع حديثهاإذا سد منها منخر جاش منخرُ
للشاعر محيي الدين ابن زيلاق العباسي، اقرأ القصيدة

وهذا الشطر الأخير لتأبط شرا أيضاً ضمنه فأجاب في الحال:

نهاني النهى والشيب عن وصل مثلهاوكم مثلها فارقتها وهي تصفرُ!
للشاعر ابن الحلاوي، اقرأ القصيدة

ضمن تضمينا حسنا ونقل المعنى إلى الشبابة فوقعت لفظة تصفر أحسن موقع.

وقال الآخر:

النص من طبعة دار الثقافة بالدار البيضاء (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الأمثال وما يلتحق بها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.