من «العقد المفصل» لحيدر الحلي (ت ١٣٠٤هـ)
الفصل الثاني في الرثاء
لمّا توفّي المهدي خلف الخلف الصالح وكان نابه الذكر جليل القدر رثيته بقصيدة فريدة عزيت بها أباه وسلّيته بولديه، والقصيدة هذه:
غمضت بغتةً جفون الفناءفوق إنسان مقلة العلياء
وله نقبت بغاشية الحزن محيّا الدنيا يد الغمّاء
حملت وقر عبئها كاهل الدهر فأمسى يرغو من الأعياء
نكبة لم تدع جليداً على الخطبولا صابراً على اللأواء
يا صريع الحمام صلّى عليكالله من نازل بربع الفناء
وسقى منه تربتةً ضمنت جسمك غيث الغفران والنعماء
فحقيرٌ نوه الجفون وما قدر جفون السحاب والأنواء
أين عيس المنون منك استقلّتبالحصيف المظفّر الآراء
ذهبت في معرَّس السفر جوداًوروا حوَّم الأماني الظماء
يا عفات الأنام شرقاً وغرباًدوكم فاحتبوا بثوب العفاء
وانحبوا عن حريق وجد لمن كانعليكم أحنى من الآباء
يستقلّ الحبا لكم إن وفدتمولو المشرقان بعض الحباء
رحلوا العيس قاصدين ضريحاًفيه ما فيه من علاً وسخاء
وأعقروا عنده وجلَّ عن العقر قلوباً مطلولة السوداء
جدث ماء عيشكم غاض فيهفانضحوا فوقه دم الأحشاء
حلَّ فيه من قد كفى آدماً فيغيث جدواه عيلة الأبناء
ليت شعري أنّى دنا الموت منهوهو في ربع عزّة قعساء
هل أتاه مسترفداً حين أعطىما حوته يداه للفقراء
فحباه بنفسه إذ أتاهمستميحاً يمشي على استحياء
ودّت المكرمات أن تفتديهببنيها الأماجد الكرماء
هم مكان الجفون منها ولكنهو من عينها مكان الضياء
وهم في الحياة موتى ولكنهو ميّتٌ يعدُّ في الأحياء
يا عقيدي على الجوى عظم الخطب فأهونْ بالدمعة البيضاء
أجر من ذوب قلبك الدمعة الحمراء حزناً في الوجنة الصفراء
إن سلني عن ظلمة الكون لماحلن أنوار أرضه والسماء
فلبدر الغبراء حال أخوهبدر أهل الغبراء والخضراء
وخفقن النجوم حزناً بجنحسام أنوارهنّ بالأطفاء
وإلى الشمس قد نعوه فماتتجزعاً من سماع صوت النعاء
وقف المجد ناعياً يوم أودىشاحب الوجه كاسف الأضواء
هل ترى صالحاً على الأرض لمّاغاب فيها "المهدي" بدر العلاء
قلت خفّض عليك من عظم الرزء ونهنه من لوعة البرحاء
ليس إلاّ "محمّد" صالح يوجد في الأرض من بني حوّاء
ليس ينفكّ للجميل قريباًوبعيداً عن خطّة الفحشاء
ومهاباً له على أعين الدهر قضى الكبرياء بالأغضاء
وبليغاً قد انتظمن معانيهـ بسلك الأعجاز للبلغاء
وفصيحاً بنطقه أخرس الدهر فما قدر سائر الفصحاء
فارس المشكلات إن ندبوهلبيان مقالة العوصاء
فهو من غرّ لفظه يطعن الثغرة منها بالحجة البيضاء
يا رحاب الصدور في كلّ خطبوثقال الحلوم عند البلاء
إن اسمكم حسن الأسى فلا ضعاف أساكم تضمّنت أحشائي
فلكم بعضكم ببعض عزاءولنا فيكم جميل العزاء
وتوفّيت كريمة لمحمّد الصالح في بلاد فارس وجاء بنعشها إلى النجف بعلها الجواد، فرثيتها بقصيدة تأتي في محلّها، ورثاها عمّي المهدي بقصيدة طويلة جمع فيها بين التعزية بوفاتها والتهنئة بقدوم بعلها.
قد بكى الخدر والتقى والحياءهل قضت معدن التقى حوّاء
وعلى ذي الأعواد آسيةٌ تحمل أم تلك مريم العذراء
أم على النعش هاجرٌ سار فيهامن كرام الملائك العظماء
أم به سارةٌ سرت لضريحعطّرت من أريجة الأرجاء
مَهْ فهذي التي تربت ببيتحسدت ساح أرضه الخضراء
هي بنت الراقي سرادق علياًحيّرت في رقيها الآراء
فلعظم احتجابها في خباهاليس يدري لمن يكنُّ الخباء
وذووا قربها بها ليس تدريأهي في الخدر أم به العنقاء
لو بدت لا ترى الأنام رداهافكأنّ كلُّ مقلة عمياء
هي من عترة التقى في بيوتأسّستها على التقى الأتقياء
سار فيها الجواد من حيث منهرامت العزَّ عزّةٌ قعساء
وأتى فارساً ومنها اختلاساًبيد الحتف سلت الحوباء
فارتأى أن يسير فيها لأرضهي فيهم ما طاولتها سماء
قد لعمر العلى أتاها فتاهاوسروراً تاهت به العلياء
وبه رأس عترة المجد أبدىفرحاً فيه زالت الغمّاء
مَنْ سما للعلى بهمة ندببلغته من العلى ما يشاء
إنّما الفعل منه للقول تلوٌومن القول في الأنام هذاء
فنعم للسؤال ما قال إلاًّوتلتها من كفّه النعماء
وهو للمؤمنين يخفض جنحاًدون أدنى محلّه الجوزاء
أقبيل العلياء قد برزت منفكرتي غادةٌ لكم حسناء
لبستَتْ حلتَيْ سرور وحزننسجتها السرّاء والضرّاء
فهي تجلى في التهنئات عروساًوهي من مرثياتها الخنساء
ولها تارة غناً وابتساموبأخرى لها عناً وبكاء
ولهذين في قريضي كلٌّمنهما حقّه رعاه الوفاء
وتوفي ولد لي في السنة السادسة والستّين بعد المائتين والألف، فرثيته بهذا المقطوعة:
هل يطربنّك يا زمان نعائيأم إنّك استعذبت ماء بكائي
في كلّ يوم منك ألقى شدّةولأنت يوماً شدّة ورخاء
لازلت ملحم غارة الأزراءأو حاشداً جيشاً من النكباء
حتّى أصبت صميم قلبي بغتةوطرقتني بفجيعة صمّاء
لم تبق لي جلداً وكنت أخالنيجلداً بكلّ ملمّة دهياء
ومعنّف طرب المسامع ما رمىعينيه صرف الدهر بالأقذاء
قد لامني وحشاه بين ظلوعهوالأرض مطبقة على أحشائي
أمعيب حزني لو ملكتُ تجلديما بتُّ أمزج أدمعي بدمائي
ابنيَّ لو خلع البقاء على امرءلخلعت من شغفي عليك بقائي
مغف قد امتلئت ردى بدل الكرىعيناك فاقد لذَّة الإغفاء
داءٌ ترحّل فيك عنّي معقبفي مهجتي للوجد أقتل داء
لهفي عليك بكلّ حين أبتغيفيه لقاك ولات حين لقاء
ولئن حجبت بحيث أنت من الثرىعن ناظريَّ فأنت في أحشائي
قربت بك الذكرى وفيك نأى الردىنفسي فداؤك من قريب نائي
لو متُّ من أسفي عليك فلم يكنعجباً ولكنَّ العجيب بقائي
لا زال قبراً ضمّ جسمك تربهمتنسّمٌ بلطائم الأنداء
ولئن أبت حيث استقلّ بك الردىأن تستهلّ حوافل الأنواء
فحدت إليك على العباد مدامعيغيثاً جنوب تنفّس الصعداء
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع