تجاوز إلى المحتوى

من «العقد المفصل» لحيدر الحلي (ت ١٣٠٤هـ)

فصل في إثبات فصول من نثره وعقود من نظمه (٢)

وعن العتبي قال: اجتمعنا بباب أبي دلف العجلي أربعمائة شاعر وزائر، فكان يعدنا بمال الكرج، فبينما نحن ذات يوم عزين فى يمحالسنا إذ مرّت بنا الجمال عليها الأحمال، فقلنا: ما هذا؟ فقيل: مال الكرج، فتباشرنا ووافينا بابه من الغد، فإذا بالباب قد فتح وبالنطوع قد بسطت وشققت عليها البدر، فكانت أنانبير دراهم ودنانير ووضع لنا أربعمائة كرسي، ونادى مناديه: ليجلس كلّ رجل على كرسي، فلمّا أخذنا مجالسنا خرج علينا أبو دلف في حلّة حمراء متقلّداً سيفاً، فوضع قائم سيفه بالأرض واتّكأ عليه وأنشأ يقول:

أيا معشر الزوّار لا يد عنكمأياديكم عندي أجلّ وأكثر
كفاني من مالي جواد ونثرةوأبيض من صافي الحديد ومغفر

ثمّ ولّى عنّا وقال: شأنكم والمال، فانتهبناه وحمل كلّ واحد منّا على قدر طاقته.

وقال أبو العبّاس الشيباني: وفد على أبي دلف عشرة من ولد علي بن أبي طالب ﵇ في العلّة التي مات فيها، فأقاموا شهراً لا يؤذن لهم من شدّة العلّة التي كانت به، فوجد منها راحةً يوماً فقال لبشر الخادم: نفسي تحسّ أنّ بالباب قوماً لهم إلينا حوائج، فافتح ولا تمنعنّ أحداً. قال: فدخلوا إليه وسلّموا عليه، ثمّ ابتدر رجل من ولد جعفر الطيّار فقال: أصلحك الله، إنّا قوم من أهل بيت رسول الله ﵌ وفينا من ولده، وقد حطمتنا السنون وأجحفت بنا النوائب، فإن رأيت أن تجبر كسرنا وتنفي فقرنا فافعل. فقال للخادم: خذ بيدي وأجلسني، فأجلسه ثمّ أقبل عليهم متعذراً إليهم ودعا بدواة وقرطاس وقال: ليأخذ كلّ واحد منكم فليكتب بخطّه أنّه قبض منّي ألفي دينار. قال: فبقينا متحيّرين عند قوله، ولمّا كتبنا الرقاع وضعناها بين يديه، فقال للخادم: عَلَيّ بمال كذا وكذا، فوزن لكلّ واحد منّا ألفي دينار، فلمّا قبضناها قلنا: أيّها الأمير، نفديك بالآباء والأُمّهات، والله ما لنا مال ولا عرض دنيا فخطوطنا ما تصنع بها؟ قال لخادمه: أُنظر يا بشر إذا أنا متُّ فاجعلها في أكفاني وذلك أنّي إذا لقيت جدّكم محمّد ﵌ غداً في عرصة القيامة توسّلت إليه بأنّي قد أغنيت عشرة من ولدك، يا غلام، إدفع لكلّ واحد منهم ألف درهم زيادة إلى ما معه حتّى لا ينفقوا في الطريق شيئاً ممّا أعطيناهم، ثمّ قال: ألحقوا بأهاليكم بارك الله فيكم.

وذكر أنّ جاراً لأبي دلف ركبه دين فادح حتّى احتاج إلى بيع داره، فساوموه بها فطلب ألفي دينار، فقالوا: إنّها تساوي خمسمائة دينار، قال: وجوار أبي دلف بألف وخمسمائة، فبلغ ذلك أبا دلف فأمر بقضاء دينه وقال: لا تبع دارك ولا تنتقل من جوارنا.

وروي ما هذا مضمونه أنّ بعض الشعراء امتدح ابن العلاء، فلمّا أنشده:

دع العيس تذرع أرض الفلاإلى ابن العلاء وإلاّ فلا

أمر له بألف دينار وقال: حسبك من الإنشاد فإنّه يلزمنا لكلّ بيت ألف دينار وما في خزانتنا ما يفي بذلك.

ووقف أعرابي على مروان بن الحكم أيّام الموسم بالمدينة فسأله، فقال: يا أعرابي ما عندنا ما نصلك به ولكن عليك بابن جعفر، فأتى الأعرابي باب عبد الله بن جعفر فوجد ثقله قد صار نحو مكّة وراحلته بالباب عليها متاعه وسيف معلّق، فخرج عبد الله، فأنشأ الأعرابي يقول:

أبا جعفر إنّ الحجيج ترحّلواوليس لرحلي فاعلمنَّ بعير
أبا جعفر ضنَّ الأمير بمالهوأنت على ما في يديك أمير
وأنت امرؤ من هاشم في صميمهايصير إليك الجود حيث تصير

فقال: يا أعرابي! صار الثقل فدونك الراحلة بما عليها، وإيّاك أن تُخْدَعْ عن السيف فإنّي أخذته بألف دينار، فأنشأ الأعرابي يقول:

حباني عبد الله نفسي فداؤهبأعبس مهريّ سباط مشافره
وأبيض من ماء الحديد كأنّهشهابٌ بدا والليل داج عساكره
وكلّ امرء يرجو نوال ابن جعفرسيجري له باليمن والسعد طائره
سأثني بما أوليتني يابن جعفروما شاكر عرفاً كمن هو كافره

ودخل أبوالدهماء العنبري على جعفر بن سليمان، وكان قد مدحه قبل ذلك بمدّة يسيرة ووصله بصلة سنيّة، فأنشده:

ما زال عودي في ثرىً ثريّمورّقاً من سيبك الوسميّ
حتّى إذا ما همَّ بالذويّجئتك واحتجت إلى الوليّ
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة

وما غنيّ عنك بالغنيّفضحك جعفر وقال: ما مللناك فلا تملنا، وعد إلينا متى شئت، وأجزل عطيّته وصلته.

وقال أبوالشبل: حضرت مجلس عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وكان إليّ محسناً وعَلَيّ مفضّلاً، فجرى ذكر البرامكة، فوصفهم الحاضرون فأطنبوا في ذكر سماحتهم وفضلهم، فقمت في وسط الناس وقلت لعبيد الله: أيّها الوزير! قد حكمت في هذا الأمر حكماً نظمته في بيتَي شعر لا يقدر أحد أن يردّه عَلَيّ، وإنّما جعلته شعراً ليبقى ويدوّن، أفيأذن الوزير بإنشادهما؟ فقال قل، فربَّ صواب قلته، فأنشدت:

رايت عبيد الله أفضل سؤدداوأكرم من فضل ويحيى بن خالد
أولئك جادوا والزمان مساعدوقد جاد هذا وهو غير مساعد

فتهلّل وجه عبيد الله وظهر فيه السرور وقال: أفرطتَ، قلت: ولا كلّ هذا قضيت، والله ما حابيتك أيّها الوزير، وما قلت إلاّ حقّاً، وأتبعني القوم في وصفه وتقريضه، فما خرجت من مجلسه إلاّ وعَلَيّ الخلع وتحتي فرس بسرجه ولجامه، وبين يديَّ خمسة آلاف دينار.

وعن أبي الشبل قال: دخل العتابي على عبيد الله بن طاهر فأنشده:

جسم ظنّي وحسن ما عوّد اللهسوائي منك الغداة أتى بي
أيُّ شيء يكون أحسن من حسنرجاء حدا إليك ركابي

فأمر له بجائزة، ثمّ دخل عليه من الغد فأنشده:

جودك يكفينيك في حاجتيورؤيتي كافيتي عن سؤال
وكيف أخشى الفقر ما عشت ليوإنّما كفاك لي بيت مال

فأمر له بجائزة، ثمّ دخل عليه في اليوم الثالث فأنشده:

بهجات الثياب يخلقها الدهروثوب الثناء غضٌّ جديد
فأكسني ما يبيد أصلحك اللهفإنّي أكسوك ما لا يبيد
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة

فأجازه وخلع عليه.

وقدم على يزيد بن المهلّب رجل من قضاعة فأنشده:

مالي أرى أبوابهم مهجورةوكأنّ بابك مجمع الأسواق
للشاعر أبو علي البصير، اقرأ القصيدة
أرجوك أم خافوك أم شاموا الغنىبيديك فانتجعوا من الآفاق
إنّي رأيتك للمكارم عاشقاًوالمكرمات قليلة العشّاق
ولّيت أنعمك البلاد فأصبحتتجبى إليك مكارم الأخلاق

فأمر له بألف دينار، فلمّا كان العام المقبل وفد إليه فأنشده:

والله ما أدري إذا ما فاتناطلب إليك من الذي نتطلّب
ولقد ضربنا في البلاد فلم نجدأحداً سواك إلى المكارم ينسب
فاصبر لعادتك التي عوّدتناأو لا فأرشدنا إلا مَنْ نذهب
للشاعر الأمير الصنعاني، من قصيدة «فاصبر لعادتك التي عودتنا»

فأمر له بألف دينار، وقال: إنّا صابرون على عادتك، فعد متى شئت.

وذكر أنّ عمر بن هبيرة الفزاري أشرف من قصره فإذا هو بأعرابي يحثّ بعيره، فقال لحاجبه: لا تحجب هذا الأعرابي عنّي، فلمّا دنى سأله الحاجب عن شأنه، فقال: إنّي وفدت على الأمير، فأدخله إليه، فلمّا مثل بين يديه قال له عمر: ما خطبك يا أعرابي؟ قال:

أصلحك الله قلّ ما بيديولا أُطيق العيال إذ كثروا
أناخ دهري عَلَيّ كلكلهفأرسلوني إليك وانتظروا

قال: فأخذت عمر الأريحيّة فجعل يهتزّ في مجلسه ويقول: أرسلوك وانتظروا؟ إذاً والله لا تجلس حتّى ترجع إليهم، ثمّ أمر له بألف دينار وردّه من ساعته على بعيره.

وكتب معاوية لمروان بن الحكم يأمره ببيع دور كثير بن الصلت لغرمائه، قال كثير: ففكآرت بمن أذهب إليه فلم أجد مثل قيس بن سعد بن عبادة، وكانت بيني وبينه هجرة، فتحاملت على الذهبا إليه على ما كان بيني وبينه على ما أعلمه من كرمه واحتماله، فلمّا رآني رحّب بي وأدناني وقال: ما الذي أتى بك إلينا؟ فأعلمته بالذي يراد من بيع دوري لغرمائي، وإنّي تذكّرت من أفزع إليه فلم أجد أحداً سواه، فسرَّ بذلك وقال: قد أصبت بالذي قد فعلت، كم دينك؟ قلت: تسعون ألف درهم، فأعطاني إيّاها، فأصبحت فقضيت النّاس الأوّل فالأوّل حتّى لم يبق عَلَيّ شيء ثمّ يسّر الله تعالى بعد ذلك فأتيته بها وجزيته خيراً، فقال: والله ما كان ليرجع إليّ شيء خرج منّي في ذمّة الله عزّوجلّ، فردّها عَلَيّ ولم يقبلها.

وذكر بعض الروات أنّ مالك بن طوق بينا هو جالس في بهو مطلّ على رحبته ومعه جلساؤه إذ أقبل أعرابي تخدّ به راحلته، فقال: ما أقدمك يا أعرابي؟ قال: الأمل في سيب الأمير، والرجاء لنائله. قال: فهل قدّمت أمام رغبتك وسيلة؟ قال: نعم، أربعة أبيات قلته بظهر البريّة، فلمّا رأيت ما بباب الأمير من الأُبّهة والجلالة استصغرتها. قال: فهل لك أن تنشدنا أبياتك ولك أربعة آلاف درهم، فإن كانت أبياتك أحسن فقد ربحنا عليك وإلاّ فقد نلت مرادك وربحت علينا؟ قال: قد رضيت، وأنشده:

وما زلت أخشى الدهر حتّى تعلّقتيداي بمن لا يتّقي الدهر صاحبه
فلمّا رآني الدهر تحت جناحهرأى مرتقىً صعباً منيعاً مطالبه
رآني بحيث النجم من رأس باذختظلّ الورى أكنافه وجوانبه
فتىً كسماء الغيث والناس دونهإذا أجدبوا جادت عليهم سحائبه

فقال مالك بن طوق: قد ظفرنا بك يا أعرابي، ما قيمتها إلاّ عشرة آلاف درهم. فقال الأعرابي: إنّ لي صاحباً شاركته فيها ما أراه يرضى ببيعي. قال: أظنّك حدّثت نفسك بالنكث؟ قال: نعم، وجدت النكث في البيع أسهل من خيانة الشريك، فضحك مالك منه وأمر له بالعشرة آلاف درهم.

وقيل: أتى عبيد الله بن العبّاس رجل من الأنصار فقال له: يابن عمّ رسول الله ﵌ ولد الليلة لي مولود وقد سمّيته باسمك تبرّكاً بك، وإنّ أُمّه ماتت، فقال له عبيد الله: بارك الله لك في الهبة وأجزل لك الأجر على المصيبة، ثمّ دعا بوكيله وقال: إنطلق الساعة فاشتر للمولود جاريةً تحضنه، وادفع للرّجل مائتي دينار للنفعة على تربيته، ثمّ قال للأنصاري: عد إلينا بعد فإنّك أتيتنا وفي العيش يبس وفي النفقة قلّة. فقال الأنصاري: جعلت فداك والله لو سبقت حاتماً بيوم واحد ما ذكرته العرب، ولكنّه سبقك فصرت له تالياً وأنا أشهد أنّ عفو جودك أكثر من مجهوده، وطلّ كرمك أغزر من وايله.

وأتاه سائل وهو لا يعرفه، فقال له: تصدّق فإنّي نبّئت أنّ عبيد الله بن العبّاس أعطى سائلاً ألف درهم وهو لا يعرفه واعتذر إليه، فقال له: وأين أنا من عبيد الله بن العبّاس؟ قال له: أين أنت منه في الحسب أو في كثرة المال؟ قال: فيهما جميعاً. فقال: أمّا الحسب في الرجل فمروّته وفعله فإذا شئت فعلت وإذا فعلت كنت حسيباً، فأعطاه ألفي درهم واعتذر إليه من ضيق نفقته، فقال له السائل: إن لم تكن عبيد الله فأنت خير منه، وإن كنت إيّاه فأنت اليوم خير منك أمس.

وذكر صاحب الأنيس والجليس أنّ شاعراً وقف على باب معن بن زائدة الشيباني سنة كاملة لا يصل إليه، فرقّ عليه الحاجب وقال: يا هذا أُكتب إليه حاجتك واختصر فيها، فقال: والله لا زدت على بيت واحد من الشعر، ثمّ كتب في رقعة وختمها ودفعها إلى الحاجب، فأخذها إلى معن، فإذا مكتوب فيها:

أيا جود معن ناج معناً بحاجتيفمالي إلى معن سواك رسول

فأمر له بعشرة آلاف درهم، ثمّ اشتغل بالحديث ساعة ثمّ التفت فرأى الرقعة فأمر له بعشرة آلاف درهم، ثمّ اشتغل بالحديث ساعة ثمّ التفت فرأى الرقعة فأمر له بعشرة آلاف درهم، ثمّ اشتغل بالحديث ساعة والتفت إلى الرقعة فأمر له بعشرة آلاف درهم، فلم يلحقه الرسول فرجع وقال: يا سيّدي! ما لحقت الرجل، فقال معن: أتراه ظنّ أن نسترجعها؟ والله لو وقف لنفذت إليه بعشرة تتبعها عشرة إلى أن تفني بيوت المال.

وقيل: كان معن بن زائدة الشيباني قد استخفى من المنصور لأمر أنكره عليه، فجدّ المنصور في طلبه وجعل لمن دلّ عليه عشرة آلاف درهم، قال معن: فاضطربت لشدّة الطلب إلى أن أقمت في الشمس حتّى لوّحت وجهي وخففت من عارضيّ ولحيتي ولبست جبّة صوف وركبت جملاً ثقيلاً وخرجت عليه أطلب البادية لأقيم فيها، فلمّا خرجت من الباب تبعني عبد أسود متقلّد سيفاً حتّى إذا غبت من أعين النّاس والحرس قبض على خطام الجمل فأناخه، فقلت: ما تريد؟ قال: أنت طلبة أميرالمؤمنين؟ قلت: ومن أنا حتّى يطلبني أميرالمؤمنين؟ قال: أنت معن بن زائدة الشيباني. قلت: يا هذا اتّق الله في دمي، وأين أنا من معن؟ فقال: دع ذا عنك فأنا والله أعرف بك من ولدك وأخيك. قال معن: فقلت له: إن كان الأمر على ما تقول فهذا جوهرٌ قد حملته معي بأضعاف ما بذله المنصور فيَّ فخذه ولا تسفك دمي، قال: هاته، فأخرجته، فنظر إليه ساعةً وقال: صدقت في قيمته ولست قابله منك حتّى أسألك عن شيء فإن صدّقتني فيه أطلقتك، فقلت له: قل، فقال: إنّ النّاس قد وصفوك بالسخاء والجود فأطنبوا، فأخبرني هل وهبت قط مالك كلّه؟ قلت: لا، قال: فنصفه؟ قلت: لا، قال: فثلثه؟ قلت: لا، فلم يزل حتّى بلغ العشر؟ فقلت: أظنّ أنّي فعلت هذا، فقال: ما ذاك بعظيم، أنا رجل رزقي عشرين درهماً على المنصور في الشهر، وهذا الجوهر قيمته آلاف دنانير وقد وهبته لك ووهبتك لجودك المأثور بين الناس لتعلم أنّ في الدنيا من هو أجود منك فلا تعجبك نفسك وتحتقر بعد هذا كلّ شيء تفعله، ولا تتوقّف عن مكرمة، ثمّ رمى بالعقد في حجري وخلّى خطام الجمل وانصرف، فقلت له: يا هذا فضحتني ولسفك دمي أهون عَلَيّ ممّا فعلت، فخذ هذا الجوهر فإنّي عنه غنيّ، فقال: يا معن! أردت أن تكذّبني في مقامي هذا، والله لا أخذته ولا أخذت لمعروف ثمناً أبداً ومضى، فوالله لقد طلبته بعد أن أمنت وبذلت لمن جاء به ما شاء، فما عرفت له خبراَ وكأنّ الأرض ابتلعته.

وحدّث عون بن الحسين الهمداني قال: كنت يوماً في خزانة خلع الصاحب بن عباد فرأيت في دستور كاتبها، وكان صديقي، مبلغ العمائم الخزّ التي صرفت في تلك السنة للعلويّين والفقهاء والشعراء خارجة غير عمائم الخدم والحاشية ثمانمائة وعشرين، قال: وكان يعجبه الخزّ ويأمر بالإستكثار منه في داره، فنظر أبوالقاسم الزعفراني يوماً إلى جميع من فيها من الخدم والحاشية عليهم الخزوز الفاخرة الملوّنة، فاعتزل ناحية وأخذ يكتب شيئاً، فنظر إليه الصاحب وقال: عَلَيّ به، فاستهمل الزعفراني ريثما يتمّ مكتوبه، فأمر الصاحب بأخذ الدرج من يده، فقام وقال: أيّد الله مولانا، شعرٌ أسمعه ممّن قاله، فقال: هات يا أباالقاسم، فأنشده أبياتاً منها:

سواك يعدُّ الغنى ما اقتنىويأمره الحرص أن يخزنا
وأنت ابن عباد المرتجىفعند نوالك نيل المنى
وخيرك من باسط كفّهوممّن تنائى قريب الجنى
غمرت الورى بصنوف الندىفأصغر ما ملكوه الغنى
وغادرت أشعرهم مفحماوأشكرهم عاجزا الكنا
أيا من عطاياه تهدي الغنىإلى راحتيْ من نأى أو دنا
كسوت المقيمين والزائرينكسىً لم يخل مثلها ممكنا
وحاشية الدار يمشون فيضروب من الخزّ إلاّ أنا
ولست أذكر بي جارياًعلى العهد يحسن أن يحسنا

فقال له الصاحب: قرأت في أخبار معن بن زائدة أنّ رجلاً قال له: أحملني أيّها الأمير، فأمر له بناقة وفرس وبغلة وحمار وجارية، ثمّ قال لو علمت مركوباً غيرها لحملتك عليه، وقد أمرنا لك من الخزّ بجبّة ودراعة وقميص وسراويل وعمامة ومنديل ومطرف ورداء وجورب ولو علمنا لباساً آخر غير هذا يتّخذ من الخزّ لأعطيناك.

وقال الصاحب بن عباد: حضرت مجلس ابن العميد عشيّة من عشايا شهر رمضان وقد حضره الفقهاء والمتكلّمون للمناظرة وأنا أذكر ذلك في ريعان شبابي، فلمّا تقوّض ذلك المجلس وانصرف القوم وقد حلّ الإفطار أنكرت ذلك بيني وبين نفسي وعجبت من إغفال الأمر بتفطير الحاضرين مع رياسته، وعاهدت الله تعالى أنّيى لا أخلّ بما أخلّ به إذا قمت مقامه.

قيل: فكان الصاحب لا يدخل عليه في شهر رمضان بعد العصر أحد كائناً من كان فيخرج من داره إلاّ بعد الإفطار، فكانت داره لا تخلو ليلة من ليالي الشهر من ألف نفس مفطرة، وكانت صلاته وصدقاته وفقته في هذا الشهر مبلغ ما يطلق منها في جميع السنة.

وممّا يناسب هذا ما ذكر عن ابن العميد؛ وابن العميد هذا هو أبو الفضل محمّد بن العميد، كان فريد زمانه في الفصاحة والعلوم العربيّة، ولقد كان متوسّعاً في علم النجوم والفلسفة والأدب والترسّل، فلم يقارنه فيها أحد في زمانه، وكان يسمّى الجاحظ الثاني، وكان كامل الرياسة، جليل المقدار، ومن بعض أتباعه الصاحب بن عباد، ولأجل صحبته قيل له الصاحب، وكانت له في الرياسة اليد العليا.

وقال الثعالبي في اليتيمة: كان يقال: بدئت الكتابة بعبد الحميد وختمت بابن العميد.

وكان الصاحب بن عباد سافر إلى بغداد، فلمّا رجع إليه قال له ابن العميد: كيف وجدتها؟ قال: بغداد في البلاد كالأُستاذ في العباد.

وكان يقال له الأُستاذ والرئيس وكان سائساً مدبّراً للملك قائماً بحقوقه.

وقصده جماعة من مشاهير الشعراء من البلاد الشاسعة ومدحوه بأحسن المدائح كأبي الطيب المتنب وأضرابه، وكان ممّن مدحه أبو نصر عبد العزيز بن نباتة السعدي، وكان ابن نباتة هذا قد ورد على ابن العميد وهو بالريّ، وامتدحه بقصيدة أوّلها:

برح اشتياق وادّكارولهيب أنفاس حرار
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة
ومدامع عبراتهاترفضُّ عن نوم مطار
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة
لله قلبي ما يجنمن الهموم وما يواري
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة
لقد انقضى سكر الشبابوما انقضى وصب الخمار
وكبرت عن وصل الصغاروما سلوت عن الكبار
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة
سقياً لتغليسي إلىباب الرصافة وابتكاري
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة
أيّام أخطر في الصبانشوان مسحوب الإزار
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة
حجّي إلى حجر الصّراة وفي حدائقها اعتماري
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة
ومواطن اللذّات أوطاني ودار اللهو داري
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة
لم يبق لي عيش يلذّسوى معاقرة العقار
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة
حتّى بألحان قمرتبهنّ ألحان القماري
وإذا استهلّ ابن العميدتضائلت ديم القطار
حرّ صفت أخلاقهصفو السبيك من النضار
فكأنّما زفّت مواهبه بأنواع التجار
وكأنّ نشر حديثهنشر الخزامى والعرار
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة
وكأنّنا ممّا تفرّقراحتاه من النضار
كلف بحفظ السرّ تحسب صدره ليل السرار
إنّ الكبار من الأمور تنال بالهمم الكبار
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة
وإلى أبي الفضل ابتعثتهواء حسناء السوار

فتأخّرت صلته فشفّع هذه القصيدة بأخرى وأتبعها برقعة فلم يزده ابن العميد غير الإهمال مع رقّة حاله التي ورد عليها فتوصّل إلى أن دخل يوم الخميس ومجلسه حفل بأعيان الدولة ومقدّمي أرباب الديوان، فوقف بين يديه وأشار إليه وقال: أيّها الرئيس! إنّي لزمتك لزوم الظل، وذللت لك ذلّ النعل، وأكلت المحرق انتظاراً لصلتك ووالله ما بي الحرمان، ولكن شماتة قوم نصحوني فأغششتهم، وصدّقوني فاتّهمتهم، فبأيّ وجه ألقاهم؟ وبأيّ حجّة أُقاومهم، ولم أحصل من مديح ومن نثر بعد نظم إلاّ على ندم مؤلم، ويأس مسقم، فإن كان للنجاح علامة وأين هي وما هي؟ إلاّ أنّ الذين نحسدهم على ما مدحوا به كانوا من طينتك، وإنّ الذين هجوا كانوا مثلك، فزاحم بمنكبك أعظمهم شأناً، وأنورهم شعاعاً، وأشرقهم دفاعاً. فحار ابن العميد ولم يدر ما يقول، فأثرق ساعة ثمّ رفع رأسه وقال: هذا يضيق عن الإطالة منك في الإستزادة، وعن الإطالة في المعذرة، وإذا ما تواهبنا ما دفعنا إليه، إستأنفنا ما نتحامد عليه.

فقال ابن نباتة: أيّها الرئيس! إنّها نفثة صدر قد دوى بعد زمان، وفضلة لسان قد خرس منذ دهر، والغني ذا مطل لئيم. فاستشاط ابن العميد وقال: والله ما استوجبت هذا من أحد من خلق الله، ولقد نافرت العميد من دون ذا، حتّى دفعنا إلى قرى غائم ولجاج قائم، ولست وليّ نعمتي فأحتملك، ولا صنيعتي فأغضي عليك، وإنّ بعض ما قرّرته في مسامعي ينقض مرّة الحلم، ويبدّد شمل الصبر، وهذا وما استقدمتك بكتاب ولا استدعيتك برسول ولا كلّفتك مدحي ولا سألتك تقريضي. فقال ابن نباتة: صدقت أيّها الرئيس، إنّك ما استقدمتني بكتاب، ولا استدعيتني برسول، ولا سألتني مدحك، ولا كلّفتني تقريضك، ولكن جلست في صدر إيوانك بأُبهّتك، وقلت: لا يخاطبني أحد إلاّ بالرياسة، ولا ينازعني خلق في أحكام السياسة، فإنّي كاتب ركن الدولة، وزعيم الملّة والحضرة، والقيّم بمصالح المملكة، فكأنّك دعوتني بلسان الحال، ولم تدعني بلسان المقال.

فثار ابن العميد مغضباً ودخل حجرته، وتقوّض المجلس، وسمع ابن نباتة وهو مارٌّ في صحن الدار يقول: والله إنّ سفَّ التراب والمشي على الجمر أهون من هذا، فلعن الله الأدب إذا كان بائعه مهيناً له، ومشتريه ممّا كساً فيه، فلمّا سكن غيظ ابن العميد وثاب إليه حلمه التمسه من الغد ليعتذر إليه، ويزيل ما كان منه، فكأنّما غاص في سمع الأرض وبصرها، فكانت حسرة في قلب ابن العميد إلى أن مات.

ولا بأس بذكر ما ورد في ذمّ البخل وذكر بعض قضايا البخلاء وذكر بعض الشعر الذي ورد في ذمّهم: قيل: البخل يهدم مباني الكرم.

آخر: بشّر مال البخيل بحادث أو وارث.

آخر: أيّ داء أدوى من البخل.

وفي آخر: شرّ أخلاق الرجال البخل والجبن وهما من أخلاق النساء.

وقالت الحكماء: من انتجع لئيماً كان كمنتجع السراب أو نار الحباحب.

وفي مثل آخر: ما أفلح بخيل قط.

ومن أمثال البخلاء واحتجاجاتهم: قول لا، يدفع البلا، وقول نعم، يُزيل النِعَم.

وقال بعضهم لابنه: يا بني كن مع الناس كالضارب بالقداح، إنّما غرضك أخذ متاعهم وحفظ متاعك.

ومن بعض الحكايات عنهم: عن المطالبي قال: مرّ ابن الحمامة الشاعر بالحطيئة وهو جالس بفناء بيته، فقال له: السلام عليكم، قال: كلمة نقولها، قال: إنّي خرجت من أهلي بغير زاد، قال: ما ضمنت لهم قراك، قال: أفتأذن لي أن آتي ظلّ بيتك أتقيّؤ به؟ قال: دونك الجبل يفيء عليك، قال: إنّي ابن الحمامة، قال: انصرف وكن ابن أيّ طائر شئت.

وبينما أبوالأسود الدئلي جالس في دهليز داره إذ مرّ به رجل من العرب فقال: السلام عليكم، قال: قلت ما لا ينكر، قال: أأدخل؟ قال: وراك أوسع، قال: إنّ الرمضاء أحرقت قدمي، قال: بُل عليهما تبردا، قال: فهل عندك شيء تطعمنيه؟ قال: نأكل ونطعم العيال فإن فضل شيء كنت أحقّ به من الكلب. قال الأعرابي: تالله ما رأيت ألأم منك؟ قال: بلى قد رأيت ولكنّك نسيت.

وأتى رجل الحطيئة وهو في غنم له، فقال: السّلام عليك يا راعي الغنم، فرفع الحطيئة عصاه وقال: إنّها عجراء من سلم، قال: إنّي ضيف، قال: وللضيفان أعددتها.

وكان خالد بن صفوان إذا حصل له الدرهم نقره وقال: طالما شرّقت وغرّبت، والله لأطيلنّ ضجعت ولأديمنّ صرعتك، ولأجعلنّه آخر عهدك بأيدي الرجال.

وممّا يحكى أنّ بعض البخلاء انتقل إلى دار، فلمّا نزلها وقف به سائل، فقال: صنع الله لك، فأتاه آخر، فقال له مثل الأوّل، ثمّ ثالث فقال له كذلك، ثمّ التفت إلى ابنته وقال لها: ما أكثر السؤال في هذا المكان، فقالت: يا أبة! ما تمسّكت لهم بهذه الكلمة فما تبالي قلّوا أم كثروا.

ومن ذلك ما حكي أنّه كان محمّد بن يحيى بن خالد بن برمك شديد البخل، فدخل يوماً بعض ندمائه على أبيه يحيى بن خالد، فقال له: صف لي مائدة محمّد، قال: هي فترٌ في فتر، وصحافه من حبّ الخشخاش منقورة، وبينه وبين أكيله رغيف، قال: فمن يحضر مائدته؟ قال: الكرام الكاتبون، قال: فمن يأكل معه؟ قال: الذباب، قال: فأنت خاصّ به وثوبك خلق، قال: والله لو ملك محمّد ابنك بيتاً عرضه من بغداد إلى خراسان مملوّاً أبراً ثمّ جاء جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وأولاد يعقوب يسألونه عارية إبرة يخيطون بها قميص يوسف الصدّيق لما فعل. ونظم ابن الرومي هذا المعنى في قوله:

لو أنّ قصرك يابن يوسف ممتلاُبراً يضيق بها فضاء المنزل
وأتاك يوسف يستعيرة إبرةًليخيط قدَّ قميصه لم تفعل

ومن ذلك ما حكي أنّه حضر أعرابي سماط هشام بن عبد الملك، فبينما هو يأكل إذ تعلّقت شعرة بلقمته، فقال له هشام: يا أعرابي نحّ الشعرة عن لقمتك، قال: إنّك لتكثر لمضغي ملاحظة حتّى ترى الشعرة في اللقمة، والله لا أكلت عندك أبداً، وخرج من عنده وهو يقول:

وللموت خير من زيارة باخليلاحظ أطراف البنان على عمد

وروي ما هذا مضمونه أنّه قيل لبعض البخلاء: من أشجع النّاس؟ قال: من سمع صرير الأسنان على طعامه ولم تتفتّت كبده.

ومن ذلك ما حكي عن أبي القاسم القطّان وكان صاحب نوادر أنّه دخل يوماً من أيّام شهر رمضان والحرُّ شديد على الوزير ابن هبيرة وعنده نقيب الأشراف، فقال له: أين كنت؟ قال: في مطبخ سيّدي النقيب، فقال الوزير: وما تصنع ويلك في شهر رمضان في المطبخ؟ قال: وحياة مولانا كسرت الحرّ، فتبسّم والوزير وضحك الحاضرون وخجل النقيب.

أقول: وقد أسهبنا في ذلك فلنورد بعض ما ورد في ذمّ البخل والبخلاء من رائق النظم.

روي ما هذا مضمونه أنّ شريك بن عبد الله امتدح المدبّر بأبيات فردّها إليه مع الحاجب وقال: أمدح بها غيري، فاعتزل ناحية عن بابه وكتب إليه هذه الأبيات:

رددت عَلَيّ شعري بعد مطلوقد دنّست ملبسه الجديدا
وقلت امدح به من شئت غيريومن ذا يقبل المدح الرديدا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «رددت علي مدحي بعد مطل»
ولاسيما وقد أعبقت فيهمخازيك اللواتي لن تبيدا
وهل للحيّ في أثواب ميتلبوس بعد ما امتلأت صديدا

وقال أبو تمام:

ليسودنَّ يفاع وجهك منطقيأضعاف ما سوّدت وجه قصيدي
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «عياش يا ذا البخل والتصريد»
وليفضحنّك في المواسم كلّهاصدري كما فضحت يداك ورودي

وقال أيضاً:

عيّاش أنّك للئيم وانّنيإذ صرت موضع حاجتي للئيم

وقال مهيار:

بخيلٌ لو أنّ البحر بين بنانهوفرّقها عن قطرة لم تسرَّب
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «شفى الله نفسا لا تذل لمطلب»

أخذه بعضهم فقال:

لو عبر الشط أبو ساعدهفي ليلة مظلمة بارده
وكفّه مملوئة خردلاًما سقطت منها ولا واحده

وقال البحتري:

لو صافحوا المزن ما ابتلّت أكفّهمولو يخوضون بحر الصين ما غرقوا
للشاعر البحتري، من قصيدة «هو الظلام فلا صبح ولا شفق»
جفوا من البخل حتّى لو بدا لهمضوء السهى في سواد الليل لاحترقوا
للشاعر البحتري، من قصيدة «هو الظلام فلا صبح ولا شفق»

وقال كشاجم:

يا من يؤمّل جعفراًمن بين أهل زمانه
لو أنّ في أُستك درهماًلاستلّه بلسانه

وقال دعبل الخزاعي:

إنّ هذا الفتى يصون رغيفاًما إليه لناظر من سبيل
للشاعر دعبل الخزاعي، اقرأ القصيدة
هو في سفرتين من أدم الطائف في سلنين في منديل
للشاعر دعبل الخزاعي، اقرأ القصيدة
ختمت كلّ سلّة بحديدوسيور قددن من جلد فيل
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «إنَّ هذا الفتى يصونُ رغيفاً»
في جراب في جوف تابوت موسىوالمفاتيح عند إسرافيل

وقال بعضهم:

فتىً لو أدخل الحمّام حولاًوحولاً بعد أحوال كثيره
وألبس ألف فرو بعد فروولحفاً حشوها قطن الجزيره
وواقدت الجحيم عليه حتّىتصير عظامه مثل الذريره
لما عرقت أنامله لبخلبعشر عشير معشار العشيره

وقال ابن الرومي:

فتىً على خيره ونائلهأشفق من والد على ولده
رغيفه منه حين تسألهمكان روح الجبان من جسده

وقال بعضهم وهو لطيف:

عوَّذ لمّا بتُّ ضيفاً لهأقراصه منّي بياسين
وعوّذ الماء بسمر القناوبالأفاعي والثعابين

وظريف قول بعضهم:

ابا سعيد لنا في شاتك العبرجائت وما أن لها بولٌ ولا بعر
للشاعر الحَمدَوي، اقرأ القصيدة
وكيف تبعر شاة عندكم مكثتطعامها الأبيضان الشمر والقمر
للشاعر الحَمدَوي، اقرأ القصيدة

وقال بعض الأُدباء:

ويسرع بخل المرء في هتك عرضهولم ير مثل الجود للعرض حارسا
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «أخو البشر محمود على كل حالة»

وقال البحتري:

أبا جعفر ليس فضل الفتىإذا راح في فرط إعجابه
للشاعر البحتري، من قصيدة «أبا جعفر ليس فضل الفتى»
ولا في فراهة برذونهولا في نظافة أثوابه
للشاعر البحتري، من قصيدة «أبا جعفر ليس فضل الفتى»
ولكنّه في الفعال الكريموالخطر الأشرف ألنابه
للشاعر البحتري، من قصيدة «أبَا جَعفَر ليسَ فضْلُ الفتى»
رأيتك تهوي اقتناء المديحوتسهل مقدار إيجابه
للشاعر البحتري، من قصيدة «أبَا جَعفَر ليسَ فضْلُ الفتى»
لئن كنت أنحله الأكرمينفما أنت أوّل أربابه
وإنْ أتطلّب به نائلاًفلست مليّاً بأطلابه
للشاعر البحتري، من قصيدة «أبا جعفر ليس فضل الفتى»
وإنْ أتصدّق به حسبةًفإنّ المساكين أولى به
للشاعر البحتري، من قصيدة «أبا جعفر ليس فضل الفتى»

وقوله أيضاً:

الله يسهر في مديحك ليلهمتململاً وتنام دون ثوابه
يقظان ينتخب الكلام كأنّهجيش لديه يريد أن يلقى به
للشاعر البحتري، من قصيدة «هل للندى عدل فيغدو منصفا»
فأتى به كالسيف رقرق صيقلمابين قائم سنخه وذبابه
للشاعر البحتري، من قصيدة «هل للندى عدل فيغدو منصفا»
فجبهته حتّى تخيل أنّههاج أتاك بشتمه وسبابه

وممّا ينظم إلى البخل الإخلاف في المواعيد والمطل، بل عدّه بعضهم أقبح منه فقال: ألأم من البخل، لأنّ من لم يفعل المعروف لزمه ذمّ اللؤم وحده، ومن وعد وأخلف لزمه ثلاث مذمّات: ذمّ اللّؤم وذمّ الخلف وذمّ الكذب.

كتب العتابي إلى بعض أهل السلطان: أمّا بعد؛ فإنّ سحائب وعدك أبرقت فلين وابلها سالماً من علل المطل.

وقيل: الوعد نافلة والإنجاز فريضة.

وقيل: الوعد مرض المعروف، والإنجاز برؤه، والمطل تلفه.

وقيل: خلف الوعد خلق الوغد.

قال بعض الشعراء:

فما أقبح الخلف بعد المقالوما أسمج الخلف بالباخلينا

وقالت الحكماء: لا مريحة، خير من نعم نجيحة.

وقالوا: المطل مفسدة للصنيعة.

وقالت الحكماء أيضاً: الخلف ماحي شرف الكرام ومعف لرسول الجود، وهو أقصى مراتب اللؤم، وفاعله قد باء بغض من الله.

قال الشاعر:

فإن تجمع الآفات فالبخل شرُّهاوشرٌّ من البخل المواعيد والمطل
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «ألا إنما الانسان غمد لقلبه»

وقال أبو نؤاس:

وعدتني وعدك حتّى إذاأطعمتني في كنز قارون
للشاعر أحمد بن طيفور، اقرأ القصيدة
جئت من الليل بغسّالةتغسل ما قلت بصابون
للشاعر أحمد بن طيفور، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

يحتاج من يرتجي نوالكمإلى ثلاث بغير تكذيب
كنوز قارون أن تكون لهوعمر نوح وصبر أيّوب

وقال آخر:

إنّ أبا أيّوب في فعلهمؤيّدٌ بالحجج البالغه
ما فيه من عيب سوى أنّهيدهن من قارورة فارغه
لو غيره أخلفني موعداًأتته منّي عقربٌ لادغه
لا يقدر الأعشى على نقضهاولا امرء القيس ولا النابغه

وما أحلى قول الصفي الحلّي وفيه حسن التعليل وهو:

وعدت جميلاً فأخلفتهوذلك بالحرّ لا يجمل
وقلت بأنّك لي ناصرإذا قابل الجحفل الجحفل
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «وعدت جميلا وأخلفته»
وكم قد نصرتك في كرَّةتكسر فيها القنا الذبل
ولست أمنُّ بنفعي عليكفأعجب بالقول إذ أعجل
كما قاله الباز في عزّهبه حين فاخر البلبل
وقال أراك جليس الملوكومن فوق أيديهم تحمل
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «وعدت جميلا وأخلفته»
وأنت كما عملوا صامتوعن بعض ما قلته تنكل
وأحبس مع أنّني ناطقوحالي عندهم مهمل
فقال صدقت ولكنّهمبذا عرفوا أيّنا الأكمل
لأنّي فعلت وما قلت قطوأنت تقول ولا تفعل
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «وعدت جميلا وأخلفته»

وقال الآخر:

وعدلك لا ينقضي له أمدولا لليل المطال منك غد
عللتني بالمنى غداً فغداًإنّ غداً سرمدٌ هو الأبد

ومن الغايات في هذا الباب قول عمّي المهدي طاب ثراه وأظنّه لم يسبق إليه:

وقلت خذ في الحشر ما وعدتهترغم به اليوم أنوف الحسد
فقمت من آخرتي أنقل للدنيا عطاياً فضلها لم يجحد

وقولي في غرض لي:

قالوا طريق الكرخ سمحٌ فلمْتشكو أذى السير اشتكاء العليل
قلت نعم سمحٌ ولكنّهأبعد من انجاز وعد البخيل

إنتهى ما أردنا ذكره من ذلك، وفيما أوردناه كفاية للطالب ومقنع للراغب، ولنشرع بذكر الأبواب.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «العقد المفصل»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.