من «العقد المفصل» لحيدر الحلي (ت ١٣٠٤هـ)
فصل في نعت نثره ونظمه
أمّا نثره: فنثار طل تساقطه الأنداء، ووشي زهر ينمنم به الربيع، ديباجة روضة غناء. وأمّا نظمه: فجان سلك تتمنّى الحور لو زانت به نحورها، ووشحت به الهيف خصورها، إن نسب أغرب، وإن شبب أطرب، فنسيبه الحلو الحلال، وتشبيبه العذب الزلال، بل هو في جميع فنون الشعر طويل الباع، غزير الإطلاع، سمح البديهة، حسن الروية، صادق النظرة، ولود الفكرة، رقيق حاشية النظم، موشي ديباجة النثر.
كم مقامات نهىً حرّرهاليس فيها للحر يرى مقامه
وأنقياتِ بهى لو شامهاجوهري الشعر ما سام نظامه
فما أحقّ كلامه بقول القائل:
كلام الإمام إمام الكلاموفوه يفوه بحرّ النظام
مزاج معانيه في نظمهامزاج المدام بماء الغمام
وهذا من قولهم: كلام الملوك ملوك الكلام، وقولهم: عادات السادات سادات العادات.
رجْعٌ إلى وصف كلامه: أقول: كلامه هو الذي ليس به عثار، ولا عليه غبار، قد ولي الفضل تحبيره، وملك العقل رسمه وتصويره، فهو كما قال القائل:
سمع البديهة ليس يمسك لفظهفكأنّما ألفاظه من ماله
هبني وفيت بحمده عن فضلهمن ذا يفي بالشكر عن إفضاله
بل كما قال هذا القائل:
قد أصبحت ألفاظه صور النُّهىوقوالب الأسماع والألباب
وإذا حللتَ له جناباً واحداًحلَّ المؤمّل منك ألف جناب
قال رسول الله ﵌: إنّ من الشعر لحكمةً، وإنّ من البيان لسحراً.
وقال علي ﵇: خير الشعراء ما كان مَثلاً، وخير الأمثال مالم يكن شعراً.
وقال الخليل بن أحمد: الشعراء أُمراء الكلام، يصرّفونه أنّى شاؤا، جائزٌ لهم فيه ما لا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى وتقييده، ومن تفريق اللفظ وتعقيده، ومدّ مقصوره وقصر ممدوحه، والجمع بين لغاته والتفريق بين صفاته.
وقال السيّد المرتضى في الدرر في أثناء كلام أملاه ردّاً على الآمدي فيما عاب به البحتري: أنّ الشاعر لا يجب أن يؤخذ عليه في كلامه التحقيق والتحديد، فإنّ ذلك متى اعتبر في الشعر بطل جميعه، وكلام القوم مبنيّ على التوسّع والتجوّز والإشارات الخفيّة والإيماء إلى المعاني تارةً بعد أُخرى من قرب، لأنّهم لم يخاطبوا بشعرهم الفلاسفة وأصحاب المنطق وإنّما خاطبوا من يعرف أوضاعهم ويفهم أغراضهم.
وقال الجاحظ في كتاب البيان: كان الشاعر من العرب يمكث في القصيدة الحول، ويسمّون تلك القصائد: الحوليّات والمنقّحات والمحكمات، ليصير قائلها فحلاً خنذيذاً وشاعراً مفلقاً، وفي بيوت الشعراء الأوابد والأمثال ومنها الشواهد والشوارد.
طبقات الشعراء والشعراء أربع طبقات: أوّلهم: الفحل الخنذيذ وهو التام، ودون الخنذيذ: الشاعر المفلق، ودون ذلك: الشاعر فقط، والرابع: الشعرور.
وقال بعضهم: طبقات الشعراء ثلاثة: شاعر، وشويعر، وشعرور.
وما أصدق قول القائل:
الشعراء فاعلمنَّ أربعهْفشاعرٌ يجري ولا يجرى معهْ
وشاعرٌ من حقّه أن ترفعهْوشاعرٌ من حقّه أن تسمعهْ
وشاعرٌ من حقّه أن تصفعهْ وذكر شارح الكامل: إنّ الحطيئة دخل على سعيد بن العاص وهو يتغذّى، فأكل أكل جايع، فلمّا فرغ من طعامه وخرج الناس أقام مكانه، فأتاه الحاجب ليخرجه فامتنع وقال: أترغب عن مجالستي، فلمّا سمعه سعيد وكان لا يعرفه قال للحاجب: دعه، ثمّ تذاكروا الشعر، فقال الحطيئة: ما أصبتم جيد الشعر ولو أعطيتم القوس باريها بلغتم ما تريدون. وقيل: إنّه أوّل من قال: أعط القوس باريها، فانتسبوه، فانتسب لهم، وذاكروه فقال لسعيد: اسمع ثمّ أنشد:
الشعراء فاعلمنّ أربعهْفشاعرٌ لا يرتجى لمنفعهْ
وشاعر ينشد وسط المجمعهْوشاعر آخر لا يجرى معهْ
وشاعرٌ يقال خمرٌ في دعهْ ومعنى قوله: خمر في دعه، غطّ وجهك حياءً من قبح ما أتى به، ثمّ أنشد:
الشعر صعبٌ وطويل سلمهْإذا ارتقى فيه الذي لا يعلمهْ
زلّت به إلى الحضيض قدمهْيريد أن يعربه فيعجمهْ
أقول: حمل لظة يعجمه على القطع والإستيناف كأنّه قال: فإذا هو يعجمه ولم يحمله على الفعل الذي عملت فيه أن، ولو عطفه عليه لبطل المعنى ولم يكن مستقيماً.
وقيل للمفضَّل الضبيِّ: لِمَ لا تقول الشعر وأنت أعلم الناس به؟ قال: علمي به يمنعني عن قوله، وأنشد:
وإنّما الشعر لبّ المرء يعرضهعلى المجالس إن كيساً وإن حمقا
وإنّ أفضل بيت أنت قائلهبيت يقال إذا أنشدته صدقا
وقال بعضهم:
والبيت لا يحسن إنشادهإلاّ إذا أحسن منْ شادَه
وقال الآخر:
لا تعرضنَّ على الرواة قصيدةًمالم تبالغ قبل في تهذيبها
فمتى عرضت الشعر غير مهذّبعدَّوه منك وساوساً تهذي بها
وقال أبوالفضل الميكالي:
يا من يقول الشعر غير مهذَّبويسومني التعذيب في تهذيبه
لو أنّ كلّ الناس فيك مساعديلعجزت عن تهذيب ما تهذي به
وما أظرف قول العماد الكاتب في هذا الباب وألطفه:
هي كتبي وليس تصلح من بعديلغير العطّار والإسكاف
فهي إمّا مزاود للعقاقيروإمّا بطائن للخفاف
وممّن بالغ في هجاء بعضهم على خطله، وبلغ غاية الجدّ في هزله الحسين بن الحجّاج في قوله:
قيل إنّ الوزير قد قال شعراًيجمع الشمل نظمه ويعمهْ
ثمّ أخفاه فهو كالهر يخريفي زوايا البيوت ثمّ يطمهْ
ومن الكلم النوابغ: العجب ممّن يكثر غلطه ثمّ يكثر لغطه.
ذكرت بقول الحطيئة: الشعراء فاعلمنّ أربعة ما حكاه الثعالبي قال: قال لي سهل بن مرزبان يوماً: إنّ من الشعراء من شلشل، ومنهم من سلسل، ومنهم من قلقل، ومنهم من بلبل. فقلت: أخاف أن أكون رابع الشعراء، وأردت قول الشاعر: وشاعر من حقّه أن تصفعه، الأبيات المتقدّمة. قوله: ومنهم من بلبل أراد قول الثعالبي:
وإذا البلابل أفصحت بلغاتهافانف البلابل باحتساء بلابل
والأعشى هو المعني بقوله: ومنهم من شلشل، لقوله:
وقد غدوت على الحانوت يتبعنيشاو مشل شلول شلشل شول
والمعني بقوله: ومنهم من سلسل، مسلم بن الوليد، لأنّه القائل:
سلت وسلت ثمّ سلّ سليلهافأتى سليل سليلها مسلولا
وأبوالطيب المتنبي هو المعني بقوله: ومنهم من قلقل، وذلك حيث يقول:
وقلقلت بالهم الذي قلقل الحشاقلاقل عيس كلّهنّ قلاقل
وإنّما عيب عليهم ذلك لتكرير اللفظ الواحد في البيت لغير تجنيس بحيث صار مستثقلاً إلاّ أنّ بيت الثعالبي وإن وقع التجنيس في لفظته المكرّرة إذ المراد بالاُولى جمع بلبل؛ وهو طائر معروف، وبالثانية الهموم، وبالثالثة قناة الكوز التى نصب الماء، والبلبلة الكوز الذي فيه بلبل إلى جنب رأسه، ولكنّه صار مستثقلاً للتكرير الذي فيه ولهذا تراه أخف في الجملة من الأبيات الآخر، وقد تفنّن الشعراء في وصف الشعر، فمنهم من عدّه لنفسه شرفاً وفخراً، واستطال به جلالة وقدراً كأبي الطيب المتنبي في قوله:
لا تحسب الفصحاء تنشد هاهنابيتاً ولكنّي الهزبر الباسل
وقوله:
لا بقومي شرفت بل شرّفوا بيوبجدّي فخرت لا بجدودي
وبهم فخر كلّ من طق الضادوعوذ الجاني وغوث الطريد
أنا ترب الندى وربّ القوافيوسمام العدى وغيظ الحسود
وقوله:
خليلَيّ مالي لا أرى غير شاعرفلمْ منهم الدعوى ومنّي القصائد
وقوله:
أفي كلّ يوم تحت ضبعي شويعرٌضعيفٌ يقاويني قصير يطاول
وكالبحتري في قوله:
فإذا ما بنيت بيتاً تبخترتكأنّي بنيت ذات العماد
وقوله:
ويكسد مثلي وهو تاجر سؤدديبيع ثمينات المكارم والحمد
وتلطّف ما شاء بقوله:
لا تخف عيلتي وهذي القوافيبيت مال ما إن أخاف ذهابه
وقول المعرّي:
وإنّي وإن كنت الأخير زمانهلآت بما لم تستطعه الأوائل
وقول مهيار:
وما الشعر إلاّ النسر بُعداً وصورةًفلو شاء لم يطمع يداً فيه رافع
وقد أفلَ النجمان منه فلا يفتعلى عين راء ثالث منه طالع
بقيت لكم وحدي وإن قال معشروفي القول ما تنهاك عنه المسامع
ولو شئتُ لي أخفى زهير ثنائهعلى هرم أيّام تجري الصنائع
وكان غبيناً في أُميّة من شرىمديح عتاب وهو مغل فبايع
على كلّ حال أنت مُعط وكلّهمعلى سعة الأحوال مُعط ومانع
وقد وهبوا مثل الذي أنت واهبفما سمعوا بعض الذي أنت سامع
قوله: ثالث منه طالع يعني نفسه لقوله بعده: بقيت لكم وحدي، ويُشير بقوله: وقد أفل النجمان إلى ابننباته والسيّد الرضي، وكنّى بالاُفول عن موتهما، وكان لا يرى غيرهما متقدّماً في هذا الفن، ورثاهما معاً، قال في رثاء ابن نباته من قصيدة جليلة أوّلها:
حملوكَ لو علموا من المحمولفارتاض معتاص وخفَّ ثقيل
واستودعوا بطن الثرى بك هضبةًوأقلّها أنّ الثرى لحمول
منها:
يا ناشد الكلم الغرائب أعوصتمنها فليس لآيها تأويل
قف ناد في النادي هل ابن نباتةأُذن فيسمع أو فم فيقول
منها في وصف شعره:
وإذا وسمن على لئيم عرضهعاراً فليس لما علطنَ نصول
ويظللن يوماً بالملوك حوالياًيحفى لهنّ الشمّ والتقبيل
أبكارهنّ المطمعات نواشزوإناثهنّ المغزلات فحول
من كلّ بيت أمره بك نافذوعلى اشتطاطك حكمه مقبول
قال الثعالبي: وهذا ابن نباته هو أبو نصر عبد العزيز بن عمر ابن نباته السعدي، كان من محاسن الدهر، لا يُعاب إلاّ بعدم من لا يعرف قدره.
وقال مهيار أيضاً في رثاء السيّد الرضي، وهو دليل على ما ذكرناه:
ولقولة عوصاء ارتجّ بابهاففلجتها لمّا ولجت خصامها
وقلائد قذفت بحارك درّهاوقضى لسانك وصفها ونظامها
هي آية العرب التي انفردت بهاراعيت فيها عهدها وذمامها
كم معجز منها ظهرت بفضلهسنن الرجال فلم تجد أفهامها
وغريبة مسحت يداك موآنساًمنها الثغور ومفصحاً أعجامها
حمست حتّى قيل صبَّ دمائهاوغزلت حتّى قيل صبّ مدامها
ماتت بموتك غير ما أودعتهفي الصحف أو أمددته أقلامها
رجْعٌ إلى ما كنّا فيه: وممّن عدّ الشعر فخراً القاضي الأرجاني في قوله - وأبدع فيما قال وأغرب -:
وأحقّ من عني الملوك بهمَنْ سار فيما قال ذكرهم
لولا زهير والمديح لهلم يدر هذا الناس مَنْ هرم
وأنا الذي لم يسخ بي أحدإلاّ غدا ونديمه الندم
وقال أيضاً أبو سعيد الرستمي:
من الناس من يعطي المزيد على الغناويحرم ما دون الغناء شاعرٌ مثلي
كما لحقت واوٌ بعمر زيادةًوضويق بسم الله في ألف الوصل
وقال الأرجاني:
لو كان بالفضل التقدّم يقتنىما كان "لا" في أوّل التوحيد
وأجاد مهيار متظلماً بقوله:
مالي ولم أسبق إلى الغنمقسم الرجال وأغفلوا سهمي
الحقّ لي والحظّ عندهمأظمي ويروى معشر باسمي
وممّن عدّ الشعر منقصةً في شرفه ومزاياه الموروثة عن سلفه أبوالحسن الشريف الرضي في قوله:
مالكَ ترضى أنْ تكون شاعراًبُعداً لها من عدد الفضائل
وقوله في مدح أبيه:
أمعثر الأحداث في أذيالهاوأفاك مدحي والجدود عواثر
إنّي لأرضى أن تعيش ممدَّحاًوعلاك لا يرضى بأنّي شاعر
ومنهم أبوطالب المأموني حين وفد على الصاحب ابن عباد فأعجب به وبالغ في إكرامه على حسن نظامه، فحسد بعض حاشية الصاحب ودبّت عليه عقارب كيدهم وطفقوا يركبون فيه الصعب والذلول ويرمونه بما يصرف وجه الصاحب عنه وإسقاط منزلته عنده، فقال في ذلك قصيدةً يستأذنه فيها للرحيل، وأحببت إيرادها لحسنها ولأنّ كلّ بيت منها نادرة باهرة، وبديعة سائرة، وهي:
يا ربع لو كنت دمعاً فيك منسكباًقضيتُ نحبي ولم أقض الذي وجبا
لا ينكرنّ ربعك البالي بلى جسديفقد شربت بكأس الحبّ ما شربا
ولو أفضت دموعي حسب واجبهاأفضت من كلّ عضو مدمعاً سربا
عهدي بربعك للذّات مرتبعاًفقد غدا لغوآدي السحب منتحبا
فيا سقاك أخو جفني السحاب حياًيحبو ربى الأرض من نور الرياض حبا
ذو بارق كسيوف الصاحب انتضيتووابل كعطاياه إذا وهبا
ومنها:
وعصبة بات فيها الغيظ متّقداًإذْ شدت لي فوق أعناق العدى رتبا
ومن يرد ضياءَ الشمس إن شرقتومنْ يسدَّ طريق الغيث إن سكبا
فكنت يوسف والأسباط هم وأبوالأسباط أنت ودعواهم دماً كذبا
قد ينبح الكلب مالم يلق ليث شرىًحتّى إذا ما رأى ليثاً مضى هربا
أرى مأربكم في نظم قافيةوما أرى لي في غير العلا إربا
عدّوا عن الشعر إنّ الشعر منقصةلذي العلاء وهاتوا المجد والحسبا
فالشعر أقصر من أنْ يستطال بهإن كان مبتدعاً أو كان مقتضبا
أسير عنك ولي في كلّ جارحةفمٌ بشكرك يجري مقولاً ذربا
إنّي لأهوى مقامي في ذراك كماتهوى يمينك في العافين إن تهبا
لكن لساني يهوى السير عنك لأنيطبق الأرض مدحاً فيك منتخبا
أظنّني بين أهلي والأنام همإذا ترحّلت عن مغناك مغتربا
وقول الآخر:
ولست أعدَّ الشعر فخراً وإنّنيلأنظم منه ما يفوق الدراريا
ولكنّني أحمي حماي وأتّقيعداي وأرمي قاصداً من رمانيا
وقولي في هذا المعنى في رثاء عمّي المهدي وفيه تلميح إلى قوله تعالى: (وَكُلَّ إنسان أَلْزَمْناهُ طائرَهُ في عُنُقِهِ) لأنّه أوصى إليّ في بعض قصائد كان نظمها في مدح جدّه وعترته أن أجعلها معه في كفنه.
وأرى القريض وإن ملكت زمامهوجريت في أمد إليه بعيد
لم ترض منه غير ما ألزمتهمن مدح جدّك طائراً في الجيد
ومنهم من بالغ بالوصيّة في التحفّظ على الشعر ووضعه في موضعه كالأعشى بقوله:
والشعر قلّدته سلامة ذافائش والشيء حيثما جعلا
وكالرستمي في قوله:
بناتي عن أيدي اللئام أصونهاوغير عجيب أن أصون بناتي
وكالمهيار في قوله:
والشعر صنه فالشعر يحتسب الله إذا لم يصنْ على الشاعرغالِ به واستم المهور الثقيلات وصاهر أكفائه صاهرواحن عليه فإنّه ولد ... أبوه فكر وأُمّه خاطر
صرّفه فيما ترضى العلاء بهوبعمر العرض بيته العامر
لا تمتهنه في كلّ سوق فقدتربح حيناً وبيعك الخاسر
أُنظر إلى مَن وفى مدائح مَنأنت وقد بات نائماً ساهر
إختر وَلوداً للفهم منجبةًما كثر الفهم محمق عاقر
أُمّاً لفخر يصدق النسب الحرَّويحيي ذكر الأب الداثر
أوّلاخ يشفع الوداد لهيرضيه منه بالفذ والنادر
أو ملك رحت منه في نعمأنت لها لا محالةً شاكر
وممّن أسف على جعل الشعر في غير موضعه الحطيئة، قيل: إنّه لمّا حضرته الوفاة اجتمع إليه قومه، فقالوا: يا أبا مليكة أوصِ، فقال: ويل للشعر من رواية السوء. فقيل: أوصِ يرحمك الله، فقال: من ذا الذي يقول:
إذا نبض الرامون عنها ترنّمتترنّم ثكلىً أوجعتها الجنائز
قيل له: الشمّاخ. قال: بلّغوا غطفان أنّه أشعر العرب. قالوا: ويحك ما هذه وصيّة، أوصِ، قال: بلّغوا أهل ضابي أنّه شاعر حيث يقول:
لكلّ جديد لذّة غير أنّنيوجدت جديد الموت غير لذيذ
قالوا: أوصِ ويحك بما ينفعك، قال: بلّغوا أهل امرء القيس أنّه أشعر العرب حيث يقول:
فيالك من ليل كأنَّ نجومهبكلّ مغار الفتل شدّت بيذيل
قالوا: اتّق الله ودع عنك هذا، قال: بلّغوا الأنصار أنّ صاحبهم أشعر العرب حيث يقول:
يغشون حتّى ما تهرّ كلابهملا يسئلون عن السواد المقبل
فقالوا: إنّ هذا لا يغني عنك فقيل غير ما أنت فيه، فقال: الشعر صعب وطويل سلّمه، الأبيات التي مرّت. فقالوا: يا أبا مليكة ألك حاجة؟ قال: لا ولكن أجزع على المديح الجيّد يُمْدَحُ به من ليس له أهلاً.
وعلى قول حسان: يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم، البيت، ذكرت ما حُكي عن بعض الشعراء قال: قلت بيتاً هو أشعر من بيت حسان، قيل له: وكيف؟ قال: قال حسان:
يغشون حتّى ما تهرّ كلابهملا يسئلون عن السواد المقبل
وقلت أنا:
يغشون حتّى ما تهرّ كلابهمأحداً ولا يسلون من ذاالمقبل
فقيل له: هو بيت حسان إلاّ أنّك أفسدته.
ونظير هذا الأخذ قول أبى محمّد الخازن: قل لباغي الندى خف الله لا تسئله عمراً فإنّه موهوبأخذه من قول أبى تمام:
ولو لم يكن في كفّه غير نفسهلجاد بها فليتّق الله سائله
وأقبح من هذا الأخذ ما اتّفق لبعض شعراء عصرنا وذلك أنّه عزّى الحاج محمّد صالح عن كريمة له توفّيت فرثاها بقصيدة سرقها من مهيار الديلمي إلاّ أنّه أفسدها إفساداً قبيحاً، ولولا أنّ العلاّمة الماجد المعنيّ في هذا الكتاب عزم عَلَيّ في إثباتها برمّتها لما أثبتّها على أنّ عدم التنبّه لها يدلّ على خلو عصرنا من أهل الإطلاع على مثل ذلك مع أنّ إنشادها في مثل ذلك النّادي المعظم وقاحة شديدة، قال الشيخ السارق:
لكم البقا يا آل بيت محمّدإنّ السلوَّ بغيركم لم يحمد
حزتم محامد لا تقاس بغيرهافمحمّد ينمى لخير محمّد
لكم ولي والناس طرّاً سلوٌبالوالد البرّ الرؤف محمّد
هو صالح الأعمال بل هو منتهىالآمال شمس هداية المسترشد
هو خير من صحّت مآثر مجدههو خير من بردا المكارم مرتدي
هو خير من ألقى النزيل رحالهبفنائه من خائف أو مجتدي
هو ملجأٌ للخائفين وعصمةومعرَّس للطالبين ندي اليد
لا قبل نائله إذا سئل الندىوعدٌ ولا قبل اللقاء بموعد
قال مهيار:
لا قبل نائله إذا سئل الندىوعد ولا قبل اللقاء وعيد
أُنظر كيف سرق هذا البيت سرقة قبيحةً وأفسد الأخذ من حيث لم يفهم معنى بيت مهيار، لأنّه أطرى هذا الملك بالكرم والشجاعة وبالغ في ذلك فجعل كرمه لمجتديه لا يسبقه وعد ولا لقائه لعدوّه لا يسبقه وعيد وهذا مقصد جليل من مقاصد الشعراء، قال مهيار:
غضبان يسبق بطشه أخبارهحتّى يغامر في الرعيل الأوّل
وقال أبو فراس الحمداني:
ويا ربّ دار لم تخفني منيعةطلعت عليها بالردى أنا والفجر
وقال الطغرائي:
هجوم على الأعداء من صوب أمنهممتى ما يشأ يعمي النواظر بالكحل
وهو كثير جدّاً فأخذه الشيخ برمّته ومدح به الحاج محمّد صالح إمّا لظنّه أنّ البيت كلّه مدح بالسخاء أو لجهله وعدم معرفته بأنّ مثله لا يُمْدَح بشجاعة ولا هيجاء، وقال الشيخ المذكور:
ومع الحفيظة قسوة وفضاضةحتّى كأنّ فؤاده من جلمد
وقال مهيار:
لك من خلائقه إذا مارستهجنبان ذا سهل وذاك شديد
فمع المروّة هزّة وتعطّففتقول غصن البانة الأملود
ومع الحفيظة قسوة وفضاضةحتّى كأنّ فؤاده جلمود
فأجل فكرك في قلّة معرفة الشيخ مع كبر سنّة الذي أفناه في نظم الشعر، فإنّ مهياراً وصف ذلك الملك بالحزم في جعله ذاخلقين متّصفين بالسهولة والشدّة يجدهما الممارس له محبّاً أو مبغضاً؛ فإن كان محبّاً وجد عنده من الهزّة والتعطّف عليه ما اتّصف به غصن البانة الأملود مبالغةً في حنوّه على أهل مودّته، وإن كان مبغضاً وجد عنده لشدّة حفيضته من قسوة القلب وفضاضته ما يظنّ معه أنّ فؤاده جلمود؛ وهوالقاسي من الصخر، وهذه ملاحظة جيّدة إن شئت سمّيتها بالمقابلة وإن شئت سمّيتها بالطباق المعنوي نظير قوله عزّ من قائل: (أشِدَّاءُ عَلَى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ)، وستقف على بيان ذلك في محلّه مفصّلاً، فما بال الشيخ غفل عن ذلك هذه الغفلة ووصفه بالقسوة والفضاضة فقط؟ وهل يحسن ذلك وإن جعله مع الحفيظة؟ ألم يتصفّح نظم الشعراء في مثل هذا المورد ويحذو حذوهم؟ قال أبو عبادة البحتري:
معارك حرب لا يزال موكّلاًبقطب رحىً للدارعين طحون
وسائس جيش يرجع الحزم والحجىإلى شدّة في جانبيه ولين
وقال:
إذا الخطوب مرّتْ أخلاف درّتهدرَّت بخلفين من شري ومن عسل
وقال بعضهم:
متى يسئلوه المال تندَ بنانهوإنْ يسئلوه الضيم تندَ عوامله
وقال مهيار:
إن سيل رفداً فهي ينبوع النداأو سيل ضيماً فهي ينبوع الدم
ولا أدري ايّهما أخذ من الآخر إلاّ أنّهما أخذا جميعاً من أبي عبادة البحتري حيث قال:
يدني يداً بيضاء يختلط الندىفيها إذا لقي الفوارس بالدم
ولابن دريد في مقصورته:
قد مارت منّي الخطوب مرساًيساور الهول إذا الهول علا
لي التواء إن معاديَّ التوىولي استواء إن مواليَّ استوى
طعمي شَرْي للعدوّ تارةًوالأري بالراح لمن ودّي ابتغى
لينٌ إذا لو ينت سهلٌ معطفيألوي إذا خوشنت مرهوب الشذا
هكذا جرت الشعراء على نمط واحد في مثل هذه الموارد، وفيما أوردناه كفاية في بيان ما نحن فيه.
قال الشيخ:
هو ذلك الولى الأجل وووالد الغرر الذين نشوا بأحسن مولد
وأبو كواكب كالفراقد في سما العليا لها مالم يكن للفرقد
إنّي لهم بصفاهم من مفخرأو مظهر أو عنصر أو محتد
وإذا سرى نقص القبائل أقبلتتنمي مكارمهم بغير مزيّد
وقال مهيار:
وإذا سرى نقص القبائل أقبلتتنمي مكارم فيهم وتزيّد
وقال الشيخ:
شرف كمال الملك في أطرافهحام على النسب الكريم بمذود
وقال مهيار:
شرف كمال الملك في أطرافهحام عن النسب الكريم يذوّد
وقال الشيخ:
وإذا أناخ بهم وفود شمتهمكرماً قياماً والوفود بمقعد
وقال مهيار:
وإذا أناخ به الوفود رأيتهمكرماً قياماً والوفود قعود
وقال الشيخ:
وإذا قصدت طروقه لملمةفالمصطفى باب لذاك المقصد
وقال مهيار:
وإذا أردت طروقه لملمةفأبوا المعالي بابه المقصود
وقال الشيخ:
عشق العلا فسعى وأدرك وصلهاوطحا بقلب الحاسد المتلدّد
وقال مهيار:
عشق العلا فسعى وأدرك وصلهامتمهّلاً وحسوده ملدود
وقال الشيخ:
ووفى بأشراط الكفاية داخلاًمن بابها ورتاجها لم يسدد
وقال مهيار:
ووفى بأشراط الكفاية داخلاًمن بابها ورتاجها مسدود
فتأمّل في سرقة الشيخ لهذا البيت مع سوء فهمه، فإنّه جعل رتاج الكفاية لم يسدّد فشارك الممدوح فيها بالدخول غيره وليس هذا من المدح بمكان، ومهيار الديلمي جعل رتاجها مسدوداً وإنّ غير الممدوح لم يدخل إليها من بابها ويريد بذلك انفراده بالرياسة والتدبير والسياسة وهذا من أشرف المدح.
قال الشيخ:
عبقٌ بأرواح السيادة أنّهفي غير حجر سيادة لم يولد
وقال مهيار:
عبق بأرواح السيادة عطفهفكأنّه في حجرها مولود
وقال الشيخ:
فكأنّه بدر بهالة أنجمكلٌّ به عند الشدائد يهتدي
وشقيقه الحسن الزّكي محمّدمصباح مشكاة البلاغة في الندي
وكفاك في عبد الكريم مكارماًوسليله الندب الأمين محمّد
وبفرقدي فلك المفاخر بضعةالمهدي نجل العابد المتهجّد
وبجعفر الفضل الخضم عبابهوجواد جود فواضل لم يرعد
أمحمّد الفضل الحسين وجعفر الجود الروي لغلّة المسترفد
يا بَني محمّد حسبكم بأبيكمفخراً وأنفسكم وفتية أمجد
قسماً ولم أقسم بسكّان الحمىعن ريبة لكنّه لتأكّد
وقال مهيار في غزل قصيدته:
قسماً ولم أقسم بسكّان الحمىعن ريبة لكنّه تأكيد
وقال الشيخ:
لهم الأُولى منعوا مسنّة مقصديوهم الأُولى منعوا مسنّة موردي
وقال مهيار:
لهم الأُولى منعوا مكان مطالبيوهم وإن كرهوا الذين أُريد
وقال الشيخ:
وأُكذّب الواشي إليّ بغدرهموعلى الحديث شواهد لم تُشهَدُ
وقال مهيار:
وأُكذّب الواشي إليّ بغدرهموعلى الحديث دلائل وشهود
وقال الشيخ:
أعنوا لهم وأنا العزيز بنفسهوألين عمداً والنجار مجلّدي
وقال مهيار:
أعنوا لهم وأنا العزيز بنفسهوألين عمداً والفؤاد جليد
وقال الشيخ:
وإذ عزفت فبنت عن دين الهوىجذب الغرام إليهم في مقودي
وقال مهيار:
وإذا عزفت فبنت عن دين الهوىجذب الغرام بمقودي فأعود
وقال الشيخ:
طفق العذول وما ارتفدت برأيهفيهم ليصلحني بما هو مفسدي
وقال مهيار:
طفق العذول وما ارتفدت برأيهفيهنّ ببدى ناصحاً ويعيد
وقال الشيخ:
يا أُسرة المجد الذي لم ينتبهعن مثله عصر لكرّة مرقد
وقال مهيار:
يا أُسرة المجد الذي لم تنتبهعن مثلها الأيّام وهي رقود
وقال الشيخ:
بكم رددت يد الزمان وباعهمتوسّع بمسائتي متعمّدي
وقال مهيار:
بكم رددت يد الزمان وباعهمتوسّع بمسائتيى ممدود
وقال الشيخ:
وعنيت أنت بخلّتي فسددتهاونظمت في جدواك كلّ مبدّد
وقال مهيار:
وعنيت أنت بخلّتي فسددتهاونظمتها بالجود وهي بديد
وقال الشيخ:
وإذا تقاعد صاحب عن نصرتيأصبحت منك بنصرة وتأيّد
وقال مهيار:
وإذا تقاعد صاحب عن نصرتيفالنصر حظّي منك والتأييد
وقال الشيخ:
فلا جزيتك خير ما جازى امرءٌوجد المقال فقال غير مقنّد
وقال مهيار:
فلا جزيتك خير ما جازى امرءٌوجد المقال فقال وهو مجيد
وقال الشيخ:
ممّا تخال قوافياً ومعانياًللسمع قرط لئالىء وزمرّد
وقال مهيار:
ممّا تخال قوافياً ومعانياًبالسمع وهي حبائر وبرود
وقال الشيخ:
ما أحسب الدنيا تطيب لأهلهاإلاّ إلى تدبيركم بتردّد
وقال مهيار:
ما أحسب الدنيا تطيب وأمرهاإلاّ إلى تدبيركم مردود
وقال الشيخ:
لا يبعد الله الأُولى حفظوا العلافي بيت مجد للنجوم مشيد
وقال مهيار:
لا يبعد الله الأُولى حفظوا العلابيت لهم حول النجوم مشيد
وقال الشيخ:
لا يعدم الجود الغريب ومنكمأطناب أخبية لقوم بأعمد
وقال مهيار:
لا يعدم الجود الغريب ومنهمشخص على وجه الثرى موجود
وقال الشيخ:
جللٌ عرا فطفقت فيه مؤرخاًأعني المصاب بموت بنت محمّد
ما زلّ تهتان الرضى يهمي علىجدث ثوت فيه وتربة مرقد
أقول: لولا أنّه ألزمني برسم هذه القصيدة التي أخلق بها محاسن قصيدة مهيار لما سوّدتُ وجه قرطاس من هذا الكتاب برسم أغلاطها الفاحشة.
السرقات الشعريّة وحيث انتهى جريان القلم إلى هذا المقام فلا بأس بالكلام على السرقات الشعريّة، وقبل الخوض فيها لابدّ من تقرير شيء يكون تمهيداً للمطالب، فنحن نذكر كما ذكروه ونزيده إيضاحاً.
قالوا: إن كان الإتّفاق بين الشاعرين المتّفقين في غرض من الأغراض العامّة المتقرّرة في العقول والعادات كالوصف بالشجاعة والجود ونحو ذلك فهذا ما لا كلام في أنّه لا يعدّ سرقةً ولا أخذاً ولا استعانةً لاشتراك كلّ أحد في معرفته من حيث أنّه مغروس في جميع النفوس لم ينفرد واحد من النّاس بمعرفته دون الآخر، وإن كان الإتّفاق في وجه الدلالة على الغرض، مثلاً إذا كان الغرض إثبات وصف من أوصاف الشجاعة أو السخاء لإنسان لأنّهما يشتملان على أوصاف كثيرة كالإقدام وعدم المبالات وكثرة القتلى وكثرة القرى والعطاء وغير ذلك، فقول القائل فلان يقري الوحوش في الجلاد، وفلان كثير الرماد ليس المراد بهما مطلق الشجاعة والسخاء، بل كثرة القتلى وكثرة القرى، فوجه الإستدلال على إثبات هذين الوصفين هو كون قرى الوحوش لازم من لوازم كثرة القتلى، وكثرة الرماد لازم من لوازم كثرة إيقاد النار للقرى، فهذا أي وجه الدلالة الذي يقع الإتّفاق فيه لا يخلو إمّا أن يكون من المبتذلات التي تشترك الناس في معرفتها لابتذالها فلا يعدَّ سرقة بل هو الإتّفاق في الغرض العام، وإمّا أن يكون ممّا لا تشترك النّاس في معرفته لكونه لا ينال إلاّ بفكر ولا يصل إليه كلّ أحد فهذا هو الذي يحكم فيه بالتفاضل بين الشاعرين المتوافقين فيه ككون إحداهما أكمل من الآخر أو أنّ في الثاني زيادة على الأوّل أو نقصاً عنه، ثمّ إنّ وجه الدلالة على الغرض بهذا المعنى ضربان: أحدهما: ما هو قاض بنفسه أنّه غريب لا ينال إلاّ بفكر.
وثانيهما: ما هو عامي لكنّه تصرّف فيه بما أخرجه عن الإبتذال إلى الغرابة.
إذا تمهّد هذا فنقول: الأخذ والسرقة نوعان: ظاهر وغير ظاهر؛ أمّا الظاهر فهو أن يؤخذ المعنى كلّه إمّا مع اللفظ كلّه أو بعضه، أو يؤخذ وحده، فهذا قسمان: والأوّل منهما إمّا مع عدم تغيير النظم؛ وهو الترتيب والتأليف الواقع بين المفردات، أو مع تغيير النظم، فهذه عدّة أقسام، ولا بأس بذكر ما يُسمّى به كلّ قسم منها وذكر أمثلته.
أقول: ما أُخذ اللفظ كلّه من غير تغيير لنظمه فمذموم، وهو سرقة محضة، ويُسمّى نسخاً وانتحالاً، كما حُكي عن عبد الله بن الزبير أنّه فعل ذلك بقول معن بن أوس المزني حين دخل على معاوية بن أبي سفيان فأنشده لنفسه:
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدتهعلى طرف الهجران إن كان يعقل
ويركب حدَّ السيف من أن تضيمهإذا لم يكن عن شفرة السيف معدل
فقال له معاوية: لقد شعرتَ بعدنا يا أبابكر، ولم يفارق عبد الله المجلس حتّى دخل معن بن أوس المزني وأنشد قصيدته التي أوّلها:
لعمرك ما أدري وإنّي لأوجلعَلَى أيّنا تغدو المنيّة أوّل
حتّى أتمّها، وفيها البيتان المتقدّمان، فأقبل معاوية على عبد الله بن الزبير فقال: ألم تخبرني أنّهما لك؟! قال: أنا سوآيت المعاني وهو ألّف الألفاظ، وبعد فهو ظئري فما قال من شيء فهو لي - وكان ابن الزبير مسترضعاً في زمينه - فقال معاوية: وكذباً يا أبابكر، فقام عبد الله وخرج.
وأمّا إبدال الألفاظ كلّها بما يرادفها فذلك أيضاً مذموم وهو سرقة محضة، كما في قول الحطيئة:
دع المكارم لا ترحل لبغيتهاواقعد فأنت الطاعم الكاسي
فإنّة يُقال فيه:
ذر المآثر لا تذهب لمطلبهاواجلس فإنّك أنت الآكل اللابس
وأمّا إبدال بعض الكلمات بما يرافها فهو كذلك مذموم وسرقة محضة، قال امرؤ القيس في لاميته:
وقوفاً بها صحبي عَلَيّ مطيّهميقولون لا تهلك أسىً وتحمل
فإنّه أورد طرفه في داليّته فقال:
وقوفاً بها صحبي عَلَيّ مطيّهميقولون لا تهلك أسى وتجلّد
فهذا بيت امرؤ القيس بعينه إلاّ أنّه أقام تجلّد مقام تحمّل. وقال العباس بن عبد المطّلب:
وما الناس بالناس الذين عهدتهمولا الدار بالدار التي كنت تعلم
وقال الفرزدق:
وما الناس بالناس الذين عهدتهمولا الدار بالدار التي كنت تعرف
فإنّه بيت العباس بعينه إلاّ أنّه أقام تعرف مقام تعلم.
وأمّا إبدال الألفاظ بما يضادّها في المعنى فهو أيضاً مذموم وسرقة محضة، كقول ابن أبي فنن:
ذهب الزمان برهط حسّان الأُولىكانت مناقبهم حديث الغابر
وبقيت في خلف تحلّ ضيوفهمفيهم بمنزلة اللئيم الغادر
سود الوجوه لئيمة أحسابهمفطس الأنوف من الطراز الآخر
فإنّه عكس قول حسان بن ثابت:
بيض الوجوه كريمة أحسابهمشمّ الأنوف من الطراز الأوّل
وأمّا أخذ اللفظ كلّه أو بعضه مع تغيير لنظمه فيُسمّى إغارةً ومسخاً، وهو على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون الثاني أبلغ من الأوّل لاختصاصه بفضيلة لا توجد في الأوّل كحسن السبك والإختصار والإيضاح أو زيادة معنىً، وهذا القسم ممدوح مقبول ويُسمّى حسن الإتّباع، كقول بشار بن برد:
لو كنتِ تلقين ما ألقى قسمت لنايوماً نعيش به منكم ونبتهج
لا خير في العيش إن دمنا كذا أبداًلا نلتقي وسبيل الملتقى نهج
قالوا حرام تلاقينا فقلت لهمما في التلاقي ولا في غيره حرج
من راقب الناس لم يظفر بحاجتهوفاز بالطيّبات الفاتك اللهج
أخذ هذا البيت سلم الخاسر فقال في أبيات أوّلها:
بان شبابي فما يحوروطال من ليلي القصير
أهدى لي الشوق وهو خلوٌأغنّ في طرفه فتور
وقائل حين شبَّ وجديواشتعل المضمر الستير
لو شئت أسلاك عن هواهقلبٌ لأشجانه ذكور
فقلت لا تعجلنّ بلوميفإنّما ينبّؤ الخبير
عذّبني والهوى صغيرٌفكيف بي والهوى كبير
من راقب الناس مات غمّاًوفاز باللذّة الجسور
فبيت سلم هذا أجود سبكاً وأخصر لفظاً.. ولقد حدّث أحمد بن صالح قال: لمّا بلغ بيت سلم بشاراً غضب واستشاط وحلف أن لا يدخل إليه ولا يُفيده ولا ينفعه مادام حيّاً، فاستشفع إليه بكلّ صديق وكلّ من يثقل عليه ردّه فكلّموه فيه فقال: أدخلوه إليّ، فأدخلوه فاستدناه ثمّ قال له: يا سلم! من الذي يقول: من راقب الناس لم يظفر بحاجته؟ فقال: أنت يا أبا معاذ جعلني الله فداك، قال: فمن ذا الذي يقول: من راقب النّاس مات غمّاً؟ قال: تلميذك وخرِّيجك وعبدك يا أبا معاذ، فاجتذبه إليه وقنّعه بمخصرة كانت بيده ثلاثاً وسلمٌ يقول: لا أعوذ إلى ما تكره يا أبا معاذ، ولا آتي شيئاً تذمّه، وإنّما أنا عبدك وصنيعك، وبشار يقول له: يا فاسق أتجيء إلى معنىً سهرت له عيني وتعب فيه فكري وسبقت الناس إليه فتسرقه ثمّ تختصر له لفظاً يقرّبه لتزري به عَلَيّ وتذهب ببيتي، وهو يحلف له أن لا يعود، والجماعة يسئلونه الرضا والكفّ عنه، فبعد جهد شفّعهم فيه وكفَّ عنه وعن ضربه، ثمّ رجع له ورضي عنه. وسُمّي سلم هذا الخاسر لخسرانه في تجارته، لأنّه باع مصحفاً ورثه واشترى بثمنه عوداً يضرب به، كذا في الأساس.
وكقول بعضهم:
خلقنا لهم في كلّ عين وحاجببسمر القنا والبيض عيناً وحاجبا
أخذه ابن نباته السعدي وأحسن إتّباعه فقال:
خلقنا بأطراف القنا في ظهورهمعيوناً لها وقع السيوف حواجب
فبيت ابن نباته هذا أبلغ لاختصاصه بزيادة معنىً وهو الإشارة إلى انهزامهم حيث أوقع الطعن والضرب على ظهورهم.
وثانيها: أن يكون الثاني دون الأوّل لفوات فضيلة توجد في الأوّل وهو مذموم مردود، كقول أبي تمام من قصيدة في رثاء محمّد بن حميد بن مسلم الطائي وقد استشهد في بعض غزواته:
هيهات لا يأتي الزمان بمثلهإنّ الزّمان بمثله لبخيل
أخذه أبوالطيب المتنبّي فقال:
أعدى الزمان سخائه فسخا بهولقد يكون به الزمان بخيلا
فالمصراع الثاني من بيت أبي الطيب مأخوذ من المصراع الثاني من بيت أبي تمام لكن مصراع أبي تمام أجود سبكاً.
وثالثها: أن يكون الثاني مثل الأوّل وهذا أبعد من الذم والفضل للأوّل، كقول أبي تمام:
لو حار مرتاد المنيّة لم يجدإلاّ الفراق على النفوس دليلا
أخذه أبوالطيب فقال:
لولا مفارقة الأحباب ما وجدتلها المنايا إلى أرواحنا سبلا
وكقول الأرجاني:
لم يبكني إلاّ حديث فراقهملمّا أسرّ به إليّ مودّعي
هو ذلك الدر الذي ألقيتمفي مسمعي ألقيته من مدمعي
وقول جار الله في مرثية أُستاذه:
وقائلة ما هذه الدرر التيتساقطها عيناك سمطين سمطين
فقلت هو الدر الذي قد حشا بهأبو مضر أُذني تساقط من عيني
هذا إذا لم يكن فيه دلالة على السرقة، وأمّا إذا كان فيه دلالة عليها باتّفاق الوزن والقافية فهو مذموم، كقول أبي تمام:
مقيم الظن عندك والأمانيوإن قلقت ركابي في البلاد
وما سافرت في الآفاق إلاّومن جدواك راحلتي وزادي
وقول أبي الطيب:
وإنّي عنك بعد غد لغادوقلبي في فنائك غير غادي
محبّك حيثما اتّجهت ركابيوضيفك حيث كنت من البلاد
وأمّا القسم الثاني من النوع الظاهر: وهو أخذ المعنى وحده فيُسمّى إلماماً من ألمّ به إذا قصده، وأصله من ألمَّ بالمنزل إذا نزل به، ويُسمّى أيضاً سلخاً، والسلخ كشط الجلد عن الشاة ونحوها، واللفظ للمعنى بمنزلة الجلد فكأنّه كشط من المعنى جلده وألبسه جلداً آخر، وهو على ثلاثة أقسام: الأوّل: أن يكون الثاني أبلغ من الأوّل، كقول أبي تمام:
هو الصنع إن يعجل فخيرٌ وإن يرثفللريث في بعض المواضع أنفع
وقول أبي الطيب:
ومن الخير بطؤ سيبك عنّيأسرع السحب في المسير الجهام
فبيت أبي الطيب أبلغ لاشتماله على زيادة بيان للمقصود حيث ضرب المثل بالسحاب.
الثاني: أن يكون الثاني دون الأوّل، كقول البحتري:
وإذا تألّق في الندي كلامهالمصقول خلت لسانه من عضبه
وقول أبي الطيب:
كأنّ ألسنهم في النطق قد جعلتعلى رماحهم في الطعن خرصانا
فبيت أبي الطيب دون بيت البحتري لأنّه قد فاته ما أفاده البحتري بلفظتي تألّق والمصقول من الإستعارة التخييليّة حيث أثبت التألق والصقالة للكلام كإثبات الأظفار للمنيّة، ويلزم من هذا التشبيه كلامه بالسيف وهو استعارة بالكناية.
الثالث: أن يكون مثل الأوّل، كقول أبي زياد:
ولم يك أكثر الفتيان مالاًولكن كان أرحبهم ذراعاً
وقول أشجع في جعفر المكي:
وليس بأوسعهم في الغناولكن معروفه أوسع
وكقول بعضهم في مرثية ابن له:
والصبر يحمد في المواطن كلّهاإلاّ عليك فإنّه مذموم
وقول أبي تمام:
وقد كان يُدعى لابس الصبر حازماًفأصبح يُدعى حازماً حين يجزع
وكقول أبي بكر بن النطاح:
كأنّك عند الكرّ في حومة الوغىتفرّ من الصفّ الذي من ورائكا
وقول أبي الطّيب:
وكأنّه والطعن من قدّامهمتخوّف من خلفه أن يطعنا
هذا هو النوع الظاهر من الأخذ والسرقة.
وأمّا غير الظاهر فهو على أقسام: منها: أن يتشابه المعنيان في البيتين، كقول جرير:
فلا يمنعك من إرب لحاهمسواء ذوالعمامة والخمار
وقال أبي الطيب:
ومنْ في كفّه منهم قناةكمنْ في كفّه منهم خضاب
فتعبير جرير عن الرجل بذي العمامة كتعبير أبي الطيب عنه بمن في كفّه قناة، وكذا تعبيره عن المرأة بذات الخمار كتعبيره عنها بمن في كفّه خضاب.
ومنه قول الطرمّاح:
لقد زادني حبّاً لنفسي إنّنيبغيضٌ إلى كلّ امرء غير طائل
وقال أبوالطيب:
وإذا أتتك مذمّتي من ناقصفهي الشهادة بأنّي كامل
ويجوز في تشابه المعنيين اختلاف الموردين، كأن يكون أحد البيتين نسيباً مثلاً والآخر مدحاً أو هجاءً، فإنّ الشاعر الحاذق إذا قصد إلى المعنى المختلف احتال بإخفائه فغيّر لفظه وصرفه عن مورده وعن وزنه وقافيته.
ومنها: أن ينقل المعنى إلى محلٍّ آخر، كقول البحتري:
سلبوا وأشرقتِ الدماء عليهممحمّرة فكأنّهم لم يسلبوا
وقول أبي الطيب:
يبس النجيع عليه وهو مجردٌمن غمده فكأنّما هو مغمد
فنقل المعنى من القتلى والجرحى إلى السيف.
ومنها: أن يكون معنى الثاني أشمل من معنى الأوّل، كقول جرير:
إذا غضبت عَلَيّ بنوا تميمحسبت النّاس كلّهم غضاباً
وقول أبي نؤاس:
ليس على الله بمستنكرأن يجمع العالم في واحد
فالأوّل مختصّ ببعض العالم وهو الناس، وهذا يشملهم وغيرهم.
ومنها: القلب؛ وهو أن يكون معنى الثاني نقيض معنى الأوّل، كقول أبي الشيص:
أجد الملامة في هواك لذيذةًحبّاً لذكرك فليلمني اللوَّم
وقول أبي الطيب:
أحبّه وأحبّ فيه ملامهإنّ الملامة فيه من عذَّاله
فهذا نقيض معنى بيت أبي الشيص، والأحسن في هذا النوع أن يبيّن السبب كما في هذين البيتين إلاّ أن يكون ظاهراً، كقول أبي تمام:
ونغمةُ معتفي جدواه أحلاعلى أُذنيه من نَغَم السماع
وقول أبي الطيب:
والجراحات عنده نغماتٌسبقت قبل سيبه بسؤال
أراد أبو تمام أنّ الممدوح يستلذّ نغمات السائلين لما فيه من غاية الكرم ونهاية الجود، وأراد أبوالطيب أنّه إن سبقت نغمة سائل عطاء الممدوح بلغ ذلك فيه مبلغ الجراحة من المجروح، لأنّ عاته أن يعطي بغير سؤال.
ومنها: أن يؤخذ بعض المعنى ويضاف إليه ما يحسّنه، كقول الأفوه الأودي:
وترى الطير على أثارنارأي عين ثقةً إن ستمار
وقال أبو تمام:
وقد ظللت عقبان أعلامه ضحىًبعقبان طير بالدماء نواهل
أقامت مع الرايات حتّى كأنّهامن الجيش إلاّ أنّها لم تقاتل
فإنّ أبا تمام لم يلم بشيء من معنى قول الأفوه: رأي عين، ولا: ثقةً إن ستمار، لكن زاد عليه زيادة محسّنة لبعض المعنى الذي أخذه بقوله: إلاّ أنّها لم تقاتل، وبقوله: في الدماء نواهل، وبقوله: أقامت مع الرايات، مع قوله: كأنّها من الجيش، وبهذه الزيادة يتمّ حسن قوله، إلاّ أنّها لم تقاتل، لأنّه لو قيل: ظللت عقبان أعلامه ضحىً بعقبان الطير إلاّ أنّها لم تقاتل لم يحسن هذا الإستثناء المنقطع ذلك الحسن لأنّ إقامتها مع الرايات حتّى كأنّها من الجيش يوهم أنّها تقاتل مثل الجيش فيحسن الإستدراك الذي رفع التوهّم الناشي من الكلام السابق بخلاف وقوع ظلّها على الرايات.
وهذه الأنواع المذكورة منها مقبول ومنها ما هو فوق ذلك من حيث أنّه يخرجه حسن التصرّف من الإتّباع إلى الإبتداع، وكلّما كان الإتّباع أشدّ خفاءً بحيث لا يعرف أنّ الثاني مأخوذ من الأوّل إلاّ بعد إعمال روية ومزيد تفكّر كان أقرب إلى القبول لكونه أبعد عن الأخذ والسرقة وأدخل في الإبتداع والتصرّف، هذا آخر القول على السرقة وأنواعها.
أقول: وسرقة الشعر مذمومة، قال في ذمّها الحريري في إحدى مقاماته: واستراق الشعر عند الشعراء أفضع من سرقة البيضاء والصفراء، وغيرتهم على بنات الأفكار كغيرتهم على البنات الأبكار، وأوّل من ذمّ ذلك طرفه ابن العبد في قوله:
ولا أغير على الأشعار أسرقهاعنها غنيت وشرّ الناس من سرقا
وأبو تمام الطائي ضجّ من سرقة محمّد بن يزيد الأموي شعره، فقال:
من بنوا بجدل من ابن الحبابمن بنو تغلب حداة الكلاب
من طفيلٌ وعامرٌ ومن الحارث أو من عيينة بن شهاب
إنّما الضيغم الهصور أبو الأشبال جبّار كلّ خيس وغاب
من عدت خيله على سرح شعريوهو للحين راتع في كتابي
غارة أسخنت عيون المعاليواستباحت محارم الآداب
لو ترى منطقي أسيراً لأصبحت أسيراً لعبرتي وانتحابي
يا عذاري الأشعار صرتنّ من بعدي سبايا تبعن في الأعراب
طال رغبي إليك يا ربّ يا ربّورعبي إليك فاحفظ ثيابي
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع