من «العقد المفصل» لحيدر الحلي (ت ١٣٠٤هـ)
فصل في تجاربه وذكائه
أقول: إنّه هو الذي سبر غور الأيّام بتجاربه، واستشف له النظر فيها أستار عواقبها، ولو تقدّم في الأعصر الأوّل لضرب بذكائه المثل، ورآه الناس أذكى من أياس.
حازم يسلس من بعد الشماسكلّ أمر راضه صعب المراس
ذو ذكاء لو أياس رامهلدعاه الفخر عد عنه بياس
قتل الأيّام خبراً ولهقبس التجريب أسنى الإقتباس
لو سيوفاً طبعت آرائهلبرت ما أدركت حتّى الرواسي
قال علي ﵇: العقل غريزة تربّيها التجارب.
وقال ﵇: عليك بمجالسة أصحاب التجارب فإنّها تقوم عليهم بأغلا الغلا، وتأخذها منهم بأرخص الرخص.
وقال ﵇: في التجارب علم مستأنف، والإعتبار يفيدك الرشاد، وكفاك أدباً لنفسك ما كرهته لغيرك، وعليك لأخيك مثل الذي عليه لك.
أقول: وبهذا يعلم أنّ العقل نوعان: غريزة ومكتسب بالتجارب، كما أشار إليه أميرالمؤمنين ﵇، ولم يحكم الأمور محكم كالتجربة.
وقيل: التجارب لا غاية لها.
والذكاء حدّة الفؤاد.
قال علي ﵇: ذكّ قلبك بالأدب كما تذكّي النّار الحطب.
والحزم ضبط الرّجل أمره وأخذه بالثقة.
قال علي ﵇: أحزم الناس من ملك جدّه هزله، وقهر رأيه هواه، وأعرب عن ضميره فعله، ولم يختدعه رضاه عن حظّه ولا غضبه عن كيده.
وقال ﵇: الرأي يريك غاية الاُمور مبدؤه.
وممّا جاء للشعراء في هذا الفصل قول بعضهم:
إذا ما قتلت الشيء علماً فقل بهولا تقل الشيء الذي أنت جاهله
وكان يقال: قتل أرضعاً عالمها وقتلت أرض جاهلها.
قال أبوالطيب المتنبّي:
قد بلوت الخطوب حلواً ومرّاًوملكت الأيّام حزناً وسهلاً
وقتلت الزمان علماً فما يغرب قولاً ولا يجدّد فعلا
وقال أيضاً:
هذا الذي أفنى النظار مواهباًوعداه قتلاً والزمان تجاربا
وممّا ورد لبعض الشعراء يصف شاعراً بالذكاء لكنّه أخرجه مخرج التهكّم، وهو ظريف جدّاً:
وشاعر أوقد الطبع الذكاء لهفكاد يحرقه من فرط أذكاء
أقام يجهد أيّاماً قريحتهوشبّه الماء بعد الجهد بالماء
يريد بهذا قول القائل:
كأنّنا والماء من حولناقوم جلوس حولهم ماء
قوله: أوقد الطبع الذكاء له، يقال: وقدت النار توقّدت هي وأوقدتها أنا واستوقدتها.
ومن الغايات في المدح بالذكاء قول أبي الطيب المتنبّي:
تعرف في عينه حقائقهكأنّه بالذكاء مكتحل
أشفق عند اتّقاد فكرتهعليه منها أخاف يشتعل
وفي معنى البيت الثاني قول الخالدي:
لو لم يكن ماء علمي قاهراً فكريلأحرقتني في نيرانها فكري
وعكس هذا المعنى أبوالعلا المعرّى، فنقله من المدح بالذكاء إلى المدح بالشجاعة وشدّة العزم، فقال:
من كلّ من لولا تلهّب بأسهلا خضر في يمنى يديه الأسمر
قوله: الأخضر في يمنى يديه الأسمر، أخذه مهيار الديلمي أخذاً لطيفاً فقال، ونقله إلى المدح بالكرم:
لو ركبوا في عواليهم أناملهميوم الوغى خضرت أطرافها الحمر
وحكى أبوالحسن العمري قال: دخلت على الشريف المرتضى فأراني بيتين قد عملهما وهما:
سرى طيف سعدي طارقاً فاستفزّنيهبوباً وصحبي بالفلاة هجود
فقلت لعيني عاودي النوم واهجعيلعلّ خيالاً طارقاً سيعود
فخرجت من عنده ودخلت على أخيه السيّد الرضي، فعرضت عليه البيتين، فقال بديهاً:
فردّت جواباً والدموع بوادروقد آن للشمل المشتّ ورود
فهيهات من لقيا حبيب تعرّضتلنا دون لقياه مهامه بيد
فعدت إلى المرتضى بالخبر، فقال: يعزّ عَلَيّ أخي قتله الذكاء، فما كان إلاّ يسيراً حتّى مضى لسبيله.
وكان أياس معروفاً بالفطنة والذكاء والفراسة، وذكره أبو تمام في قوله:
إقدام عمرو في سماحة حاتمفي حلم أحنف في ذكاء أياس
وقد جمع في ذكائه مجلّد.
يقال: إنّه نظر إلى ثلاث نسوة فزعن من شيء، فقال: هذه حامل وهذه مرضع وهذه بكر، فسُئِلنَ فكان الأمر كما ذكر، فقيل له: من أين لك ذلك؟ فقال: لمّا فزعن وضعت إحداهنّ يدها على بطنها والاُخرى على ثديها والاُخرى على فرجها.
أقول: وهو أياس بن معاوية، حكى المسعودي في شرح المقامات أنّ المهدي دخل البصرة فرأى أياس بن معاوية وهو صبي وخلفه أربعمائة من العلماء وغيرهم وهو مقدّمهم، فقال المهدي: أُف لهؤلاء الفتّانين، أما كان فيهم شيخ يتقدّمهم غير هذا الحدث؟! ثمّ إنّ المهدي إلتفت إليه وقال: كم سنّك يا فتى؟ فقال: سنّي أطال الله بقاء أميرالمؤمنين سنّ أُسامة بن زيد بن حارثة حين ولاّه النبيّ ﵌ جيشاً فيه أبو بكر وعمر، فقال له: تقدّم بارك الله فيك.
وقال السيّد الرضي يصف نفسه بالحزم:
ومالي بعلم الغيب إلاّ طليعةمن الحزم لا يخفى عليها المغيّب
وقال مهيار في صدق الرأي:
يرى بوجه اليوم صدر غدهتعطيه ما في المصدر الموارد
وقال أيضاً:
يطلعه نجد كلّ مشكلةفكرّ وراء الغيوب مطلع
وقال البحتري:
ومصيب مفاصل الرأي إن حارب كانت آرائه من جنوده
قوّمت عزمه الأصالة والرمحيقيم الثقاف من تأويده
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع