تجاوز إلى المحتوى

من «العقد المفصل» لحيدر الحلي (ت ١٣٠٤هـ)

فصل في نسبه وحسبه وأصله وشرف بيته

أقول: أمّا نسبه فهو القمر الطالع بأعلا آفاق العراق، محمّد الملقّب بالحسن، المكنّى بأبي الهادي بن محمّد، الملقّب بصالح الزمن بن المصطفى للكرم، وأتقى من عرف واستلم.

نسب أناف على الأنام بهشرفاً فطال به على قصره
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
هو عقد فضل لم تزل أبداًتتزيّن العلياء في درره

ذكرت بقولي على قصره قول أبي العلا المعرّي في تعزية الشريفين المرتضى وأخيه الرضي:

أنتم ذووا النسب القصير فطولكمباد على الكبرآء والأشراف
والراح إن قيل ابنة العنب اكتفتباب من الأسماء والأوصاف
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «أودى فليت الحادثات كفاف»

يريد: أنتم في النسب لا تحتاجون إلى تعدّد آباء كثيرة، بل يكفيكم ذكر أب واحد، لأنّ آبائكم كلّهم كبراء كالراح إذا قيل ابنة العنب كفاها هذا النسب عن ذكر أوصاف زائدة على هذه النسبة.

وأسماء تكسبها شرفاً، وهذا من أجود التمثيل وأحسنه، لأنّ الرجل إذا كان شريفاً وذكر أباه وعرف به قصر نسبه، وإذا لم يكن شريفاً افتقر إلى أن يذكر آباءً كثيرة حتّى يصل إلى أب شريف يعرف به، وما أحسن قول أبي المناقب وهو يماثل قول المعرّي هذا:

لا تمتدحه بآباء له كرمواوأحرزوا الأمد الأقصى أباً فأبا
فالراح قد أكثر المدآح وصفهملها ولم يذكروا في وصفها عنبا

وحكى الفرزدق قال: خرجت من البصرة أُريد العمرة، فرأيت عسكراً في البرية، فقلت: عسكر من هذا؟ فقيل: عسكر الحسين بن علي، فقلت: لأقضينّ حقّ رسول الله ﵌، فأتيته وسلّمت عليه، فقال: من الرجل؟ فقلت: الفرزدق بن غالب، فقال: هذا نسب قصير، قلت: أنت أقصر منّى نسباً، أنت ابن رسول الله ﵌.

وقال رؤبة العجاج:

قد رفع العجاج ذكري فادعنيباسمي إذا الأسماء طالت تكفّني

ويقال: إنّه دخل رؤبة على دغفل النسابة، فقال له: من أنت؟ قال: ابن العجاج، فقال دغفل: قصرّت وعرّفت.

وقال الجمحي وقد أتاه بعض الناس يستشيره في امرأة أراد التزويج بها: أقصيرة هي أم غير قصيرة؟ فلم يفهم ذلك، فقال الجمحي: أردت القصيرة النسب تعرف بأبيها أو جدّها، وعلى هذا قول بعضهم:

أحبّ من النسوان كلّ قصيرةلها نسب في الصّالحين قصير

قوله: كلّ قصيرة، أراد المقصورة في البيت لا تترك أن تخرج منه.

ولطيف في ذلك قول ذي الرمة:

وأنت التي حبّبت كلّ قصيرةإليّ وما تدري بذاك القصائر
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «عفا رابغ من أهله فالظواهر»
عنيت قصيرات الجمال ولم أردقصار الخطا شرّ النساء البحاتر

ولنذكر هنا نبذاً ظريفة وجملاً طريفة في الأسماء والكُنى والألقاب من حديث عليّ ﵇ عن النبي ﵌: إذا سمّيتم الولد محمّداً فأكرموه، وأوسعوا له في المجلس، ولا تقبحوا له وجهاً.

وعنه ﵌: ما من قوم كانت لهم مشورة فحضر معهم عليها من اسمه محمّد أو أحمد فأدخلوه في مشورتهم إلاّ خيّر لهم، وما من مائدة وضعت وحضر عليها من اسمه محمّد أو أحمد إلاّ وقدّس ذلك المنزل في كلّ يوم مرّتين.

وروى جابر عن النبي ﵌: ما من بيت فيه أحد اسمه محمّد إلاّ وسّع الله عليه الرزق، فإذا سمّيتموه فلا تضربوه ولا تشتموه، ومن ولد له ثلاثة ذكور ولم يسمّ أحدهم محمّداً أو أحمد فقد جفاني.

وفي شرح النهج لابن أبي الحديد: جاء في الحديث: تسمّوا بأسماء الأنبياء، وأحبّ الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام، وأقبحها حرب ومرّة.

وكان سعيد بن المسيّب بن حزن المخزومي أتى جدّه رسول الله فقال له: من أنت؟ قال: حزن، فأراد النبي تغيير اسمه، فقال: لا بل أنت سهل. فقال: لا بل أنا حزن، عاوده فيها ثلاثاً، ثمّ قال: لا أحبّ هذا، الإسم السهل يوطىء ويمتهن، فقال ﵌: فأنت حزن. فكان سعيد يقول: ما زلت أعرف تلك الحزونة فينا.

وقال الزمخشري: قد قدم الخلفاء وغيرهم من الملوك رجالاً بحسن أسمائهم، وأقصوا قوماً لبشاعة أسمائهم، وتعلّق المدح والذم بذلك في كثير من الأثر، كتب الجاحظ إلى أبي الفرج بن نجاح بن سلمة رسالة، منها: وأقد أظهر الله في أسمائكم وأسماء آبائكم وكناكم وكني أجدادكم من برهان الفال الحسن ونفي طيرة السوء ما جمع لكم صنوف الأمل، وصرف إليكم وجوه الطلب، فأسمائكم وكناكم بين فرج ونجاح وسلامة وفضل، ووجوهكم وأخلاقكم وفق أعراقكم وأفعالكم، فلم يأخذ التفاوت فيكم بنصيب.

وأراد عمر الإستعانة برجل، فسئله عن اسمه، فقال: سراق بن ظالم، فقال: تسرق أنت ويظلم أبوك، فلم يستعن به.

وسأل بعضهم رجلاً عن اسمه، فقال: ما اسمك؟ قال: بحر، قال: أبو من؟ قال: أبوالفيض، قال: ابن من؟ قال: ابن الفرات، قال: ما ينبغي لصديقك أن يلقاك إلاّ في زورق.

وكان بعض العرب اسمه وثّاب، وله كلب اسمه عمرو، فهجاه أعرابي آخر، فقال:

ولو هيّا له اللهمن التوفيق أسبابا
لسمّى نفسه عمرواًوسمّى الكلب وثّابا

وقال محمّد بن صدقة ليموت بن المزرع: صدق الله فيه اسمك، فقال له: أحوجك الله إلى اسم أبيك.

وما أظرف قول بعضهم في نحوي اسمه نفطويه:

لا خير في النحو وطلاّبهإن كان من طلاّبه النفطويه
أحرقه الله بنصف اسمهوصيّر الباقي نياحاً عليه

ومثّل هذا في الظرافة قول بعضهم في من اسمه موسى، وإن كان بمعزل عن البشاعة:

حلّقت لحية موسى باسمهوبهارون إذا ما قلبا
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «حلقت لحية موسى باسمه»

ومن الملح النادرة ولم تحضرني كلّها ما حكي أنّ صبيّاً كان اسمه مرّة، واسم أبيه حنظلة، فقال له أبوه: إنّك لمرّ يا مرّة، فقال له: أعجبتني حلاوة أبي.

ويروى أنّه لمّا أقبل قحطبة بن شبيب نحو ابن أبي هبيرة، أراد ابن أبي هبيرة أن يكتب إلى مروان بخبره وكره أن يسمّيه، فقال: اقلبوا اسمه، فوجدوه "هبط حق"، فقال: دعوه على هيئته.

وقال برصوما البرام لاُمّه: ويحك أما وجدتي لي اسماً تسمّيني به غير هذا؟ فقالت: لو علمت أنّك تجالس الخلفاء والملوك لسمّيتك يزيد بن مزيد.

ودخل شريك بن الأعور على معاوية وهو يختال في مشيته، فقال له معاوية: إنّك لشريك وما لله من شريك، وإنّك ابن الأعور والصحيح خير من الأعور، وإنّك لدميم والوسيم خير من الدميم، فبم سوّدك قومك؟ فقال له شريك: وإنّك معاوية وما معاوية إلاّ كلبة عوت فاستعوت فسمّيت معاوية، وإنّك ابن صخر والسهل خير من الصخر، وإنّك ابن حرب والسلم خير من الحرب، وأنت ابن اُميّة وما اُميّة إلاّ أمة صغرت فسمّيت اُميّة، فبم صرت أميرالمؤمنين؟ فقال له معاوية: أقسمت عليك إلاّ خرجت عنّي، فخرج وهو يقول:

أيشتمني معاوية بن حربوسيفي صارم ومعي لساني
وحولي من ذوي يمن ليوثضراغمة تهشّ إلى الطعان
يعيّر بالدمامة من سفاهوربّات الحجال من الغواني
ذوات الحسن والريبال جهمشئيم وجهه ماضي الجنان

وقيل: ولد لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب ولد ذكر فبُشِّر به وهو عند معاوية بن أبي سفيان، فقال له معاوية: سمّه باسمي ولك خمسمائة ألف درهم، فسمّاه معاوية، فدفعها إليه وقال: اشتر بها لسميّي ضيعةً.

ويقال أنّه ارتفع إلى بعضهم وكان يتشيّع خصمان اسم أحدهما علي والآخر معاوية، فانحنى على معاوية فضربه مائة سوط من غير أن اتّجهت عليه حجّة، ففطن من أين أُتي، فقال: أصلحك الله، سل خصمي عن كنيته، فإذا هو أبو عبد الرحمن، وكانت كنية معاوية بن أبي سفيان، فبطحه وضربه مائة سوط، فقال لصاحبه: ما أخذته منّي بالإسم استرجعته منك بالكنية.

ودخل جرير على الوليد بن عبد الملك وعنده عدي بن الرقاع العاملي، فقال الوليد لجرير: أتعرف هذا؟ قال: لا يا أميرالمؤمنين، قال: هذا عدي بن الرقاع، فقال جرير: شرّ الثياب الرقاع، فممّن هو؟ قال: من عامله، فقال جرير: (عامِلَةٌ ناصِبَة، تَصْلى ناراً حامية)، ثمّ قال:

يقصر باع العاملي عن العُلىولكن أير العاملي طويل

فقال له عدي:

أُمّك كانت خبّرتك بطولهأم أنت امرء لم تدر كيف تقول

فقال جرير: بل لم أدر كيف أقول، فوثب عدي إلى رجل الوليد يقبّلها وقال: أجرني منه، فقال الوليد لجرير: إن ذكرته في شعرك لأسرجنّك ولألجمنّك حتّى يركبك فيعيرك بذلك الشعراء.

وأظنّ أنّ من تتمّة هذه القصّة ما هذا مضمونه: إنّ جريراً لمّا خرج من عند الوليد وإلى جنبه عدي، قال لمن على الباب: كدت أخرج إليكم وهذا القرد على عاتقي.

وقيل لبعض صبيان الأعراب: ما اسمك؟ قال: قراد، قيل: لقد ضيّق عليك أبوك الإسم، قال: إن ضيق الإسم لقد أوسع الكنية. قيل: ما كنيتك؟ قال: أبو الصحاري.

ونظر المأمون إلى غلام حسن الوجه في الموكب، فقال له: ما اسمك؟ قال: لا أدري، قال: يا غلام أو يكون أحد لا يعرف اسمه؟ فقال: يا أميرالمؤمنين اسمي الذي أُعرَفُ به "لا أدري"، فقال المأمون:

وسمّيت لا أدري لأنّك لا تدريبما فعل الحبّ المبرح في صدري

ومن أبيات المعاني:

وحللت من مضر بأمنع ذروةمنعت بحدّ الشوك والأحجار

قالوا: يريد بالشوك أخواله وهم قتادة وطلحة وعوسجة، وبالأحجار أعمامه وهم صفوان وفهر وجندل.

وجمع ابن دريد ثمانية اسماء في بيت واحد وهو قوله:

فنعم أخ الجلى ومستنبط الندىوملجأ مكروب ومفزع لاهث

عياذ بن عمرو بن الجليس بن عامر بن زيد بن منظور بن زبد بن وارث وقال بعضهم:

لعمرك ما الأسماء إلاّ علامةمنار ومن خير المنار ارتفاعها
للشاعر مسكين الدرامي، من قصيدة «إِن ادع مسكينا فلست بمنكر»

وقال الفرزدق:

وقد تلتقي الأسماء في النّاس والكُنىكثيراً ولكن ميّزوا في الخلائق

وقال البحتري:

وإذا الأنفس اختلفن فمايغني اتّفاق الأسماء والألقاب
للشاعر البحتري، من قصيدة «ما على الركب من وقوف الركاب»

قال الزمخشري في ربيع الأبرار: إعلم أنّ الإسم كلّما كان غريباً كان أشهر لصاحبه وأمنع من تعلّق النبز به، كما سمّيت "اسما" بنت أبي بكر "ذات النطاقين"، وقد صارت لها هذه الصفة علماً بالتغليب بحيث لم يوجد في نظم الشعراء من وصف به غيرها من النساء، وسمّيت بذلك لأنّها كانت تطارق نطاقاً فوق نطاق عند معاناة الأشغال، أو كانت تظاهر بين نطاقين لزيادة التستّر، أو غير ذلك ممّا هو منقول في محلّه.

قال ابن الأثير في نهايته: المنطق النطاق وجمعه مناطق وهو أن تلبس المرأة ثوبها ثمّ تشدّ وسطها بشيء وترفع وسط ثوبها وترسله على الأسفل لئلاّ تعثر في ذيلها، وهذا أليق بالقول الأوّل وهو أنّها تصنع ذلك عند معاناة الأشغال.

وفي القاموس: المنطقة كمكنسة ما ينتطق به وكمنبر وكتاب شقّة تلبسها المرأة وتشدّ وسطها فترسل الأعلا على الأسفل إلى الأرض، والأسفل ينجرّ على الأرض ليس لها حجزة ولا نيفق ولا ساقان، وانتطقت لبستها.

قوله: ولا نيفق، نيفق السراويل، الموضع المتّسع منها، وهذا أليق بالوجه الثاني وهو أنّها تصنع ذلك لزيادة التستّر.

وكما سمّيت هنيدة بنت صعصعة "ذات الخمار" وهي عمّة الفرزدق، وكانت تقول: من جاءت بأربعة كأربعتي من نساء العرب يحلّ لها أن تضع خمارها عندهم فصرمتي لها: أبي صعصعة، وأخي غالب، وخالي الأقرع بن حابس، وزوجي الزبرقان بن بدر.

قولها: فصرمتي لها، الصرمة بكسر الصاد وسكون الراء القطعة من الإبل.

وكما سمّي الإسكندر "ذاالقرنين" من حيث ملك الشرق والغرب. وقيل: لكونه رأى في النوم أنّه أخذ بقرني الشمس، أو غير ذلك ممّا ذُكر.

وكما سمّي خزيمة "ذا الشهادتين" وسبب تسميته بذلك أنّ النبي ﵌ استقضاه يهودي ديناراً، فقال له: أولم أقضك؟ فطلب البيّنة، فقال لأصحابه: أيّكم يشهد لي؟ فقال خزيمة: أنا يا رسول الله، فقال: وكيف تشهد بذلك ولم تحضره ولم تعلمه؟ فقال: يا رسول الله إنّا نصدّقك على الوحي من السماء، فكيف لا نصدّقك أنّك قضيته، فأنفذ شهادته وسمّاه بذلك لأنّه صيّر شهادته شهادة رجلين.

وكما سمّي قتادة بن النعمان "ذا العينين" وسبب ذلك أنّه اُصيبت عينه يوم اُحد فسقطت على خدّه، فردّها رسول الله فكانت أصحّ وأحسن من الاُخرى وكانت تعتلّ الباقية ولا تعتل المردودة، فقيل له ذا العينين أي له عينان مكان الواحدة.

وكما يُسمّى الجارح من الطير "ذا النظرتين" لأنّه ينظر ثمّ يطأطأ فإذا أثبت الصيد مكانه قصده.

وكما يُسمّى الجاسوس من الطّير "ذا العينين".

وطاهر بن الحسين "ذا اليمينين" سمّى بذلك لأنّه قال له المأمون: يمينك يمين أميرالمؤمنين وشمالك يمين فبايع بيمينك يمين أميرالمؤمنين. وكتب إليه بعض أصحابه كتاباً عنونه بقوله: للأمير المهذّب المكنّى بأبي الطيب ذي اليمينين طاهر بن الحسين.

والفضل بن سهل "ذا الرياستين" لأنّه دبّر أمر السيف والقلم، وولي رياسة الجيوش والدواوين، ودخل عليه شاعر يوم المهرجان وبين يديه الهدايا، فقال:

اليوم يوم المهرجانوهديّتي فيه لساتي
لك دولتان قديمةوحديثة ورياستان
لك في الذرى من هاشمبيت وبيت خسرواني
علم الخليفة حيث أنتفصرت في هذا المكان

فأمر له بجميع الهدايا.

وللشعراء تصرّفات عجيبة وتفنّنات غريبة في جملة من الأسماء من تفأل وهجاء وغير ذلك من ظرائف الأنحاء.

قال بعضهم في هجاء من اسمه لؤلؤ:

سمّتك أُمّك لؤلؤ فكأنّهاعلمت بأنّك بعد حين تثقب
وسمعت تدعى بالجواد فلم أزلمتعجّباً حتّى رأيتك تُركب

نظير قول بعضهم من جملة أبيات:

إذا قيل في الدنيا جواد فقل نعمجواد ركوب لا جواد عطاء

وقال الباخرزي في مأبون:

فكأنّه فرعون إلاّ أنّهمن جانب الوجعاء ذوالأوتاد

والوجعاء المراد بها الاُست لا مطلقاً بل أُست المأبون.

وسمع البحتري قول ابن الرومي:

سمّاه أُسرته العلاء وإنّماقصدوا بذلك أن يتمّ علاه

فقال: أخذه من قولي:

كأنّ أباه حين سمّاه صاعداًرأى كيف يرقى في المعالي ويصعد

وقال البحتري:

سمّاه سعداً ثمّ لم يسعد بهعمري لقد ألفاه سعد الذابح

ومن ظريف ما يُحكى أنّ شهاب الدين كان يوماً عند الملك الأشرف، فدخل عليه سعدالدين الحكيم، وكانت بينهما وحشة، فقال الأشرف: ما تقول يا شهاب الدين في سعدالدين؟ فقال: إذا كان عندك فهو سعد السعود، وإذا كان على السماط فهو سعد بلع، وفي الخيام عن الضيوف سعد الأخبية، وعند المريض سعد الذابح (وهذه الأربعة في برج الجدي والدلو ينزلها القمر).

وممّا جاء للشعراء في مدح الأنساب والإفتخار بها في الأشعار قول أبي تمام:

نسب كان عليه من شمس الضحىنوراً ومن فلق الصباح عمودا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «طلل الجميع لقد عفوت حميدا»

وقول البحتري:

نسب كما اطّردت كعوب مثقفلدن يزيدك بسطة في الطول
للشاعر البحتري، من قصيدة «في غير شأنك بكرتي وأصيلي»

وقول الشريف الرضي:

لهم نسب كاشتباك النجومترى للمناقب فيه ازدحاما
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ضربن إلينا خدودا وساما»

وقول مهيار:

أعجبت بي بين نادي قومهاأُمّ سعد فمضت تسئل بي
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «أُعجِبت بي بين نادي قومِها»
سرّها ما علمت من خلقيفأرادت علمها ما حسبي
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «أعجبتْ بي بين نادي قومها»
لا تخالي نسباً يخفضنيأنا من يرضيك عند النسب
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «أُعجِبت بي بين نادي قومِها»
قومي استعلوا على الدهر علاًومضوا فوق رؤس الحقب
عمّموا بالشمس هاماتهموبنوا أبياتهم بالشهب
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «أُعجِبت بي بين نادي قومِها»
وأبي كسرى على أيوانهأين في الناس أب مثل أبي
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «أُعجِبت بي بين نادي قومِها»
سؤدد الملك القدامى وعلىشرف الإسلام لي والأدب
قد قبست المجد من خير أبوقبست الدين من خير نبي
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «أُعجِبت بي بين نادي قومِها»
وضممت الفخر من أطرافهسؤدد الفرس ودين العرب
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «أُعجِبت بي بين نادي قومِها»

وقولي في نسب بعض أكابر العلويين:

نسب عقدن أصولهبذوائب العليا فروعه
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة

ولنختم هذا المقام بما قاله أبوالحسين ابن عبد الله السلامي مخاطباً للشريف الرضي، ولعمري إنّ من ألّفت لأجله هذا الكتاب لخليق بذلك الخطاب:

متناسلين وأنت كنت مرادهممتردّدين إليك في الأصلاب
للشاعر أبو الحسن السلامي، اقرأ القصيدة
حتّى ولدت فأغفلوا أنسابهموغدى وجودك أشرف الأنساب
للشاعر أبو الحسن السلامي، اقرأ القصيدة

وأمّا حسبه: فغرّة في جباه المآثر، وزهرة في رياض الفضل، قد عطّر جيب الدهر بأرجه، ولألأ سماء الشرف بأشعّته.

حسب لو لبست شمس الضحىنوره ما لبست ثوب غروب
برد فخر وعلى خير الورىبيّد السؤدد مزور الجيوب

والحسب هو ما يعدّ من مفاخر الآباء أو المال أو الدين أو الكرم أو الشرف في الفعل أو الشرف الثابت في الآباء، وقد يكون الحسب والكرم لمن لا آباء له شرفاء بخلاف المجد، والذي أراه أنّه لا يكمل للمرء فخره بحسبه إلاّ إذا كان له من المآثر ما كان لآبائه، وإلى ذلك يشير قول الشاعر:

إنّا وإن أحسابنا كرمتلسنا على الأحساب نتّكل
نبني كما كانت أوائلناتبني ونفعل مثلما فعلوا
للشاعر إسماعيل صبري، من قصيدة «إنا إذا سلبت وظائفنا»

وممّن أجاد في الإفتخار بحسبه أبوالطمحان وذلك حيث قال:

وإنّي من القوم الذين هم همإذا مات منهم سيّد قام صاحبه
للشاعر أبو الطَمحان القَيني، اقرأ القصيدة
أضائت لهم أحسابهم ووجوهمدجى الليل حتّى نظّم الجزع ثاقبه
نجوم سماء كلّما انقضّ كوكببدى كوكب تأوى إليه كواكبه
للشاعر محمد الشوكاني، من قصيدة «تهدم من ربع المعارف جانبه»
وما زال منّا حيث كان مسوّدتسير المنايا حيث سارت مواكبه

أخذ قوله: أضائت لهم إلى آخره أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن تميم المعروف بالحصيري القيراوي فنقله من الإفتخار إلى الغزل، فقال:

حتّى إذا طاح منها المرط من دهشوانحلّ بالظلم نظم العقد في الظلم
تبسّمت فأضاء الليل فالتقطتحباة منتثر في ضوء منتظم

وأخذ السيّد الرضي فقال:

بتنا ضجيعين في ثوبي هوى وتقىيلفّنا الشوق من قرن إلى قدم
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «يا ليلة السفح ألا عدت ثانية»
وبات بارق ذاك الثغر يوضح ليمواقع اللثم في داج من الظلم
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «يا ليلة السفح ألا عدت ثانية»

وقال أبو التمام وأحسن ما شاء في نعت الأحساب:

ما إن ترى الأحساب بيضاً وضحاًإلاّ بحيث ترى المنايا سودا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «طلل الجميع لقد عفوت حميدا»

وقال أبوطالب المأموني مفتخراً:

أرى مأربكم في نظم قافيةوما أرى لي في غير العلا إربا
للشاعر أبو طالب المأموني، اقرأ القصيدة
عدّوا عن الشعر إنّ الشعر منقصةلذي العلاء وهاتوا المجد والحسبا
للشاعر أبو طالب المأموني، اقرأ القصيدة

ويشعر بذلك قول أفلاطون الحكيم: من جمع إلى شرف أصله شرف نفسه فقد قضى الحقّ الذي عليه واستدعى التفضيل بالحجّة، ومن أغفل نفسه واعتمد على شرف آبائه فقد عقّهم واستحقّ أن لا يقدم بهم على غيره.

وقوله أيضاً: كما أنّ من كان له سلف في الشجاعة والسخاء لا يستحقّ أن يكرم لسلفه إذا كان جباناً بخيلاً، فكذلك سائر أنواع الشرف لا يستحقّ المنتسب إليها التقديم إلاّ إذا حوى ما يذكر به أسلافه.

وقال أيضاً: السعيد من تمّت به رياسة آبائه، والشقي منهم من انقطعت عنده.

أقول: بل أرى المرء بحسبه أكمل في الفخر إذا زاد بشرف نفسه ذكر آبائه نباهة، وما أحسن قول مهيار في زيادة الابن على آبائه شرفاً:

وجئت بمعنىً زائد فكأنّهموما قصروا عن غاية المجد قصّروا
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «وفى لي بك الحظ الذي كان يغدر»

وقوله أيضاً وهو من بدائعه ونوادره، بل هو بالسحر أشبه منه بالشعر، وذلك حيث قال:

إن كنت ممّن طواه الدهر ممترياًمنهم فعندك من منشورهم خبر
هذا الحسين حيوة خلّدت لهمما هم بأوّل موتى بابنهم نشروا
صلّى فزادت على السبّاق حلبتهمحلّق العرف جار خطوه حضر
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «هل عند ريح الصبا من رامة خبر»
كالسهم أحرز ذكراً يوم ترسلهلم يعطه أبواه القوس والوتر
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «هل عند ريح الصبا من رامة خبر»
عصارة فضّلت في الطيب طينتهاوالخمر أطيب شيء منه يعتصر
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «هل عند ريح الصبا من رامة خبر»

قوله: جار خطوه حضر أي واسع.

وأمّا أصله: فأقول إنّه تفرّع عن أصل تروّت بماء الكرم أرومته، ونمت في طينة الشرف جرثومته، وبسقت أراكة شرفه في آفاق المآثر آخذةً بأطراف المفاخر، فتفيّأ العفاف ظلّ أفنانها، واجتنت أكفّ الآمال ثمار أغصانها.

كريم تفرّع عن دوحةذكى في العلا طيب أعراقها
وكم قد تغنّت بأحلى المديححمام الثناء على ساقها

وعلى ذكر الأصل ما رواه الصلاح الصفدي في شرح لامية العجم، قال: نقلت من بعض مجاميع القاضي شمس الدين بن خلّكان قال: أنشدني بعض الاُدباء في الجمال أبي الحسين الجزّار ولا أعرف قائله ولا الأبيات المضافة إليه، فقلت لأبي الحسين ذلك، وقلت إن كنت تعرف ذلك فأنشدنيه وعرّفني قائله، فقال: وما البيت؟ فأنشدته:

فليس يرجوه نمير كلبوليس يخشاه نمير تيس

قال: فاستحسن ذلك المعنى، وجائني ثاني يوم وقال: قد عملت أبياتاً، وأنشدني قوله:

ألا قل للذي يسئلعن قومي وعن أهلي
يريقون دم الأنعامفي حزن وفي سهل
وما زالوا لما يبدونمن بأس ومن بذل
يرجّيهم بنو كلبويخشاهم بنو عجل
للشاعر أبو الحسين الجزار، من قصيدة «ألا قل للذي يسأل»

قال الصلاح: وأوّل البيتين اللّذَين أوردهما ابن خلّكان هو:

إن تاه جزّاركم عليكمبفطنة في الورى وكيس

وثانيهما البيت الذي مرّ ذكره، وهما لمجاهد الخيّاط، وله في أبي الحسين المذكور عدّة مقاطيع يهجوه بها، وقد عبث الناس بأبي الحسين وهجاه من أهل عصره خلق كثير بالشعر والأرجاز، وما كان في طبقته ممّن هجاه من يقاربه في النظم.

ولأبي الحسين الجزّار أيضاً وهو في غاية الحسن:

إنّي لمن معشر سفك الدماء لهمدأب وسل بهم إن شئت تصديقي
تضيء بالدم أشراقاً عراصهموكلّ أيّاهم أيّام تشريق

ومن هذا الباب ما قال بعضهم فيمن كان أبوه حجّاماً وهو في غاية الظرافة:

أبوك أوهى النجاة عاتقهوكم كمي أردى وكم بطل
له رقاب الملوك خاضعةمن بين حاف وبين منتعل
يأخذ من مالها ومن دمهالم يمس من ثاره على وجل

ومن الحكايات اللطيفة في هذا الباب ما رواه الصلاح الصفدي عن بعضهم قال: كنت جالساً عند بعض ولات الطوف ليلة، فجاء بعض غلمانه إليه برجلين فقال لأحدهما: من أبوك؟ فقال:

أنا ابن الذي لا تنزل الدهر قدرهوإن نزلت يوماً فسوف تعود
ترى الناس أفواجاً على باب دارهفمنهم قيام حولها وقعود

فقال الوالي: ما كان أبو هذا إلاّ كريماً، ثمّ قال للآخر: من أبوك؟ فقال:

أنا ابن من دانت الرقاب لهمابين مخزومها وهاشمها
خاضعةً أذعنت لطاعنهيأخذ من مالها ومن دمها

فقال الوالي: ما كان أبو هذا إلاّ شجاعاً وأطلقهما، فلمّا انصرفا قلت للوالي: أمّا الأوّل فكان أبوه يبيع الباقلاء المصلوقة، وأمّا الثاني فكان أبوه حجّاماً، فقال الوالي:

كن ابن من شئت واكتسب أدبايغنيك مضمونه عن النسب
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «كن ابن من شئت واكتسب أدبا»
إنّ الفتى من يقول ها أنا ذاليس الفتى من يقول كان أبي
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «كن ابن من شئت واكتسب أدبا»

وفي معنى هذين البيتين ما روي أنّ الخصيب صاحب مصر سأل أبا نؤاس عن نسبه، فقال: أغناني أدبي عن نسبي.

وممّا يناسب هذا المعنى قول المتنبي:

لا بقومي شرّفت بل شرّفوا بيوبجدّي فخرت لا بجدودي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»
وبهم فخر كلّ من نطق الضادوعوذ الجاني وغوث الطريد
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ويقال لمن يفخر بنفسه هو "عصامي" إشارة إلى قول النابغة في عصام حاجب النعمان:

نفس عصام سوّدت عصاماوعلّمته الكرّ والإقداما
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «نفس عصام سودت عصاما»

وصيّرته ملكاً هماما ويقال لمن يفخر بآبائه "عظامي" إشارة إلى فخره بالأموات من آبائه ورهطه، قال الشاعر:

إذا ما الحي عاش لعظم ميتفذاك العظم حيّ وهو ميت

ودخل عبيد الله بن زياد التميمي على أبيه وهو يجود بنفسه، فقال: ألا اُوصي بك الأمير؟ فقال: إذا لم يكن للحي إلاّ وصيّة الميّت فالميّت هو الحي.

ويقال: إنّ عطاء بن سفيان قال ليزيد بن معاوية: أغنني عن غيرك، قال: حسبك ما أغناك به معاوية، قال: فهو إذاً الحي وأنت الميّت.

قال علي ﵇: من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه.

وقال ﵇: من فاته حسب نفسه لم ينفعه حسب آبائه.

قال الشاعر:

لئن فخرت بآباء ذوي حسبلقد صدقت ولكن بئسما ولدوا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «لئن فخرت بآباء ذوي حسب»

وكان يقال: أجهل الناس من افتخر بالعظام البالية، وتبجح بالقرون الماضية، واتّكل على الأيّام الخالية.

وكان يقال: من طريف الاُمور حيّ يتّكل على ميّت.

وكان يقال: ضعة الدني في نفسه الرفيع في أصله أقبح من ضعة الوضيع في نفسه وأصله، لأنّ هذا تشبه بآبائه وسلفه وذاك قصر عن أصله وسلفه، فهو إلى الملامة أقرب وعن العذر أبعد.

وافتخر شريف بآبائه فقيل له: لو وفّقت لما ذكرت أباك لأنّه حجّة عليك تنادي بنقصك وتقرّ بتخلّفك.

وكان جعفر بن يحيى يقول: ليس من الكرام من افتخر بالعظام.

وقال الفضل بن الربيع: كفى بالمرء عاراً أن يفتخر بغيره.

وقال: من افتخر بآبائه فقد نادى على نفسه بالعجز، وأقرّ على نفسه بالدنائة.

وقيل لرجل يدلّ بشرف أبيه: لعمري لك أوّل ولكن ليس لأوّلك آخر.

ومثله: إنّ شريفاً بآبائه فاخر شريفاً بنفسه، فقال الشريف بنفسه: إنتهى إليك شرف أهلك ومنّي ابتدء شرف أهلي، وشتّان بين الإبتداء والإنتهاء.

وقيل لشريف ناقص الأدب: إنّ شرفك بأبيك لغيرك، وشرفك بنفسك لك، فافرق بين ما لك وما لغيرك، ولا تفرح بشرف النسب فإنّه دون شرف الأدب.

قال ابن الرومي:

وما الحسب الموروث لا درّ درّهبمحتسب إلاّ بآخر مكتسب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «وما الحسب الموروث لا در دره»
إذا العود لم يثمر وإن كان شعبةمن المثمرات اعتدّه الناس في الحطب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «وما الحَسَبُ الموروثُ لا درَّ دَرُّه»

وقال آخر:

وما فخري بمجد قام غيريإليه وقد رقدت الليل عنّه
إلى حسب الفتى في نفسه انظرولا تنظر هديت إلى ابن من هو

وقال آخر:

إذا فخرت بآبائي وأجداديفقد حكمت على نفسي لأضدادي
هل نافعي إنّ سعي جدّي لمكرمةونمت عن أختها في جانب الوادي

وقال آخر:

أيقنعني كوني ابن من كوني ابنهأبى لي أن أرضى لفخري بمجده
إذا المرء لم يحو العلاء بنفسهفليس بحاو للعلاء بجدّه
وهل يقطع السيف الحسام بأصلهإذا هو لم يقطع بصارم حدّه

ويقال لمن يفخر بغير أولية كانت له "خارجي"، قال كثير العبد العزيز:

أبا مروان لست بخارجيوليس قديم مجدك بانتحال
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «ابا مروان لست بخارجي»

وأمّا بيته: فأقول إنّه نشأ في بيت رفعت يد العزّ على أوّل الدهر قواعده، وطهرت للطائفين والعاكفين محاريبه ومساجده، ووقّرت الهيبة مجلسه، وزهرت به بشاشته المؤنسه، فلا ينطق نديّه العوراء، ولا تمرّ بأطراف سماطه البذائة والفحشاء، ومن كان له هذا البيت صدق فيه بيت الأرجاني:

وأحسن حلية بيت حديثيصاغ لمن له بيت قديم
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «لأي وميض بارقة أشيم»

بيتٌ هو معرس السفر، ومغرس الحمد والشكر، ومجتمع الرغائب، ومنتجع المواهب.

بيت مجد إن حوى شكر الورىفعلى معروفه كانوا عيالا
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
لم يكن للجود إلاّ مطلعاًيملأ العين هلالاً فهلالا
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة

ولقد أجاد الإفتخار في بيته الفرزدق بن غالب وذلك حيث قال:

إنّ الذي سمك السماء بنى لنابيتاً دعائمه أعزّ وأطول
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إن الذي سمك السماء بنى لنا»
بيتاً زرارة محتب بفنائهومجاشع وأبوالفوارس نهشل
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إن الذي سمك السماء بنى لنا»

حدّث سلمة بن عياض مولى بني عامر بن لوي قال: دخلت على الفرزدق السجن وهو محبوس وقد قال قصيدته التي منها:

إنّ الذي سمك السماء بنى لنابيتاً دعائمه أعزّ وأطول
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إن الذي سمك السماء بنى لنا»
بيتاً بناه لنا المليك وما بنىملك السماء فانّه لا ينقل
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إن الذي سمك السماء بنى لنا»

وقد أُفحم، فقلت: ألا أرفدك؟ فقال: وهل عندك ذاك؟ قلت: نعم، ثمّ قلت:

بيتاً زرارة محتب بفنائهومجاشع وأبوالفوارس نهشل
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إن الذي سمك السماء بنى لنا»

فاستجاد البيت وغاظه قولي، فقال لي: ممّن أنت؟ فقلت: من قريش، قال: من أيّها؟ قلت: من بني عامر بن لوي، فقال: لئام والله وضيعة جاورتهم بالمدينة فما أحمدتهم، فقلت: ألأم والله منهم وأوضع قومك، جائك رسول مالك بن المنذر وأنت سيّدهم وشاعرهم فأخذ بأُذنك يقودك حتّى حبسك فما اعترضه أحد ولا نصرك، فقال: قاتلك الله ما أمكرك، وأخذ البيت وأدخله في قصيدته.

وحدّث أبو مالك الرواية قال: سمعت الفرزدق يقول: أبق غلامان لرجل منّا يقال له النضر، فحدّثني قال: خرجت في طلبهما وأنا على ناقة لي عيساء كوماء أُريد اليمامة، فلمّا صرت في ماء لبني حنيفة يقال له الصرصران، ارتفعت سحابة فأرعدت وأبرقت وأرخت عزاليها، فعدلت إلى بعض ديارهم وسألت القرى، فأجابوا، فدخلت داراً لهم وأنخت راحلتي وجلست تحت ظلّة لهم من جريد النخل، وفي الدار لهم جويرية سوداء إذ دخلت جارية كأنّها سبيكة فضّة وكأنّ عينيها كوكبان درّيّان، فسألت الجارية: لمن هذه العيساء - تعني ناقتي -؟ فقيل: لضيفكم هذا، فعدلت إليّ وسلّمت عَلَيّ، فرددت ﵍، فقالت: ممّن الرجل؟ فقلت: من بني حنظلة، فقالت: من أيّهم؟ فقلت: من بني نهشل، فتبسّمت وقالت: أنت إذاً ممّن عناه الفرزدق بقوله، وذكرت الأبيات السابقة، قال: فقلت: نعم جعلت فداك وأعجبني ما سمعت منها، فضحكت وقالت: فإنّ ابن الخطفي قد هدم عليكم بيتكم هذا الذي قد فخرتم به وذلك حيث يقول:

أخزى الذي رفع السماء مجاشعاًوبنى بناءً بالحضيض الأسفل
بيتاً يحمّم قينكم بفنائهدنساً مقاعده خبيث المدخل
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»

قال: فوجمت، فلمّا رأت ذلك في وجهي قالت: لا بأس عليك فإنّ الناس يقال فيهم ويقولون، ثمّ ساقت حديث اليمامة وقصّة ابن عمّها عمرو بن كعب بن عمرو بن محرق بن النعمان بن المنذر بن ماء السماء.

رجع إلى ما كنّا فيه: قال بعضهم وأحسن كلّ الإحسان بقوله مفتخراً:

إن أكن مهدياً لك الشعر إنّيلابن بيت تهدى له الأشعار
للشاعر يزيد المهلبي، اقرأ القصيدة

أخذ هذا المعنى الصاحب بن عباد أخذاً حسناً فقال مفتخراً:

إنّ خير المداح من مدحتهشعراء البلاد في كلّ نادي
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «من لقلب يهيم في كل وادي»

وقال مهيار الديلمي في أبي الحسن محمّد بن علي بن المزرع وقد بلغ النهاية في الحسن:

وحبّذا بين بيوت أسدبيت إذا ضلّ الضيوف هادي
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «حرم عليها نزهات الوادي»
أتلع طال كرماً ما حولهتشرّف الربى على الوهاد
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «حرم عليها نزهات الوادي»
موضحة على ثلاثة نارهإن سرقوا النيران في الرماد
بيت وسيع الباب مبلول الثرىممهّد المجلس رخص الزاد
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «حرم عليها نزهات الوادي»
إن قوّض البيوت أصل جائرطنّب بالآباء والأجداد
ترفع من محمّد سجوفهجوانب الظلماء عن زياد

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «العقد المفصل»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.