من «العقد المفصل» لحيدر الحلي (ت ١٣٠٤هـ)
فصل في نعت نثره ونظمه (٢)
وكان البحتري قال قصيدة في أبي العباس ابن بسطام أوّلها:
من قائل للزمان ما أربهفي خلق منه قد بدا عجبه
فعارضه فيها أبو أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بقصيدة يمدح بها الموفّق أوّلها:
أجدَّ هذا المقال أم لعبهأم صدق ما قيل فيه أم كذبه
فاستعار من ألفاظها ومعانيها ما أوجب أن قال البحتري:
ما الدهر مستنفد ولا عجبهتسومنا الخسف كلّه نوبه
نال الرضا مادح وممتدحفقل لهذا الزمان ما غضبه
أجلى لصوص البلاد يطردهموظل لص القريض ينتبه
أُردد علينا الذي استعرت وقلقولك يعرف الغالب غلبه
وقد ذمّ ابن الرومي البحتري بالسرقة فقال:
قبحاً لأشياء يأتي البحتري بهامن شعره الغث بعد الكدّ والتعب
كأنّها حين يسعى السامعون بهاممّن يميّز بين النبع والغرب
رقى العقارب أو هذر البنات إذاأضحوا على شعث الجدران في صخب
منها:
حيٌ يغير على الموتى فيسلبهمحرَّ الكلام بجيش غير ذي لجب
ما أن تزال تراه لابساً حللاًأسلاب قوم مضوا في سالف الحقب
شعرٌ يغير عليه باسلاً بطلاًفينشد الناس إيّاه على رقب
حتّى إذا كفّ عن عاداته فلهشعرٌ يئنّ مقاسيه من الوصب
شعرٌ كنافض حمّى الخيبري لهبرد وكرب فمن يرويه في كرب
قل للعلاء بن عيسى والذي نصلتبه الدواهي نصول الآل في رجب
أيسرق البحتري الناس شعرهمجهراً وأنت نكال اللصّ ذي الربب
وتارة يبرز الأرواح منطقهوالخلق مابين مغصوب ومغتصب
ومنها:
إذا أجاد فأوجب قطع مقولهفقد دعا شعراء الناس بالحرب
وإن أساء فأوجب قتله قوداًبمن أمات إذا أبقى على السلب
ولا يخفى على ذي لبّ ما في هذه الأبيات من التشنيع على البحتري والإنتقاص من حقّه وفيه يقول ابن الحاجب أيضاً:
والفتى البحتري سارق ما قال ابن أوس في المدح والتشبيب
كلّ بيت له يجوَّد معناهفمعناه لابن أوس حبيب
وللسري الرفاء من قصيدة خاطب فيها أبا الخطاب الفضل بن ثابت الصابي وقد سمع أنّ الشاعرين الخالديين يريدان الرجوع إلى بغداد وذلك أيّام المهلبي الوزير، أوّلها:
بكرت عليك مغيرة الأعرابفاحفظ ثيابك يا أباالخطّاب
ورد العراق ربيعة بن مكدَّموعتيبة بن الحارث بن كلاب
أفعندنا شكٌّ بأنّهما همافي الفتك لا في صحّة الأنساب
جلبا إليك الشعر من أوطانهجلب التجار طرائف الأجلاب
فبدائع الشعراء فيما جهّزامقرونة بغرائب الكتّاب
شنّا على الآداب أقبح غارةجرحت قلوب محاسن الآداب
فحذار من نفثات صلي قفرةوحذار من فتكات ليثَي غاب
لا يسلبان أخا الثراء وإنّمايتناهبان نتائج الألباب
إن عزَّ موجود الكلام عليهمافأنا الذي وقف الكلام ببابي
أو يهطبا من ذلّة فأنا الذيضربت على الشرف المطلّ قبابي
كم حاولا أمدي فطال عليهماإن يدركا إلاّ مثار ترابي
عجزا ولن تقف العبيد إذا جرتيوم الرهان مواقف الأرباب
ولقد حميت الشعر وهو لمعشررمم سوى الأسماء والألقاب
وضربت عنه المدّعين وإنّماعن حوزة الآداب كان ضرابي
فغدت نبيط الخالديّة تدّعيشعري وترفل في حبير ثيابي
قوم إذا قصدوا الملوك لمطلبنقضت عمائهم على الأبواب
من كلّ كهل تستطير سبالهلونين بين أنام البوّاب
مغض على ذلَّ الحجاب يردّهدامي الجبين تجهّم الحجّاب
ومفوّهين تعرّضاً لحرابتيفتعرّضت لهما صدور حرابي
نظراً إلى شعري يروق فترّبامنه خدود كواعب أتراب
شرباه فاعترفا له بعذوبةولربّ عذب عاد سوط عذاب
في غارة لم تنثلم فيها الضباضرباً ولم تبد القنا بخضاب
تركتْ غرائب منطقي في غربةمسبيّة لا تهتدي لإياب
جرحى وما ضربت بحدّ مهنّدأسرى وما حملت على الأقتاب
لفظ صقلت متونه فكأنّهفي مشرقات النظم درّ سحاب
وكأنّما أجريت في صفحاتهقمر اللجين وخالص الزّرياب
أغربت في تحبيره فرواتهفي نزهة منه وفي استغراب
وقطعت فيه شبيبةً لم تشتغلعن حسنه بصباً ولا بتصابي
وإذا ترقرق في الصحيفة ماؤهعبق النسيم فذاك ماء شبابي
يصغي اللبيب له فيقسم لبّهبين التعجّب منه والإعجاب
أعزز عَلَيّ بأن أرى أشلائهتدمى بظفر للعدوّ وناب
أفمنْ رماه بغارة مأمونهباعت ظباء الروم في الأعراب
إنّي نبذت على السواء إليكمافتأهّبا للفادح المنتاب
وإذا نبذت إلى امرء ميثاقهفليستعد لسطوتي وعقابي
وهي طويلة متناسبة في الحسن والعذوبة. وله من قصيدة مدح بها أباالبركات لطف الله بن ناصر الدولة يتظلّم إليه من الخالديين وقد ذهبا بشعره ومدحا به المهلبي وغيره.
يا أكرم الناس إلاّ أنْ يعدَّ أباًفات الكرام بآباء وآثار
أشكو إليك حليفَيْ غارة شهراسيف الشقاق على ديباج أفكاري
ذئبين لو ضفرا بالشعر في حرملمزّقاه بأنياب وأظفار
سلاّ عليه سيوف البغي مصلتةًفي جحفل من شنيع الظلم جرّار
وأرخصاه فقل في العطر ممتهنالديهما يشتري من غير عطّار
لطائم المسك والكافور فائحةمنه ومنتخب الهندي والغار
وكلّ مسفرة الألفاظ تحسبهاصفيحة بين إشراق وإسفار
أرقت ماء شبابي في محاسنهاحتّى ترقرق فيها ماؤها الجاري
كأنّما نفس الريحان تمزجهصبا الأصائل من أنفاس أنوار
إن قلّداك بدر فهو من لججيأو ختّماك بياقوت فأحجاري
باعا عرائس شعري بالعراق فلاتبعد سباياه من عون وأبكار
مجهولة القدر مظلوم عقائلهامقسومة بين جهّال وأغمار
ما كان ضرّهما والدر ذو خطرلو حلّياه ملوكاً ذات أخطار
وما رأى الناس سبياً مثل سبيهمابيعت نفائسه ظلماً بدينار
والله ما مدحا حيّاً ولا رثياميتاً ولا افتخرا إلاّ بأشعاري
هذا وعندي من لفظ أشعشعهسلافة ذات أضواء وأنوار
وله من قصيدة في أبي إسحاق الصابي وقد ورد عليه كتاب عن الخالديين بأنّهما منحدران إلى بغداد:
قد أظلّتك يا أبا إسحاقغارة اللفظ والمعاني الرقاق
فاتّخذ معقلاً لشعرك يحميهمروق الخوارج المرّاق
قبل رقراقة الحديد تريقالسمَّ في صفو مائه الرقراق
كان شنُّ الغارات في البلد القفرفأضحى على سرير العراق
غارة لم تكن بسمر العواليحين شنّت ولا السيوف الرقاق
جالس فرسانها عَلَيّ جلوساًلا أقلّتهم ظهور العتاق
فجعت أنفس الملوك أبا الهيجاء حرباً بأنفس الأعلاق
بقواف مثل الرياض تمشّتبين أنوارها جياد السواقي
بدع كالسيوف أرهفن حسناًوسقاهنّ رونق الطبع ساقي
مشرقات تريك لفظاً ومعنىحمرة الحلي في بياض التراقي
يا لها غارة تفرّق في الحومة بين الحمام والأطواق
تسمّ الفارس المقدَّم بالعاروبعض الأقدام عار باقي
لو رأيت القريض يرعد منهابين ذاك الإرعاد والإبراق
وقلوب الكلام تخفق رعباًتحت سامي لوئها الخفّاق
وسيوف الضلال تفتك فيهابعذاري الطروس والأوراق
والوجوه الرقاق دامية الأبشار في معرك الوجوه الصفاق
فتنفّست رحمةً للخدود الحمر منهنّ والقدود الرقاق
والرياض التي ألحّ عليهاكاذب الودق صادق الإحراق
والنجوم التي تظلّ نجومالأرض حسّادها إلى الإشراق
بعدما لحن في سماء المعاليطلعاً وانتثرن في الآفاق
وتخيّرت حليهنّ فلم تعدخيار النحور والأعناق
وقطّعت الشباب فيه إلى أنهمّ برد الشباب بالأخلاق
فهو مثل المدام بين صفاءوبهاء ونفحة ومذاق
منطق يخجل الرييع إذا حلّعليه السحاب عقد النطاق
يا هلال الآداب يابن هلالصرف الله عنك صرف المحاق
سوف أهدي إليك خدم المجدا إماءً تعاف قبح الإباق
كلّ مطبوعة على اسمك بادوسمها في الجباه والآماق
وقال في أبي تغلب من قصيدة ذكر فيها أحد الخالديين:
ولابدّ أن أشكو إليك ظلامةوغارة مغوار سجيّته الغصب
تخيّل شعري أنّه قوم صالحهلاكاً وأنّ لخالديّ له سقب
رعى بين أعطان له ومسارحفلم يرع فيهنّ العشار ولا النجب
وكان رياضاً غضةً فتكدّرتمواردها وأصفر في تربها العشب
يساق إلى الهجن المقارف جلبهوتسلّبه الغرّ المحجّلة القبّ
غضبت على ديباجه وعقودهفديباجه غصب وجوهره نهب
وأبكاره شتّى أذيل مصونهاوريعت عذاراها كما روّع السرب
وكنت إذا ما قلت شعراً حدت بهحداة المطايا أو تغنّى به الشرب
وقال أيضاً في أبي عثمان الخالدي:
لابدّ من نفثة مصدورفحاذروا صولة محذور
قد أنست العالم غاراتهفي الشعر غارات المغاوير
أثكلني غيد قواف غدتأبهى من الغيد المعاطير
أطيب ريحاً من نسيم الصباجائت بريّا المسك عن حور
من بعدما فتحت أنوارهافابتسمت مثل الأزاهير
وبات فكري بتصانيفهاينقشها نقش الدنانير
يا وارث الأغفال ما حبّروامن القوافي والمشاهير
أعط قفانبك أماناً فقدراحت بقلب منك مذعور
وله أيضاً من قصيدة أُخرى وقد تظلّم بها إلى سلامة بن فهد من الخالديين والتلعفري:
هل الصبر مُجد حين ادّرع الصبراوهل ناصرٌ للشعر يوسعه نصرا
تحيف شعري يابن فهد مصالتعليه فقد أعدمت منه وقد أثرى
وفي كلّ يوم للغبيين غارةتروّع ألفاظي المحجّلة الغرّا
غريب كسطر البرق لمّا تبسّمتمخائله للفكر أودعته سطرا
فوجه من الفتيان يمسح وجههوصدر من الأقوام يسكنه الصدرا
تناوله مثر من الجهل معدممن الحلم معذور متى بلّغ العذرا
فبعَّد ما قرَّبتُ منه غباوةوأورد ما سهّلت من لفظه وعرا
فمهلاً أبا عثمان مهلاً فإنّمايغار على الأشعار من عشق الشعرا
لأطفأتما تلك النجوم بأسرهاواد نستما تلك المطارف والأزرا
فويحكما هلاّ بشطر فنعتماوأبقيتمالي من محاسنه شطرا
أقول: ولمّا اشتملت عليه هذه القصائد والمقاطيع من الرقّة والإنسجام وحسن الأُسلوب وجودة السبك والمعاني القريبة والألفاظ الرائقة تمهّد العذر في الإطالة بها، مع ما فيها من التزيّد من السريّ وكثرة التشنيع على الخالديين وسلبهما من التملّي بالأدب إذ مقامهما فيه مشهور، ومحلّهما منه على الألسنة مذكور ومشكور، وناهيك بأبي إسحاق الصابي نقداً للأدب وقد قال فيهما:
أرى الشاعرَين الخالديين سيراقصائد يفني الدهر وهي تخلد
جواهر من أبكار لفظ وعونهيقصر عنها راجز ومقصد
تنازع قوم فيهما وتناقضواومرّ جدال بينهم يتردّد
فطائفةٌ قالت سعيد مقدَّمٌوطائفة قالت لهم بل محمّد
فصاروا إلى حكمي فأصلحت بينهموما قلت إلاّ بالّتي هي أرشد
هما في اجتماع الفضل روح مؤلّفومعناهما من حيث بيّنت مفرد
كذا فرقدا الظلماء لمّا تشاكلاعلاً أشكلا هذاك أم ذاك أمجد
فزوجهما ما مثله في اتّفاقهوفردهما بين الكواكب أوحد
فقاموا على صلح وقالوا جميعهمرضينا وساوى فرقد الأرض فرقد
فما أعدل هذه الحكومة من أبي إسحاق، فما منها إلاّ محسن يحطب في حبل الإبداع ما أراد، ويكاثر بمحاسنه وبدائعه الأفراد. ذكرتُ بهذه الحكومة حكومة الصلتان العبديّ الشاعر المشهور وقد قيل له: إقض بين جرير والفرزدق أيّهما أحسن شعراً وأجلّ حسباً وفخراً؟ فقال:
أنا الصلتانيّ الذي قد علمتموامتى ما يحكم فهو بالحقّ صادع
أتتني تميم حين هابت قضاتهاوإنّي لبالفضل المبين قاطع
كما أنفذ الأعشى قضيّة عامروما لتميم في قضائي رواجع
سأقضي قضاء بينهم غير جائرفهل أنت للحكم المبين سامع
قضاء امرء لا يتّقي الشتم منهماوليس له في المدح منهم منافع
فإن كنتما حكّمتماني فأنصتاولا تجزعا وليرض بالحقّ قانع
فإن يك بحر الحنظليين واحداًفما تستوي حيتانه والضفادع
وما يستوي صدر القناة وزجّهاوما تستوي شمّ الذرى والأارع
وليس الذنابي كالقدامي وريشهاوما تستوي في الكفّ منك الأصابع
ألا إنّما تحظى كليب بشعرهاوبالمجد تحظى دارم والأفارع
أرى الخطفى بزّ الفرزدق شأوهولكنّ خيراً من كليب مجاشع
فيا شاعراً لا شاعر اليوم مثلهجرير ولكن في كليب تواضع
ويرفع من شعر الفرزدق أنّهله بذخٌ لذي الخسيسة دافع
وقد يحمد السيف الدوان بغمدهوتلقاه رثاً جفنه وهو قاطع
يناشدني النصر الفرزدق بعدماأناخت عليه من جرير صواقع
فقلت له إنّي ونصرك كالذييثبت أنفاً هشّمته الجوادع
وفي ذلك يقول جرير:
أقول ولم أملك سوابق عبرةمتى كان حم الله في كرب النخل
أقول: وممّا يليق أن أذكره في هذا المقام ما صنعه بعض الأُدباء مع بعضهم من التبكيت عليهم في دعوى انتحالهم الشعر إظهاراً للقدرة وافتخاراً بالإستطالة، فمن ذلك ما حكي أنّ صاعد اللغوي صاحب كتاب الفصوص قال يصف باكورة ورد حملت إلى أبي عامر محمّد بن أبي عامر المقلّب بالمنصور:
أتتك أبا عامر وردةيحاكي لك الطيب أنفاسها
كعذراء أبصرها مبصرفغطّت بأكمامها رأسها
فاستحسن المنصور ما جاء به، فحسده الحسين بن العريف فقال: هي للعباس بن الأحنف، فناكره صاعد، فقام ابن العريف إلى منزله ووضع أبياتاً وأثبتها في صفح دفتر عتيق كان قد نقض بعض أسطره وأتى بها قبل افتراق المجلس، وهي هذه:
عشوت إلى قصر عبّاسةوقد جدّل النوم حرَّاسها
فألفيتها وهي في خدرهاوقد صرّع السكر أنّاسها
فقالت أسار على هجعةفقلت بلى فرمت كاسها
ومدّت يديها إلى وردةيحاكي لك الطيب أنفاسها
كعذراء أبصرها مبصرفغطّت بأكمامها رأسها
وقالت خف الله لا تفضحنّابنة عمّك عبّاسها
فولّيت عنها على غفلةولا خفت ناسي ولا ناسها
قال: فخجل صاعد وحلف، فلم يقبل منه، وافترق المجلس على أنّه سرقها، وتمكّنت من صاعد بأنّه كان يوصف بغير الثقة فيما ينقله.
وحدّث البحتري قال: أوّل ما رأيت أبا تمام أنّي دخلت على أبي سعيد محمّد بن يوسف وقد مدحته بقصيدتي التي أوّلها:
آفاق صبّ من هوىً فأفيقاأم خان عهداً أم أطاع شقيقا
فسرّ بها أبو سعيد فقال: أحسنت والله يا فتى. قال: وكان في المجلس رجل نبيل رفيع المجلس منه، فوق كلّ من حضر عنده، يكاد تمسّ ركبته ركبته، فأقبل عَلَيّ ثمّ قال: يا فتى أما تستحيي منّي هذا شعري تنتحله بحضرتي؟ فقال أبو سعيد: أحقّاً ما تقول؟ قال: نعم وإنّما علقه منّي فسبقني به إليك وزاد فيه، ثمّ اندفع فأنشد أكثر القصيدة حتّى شكّكني - علم الله - في نفسي وبقيت متحيّراً، فأقبل عَلَيّ أبو سعيد فقال: يا بني قد كان في قرابتك منّا وردّك لنا ما يغنيك عن هذا، فجعلت أحلف بكلّ محرجة من الأيمان أنّ الشعر لي ما سبقني إليه أحد، ولا سمعته ولا انتحلته، فلم ينفع ذلك شيئاً، وأطرق أبو سعيد وقطع بي حتّى تمنّيت أنّي سخت في الأرض، فقمت منكسر البال أجرّ رجلي، فخرجت فما هو إلاّ أن بلغت باب الدار حتّى جاء الغلمان فردّوني، فأقبل عَلَيّ الرجل فقال: الشعر لك يا بنيّ، والله ما قلته قط ولا سمعت به إلاّ منك، ولكنّني ظنت أنّك تهاونت بموضعي فأقدمت على الإنشاد بحضرتي من غير معرفة كانت بيننا تريد بذلك مضاهاتي ومكاثرتي حتّى عرّفني الأمير نسبك وموضعك، ولوددت أن لا تلد طائيّة أبداً إلاّ مثلك، وجعل أبو سعيد يضحك، فدعاني الرجل فضمّني إليه وعانقني وأعلمني أنّه أبو تمام، وأقبل يقرضني، ولزمته بعد ذلك وأخذت عنه واقتديت به.
ومن ذلك ما اتّفق لعمّي المهدي طابت تربته مع السيّد راضي ابن السيّد صالح القزويني من التبكيت عليه في نسبته إلى انتحال أبيات أرسلها يفتخر بها، وقد أورد هذه القضيّة عمّنا المشار إليه في كتابه مصباح الأدب الزاهر في أثناء كلام عاب به على أب السيّد راضي المذكور في قصيدة له، وبعد فراغه من عدّ معائب تلك القصيدة قال: ومن أيسر تلك الأُمور أنّ ابن رئيس فصحاء هذا العصر في النظم والنثر، الشريف أبو أحمد السيّد راضي ابن السيّد الصالح القزويني نزيل بغداد زهى بنفسه وحسب أنّه وحيد الدهر في النظم والنثر وما برح يجلس في أندية أهل بغداد يطري نفسه ويحسب أنّه ما في الكون أحد يضاهيه بقرض الشعر فإذا عنّ ذكرنا سدّد سهامه وبلغ منّا مرامه بلا جناية منّا سبقت ولا إسائة تقدّمت، ولم تك لنا بعد ببغداد معرفة ولا لنا مع أشرافها أُلفة ولا نحن ممّن يعدّ الشعر يكسو المجيد فخراً أو يرفع له قدراً، بل هو عندنا يخفض الشريف ويضع قدره، فأتّفق أنّ السيّد المذكور حضر نادي بعض أشراف بغداد وان فيه من ذوي المودّة لنا الشيخ حسن الفلوجي فجرى ذكر الأُدباء حتّى انتهى الكلام بهم إلى الحلّة الفيحاء، فأنكر السيّد أن يكون في الحلّة أحد من الأُدباء المجيدين، ووافقه على ذلك الزعم زعيم النادي، فقال الشيخ مُشيراً لنا: إنّ في الحلّة من لو عرفتم لا استعظمتم ما استحقرتهم، فأشار السيّد المشار إليه إلى أبيات نظمها في مدح الإمامين الجوادين: موسى بن جعفر الصادق ومحمّد بن عليّ الرضا سلام الله عليهم بزعم أنّها لا تتشطّر، فأمر أن تبعث لنا لنشطرها، فأرسلها الشيخ المذكور ضمن كتاب إلى الحلّة وابتلى بها غيرنا من أُدبائها حذراً من الفتنة، وذكر في أثناء كتابه أن تعرض الأبيات عَلَيّ، فتفرّست من تلك العبارة أنّها من باب: إيّاك أعني واسمعي يا جاره، فكان الأمر كما تفرّست، وها هي الأبيات:
موسى بن جعفر والجوادومن هما سرّ الوجود
هذا غياث الخائفينوذاك غيث للوفود
ملكا الوجود فطوّقابالجود عاطل كلّ جيد
فلمّا عرضت عَلَيّ أمرت من ابتلي بها بالإحجام وخلقت لها مقامةً كمقامات الحارث بن همام في كتاب كتبته: إلى واسطة عقد جيد الزمن، الشيخ حسن، وعزوت الكتاب لولدنا حيدر الذي فاق بنظمه أبا تمام ومسلم ترفّعاً عن مجارات ذلك الصبيّ الذي تزبّب وهو حصرم، وهذا نصّ الكتاب - بعد سلام وثناء طويلين طوينا ذكرهما -: أمّا بعد؛ فقد وردت الوكة محبتك ورود الحياة إلى الأجساد بعد الممات، فلمّا فضضنا ختامها، وكشفنا عن لؤلؤ ثغرها لثامها، ضحك ثغر فصاحتي بعد استعبار وقال: أتنكّر الشمس في رابعة النهار، وهل يقال لأمواج البحور أنّها آل يمور، وللسبعة السيّارة تشببها الحصى بالإنارة، فيالله العجب من إنسانَي عين الأدب، ولسانَي الفصاحة في الخطب والخطب، علمَي المجد المشيّد الحاجّين المحترمَين: عيسى وأحمد، كيف يستحليان بناديهما أكل لحومنا وهو مرّ المذاق؟ ويستحلاّن أن يحملا على هزّل الهجاء يلملم بلاغتنا وإنّ حمله لا يطاق؟ مع أنّنا إذا نشر الأعداء ذمّهما طويناه بالمدح، بجدّ كان أو بمزح، حفظاً للحمة الأدب، فإنّها عندنا أوثق حرمةً من قرابة النسب، ولولا تلك العلاقة الأبيّة لنشر لسان فصاحتي الفرزدق وجرير، وطبقت شقشقته الزوراء بالهدير، لكن من ذا الذي تسخو نفسه بأكل لحمه، وهشم عظمه، وأعجب من هذا كلّه ما وقع ممّن هو لسان قصيّ، وصبح فصاحة لوي، وشمس بلاغة غالب، وكوكب معجزها الثاقب الشريف أبو أحمد السيّد الراضي، من زعمه أنّي لا أعرف طارف الشعر وتليده حتّى امتحنني بتشطير أبيات عزاها إليه مكيدة، مع علمه أنّي أصمعيّ هذا الزمان، ولتدوين آثار من غبر ابن خلّكان، فيا سبحان الله أيجهل أنّي ضربت سير قضايا أهل الأدب، وسيّان عندي من بَعُدَ منهم وقرب، ولئن أردت قصّة تلك الأبيات فهي من الغرائب، وذلك أنّ جماعةً من مفلّقي الشعراء وردوا من النجف الأشرف إلى الزوراء، وقد صحبهم جماعة من الحلّة الفيحاء، فلمّا استقرّ بهم الجلوس في نادي المنادمة، أنشد الشيخ حسن بن نصار على بديهته هذه الأبيات:
موسى بن جعفر والجواد ومن هماسرّ الوجود وعلّة الإيجاد
هذا غياث الخائفين وذاك غيث للوفود وروضة المرتاد
مَلكا الوجود فطوَّقا بالجود عاطل كلّ جيد للأنام وهادي
واقترح عَلَيّ الجماعة تشطيرها، فابتدرهم من شعراء الحلّة الفيحاء ذوالشرف والعفّة محمّد بن إسماعيل الخلفة فقال:
موسى بن جعفر والجواد ومن هماللخلق كالأرواح للأجساد
بهما الوجود قد استفاد لأنْ هماسرّ الوجود وعلّة الإيجاد
هذا غياث الخائفين وذاك غيظ الحاسدين وحاصد الأجناد
بل ذا مغيث الصارخين وذاك غيث للوفود وروضة المرتاد
ملكا الوجود فطوّقا بالجود عافيه معاً وقماقم الأمجاد
حتّى برفد نداهما قد زين عاطل كلّ جيد للأنام وهادي
فقام الشيخ محمّد رضا بن الشيخ أحمد النحوي وضرب بيده على فخذه مغضباً وقال: يا للرجال! موتوا عجباً، ما كنت أحسب أنّ الشيخ على جلالة قدره ينتحل شعري الذي قلته في مدح الجوادين، ويزيد لكلّ بيت كلمتين، وينشده بحضرتي، من غير احتفال بسطوتي، كأن لم يدر أنّي قلت، وأنشد:
موسى بن جعفر والجوادومن هما سرّ الوجود
هذا غياث الخائفينوذاك غيث للوفود
ملكا الوجود فطوّقابالجود عاطل كلّ جيد
فأزجع الشيخ مسلم بن عقيل وصاح بأعلا صوته: ما هذه الزخارف والأباطيل، وأنتما لفصاحة قمراً سماها، ومصباحاً دجاها، لقد أفسدتما أبياتي، وبددتما نظام كلماتي، وكنت قد أحكمت صدورها بقوافيها، وطرزتها بالجناس متانقاً فيها، ثمّ طلب من ذوي الفضل أن يحكموا بينهم بالعدل، ثمّ التفت إليهم وأنشد:
موسى بن جعفر والجواد ومن هماسرّ الوجود وجعفر الجود
هذا غياث الخائفين وذاك غيث للوفود شفاء مفؤد
ملكا الوجود فطوّقا بالجود عاطل كلّ جيد للأماجيد
فقال السيّد صادق الفحّام: على أدب الشيخ مسلم السّلام، إذا كان هذا في النظم نضرك، فكلّما قالت الشعراء شعرك، أنا كلّما أجلت فكرتي بالتقاطك لئالىء نظمي من سلكي، أعجب كيف سلمت منك قفانبك، وإذا كان هذا ديدنك في النظام، فما هذه الغفلة منك عن كتاب الله الواحد العلاّم، فطرّزه بالجناس، وافتخر به بين النّاس. فقال مسلم: مهلاً مهلاً لا يخرجك الغضب من الهزل إلى الجدّ، وتنضوا لخصومتي سيفاً ماضي الحد. فقال الصادق: ويلك يا مسلم أتضع سبابتك في فم الأرقم، وتزعم أنّك تسلم، أرأيت نملة حملت ثبير، أو البعوض جرّت الأثير، فأعرني سمعك لأُبيّن لك الخطأ فيما سرقت، فإنّه لا يتغطّى قبحه بحسن التجنيس، أُنظر إلى البيت الأوّل هل ترى للواو في "ومن هما" من محصل؟ وهل فيه فائدة إلاّ حفظ الوزن أن يختل؟ وأجل فكرك في ثاني الأبيات ترى أنّك أهملت معناه، وراعيت بالجناس لفظه، إذ جعلت أحدهما غيثاً والآخر غياثاً، فخصصت أحدهما بالشجاعة والآخر بالكرم، مع أنّ كلاًّ منهما جامع للوصفين ولسائر صفات الكمال، وأعد نظرك إلى البيت الثالث فإنّ أجدر لك بعد قولك ملكا الوجود أن تقول: طوّقا جميع ما حواه بالجود، وأجدر بك إذ سرقته أن تنشده كما وجدته، ثمّ اندفع ينشد:
موسى بن جعفر والجواد هماسرّ الوجود وعيبة العلم
فهما غياث الخائفين هماغيث الوفود ومنتهى الحلم
ملكا الوجود فطوّقا كرماًما في الوجود بنائل جمِّ
ثمّ التفت إليه وقال: إنّ عثرتك لا تقال، فإن كنت نائماً انتبه لما أنت به، فقد أسفر الصباح لذي عينين، واستبان للناقد النحاس من اللجين، ثمّ تمثّل بهذه الأبيات:
يا صاح قد لحنت في قولي وماكان بقلبي فيه أمسى مودّعا
واللحن في المقال لا يعرفهإلاّ فتىً برمزه قد برعا
فإن تجدني قد ذكرت المنحنيفاعلم بأنّي قد قصدت لعلعا
أو قلت حزوى فمرادي رامةٌأو الغضا فقد أردت الأجرعا
فسكت الشيخ مسلم ولم يتكلّم، وظهر عليه أنّه خجل وتندّم.
قال عمّنا بعد فراغه من هذا الكتاب: والعجب العجيب أنّ كتابي لمّا ورد بغداد ورآه السيّد الشريف خال أنّ هذه القضيّة المبتدعة قضيّة حقيقيّة، مع أنّ فيها إشارات واضحة على أنّها مخترعة خلقيّة، ولم يشعر بأنّ أبياته من مجزوّ الكامل المذال بحرف، وإنّا أضفنا إليه تلك الزيادات مكيدة لئلاّ يعرف.
أقول: ما أنسب ذكر أبيات لمهيار الديلمي بهذا المقام وهي:
رحمت قوماً وقد مالت رقابهمتحت القريض فظنّوا أنّهم حملوا
وقعقعوا دونه الأبواب فاعتقدوابطول ما قرعوا أنّهم وصلوا
وحظّهم منه حظّ الناقفات رجتأن يجتنى من هبيد الحنظل العسل
تشرّعوا في بحور منه طاميةوالمنبض العذب فيما بينها وشل
بحجّة سبلها البيضاء خافيةوكلّها من مزايا أعين سبل
والصحف تملؤ والأقلام متعبةوكلّما سمعوا من خاطب نقلوا
والقول والنقل مخلوقان في عددقل كلّما تخلق الأسماع والمقل
لا يكسبان بتقليد ولا أدبولا يفيدهما علم ولا عمل
رَجْعٌ: قيل للحطيئة: من أشعر الناس؟ فأخرج لسانه وقال: هذا إذا طمع.
وفي الفتح القريب: سئل حسان: من أشعر الناس؟ فقال: قبيلةً أم قصيدة؟ قيل: كلاهما. قال: أمّا أشعرهم قبيلة فهذيل، وأمّا أشعرهم قصيدة فطرفة.
وسئل طرفة: من أشعر الناس؟ قال: الذي يقول:
ستبدي لك الأيّام ما كنت جاهلاًويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
وسئل الحطيئة أيضاً: من أشعر الناس؟ قال: الذي يقول:
لا أعدّ الإقتار عدماً ولكنفقدُ مَنْ قدر زيته الإعدام
وهو لأبي داود الأيادي. قالوا: ثمّ مَن؟ قال: عبيدة بن الأبرص. قالوا: ثمّ مَن؟ قال: كفاك والله بي إذا حدّثني رغبة أو رهبة ثمّ عويت في أثر القوافي عواء الفصيل في أثر أُمّه.
وقال بعضهم: اتّفقت العرب على أنّ أشعر الشعراء في الجاهليّة طرفة، وبعده الحارث بن حلزه، وعمرو بن كلثوم.
وقال القالي في أماليه: قال عقيل بن بلال: سمعت أبي - يعني بلالاً - يقول: سمعت أبي - يعني جريراً - يقول: دخلت على بعض خلفاء بني أُميّة فقال: ألا تحدّثني عن الشعراء؟ قلت: بلى. قال: فمن أشعر الناس؟ قالت: ابن العشرين - يعني طرفة -. قال: فما تقول في ابن أبي سلمى والنابغة؟ قلت: كانا ينيران الشعر ويسديانه. قال: فما تقول في امرء القيس بن حجر؟ قلت: اتّخذ الشعر نعلين يطؤ بهما كيف يشاء. قال: ماذا تقول في ذي الرمّة؟ قلت: قدر من الشعر على ما لم يقدر عليه أحد. قال: فما تقول في الأخطل؟ قلت: ما باح بما في صدره من الشعر حتّى مات. قال: فما تقول في الفرزدق؟ قلت: بيده نبعة الشعر قابض عليها. قال: فما أبقيت لنفسك شيئاً؟ قلت: بلى والله يا أميرالمؤمنين، أنا مدينة الشعر التي يخرج منها ثمّ يعود إليها، ولأنّي سبحت الشعر تسبيحاً ما سبحه أحد قبلي. قال: وما التسبيح؟ قلت: نسبت فأطريت، وهجوت فأدريت - يعني أسقطت - ومدحت فأسنيت، ورحلت فأعرزت، وزجرت فأنحرت، فأنا قلت ضروباً من الشعر لم يقلها أحد قبلي.
وسأل معاوية الأحنف عن أشعر الشعراء؟ فقال: زهير. قيل: وكيف؟ قال: ألقى على المادحين فضول الكلام وأخذ خالصه وصفوته. قيل: مثل ماذا؟ قال: مثل قوله:
وما يك من خير أتوه فإنّماتوارثه آباء آبائهم قبل
وهل ينبت الخطيّ إلاّ وشيجةوتغرس إلاّ في منابتها النخل
وقال من أحجّ لزهير: إنّه كان أحصفهم شعراً، وأبعدهم من السخف، وأجمعهم لكثير من المعنى وقليل من المنطق، وأشدّهم مبالغة في المدح، وأبعدهم تكلّفاً وعجرفيّة، وأكثرهم حكمةً ومثلاً سائراً في شعره.
وروي عن ابن عباس عن النبي ﵌ أنّه قال: أفضل شعرائكم القائل: ومَن، ومَن؛ يعني زهيراً وذلك في قصيدته التي يقول فيها:
ومَن يك ذا فضل فيبخل بفضلهعلى قومه يستغن عنه ويذمم
ومَنْ لم يذد عن حوضه بسلاحهيهدّم ومن لم يظلم الناس يظلم
ومَنْ هاب أسباب المنايا ينلنهولو نال أسباب السماء بسلَّم
ومَنْ يجعل المعروف من دون عرضهيفرْهُ ومن لا يتّق الشتم يُشتَم
وأمّا النابغة فكان لجلالة قدره وتقدّمه في الشّعر تضرب له قبّة بسوق عكاظ فتعرض العرب عليه أشعارها.
قال من احتجّ له: إنّه كان من أحسنهم ديباجة شعر، وأكثرهم رونق كلام، وأجزلهم بيتاً، كأنّ شعره كلام ليس بتكلّف، والمنطق على المتكلّم أوسع منه على الشاعر، لأنّ الشاعر يحتاج إلى البناء والعروض والقوافي، والمتكلّم مطلق يتخيّر الكلام كيف شاء.
قالوا: والنابغة نبع في الشعر بعد أن احتنك، وهلك قبل أن يهتزّ.
وكان أبو جعفر يحيى بن محمّد بن أبي زيد العلوي البصري يفضّل النابغة قال ابن أبي الحديد وكان تلميذاً له: استقرأني يوماً وبيدي ديوان النابغة قصيدته التي يمدح بها النعمان بن المنذر ويذكر مرضه ويعتذر إليه ممّا اتّهم به وقذفه أعداؤه، ولا بأس بإيراد ما ذكره من القصيدة في شرح النهج كما سطره فإنّه لا يخلو من فائدة، وهو:
كتمتك ليلاً بالخموطين ساهراًوهمّين همّاً مستكنّاً وظاهرا
أحاديث نفس تشتكي ما يريبهاوورد هموم لو يجدن مصادرا
تكلّفني أن يغفل الدّهر همّهاوهل وجدت قبلي على الدهر ناصرا
ألم تر خير النّاس أصبح نعشهعلى فئة قد جاوز الحيَّ سائرا
ونحن لديه نسئل الله خلدهيردّ لنا ملكاً وللأرض عامرا
فنحن نرجّي الخير إن فاز قدحناونرهب قدح الدهر إن جاء قامرا
لك الخير إن وارت بك الأرض واحداًوأصبح جدّ النّاس بعدك عاثرا
وردَّت مطايا الراغبين وعريتجيادك لا يحفى لك الدهر حافرا
رأيتك ترعاني بعين بصيرةوتبعث حرّاساً عَلَيَّ وناظرا
وذلك من قول أتاك أقولهومن دسّ أعداء إليك المأبّرا
فياليت لا آتيك إن كنت مجرماًفلا أبتغي جاراً سوائك مجاورا
فأهلي فداء لامرء إن أتيتهتقبّل معروفي وسدّ المفاقرا
سأربط كلبي إن يريبك نبحهوإن كنت أرعى مسحلان وحامرا
وحلّت بيوتي في يفاع ممنّعتخال به راعي الحمولة طائرا
تزلّ الوعول العصم عن قذفاتهوتضحي ذراه بالسحاب كوافرا
حذاراً على أن لا تنال مقادتيولا نسوتي حتّى يمتن حرائرا
أقول وقد شطت بي الدار عنكمإذا مالقيت من معد مسافرا
ألا أبلغ النعمان حيث لقيتهفأهدى له الله الغيوث البواكرا
وأصحبه فلجاً ولا زال كعبهعلى كلّ من عادى من النّاس ظاهرا
وربّ عليه الله أحسن صنعهوكان له على المعادين ناصرا
قال: فجعل أبو جعفر يهتزّ ويطرب، ثمّ قال: والله لو مزجت هذه يشعر البحتري لكادت تمتزج لسهولتها وسلالة ألفاظها وما عليها من الديباجة والرّونق، ومَنْ يقول إنّ امرء القيس وزهير أشعر من هذا هلمّوا فليحاكموني.
أقول: قوله: لو مزجت هذه أي القصيدة بشعر البحتري لكادت تمتزج، فيه إشعار بأنّه يفضّل البحتري على غيره من طبقته بل وغيرها، لأنّ في قوله: لكادت تمتزج، إعلاناً بتفضيله على النابغة الذي هو عنده مقدّم على من سواء.
فأمّا امرء القيس فاحتجّ له من يقدّمه على الشعراء بأنّه ما قال ما لم يقولوه ولكنّه سبقهم إلى أشياء ابتدعها استحسنها العرب وأتبعه الشعراء عليها، منها: استبقاف صحبه، والبكاء في الديار، ورقّة النسيب، وقرب المأخذ، وتشبيه النساء بالظباء وبالبيض، وتشبيه الخيل بالعقبان والغضا، وقيد الأوابد، وأجاد في النسيب، وفصّل بين النسيب والمعنى، وكان أحسن الطبقة تشبيهاً.
وقيل: إنّ خاله مهلهلاً أوّل من أرقّ المراثي، واسمه عدي، وأوّل من قصّد القصائد، وفيه يقول الفرزدق: ومهلّل الشعراء ذاك الأوّل. ولم يقل أحد قبله عشرة أبيات غيره.
وقال في الأغاني: عديٌ لقب مهلهلاً لطيب شعره ورقّته.
وقيل: هو أوّل من قصّد القصائد، وقال الغزل، فقيل: فهلهل الشعر أي أرقّه، وهو أوّل من كذب في شعره.
وحدّث عوانة عن الحسن أنّ رسول الله ﵌ قال لحسان بن ثابت: مَن أشعر العرب؟ قال: الزرق العيون من بني قيس، قال: لست أسألك عن القبيلة إنّما أسألك عن رجل واحد، فقال حسان: يا رسول الله إنّ مثل الشعراء والشعر كمثل ناقة نحرت وجاء امرء القيس ابن حجر فأخذ سنامها وأطائبها ثمّ جاء المتجاوران من الأوس والخزرج فأخذا ما والى ذلك منها، ثمّ جعلت العرب تمرّغها حتّى إذا بقي الفرث والدم جاء عمرو بن تميم والنمر بن قاسط فأخذاه. فقال رسول الله ﵌: ذلك رجل مذكور في الدنيا وشريف فيها، خامل يوم القيامة، معه لواء الشعراء.
أقول: والإختلاف في تفضيل الشعراء بعضهم على بعض المتقدّمين منهم والمتأخّرين كثير لا تحصى أقوالهم فيه، وهذا القدر منه كاف في الذكر والإطّلاع.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع