تجاوز إلى المحتوى

من «العقد المفصل» لحيدر الحلي (ت ١٣٠٤هـ)

فصل في كرمه وأخلاقه

أمّا كرمه: فإنّه ومنشىء البشر للكريم الذي صدق فيه المخبر والخبر، وشهد بجوده السمع والبصر، لا كمن كاصله أياديه، خبر يلفقه لسان راويه؛ قد حسن منظره وقبح مخبره.

إن يبلغنّك عن جود امرء خبرفكذّب السمع حتّى يشهد البصر
ولا يغرّنّك من راقت ظواهرهفربّ دوح نظير ما له ثمر

كأنّما بعث في الجود وحده، مرسلاً لا نبيّ بعده، في زمن لا تندى صفاته، ولا تلين الإستعطاف حصاته، فلا يشار في صلة الأرحام والأواصر إلاّ إليه، ولا تنعقد الخناصر في تعداد الكرام إلاّ عليه، ويحقّ لي أن أُنشىء فيه:

توسّمت أبناء الزمان فشمتهموبعضهم في لؤمه مشبه بعضا
فبين ضنين بالعطا متوقّفولكنّه في المنع كالسيف بل أمضى
وبين شديد الحرص لو يبس كفّهعلى الأرض يلقى لحظة أمحل الأرضا
فلم أر للمعروف أهلاً سوى امرءيرى صلة الوفّاد يوم الندى فرضا

على أنّه إنّما يحسن إهداء الثناء إليه، مع غنائه عنه بما تثني ألسنة مكارمه عليه، من حيث أنّ المدح يذيع بنشره كما يذيع النسيم الغض بريا المسك على طيب نشره، كما قلت فيه - وفيه التضمين -:

محمّد الحسن استغنيت بالحسنمن مدح مجدك عمّا قيل في الزمن
فكارم العرب في تلك الجفان وقل"هذي المكارم لا قعبان من لبن"
وفاخر الصيد في لبس الثناء وقل"هذي المفاخر لا ثوبان من عدن"

والتضمين المذكور في شطرين من بيتين لبعضهم وهما:

هذي المكارم لا قعبان من لبنشيبا بماء فعادا بعد أبوالا
للشاعر الموفق المكي، اقرأ القصيدة
هذي المفاخر لا ثوبان من عدنخيطا قميصاً فعادا بعد أسمالا

وممّا ورد في مدح الكرم وأربابه وذمّ البخل وأربابه: قال أميرالمؤمنين علي ﵇: الكريم لا يلين على قسر ولا يقسو على يسر.

وقال ﵇: من قبل عطائك فقد أعانك على الكرم، ولولا من يقبل الجود لم يكن من يجود.

وقال ﵇: من انتجعك مؤمّلاً فقد أسلفك حسن الظن.

وقال ﵇: أحبّ الناس إليك من كثرت عندك أياديه، فإن لم يكن فمن كثرت عنده أياديك.

وقال ﵇: الرغبة إلى الكريم تحرّكه على البذل، وإلى الخسيس تغريه بالمنع.

وقال الصادق جعفر بن محمّد ﵇: إنّ الحاجة لتعرض للرجل عندي فاُبادر بها خوفاً من أن يستغني عنها أو تأتيه وقد استبطاها فلا يكون لها عنده موقع.

وكانت أُمّ البنين تقول: أُفٍّ للبخل، لو كان ثوباً ما لبسته، ولو كان طريقاً ما سلكته.

وقال المأمون: لئن أخطىء باذلاً أحبّ إليّ من أن أُصيب مانعاً.

وقال محمّد بن السماك: أهنىء المعروف ما لا مطل في أوّله ولا مَنٌّ في آخره.

ومدح نصيب الشاعر عبد الله بن جعفر فأجزل عطيّته، فقيل له: تسنع بهذا العبد الأسود مثل هذا؟ فقال: إن كان أسود فإنّ ثناه أبيض بقق، وشكره عربي ذو رونق، ولقد استحقّ بما قال أكثر ممّا نال، وهل هي إلاّ رواحل تنضى وثياب تبلى وما يفنى، استعضنا عنه مديحاً يروى وثناء يبقى.

وكتب رجلاً من البخلاء إلى رجل من الأسخياء يأمره بالإبقاء على نفسه ويخوّفه الفقر، فردّ عليه: (الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بالفَحْشاء واللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً واللهُ واسِعٌ عَليمٌ)، وأنا أكره أن أترك أمراً قد وقع لأمر لعلّه لا يقع.

وقيل لابن عبّاس: من سادة الناس؟ فقال: أمّا في الدنيا فالأسخياء، وأمّا في الآخرة فالأتقياء.

وسُئِل شعيب: ما الجود؟ فقال: أن لا يضن الرجل بما يملك عمّن هو لعطيّته أهل.

ومن أمثالهم: ألبخل يهدم مباني الكرم.

وقد ذمّ رجل رجلاً فقال: ما تبل إحدى يديه الاُخرى.

وقال آخر في البخيل: البخيل يملأ بطنه والجار جايع، ويحفظ ماله والعرض ضايع.

وقال معاوية لعمرو: ما السخاء يا أبا عبد الله عند العرب؟ قال: جهد المقل. ينظر فيه قول رسول الله ﵌: جهد المقل أكثر من عفو المكثر.

وكان يقال: ما عزّة أثبت أركاناً ولا ألزم بنياناً من بثّ المكارم واكتساب المحامد.

ومن مختار قول الحكماء في الكرماء واللؤماء قولهم: الكرام في اللئام كالغرّة في جبهة الفرس.

ومن مختار قول الثعالبي في ذلك: الكريم إذا سُئل ارتاح، واللئيم إذا سُئل ارتاع. الكريم في مركز القلب، واللئيم في مزجر الكلب.

وقال في الكريم على حدّه: طلعة الكريم طلقة عند اللقاء ويده منطلقة بالعطاء.

وقال في اللئيم على حدّه: همّة البخيل هامدة ومنّته خامدة ويده جامدة، الإحسان إلى اللئيم أضيع من الرقم على بساط الهواء والخط على بسيط الماء.

وأحسن ما قيل في المبالغة بقلّة الكرام وكثرة اللئام قول الشيخ أبي تمام:

ولقد يكون ولا كريم ننالهحتّى نخوض إليه ألف لئيم

ومن الغايات قوله في المدح بالسخاء:

هو البحر أي النواحي أتيتهفلجته المعروف والجود ساحله
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «هو البحر من أي النواحي أتيته»
تعود بسط الكف حتّى لو أنّهثناها لقبض لم تطعه أنامله
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أجل أيها الربع الذي خف آهله»
ولو لم يكن في كفّه غير نفسهلجاد بها فليتّق الله سائله
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة

قوله: تعود بسط الكف الخ لحظه السيّد الرضي فقال متحمّساً:

أبر على الآمال فضلي ونائليوطال على الجوزاء قدري ومحتدي
ألفت يدي بذل النوال فلو نبتعن الجود يوماً قلت ما هذه يدي
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أبر على الأنواء فضلي ونائلي»

وممّا يبهي بحسنه قول أبي الحسن بن مرزويه مهيار:

تعطي حياءً مطرقاً ملثّماًوقد وهبت مسنياً ومجزلا
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «قم فانتشِطها حسبها أن تعقلا»
ويسفر الناس على بخلهملأنّهم لا يعرفون الخجلا
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «قم فانتشِطها حسبها أن تعقلا»

وقال البحتري:

يعطي عطاء المحسن الخضل النديعفواً ويعتذر اعتذار المذنب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أحسن بأيام العقيق وأطيب»

وقال أيضاً:

كاد ممتاحه لسابق جدواهيكون الإصدار قبل وروده

وقال أيضاً:

دع المطي مناخات بأرحلهالم ينض عنهنّ تصدير ولا حقب
للشاعر البحتري، من قصيدة «يشكو إليك هواك المدنف الوصب»
فما تزيد على إلمامة خلسبأحمد بن عليّ ثمّ تنقلب
للشاعر البحتري، من قصيدة «يشكو إليك هواك المدنف الوصب»

وقال أيضاً:

أعطيتني حتّى حسبت جزيل ماأعطيتنيه وديعةً لم توهب
للشاعر البحتري، من قصيدة «رحلوا فأية عبرة لم تسكب»
فشبعت من بر لديك ونائلورويت من أهل لديك ومرحب
للشاعر البحتري، من قصيدة «رحلوا فأية عبرة لم تسكب»

وقال أبو نصر عبد العزيز:

قد جدتني باللهى حتّى بهاوكدت من ضجري أثني على البخل
لم يبق جودك لي شيئاً أؤمّلهتركتني أصحاب الدنيا بلا أمل
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «قالت وفي صدر نار القلب منزلها»

وقال البحتري:

إنّي هجرتك إذ هجرتك وحشةًلا العود يذهبها ولا الابداء
للشاعر البحتري، من قصيدة «أمواهب هاتيك أم أنواء»
أحشمتني بندى يديك فسوّدتمابيننا تلك اليد البيضاء
للشاعر البحتري، من قصيدة «أمواهب هاتيك أم أنواء»
وقطعتني بالجود حتّى أنّنيمتخوّف أن لا يكون لقاء
للشاعر البحتري، من قصيدة «أمواهب هاتيك أم أنواء»
صلة غدت في الناس وهي قطيعةعجباً وبر راح وهو جفاء
للشاعر البحتري، من قصيدة «أمواهب هاتيك أم أنواء»

ومنه أخذ أبوالعلا المعرّي معنى قوله وزاد فيه التمثيل فقال:

لو اختصرتم من الإحسان زرتكموالعذب يهجر للإفراط في الخصر
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «يا ساهر البرق أيقظ راقد السمر»

وفي هذا المعنى ما حكاه علي بن جبله المعروف بالعكوك قال: زرت أبا دلف بالجبل فكان يظهر من برّي وإكرامي والتحفي بي أمراً مفرطاً حتّى تأخّرت عنه حيناً، فبعث إليّ معقلاً فقال: يقول لك الأمير: قد انقطعت عنّي وأحسبك استقللت برّي فلا تغضب من ذلك فسأزيد فيه حتّى ترضى، فقلت: والله ما قطعني عنه إلاّ إفراطه في البرّ، وكتبت إليه:

هجرتك لم أهجرك من كفر نعمةوهل يرتجى نيل الزيادة بالكفر
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «هجرتك لم أهجرك من كفر نعمة»
ولكنّني لمّا أتيتك زائراًفأفرطت في برّي عجزت عن الشّكر
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «هجرتك لم أهجرك من كفر نعمة»
فملآن لا آتيك إلاّ مسلّماًأزورك في الشهرين يوماً وفي الشهر
فإن زدتني برّاً تزايدت جفوةًفلا نلتقي حتّى القيامة في الحشر

فلمّا وقف أبو دلف على الأبيات قال: قاتله الله ما أحسن شعره وأدقّ معانيه، وبعث إليّ بوصيف معه ألف دينار.

أقول: قوله: فملآن لا آتيك معناه فمن الآن، فحذف النون، وهذا الحذف شايع مستعمل عند مضايقة الكلام، قال ابن دريد في مقصورته:

من رام ما يعجز عنه طوقهملعبأ يوماً آض مهزول المطا
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «يا ظبية أشبه شيء بالمها»

أي من العبأ.

وقال الشريف الرضي:

من أيّ الثنايا طالعتنا النوائبمأي حمىً منّا رعته المصائب
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «من اي الثنايا طالعتنا النوائب»

أي من أيّ الثنايا والنظائر كثيرة.

رجعٌ إلى ما كنّا فيه من المدح بالسخاء: قال أبو عبادة البحتري:

بدت على البدو نعمىً منه سابغةوقد تحضر أُخرى مثلها الحضر
لا يتعب النائل المبذول همّتهوكيف يتعب عين النّاظر النّظر
للشاعر البحتري، من قصيدة «وواعظ منه لولا أنه حجر»

وقال أيضاً:

لا يستريح من الألفاظ منطقهإلاّ إلى نعم تفتر عن نعم
للشاعر البحتري، من قصيدة «لامت علي أنها في الدمع لم تلم»

وقال مهيار:

لهم دوحة خضراء رويّ أصلهابماء الندى الجاري وطيب فرعاها
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «سقى دارها بالرقمتين وحياها»
نمت كلّ مغرور عن المجد سنّهيقول نعم في المهد أوّل ما فاها

وما أحلى قول البحتري في قصيدة:

إذا باكرته غاديات همومهاراح عليها الراح حمراء كالورد
للشاعر البحتري، من قصيدة «أراد سلوا عن سليمى وعن هند»
كأنّ سناها بالعشي لشربهاتبلج عيسى حين يلفظ بالوعد
للشاعر البحتري، من قصيدة «أراد سلوا عن سليمى وعن هند»
له ضحكة عند النوال كأنّهاتباشير برق بعد بعد من العهد
للشاعر البحتري، من قصيدة «أراد سلوا عن سليمى وعن هند»
كأنّ "نعم" في فيه حين يقولهامجاجة مسك خيض في ذائب الشهد

وقال إسماعيل بن أحمد الشاشي:

ما قال لا قطّ مذ حلّت تمائمهبخلاً بها فوجدنا الجود في البخل
للشاعر ابن بابك، اقرأ القصيدة

ما ألطف هذا المعنى وأشرفه وهو يشبه قول أبي محمّد الخازن في مدح الصاحب ابن عباد:

نعم تجنب لا يوم العطاء كماتجنّب ابن عطاء لثغة الراء

وهو من قول الفرزدق:

ما قال لا قط إلاّ في تشهّدهلولا التشهّد كانت لائه نعم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «هذا الذي تعرف البطحاء وطأته»

ومثله ما قيل في قثم بن العباس:

أعفيت من حل ومن رحلةيا ناق إن أدنيتني من قثم
إنّك إن أدنيتنيه غداًحالفني اليسر ومات العدم
في وجهه نور وفي باعهطول وفي العرنين منه شمم
أصم عن قيل الخنا سمعهوما عن الخير به من صمم
للشاعر داود بن سلم، من قصيدة «نجوت من حلٍ ومن رحلةٍ»
لم يدر "ما" لا و"بلى" قدريفعافها واعتاض عنها نعم
للشاعر داود بن سلم، من قصيدة «نجوت من حلٍ ومن رحلةٍ»

ومثله قول بعضهم:

أبى جوده "لا" البخل واستعجلت به"نعم" من فتىً لا يمنع الجود قائله

قال الزمخشري في أحاجيه: هذا البيت غامض ما رأيت أحداً فسّره.

وحكى يونس عن عمرو بن العلا أنّه جرّ البخل بإضافة لا إليه وأورده أبو علي بنصب البخل وزعم أنّه مفعول أبى وأنّ لا زائدة، وحكى ذلك عن أبي الحسن الأخفش. قال: وأمّا بقيّة البيت فلم يفسّره وهومشكل جدّاً.

أقول: ويترجّح في نظري ما فسّره به بعض القدماء قال في معناه أنّه مدح لكريم، أبى جوده أن ينطق بلا التي للبخل واستعجلت بجوده نعم أي سبقت نعم لا صادرة من فتىً لا يمنع. والهاء في قائله تعود على نعم أي قائل نعم لا يممنع الجود، وهذا أليق التفاسير على كثرتها.

ومن ذلك ما قاله الوليد في معاوية يهجوه وقد عكس فيه المعنى المتقدم:

فإذا سُئلت تقول لاوإذا سألت تقول هات
للشاعر الوليد بن عقبة بن أبي معيط، اقرأ القصيدة
تأبى فعال الخير لاتسقي وأنت على الفرات
للشاعر الوليد بن عقبة بن أبي معيط، اقرأ القصيدة
أفلا تميل إلى نعمأو ترك لا حتّى الممات
للشاعر الوليد بن عقبة بن أبي معيط، اقرأ القصيدة

وقال آخر في المدح:

بدأت بمعروف وثنّيت بالرضاوثلّثت بالحسنى وربّعت بالكرم
وباشرت أمري واعتنيت بحاجتيوأخّرت لا عنّي وقدّمت لي نعم
للشاعر أحمد بن طيفور، اقرأ القصيدة
وصدّقت لي ظنّي وأنجزت موعديوطبت به نفساً ولم تتبع الندم
فإن نحن وافينا بشكر فواجبوإن نحن قصّرنا فما الودّ متّهم

وأمّا أخلاقه: فأقول أنّه قد تحلّى بطباع شفافه، وأخلاق أرقّ من السلافه، لا تحمل قذى الواشين لصفائها، ولا تروى عن ابنة العنقود سورة صهبائها، تزيّنها شيم الطف من روضة باكرها الطل، وأطيب من شيحة تتحدّث عن أريجها النسائم.

خلق شف فالنسيم كثيفعنده إن قرنت فيه النسيما
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
لأخي شيمة تعلم منهاالغيث إذ يستهلّ أن لا يريما
قد حواها عن معشر أورثوهامنه من كان مثلهم مستقيما
فهي في اللطف أوّلاً وأخيراًشرع تفضل العرار شميما
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
فكأنّ القديم كان حديثاًوكأنّ الحديث كان قديما

قال علي ﵇: ربّ عزيز أذلّه خرقه، وذليل أعزّه خلقه.

وقال ﵇: من لم تصلح خلائقه لم ينفع الناس تأديبه.

وكان يقال: ألق صاحب الحاجة بالبشر فإن عدمت شكره لم تعدم عذره.

ووصف أعرابي رجلاً بحسن البشر فقال: لا تراه الدهر إلاّ كأنّه لا غنى به عنك فإذا أذنبت غفر وكأنّه المذنب، وإن أحسن اعتذر وكأنّه المسيء.

وقال النبي ﵌: إنّكم لن تسعوا الناس بأموالكم فليسعهم منكم بسط الوجوه وحسن الأخلاق.

أقول: وحسبك مدحاً لحسن الخلق قوله تعالى لنبيّه: (إنَّكَ لَعَلى خُلُق عَظِيم).

وقال النبي ﵌: مكارم الأخلاق عشرة تكون في الرجل ولا تكون في ابنه، وتكون في الإبن ولا تكون في أبيه، وتكون في العبد ولا تكون في سيّده. قيل: وما هنّ يا رسول الله؟ قال: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وصدق البأس، وإعطاء السائل، والمكافات بالصنايع، وصلة الرحم، والتذمّم للجار والصاحب، والحلم في القدرة، والمواساة في الشدّة، وقرى الضيف، ورأسهنّ الحياء.

وقال عصام بن المصطلق: دخلت المدينة فرأيت الحسن بن علي بن أبي طالب ﵉ فأعجبني سمته وروائه فأثار منّي الحسد ما كان يجنّه صدري من البغض لأبيه، فقلت له: أنت ابن علي بن أبي طالب؟ فقال: نعم، فبالغت في شتمه وشتم أبيه، فنظر إليّ نظرة عاطف رؤف، ثمّ قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم (خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وأَعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ، وَإمَّا يَنْزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ باللهِ إنَّهُ سَميعٌ عليم، إنَّ الَّذينَ اتَّقَوا إذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فإذا هُمْ مُبْصِرُون) ثمّ قال لي: خفّض عليك، أستغفر الله لي ولك، إنّك لو استعنتنا أعنّاك، ولو استرفدتنا رفدناك، ولو استرشدتنا أرشدناك. قال عصام: فتوسّم في الندم على ما فرط منّي، فقال: (لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْم يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين)، أمن أهل الشام أنت؟ قلت: نعم، فقال: شنشنة أعرفها من أخزم، حيّاك الله وبيّاك، انبسط إلينا في حوائجك وما يعرض لك تجد عندنا أفضل ظنّك إنشاء الله. قال عصام: فضاقت عَلَيّ الأرض بما رحبت ووددت لو ساخت بي ثمّ تسلّلت منه لواذاً وما على وجه الأرض أحد أحبّ إليّ منه ومن أبيه.

أقول: أمّا قوله: شنشنة أعرفها من أخزم فهو مثل قائله أبو أخزم الطائي جدّ حاتم الطائي أو جدّ جدّه على ما قيل، ويقال: إنّ ابنه أخزم مات وترك بنين فوثبوا على جدّهم فأدموه، فقال:

إنّ بَنِيَّ رمّلوني بالدممن يلق آساد الرجل يكلّم
ومن يكن ذا أود يقومشنشنة أعرفها من أخزم

والشنشنة السجيّة والطبيعة. وفي بعض النسخ: ومن يكن درء به يقوم، والدرء الميل والإعوجاج في القنات.

وعلى ذكر عقوق الأولاد: حدّث المدائني قال: كان جرير بن عطيّة الخطفي الشاعر المشهور من أعقّ الناس بأبيه، وكان ابنه بلالاً أعقّ الناس به، فراجع جرير بلالاً في الكلام فقال له بلال: الكاذب منّي ومنك من ناك أُمّه، فأقبلت عليه أُمّه وقالت: يا عدوّ الله تقول هذا لأبيك؟! فقال لها جرير: دعيه فوالله لكأنّي أسمعها وأنا أقولها لأبي.

ونظير ذلك ما حكي عن يونس بن عبد الله الخيّاط أنّه مرّ برجل وهو يعصر حلق أبيه وكان عاقّاً به، فقال له: ويحك أتفعل هذا بأبيك، وخلّصه من يده، ثمّ أقبل على الأب يعزّيه ويسكّن منه، فقال له الأب: يا أخي لا تلمه واعلم أنّه ابني حقّاً، والله لقد خنقت أبي في هذا الموضع الذي خنقني فيه، فانصرف الرجل وهو يضحك.

وما أحسن قول أُم ثواب في ابن لها وقد عقّها:

ربّيته وهو مثل الفرخ أطعمهأم الطعام ترى في جلده الزغبا
حتّى إذا آض كالفحال شذّ بهأباره ونفى عن متنه الكربا
للشاعر أم ثواب الهزانية، اقرأ القصيدة
أمسى يخرق أثوابي يؤدّبنيأبعد شيبي يبغي عندي الأدبا
قالت له عرسه يوماً لتسمعنيمهلاً فإنّ لنا في أُمّنا إربا
للشاعر أم ثواب الهزانية، اقرأ القصيدة
ولو رأتني في نار مسعرةًثمّ استطاعت لألقت فوقها حطبا
للشاعر أم ثواب الهزانية، اقرأ القصيدة

قولها: كالفحال هو من النخل ما كان من ذكوره فحلاً لإناثه، جمعه فحاحيل، ولا يقال فحال إلاّ في النخل خاصّة. وشذّ به أباره يقال: جذع مشذّب أي مقشّر، وتقشير الجذع إزالة الكرب عنه، وتأبير النخل إصلاحه.

وقال قرعان في ابنه منزل وقد عقّه من جملة أبيات يقول فيها:

جرت رحم بيني وبين منازلجرّاء كما يستنزل القطر طالبه
تربّيته حتّى إذا آض شيظماًيكاد يساوي غارب الفحل غاربه
وكان له عندي إذا جاع أو بكىمن الزاد أحلا زادنا وأطائبه
تعمّد حقّي ظالماً ولوّى يديلوى يده الله الذي هو غالبه
وربّيته حتّى إذا ما تركتهأخا القوم واستغنى عن المسح شاربه
وجمعتها دهماً جلاداً كأنّهاأشاء نخيل لم تقطع جوانبه
فأخرجني منها سليباً كأنّنيحسام يمان فارقته مضاربه

وقال آخر في ولد له:

فلمّا بلغت السنّ والغاية التيإليها مدى ما كنت فيك أؤمّل
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «غذوتك مولودا وعلتك يافعا»
جعلت جزائي غلظة وفضاضةًكأنّك أنت المنعم المتفضّل

رجع الكلام إلى كلام الحسن ﵇: قوله: حيّاك وبيّاك، معنى حيّاك أبقاك الله وملّكك، ومعنى بيّاك أضحكك أو قرّبك أو جاء بك أو بوّئك منزلاً أو أنّه تباع لحيّاك.

ومن محاسن الأخلاق ما يروى عن بهرام أنّه خرج متصيّداً فعنّ له حمار وحش فأتبعه حتّى صرعه وقد انقطع عن أصحابه، فنزل عن فرسه يريد ذبحه وبصر براع فقال له: أمسك على فرسي، وتشاغل بذبح الحمار وحانت منه التفاتة فنظر إلى الراعي وهو يقلع جواهر عذار فرسه، فحوّل وجهه عنه وقال: تأمّل العيب عيب، وعتاب من لا يستطيع الدفاع عن نفسه سفه، والعفو من شيم الملوك، ثمّ قال: يا غلام آتني بفرسي، فلمّا أتاه به ضرب بهرام بيده إلى شريان الراعي ثمّ قال: يا غلام ما بال شريانك يضطرب، لعلّك آذاك وطئنا أرضك بحوافر خيلنا؟ قال: نعم وقد عزمت على السفر لأرض كذا وهو موضع بعيد، فقال بهرام: لا ترع فهذا الموضع وما فيه لك، وكان الراعي خبيثاً داهياً، فقال: إنّ الملوك إذا قالوا قولاً أتبعوه بفعل، فرجع بهرام إلى عسكره وقال له: أتبعني لأوثق لك من هذه الأرض، فأتبعه، فلمّا بصر به الوزير قال: أيّها الملك إنّي أرى جواهر عذار فرسك مقلعاً، فتبسّم وقال: نعم أخذه من لا يردّه ورآه من لا ينم عليه.

وممّا جاء في الشّيم قولهم: شيم الأحرار إحرار الشّيم.

وقال الثعالبي: أحسن الشيم ما يشام منه بارق الكرم.

ومن جيّد ما جاء في الشيم والأخلاق الأنيقة قول بعض الشعراء:

تزين الفتى أخلاقه وتشينهوتذكر أخلاق الفتنى وهو لا يدري

وقول الآخر:

وبعض أخلاق الفتىأولى به من نسبه

وقول مهيار:

حببّه إلى النفوس خلقلو ذاقه عدوّه حلى له
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «ألا فتى يسأل قلبي ماله»

وقوله:

فلو سبكت خلقه المطرب فيالكاسات ما غودرت الأثملا

وقول أبي طاب المأموني:

وخلائق كالخمر درّ فعالهحبّب لهنّ وما لهنّ خمار
للشاعر أبو طالب المأموني، اقرأ القصيدة

وقول الآخر:

ولي شيمة في وجنة الدهر شامةتنير على رغم الصباح الدياجيا
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «لك الخير إن جزت اللوى والمطاليا»

وقول مهيار:

ملآن من شرف التحيّة نفسهتحوي الفضائل من جميع جهاتها

وقول المعرّي:

وسجايا محمّد أعجزت في الوصف لطف الأفكار والأذهان

وقول البحتري:

قد وجدنا محمّد بن عليّغاية المجد قائلاً وفعولا
للشاعر البحتري، من قصيدة «ذاكَ وَادي الأرَاكِ فاحبِسْ قليلا»
ولقينا شمائلاً تنثر المسكسحيقاً كما لقيت شمولا

وقول أبي تمام:

فلو صوّرت نفسك لم تزدهاعلى ما فيك من كرم الطباع
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «خذي عبرات عينك عن زماعي»

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «العقد المفصل»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.