من «العقد المفصل» لحيدر الحلي (ت ١٣٠٤هـ)
فصل في المديح
قلت فيه هذه المقطوعة:
أنجوم بنورها يستضاءنثرتها بأفقها العلياء
أم مزاياً تودُّ لو أنَّ منهافصّلت نظم عقدها الجوزاء
مكرمات بنشرها الفضل يحيىلكريم لولاه مات الرجاء
لا تقس واصلاً بمن كلّ يومواصلٌ منه للوفود عطاء
كرماً تستهلُّ في كلّ قطرمن غواديه ديمة وطفاء
يا مطيب القرى إذا مااقشعرّتببني الدهر شتوة غبراء
أين من يرتقي لعلياك منهموهم في الهبوط عنك سواء
وسماءٌ تظلّهم وهي أرضلك لكنّها عليهم سماء
إنّ هذي الدنيا يشعّ عليهارونق منك رائق وبهاء
قد زهت بالزورا لأنّك فيهافهي عين لها وأنت الضياء
لك يا ما أرقّ طبعك حلمهو في الخطب صخرة صمّاء
وسجاياً تنفّس الروض منهاعن نسيم تطله الأنداء
أقول: فأمّا الفضل فذكره ابن خلّكان قال: هو الفضل ابن يحيى ابن خالد البرمكي، كان من أكثر البرامكة كرماً مع كرمهم وسعة جودهم، وكان أكرم من أخيه جعفر، وكان أخوه جعفر أبلغ في الرسائل والكتابة منه، وكان هارون الرشيد قد ولاّه الوزارة قبل جعفر، وأراد أن ينقلها إلى جعفر فقال لأبيهما يحيى: يا أبتي، وكان يدعوا الفضل يا أخي، فإنّهما متقاربان في المولد، وكانت أُمّ الفضل قد أرضعت الرشيد واسمها زبيدة، من مولدات المدينة، والخيزران أُمّ الرشيد أرضعت الفضل، فكان أخوين من الرضاع، وفي ذلك قال مروان بن أبي حفصة يمدح الفضل:
كفى لك فضلاً أنّ أفضل حرّةغذّتك بثدي والخليفة واحد
لقد زنت يحيى في المشاهد كلّهاكما زان يحيى خالداً في المشاهد
قال الرشيد ليحيى: قد احتشمت من الكتابة في ذلك إليه فاكفنيه، فكتب إلى الفضل ولده: قد أمر أميرالمؤمنين بتحويل الخاتم من يمينك إلى شمالك، فكتب إليه الفضل: قد سمعت مقالة أميرالمؤمنين في أخي وأطعت، وما انتقلت عنّي نعمة صارت إليه، ولا عزبت عنّي رتبة طلعت عليه. فقال جعفر: لله أخي ما أنفس نفسه وأبين دلائل الفضل عليه، وأقوى منّة العقل فيه وأوسع في البلاغة ذرعه.
وكان الرشيد قد جعل ولده محمّداً في حجر الفضل بن يحيى، والمأمون في حجر جعفر، فاختصّ كلٌّ منهما بمن هو في حجره.
وكان أبوالهول الحميري قد هجا الفضل، ثمّ أتاه راغباً إليه، فقال له: ويحك بأيّ وجه تلقاني؟ فقال: بالوجه الذي ألقى به الله عزّوجلّ وذنوبي إليه أكثر من ذنوبي إليك، فضحك ووصله.
ومن كلامه: ما سرور الموعود بالفائدة كسروري بالإنجاز.
وأمّا أبوه: فكان وزير هارون الرشيد، وكان جدّهم برمك من مجوس بلخ وكان يخدم النوبهار وهو معبد كان للمجوس بمدينة بلخ توقد فيه النيران، واشتهر برمك وبنوه بسدانته، وكان برمك عظيم المقدار عندهم، وساد ابنه خالد وتقدّم في الدولة العباسيّة وتولّى الوزارة لأبي العبّاس.
وأمّا واصل بن عطاء ويُكنّى أبا حذيفة كان معتزليّاً يعرف بالغزّال مولى بني ضبه، وقيل: مولى بني مخزوم.
وقال المبرّد في الكامل: لم يكن واصل بن عطاء غزّالاً ولكنّه كان يلقّب بذلك لأنّه كان يلازم الغزّالين ليعرف المتعفّفات من النساء فيجعل صدقته لهنّ.
وقال السيّد المرتضى: قيل إنّه كان مولىً لبني هاشم وإنّما لقّب بالغزّال لأنّه كان يكثر الجلوس في الغزّالين عند رضيع له يعرف بأبي عبد الله الغزّال، فلقّب بالغزّال كما لقّب أبو سلمة حفص بن سليمان بالخلاّل، وهو وزير أبي العبّاس السفّاح قبل خالد بن برمك، ولم يكن أبو سلمة خلاّلاً وإنّما كان منزله بالكوفة بقرب الخلاّلين، فكان يجلس عندهم فسمّي خلاّلاً.
وقال أبو عبّاس المبردّ: كان واصل بن عطاء ألثغاً قبيح اللثغة في الراء، فكان يخلّص كلامه منها ولا يفطن لذلك لاقتدراه على الكلام وسهولة ألفاظه، وكان يضرب به المثل في إسقاط حرف الراء من كلامه، وقد استعمله الشعراء في أشعارهم كثيراً، فمنه قول أبي محمّد الخازن من جملة قصيدة يمدح بها الصاحب ابن عبّاد وذلك قوله:
نعم تجنّب لا يوم العطاء كماتجنّب ابن عطاء لثغة الراء
وقال آخر في محبوب له وكان ألثغاً:
أعدْ لثغةً لو أنّ واصل حاضرٌليسمّعها ما أسقط الراء واصل
وقال آخر:
أجعلت وصلي الراء لم تنطق بهوقطعتني حتّى كأنّك واصل
وقيل: إنّ رجلاً قال لواصل: كيف تقول أسرج الفرس؟ فقال: ألبد الجواد.
وقال له آخر: كيف تقول ركب فرسه وجرّ رمحه؟ فقال: استوى على جواده وسحب عامله.
وقال بعضهم فيه:
ويجعل البرَّ قمحاً في تصرّفهوخالف الراء حتّى احتال للشعر
ولم يطق مطراً والقول يعجلهفعاذ بالعيث إشفاقاً من المطر
أقول: وقد اشتملت هذه المقطوعة على نوع من أنواع التوجيه، والتوجيه هو: إيراد الكلام محتملاً لوجهين مختلفين، من قولهم: كلام موجّه إذا كان له ظاهر وباطن، فكأنّه ذو وجهين؛ فالنوع الذي أشرنا إليه بأنّ هذه المقطوعة اشتملت عليه هو في قولنا فيها:
مكرمات بنشرها الفضل يحيىلكريم لولاه مات الرجاء
لا تقس واصلاً بمن كلّ وقتواصلٌ منه للوفود عطاء
فلفظة "النشر" تحتمل معنيين هاهنا: أحدهما: النشر الذي هو خلاف الطيّ، والمراد به الإذاعة، من نشر الخبر إذا أذاعه.
وثانيهما: النشر الذي هو الإحياء بعد الموت، وليست هذه اللفظة من التوجيه بشيء، وإنّما جيء بها لمناسبة الألفظ التي وقع فيها التوجيه، وهذا النوع يسمّى التوجيه بأسماء الأعلام، كما سيأتي، لأنّ لفظة "الفضل، ويحيى، وواصل، وعطاء" تحتمل معنيين: أحدهما العلميّة، وثانيهما: الفضل الذي هو خلاف النقص، ويحيى: الفعل من الحيوة الذي هو ضدّ يموت، وواصل: إسم فاعل الاُولى من وصله، والثانية: من وصل إليه، وعطاء: هو الإسم من أعطاه.
إذا تقرّر هذا فنقول: إنّ التوجيه قد يكون باستعمال ألفاظ أهل صناعة معلومة فيكون ظاهره تلك الصناعة وباطنه غيرها، وقد يكون بإيراد الكلام يحتمل المدح والذم، كقول ابن هاني الأندلسي:
لا يأكل السرحان شلوَ طعينهمممّا عليه من القنا المتكسّر
فإنّه يحتمل المدح ويكون المقتول منهم والرماح لأعدائهم، ويحتمل الذمّ ويكون المقتول من أعدائهم والرماح لهم، ومثله قول الآخر:
بارك الله للحسنولبوارن في الختن
يابن هارون قد ظفرتولن ببنت مَنْ
فلا يُعْلَم ما أراد ب "بنت مَنْ" في الرفعة أو الحقارة. وقد يكون بإيراد كلام يحتمل الدعاء له والدعاء عليه، كقول من قال:
خاط لي عمروٌ قباءليت عينيه سواء
قلت شعراً ليس يُدرىأمديح أم هجاء
فهو يحتمل تمنّي العوراء أن تكون صحيحة أو بالعكس. وقائل هذا بشار بن برد، يُروى أنّه فصّل قباءً عند خيّاط أعور اسمه زيد أو عمرو، فقال له الخيّاط على سبيل العبث به: سآتيك به لا تدري أهو قباء أم فرّاجة، فقال له: إن فعلت ذاك لأنظمنّ فيك بيتاً لا يعلم أحد ممّن سمعه أكان لك أم عليك، ففعل الخيّاط، فقال هو البيت.
ومثله ما حكاه ميمون بن مقرون قال: تقدّم جعيفران الموسوس إلى يوسف الأعور القاضي بسرّ من رأى لحكومة في شيء كان في يده من وقف له، فدفعه عنه وقضى عليه، فقال: أراني الله أيّها القاضي عينيك سواء، فأمسك عنه وردّه إلى داره، فلمّا رجع أطعمه ووهب له دراهم ثمّ دعا به فقال له: ماذا أردت بدعائك؟ أردت أن يردّ الله عَلَيّ من بصري ما ذهب؟ فقال له: والله لئن كنت وهبت لي هذه الدراهم تسخر بي وإنّي لأسخر منك لأنّك أنت المجنون لا أنا، أخبرني كم من أعور رأيته عمي؟ فقال: كثير، قال: فهل رأيت أعوراً صحّ قط؟ قال: لا، قال: فكيف توهّمت عَلَيّ الغلط، فضحك منه وصرفه.
وقال محمّد بن عبد الله بن سنان الخفاجي في كتابه: إنّه ينبغي أن لا يُستعمل في الكلام المنظوم والمنثور ألفاظ المتكلّمين والنحويين والمهندسين ومعانيهم، ولا الألفاظ التي يختصّ بها بعض علوم الهيئة وغيرها، لأنّ الإنسان إذا خاض في علم وتكلّم في صناعة وجب عليه أن يستعمل ألفاظ أهل ذلك العلم وأصحاب تلك الصناعة، ثمّ مثّل ذلك بقول أبي تمام:
مودّة ذهبت أثمارها شبهٌوهمّة جوهرٌ معروفها عرض
وبقوله أيضاً:
خرقاء يلعب بالعقول حبابهاكتلعّب الأفعال بالأسماء
واعترضه ابن الأثير في المثل السائر فقال: إنّ الذي أنكره ابن سنان هو عين المعروف في هذه الصناعة، إنّ الذي أنكره منه هو الذي يشتهيه قلبي. وقال: إنّما قوله: إنّه يجب على الإنسان إذا خاض في علم أو تكلّم في صناعة أن يستعمل ألفاظ أهل ذلك العلم وأصحاب تلك الصناعة فهذا مسلّم لكنّه شذّ عنه أنّ سناعة المنظوم والمنثور مستهدفة من كلّ علم وكلّ صناعة، لأنّها موضوعة على الخوض في كلّ معنى وهذا لا ضابط له يضبطه، ولا حاصر له يحصره، فإذا أخذ مؤلّف الشعر أو الكلام المنثور في صوغ معنىً من المعاني وأدّاه ذلك إلى استعمال معنىً فقهي أو نحوي أو خيالي فليس له أن يتركه ويحيد عنه لأنّه من مقتضيات ذلك المعنى الذي قصده، ألا ترى إلى قول أبي تمام في الإعتذار:
فإن يك جرم عنَّ أوْ تكُ هفوةعلى خطإ منّي فوزري على عَمَد
فإنّ هذا أحسن ما يجيء في باب الإعتذار عن الذنب، وكان ينبغي له على ما ذكره ابن سنان أن يترك ذلك ولا يستعمله حيث فيه لفظتا الخطأ والعمد اللتان هما من أخصّ ألفاظ الفقهاء، وكذلك قول أبي الطيب المتنبّي:
ولقيت كلّ الفاضلين كأنّماردّ الإله نفوسهم والأعصرا
نسقوا لنا علم الحساب مقدّماوأتى فذلك إذ أتيت مؤخّرا
وهذا من المعاني البديعة وما كان ينبغي لأبي الطيب أن يأتي في مثل هذا الموضع بلفظة فذلك التي هي من ألفاظ الحساب، بل كان يترك هذا المعنى الشريف الذي لا يتمّ إلاّ بتلك اللفظة موافقةً لابن سنان فيما رآه وذهب إليه، وهذا محض الخطأ وعين الغلط، إنتهى.
وأجاب ابن الأثير أيضاً عن البيت الأوّل الذي أنكره ابن سنان على أبي تمام بأنّه ليس منكراً لما استعمل فيه من لفظتي الجوهر والعرض اللتين هما من خصائص ألفاظ المتكلّمين، بل إنّه ركيك في نفسه لتضمّنه لفظة الشبه فإنّها عامية ركيكة وهي التي استخفّت في البيت، وعن البيت الثاني بأنّه ليس بمنكر وهل يشكّ في أنّ التشبيه الذي تضمّنه واقع في موقعه، ألا ترى بأنّ الفعل ينقل الإسم من حال إلى حال وكذلك الخمرة تفعل في العقول في تنقّل حالاتها.
رجعٌ إلى ذكر بقيّة أنواع التوجيه وأمثلتها: فمن ذلك التوجيه بقواعد النحو.
قال بعض المتأخّرين:
عوامل رزق أعملت لغة الردىفجسم له خفض ورأس له نصب
وقال أمين الدين علي السليماني:
أضيف الدجى معنىً إلى لون شعرهفطال ولولا ذاك ما خصَّ بالجرّ
وحاجبه نون الوقاية ما وقتعلى شرطها فعل الجفون من الكسر
وكان بالعراق عاملان: أحدهما اسمه عمر، والآخر اسمه أحمد، فعزل عمر عن ولايته واستقرّ مكانه أحمد لمال قدّمه، فقال بعض الشعراء:
أيا عمر استعدَّ لغير هذافأحمد في الولاية مطمئن
فإنّك فيك معرفة وعدلوأحمد فيه معرفة ووزن
ومثله قول ابن عنين فيمن عزل عن وظيفته وكانت سيرته غير مشكورة:
شكى ابن المؤيّد من عزلهوذمّ الزمان وأبدى السفه
فقلت له لا تذمّ الزمانفتظلم أيّامه المنصفه
ولا تغضبنَّ إذا ما صرفتفلا عدل فيك ولا معرفه
ورشيق قول شرف الدين:
أتيت حانة خمّار وصاحبهامحارف متقن للنحو ذو لسن
وحوله كلُّ هيفاء منعّمةوكلّ علق رشيق أهيف حسن
فقال لي إذ رأى عيني قد انصرفتإلى النساء كلام الحاذق الفطن
أنّث وركّب وصف واعدل بمعرفةواجمع وزد واسترح من عجمة وزن
وبديع قول الشهاب:
وإذا الثنية أشرقت وشمّمت منأرجائها أرجاً ونشر عبير
سل هضبها المنصوب أين حديثهاالمرفوع عن ذيل الصبا المجرور
وقول الصفي الحلّي في رياض الممطور:
إن جزت بالممطور مبتهجاً بهونظرت باطن دوحه الممطور
وأراك بالآصال خفق هوائه الممدود تحريك الهوى المقصور
سل بانّه المنصوب أين حديثهالمرفوع عن ذيل الصبا المجرور
وظريف قول بعضهم:
عرّج بنا نحو طلول الحمىفلم تزل آهلة الأربع
حتّى نطيل اليوم وقفاً على الساكن أو عطفاً على الموضع
وقول أبي الفتح البستي:
عزلت ولم أذنب ولم أك خائناًوهذا لإنصاف الوزير خلاف
حذفت وغيري مثبت في مكانهكأنّي نون الجمع حين يضاف
وقوله أيضاً:
أدرجت في أثناء نسيانكمحتّى كأنّي ألف الوصل
وقوله أيضاً:
أفدي الغزال الذي في النحو كلّمنيمناظراً فاجتنيت الشهد من شفته
وأورد الحجج المقبول شاهدهامحقّقاً ليريني فضل معرفته
ثمّ افترقنا على رأي رضيت بهوالرفع من صفتي والنصب من صفته
وما ألطف قول السرّاج الورّاق:
كم أُناديك مفرداً علماً أرفعه عالماً بشرط المنادى
وجوابي ملغىً يحاكي للولاخبر اللو وإنّه ما أفادا
وظريف قول ابن العفيف:
يا ساكناً قلبي المعنىوليس في سواك ثاني
لأيّ معنىً كسرت قلبيوما التقى فيه ساكنان
قال الصلاح الصفدي: وهذا المعنى فيه نقص لأنّ القلب ظرف لاجتماع الساكنين وحينئذ يكون الساكنان غير القلب، والكسر إنّما وقع على القلب لا على أحد الساكنين.
قال صاحب المعاهد: ومن تأمّله حقّ التأمّل وجده موجّهاً، ثمّ قال: وقد ذكرت ذلك لجماعة من كبار المتأدّبين وما رأيت فيهم من تنبّه له.
وفي معناه قول ابن شرف القيرواني في رجل عجز عن افتضاض عرسه:
كم ذكر في الورى وأُنثىأولى من اثنين باثنتين
أرى الليالي أتت بلحنلجمعها بين ساكنين
وقول السراج الورّاق:
يا ساكناً قلبي ذكرتك قبلهأرأيت قبلي من بدى بالساكن
وجعلته وفقاً عليك وقد غدامتحرّكاً بخلاف قلب الآمن
وما أحسن قول ابن نباتة المصري:
بكيت وما يجدي البكاء على العانيولكنَّ تشتيت الأحبّة أشجاني
كأنّ زماني خاف لحناً فلم يكنليجمع بين الساكنين بأوطاني
ولمحاسن الشوّاء:
أرسل فرعاً ولوى هاجريصدغاً فأعيى بهما واصفه
فخلت هذا حيّة خلفهتسعى وهذا عقرباً واقفه
وللسليماني:
نصبت على التمييز إنسان مقلتيأُشاهد قدّاً منه نصباً على الظرف
ءأخشى فراقاً بعدها أو قساوةوقد جاء واو الصدغ للجمع والعطف
ولصاحب المعاهد مثله:
تطمعني في الوصل أصداغهحين تريني أحرف العطف
ومن لطائف البهاء زهير قوله في هذا الباب:
يقولون لي أنت الذي سار ذكرهفمن صادر يثني عليه ووارد
هبوني كما قد تزعمون أنا الذيفأين صلاتي منم وعوائدي
ونظير ذلك مااتّفق لابن عنين وذلك أنّه مرض فكتب إلى الملك المعظّم عيسى بن الملك العال أبي بكر بن أيّوب صاحب دمشق:
أُنظر إليّ بعين مولى لم يزليولي الندى وتلاف قبل تلافي
أنا كالذي احتاج ما تحتاجهفاغنم دعائي والثناء الوافي
فعاده الملك المعظم ومعه خمسمائة دينار وقال له: أنت الذي، وأنا العائد، وهذه الصلة.
ومثله قول جعفر العلوي الأديب المصري:
وافيت نحوكم لأرفع مبتداشعري وأنصب خفض عيش أغبرا
حاشاكم أن تقطعوا صلة الذيأو تصرفوا من غير شيء جعفرا
وقول الأمير أمين الدين السليماني:
وإنّي الّذي أحببته وهجرتهفهل صلة أو عائد منك للذي
وقول الآخر:
لا تهجروا من لا تعوَّد هجركموهو الذي بلبان وصلكم غذي
ورفعتم مقداره بالإبتداحاشاكم أن تقطعوا صلة الذي
وقول الصفي الحلّي:
لمّا رأت علياك إنّي كالّذيأبدو فينقصني السقام الزائد
وافيتني فوفيت لي بمكارمفنداك لي صلة وأنت العائد
وقول ابن أبي حجلة:
قطع الأحبّة عادتي من وصلهمفكان قلبي بالتواصل ما غذي
وإذا سمعتهم في النحاة بعاشقمنعوه من صلة له فأنا الذي
وما ألطف قول محاسن الشوّاء:
وكنّا خمس عشرة في التئامعلى رغم الحسود بغير آفه
فقد أصبحت تنويناً وأضحىحبيبي لا تفارقه الإضافه
وقول ابن العفيف التلمساني:
ومستتر من سنا وجههبشمس لها ذلك الصدغ في
كوى القلب منّي بلام العذارفعرَّفني أنّها لام كي
ولمحاسن الشوّاء أيضاً:
لنا صديق له خلالٌتعرب عن أصله الأخس
أضحت له مثل "حيث" كفٌوددت لو أنّها "كأمس"
ومثله قول أبي محمّد الواسطي:
لنا صديق به انقباضونحن بالبسط نستلذ
لا يعرف الفتح في يديهإلاّ إذا ما أتاه أخذ
فكفّه "أين" حين يعطيشيئاً وبعد العطاء "منذ"
وقول السراج الورّاق:
ومبخل بالمال قلت لعلّهيندى وظنّي فيه ظنٌّ مخلف
مع الدراهم فيه جمع سلامةفأجابني لكنّه لا يصرف
ومن التوجيه في علم العروض والنحو، قول السباسكوني يهجوا عروضياً نحوياً:
لا تنكروا ما ادّعى فلان من الشعر إذا قال أنّه شاعر
فالنحو ثمّ العروض قد شهداله على الشعر أنّه قادر
يقصر ممدوده ويرفعهفي الجرّ نصب الغرمول في الآخر
يريك وهو البسيط دائرةتجمع بين الطويل والوافر
وقال الآخر:
أنا الذي مرضت شهراً كاملاًفما رأيت عائداً ولا صله
لولا الوزير الصاحب الندب الذينعماه لي من الأنام واصله
شارف قلعاً وتدي وخاف قطعاً سببي وقلت هذي الفاصله
ومن التوجيه في علم العروض، قول ابن سارة:
وبي عروضيٌ سريع الجفاوجدي به مثل جفاه طويل
قلت له قطعت قلبي أسىًفقال لي التقطيع شأن الخليل
وقول نصرالله ابن الفقيه المصري:
وبقلبي من الجفاء مديدٌوبسيطٌ ووافرٌ وطويل
لم أكن عالماً بذاك إلى أنقطع القلب بالفراق الخليل
وللسليماني:
لا تعذلنّي في العروضولو رأيت القصد جائر
دارت عَلَيّ دوائرٌفجهدت في فكّ الدوائر
وله أيضاً:
تقاطع صاحباي على هناةجرت بعد التصاون والتصافي
ودا مالا يضمّها مكانكأنّهما معاقبة الزحاف
ومن التوجيه في صناعة الكتابة، قول ابن الساعاتي:
لله يوم في سيوط وليلةحلف الزمان بمثلها لا يغلط
بتنا وعمر الليل في غلوائهوله بنور البدر فرع أشمط
والطلُّ في تلك الغصون كلؤلؤنظم يصافحه النسيم فيسقط
والطير يقرؤ والغدير صحيفةوالريح تكتب والغمام ينقط
ومنه قول ابن لنكك البصيري:
قف أُنظر إلى درّ السحاب كأنّهنثار وأحداق الأزاهير تلقطه
إذا كتبت أيدي الرياض على الثرىبنور فأيدي الغيم بالقطر تنقطه
وقول أبي زهير مهلهل بن نصر بن حمدان:
ءأخا الفوارس لو شهدت مواقفيوالخيل من تحت الفوارس تنحط
لقرأت منها ما تخط يد الوغىوالبيض تشكل والأسنّة تنقط
وقال الصاحب ابن عباد يصف الوحل:
إنّي ركبت وكفّ الأرض كاتبةعلى ثيابي سطوراً ليس تنكتم
فالأرض محبرة والحبر من لثقوالطرس ثوبي ويمنى الأشهب القلم
وما أحسن قول ابن عبد الطّاهر:
مفردٌ في جماله إذ تبدّىخجلت منه جملة الأقمار
كيف أرجو الوفاء منه وعاملت غريماً من لحظه ذاانكسار
ذو حواش تلوح من قلم الريحان في خدّه لجلّ الباري
فيه وجدي محقّق وسلوّيوكلام العذول مثل الغبار
فلساني في وصفه قلم الشعرورقي المكتوب بالطومار
وبديع قول ابن جابر وذكر الأقلام السبعة:
تعليق ردفك بالخصر الخفيف لهثلث الجمال وقدوفّته أجفان
خدٌّ عليه رقاع الحسن قد خلعتوفي حواشيه للصدغين ريحان
خطّ الشباب بطومار العذار بهسطراً ففضاحه للناس فتّان
محقّق نسخ صبري عن هواه ومنتوقيع مدمعي المنثور برهان
يا حسن ما قلم الأشعار خطّ علىذاك الجبين فلا يسلوه إنسان
أقسمت بالمصحف السامي وأحرفهما مرَّ بالبال يوماً عنه السلوان
ولا غبار على حبّي فعندك ليحساب شوق له في القلب ديوان
ومن التوجيه في علم الرمل، قول البهاء زهير:
تعلّمت علم الرمل لمّا هجرتنيلعلّي أرى شكلاً يدلّ على الوصل
فقالوا طريق قلت يا ربّ للوفاوقالوا اجتماع قلت يا ربّ للشمل
وقول ابن مطروح:
حلا ريقه والدرّ فيه منضدومن ذا رأى في العذب درّاً منضدا
رأيت بخدّيه بياضاً وحمرةًفقلت لي البشرى اجتماع تولّدا
ومن التوجيه في علم الهندسة، قول ابن جابر أو العلوي المصري في مليح مهندس:
محيط بأشكال الملاحة وجههكأنّ به أقليدساً يتحدّث
فعارضه خطّ استواء وخالهبه نقطة والشكل شكل مثلّث
وقول ابن النبيه في صبي يشتغل بالهندسة:
وبي هندسي الشكل يسبيك لحظهوخال وخدّ بالعذار مطرّز
ومذ خطّ بيكار الجمال عذارهكقوس علمنا أنّما الخال مركز
وقول ابن التلميذ أو أبي علي المهندس المصري:
تقسّم قلبي في محبّة معشربكلّ فتىً منهم هواي منوط
كان فزادي مركزٌ وهم لهمحيط وأهوائي إليه خطوط
وظريف قول بعضهم:
لمّا انثنى وهو البسيط تبيّنتلي منه دائرةٌ كحلقة خاتم
ورأيت في الشكل المدوّر نقطةفحللت مركزها بخطٍّ قائم
وقول ابن هشام بن أحمد:
قد بيّنت فيه الطبيعة أنّهاببيديع أعمال المهندس باهره
عبثت بمبسمه فخطّت فوقهبالمسك قوساً من محيط الدائره
ومن التوجيه في علم النجوم، قول ابن جابر:
يا حسن ليلتنا التي قد زارنيفيها فأنجز ما مضى من وعده
قومت شمس جماله فوجدتهافي عقرب الصدغ الذي في خدّه
وقول الأرجاني أيضاً:
معقرب الصدغ يحكي نور غرّتهبدراً بدا في سواد الليل معتجرا
مذ سافر القلب من صدري إليه هوىًما عاد بعد ولم أعرف له خبرا
وهو المسيء اختياراً إذ نوى سفراًوقد سرى طالعاً في العقرب القمرا
ومن التوجيه في علم الموسيقيا، قول البدر بن لؤلؤ الذهبي:
وبمهجتي المتحمّلون عشيّةوالركب بن تلازم وعناق
وحداتهم أخذت حجازا بعد ماغنّت وداء الركب بالعشّاق
ومن التوجيه اللطيف، قول ابن نباتة المصري في أسماء متنزّهات دمشق:
يا حبّذا يومي بوادي جلقونزهتي مع الغزال الحالي
من أوّل الجبهة قد قبّلتهمرتشفاً لآخر الخلخالي
ومن التوجيه في بعض الأسماء، قول القاضي مجدالدين بن عبد الظاهر يصف نهراً صافياً في روضة نزهة:
إذا فاخرته الريح ولّت عليلةبأذيال كثبان الربى تتعثّر
به الفضل يبدو والربيع وكم غدابه الروض يحيى وهو لا شك جعفر
وقول ابن الوردي في بعض أسماء الأعلام:
رأسي بها شيبان والطرف مننبهان والعذال فيها كلاب
وقول الآخر:
أرح ناظري من عابس الوجه يابسله خلق صعب ووجه مقطب
أقول له إذ آيستني صفاتهوإن قيل إنّي في المطالع أشعب
متى يظفر الآتي إليك بسؤلهوينجح من مسعاه قصد ومطلب
ولؤمك سيّار وبشرك باسرووجهك عبّاس وخلقك مصعب
وقول الوداعي:
من أمَّ بابك لم تبرح جوارحهتروي أحاديث ما أوليت من منن
فالعين عن قرّة والكفّ عن صلةوالقلب عن جابر والسمع عن حسن
فإنّ هذا البيت يصدق على المعنى الواحد وهو أسماء الأعلام من رواة الحديث، وعلى المعنى الآخر وهو المناسبة بين العين والقرّة والكف والصدر والقلب والجبر والسمع والحسن.
وقول صاحب المعاهد:
بأبواب الكرام وضعت رحليلكي يروى بفيض الجود محلي
ومن أضحى نزيل المجد يحيىبجعفر فضله السامي المحل
وقوله أيضاً:
ومن هو بحرٌ لا يقاس بفضلهربيعٌ وكم يحيى إذا جاء جعفر
ومن هذا القسم قولنا في هذه المقطوعة المصدّر بها هذا الباب:
مكرمات بنشرها الفضل يحيىلكريم لولاه مات الرجاء
لا تقس واصلاً بمن كلّ وقتواصل منه للوفود عطاء
ومن ذلك عدّة توجيهات في بعض الأسماء قلتها مقرضاً على الكتاب الموسوم بالروض الخميل فيما قيل من النظم والنثر في بني جميل وهم أجلّ قوم أمجاد من أكابر أهل بغداد، فنثرت هذه الفصول ونظمت معها أبياتها الباهرة الفائقة بمحاسنها الوافرة، وهي: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا الروض الخميل، المتضوّع في نشر ذكر آل الجميل، تزهو به كلّ زهرة، ما زهى مثلها على صفحتي نهر المجرّة، وتتمنّى رعي نرجسه الغزالة، ويودّ المشتري أن يبتاع حلّة وشيه بالنثرة، وأنّى له.
روض بدا بين الأنام زاهراًلسحب جود بالندى تدبّجه
فزهرة نعوت أخلاقهمووصف طيب الأصل منهم أرجه
كأنّما نثرت فيه، أو نظمت سلك قوافيه، كلّ حبّة قلب فهو إلى كلّ قلب محبّب، فما دمية القصر بين الأتراب، تنشد الأغاني في مغاني منازل الأحباب وتعاطي نداماها السلافة ممزوجة لهم بالغيث الذي انسجم، مشفوعةً لهم بمستظرف النغم، ولا يتيمة الدهر مجلوةً في المعاهد، حاليةً بدرر الفوائد وغرر القلائد، بأزهى من أوانس فقره، وأبهى من عرائس أشطره، ولعمري إنّه ليجب على من هو مسلم إذا نظر فيه أن يكون صريع غوانيه فينشىء مطرياً، وينشد معجباً:
هذا كتاب أم حديقة روضةتنتزّه الأحداق في أورادها
وتودّ لو شرت العيون بياضهوسواده ببياضها وسوادها
نظمت به غرر الكلام مصاقعروح الفصاحة قام في أجسادها
غرراً بدت كالشهب إلاّ أنّهابزغت بليل من سواد مدادها
لو شنّف الشادي الحمام بها إذاًخلعت له الأطواق من أجيادها
يهوى فؤاد المرء يغدو مسمعاليحوز حظّ السمع من إنشادها
لفظ أرقُّ من الصبا وفخامةًمعناه تحسب قدّ من أطوادها
دع ما يزخرفه الربيع وإن زهتأزهاره بين الربا ووهادها
وتصفّح الروض الخميل رغبةًلتراه تنسى العين طيب رقادها
تحظى بكلّ طريفة من حسنهاغدت العقول العشر من روّادها
ويعدّ من آل الجميل مناقباًتهوى النجوم تكون من أعدادها
وممّا جاء من التوجيه في قواعد الفقه، قول القاضي شرف الدين المقدسي وتلطّف ما شاء:
أحجج إلى الزهر لنحظى بهوارم جمار الهمّ مستنفرا
من لم يطف بالزهر في وقتهمن قبل أن يحلق قد قصّرا
وقال آخر:
كم ليلة فيها وصلنا السرىلا نعرف الغمض ولا نستريح
واختلف الأصحاب ماذا الذييزيل من شكواهم أو يريح
فقيل تعريسهم ساعةًوقيل بل ذكراك وهو الصحيح
ومن التوجيه في الحديث، قول ابن جابر الأندلسي:
قالت أعندك من أهل الهوى خبرفقلت إنّي بذاك العلم معروف
مسلسل الدمع من عينيَّ مرسلةعلى مدبج ذاك الخدّ موقوف
وقوله أيضاً:
عارضوا مرسل الظلام بنقلمسند عن حسان تلك الفروع
عدلوا في رواية الحب جفنيمع جرح الدموع عند الهموع
عنعنوا نقل لوعتي عن دموعيعن جفوني عن قلبي الموجوع
وقول الشيخ عبد علي الحويزي:
بحبّك آحاد الهموم تواترتعَلَيّ فدمعي مستفيض بها انهمر
يسلسل في خدّي مراسيله التييضعّفها الشوق الذي صحّح الخبر
ومن التوجيه في أسماء السور، قول السراج الورّاق:
كلّ قلب عَلَيّ كالصخر ملآنوهيهات أن تلين الصخور
مغلق الباب ما تلا سورة الفتحوقافٌ من دونه والطور
وقول أبي الحسين الجزّار:
أشكو لعدلك جور دهر جائرفضلّت به فضلائه الجهّال
منعت به عقلاؤه إذ قسّمتبالجور في أنعامه الأنفال
وقول المولى الفاضل علي بن مليك:
ألا يا بني الروم القتال فدونكمفإنّا تدرّعنا الحديد إلى الحشر
ولا زال آي الفتح تتلوا رماحناوأسيافنا نتلوا بها سورة النصر
ولصاحب المعاهد:
واقعةٌ قد صار منها تغابنعلى الروم لا ينفكّ أو يحصل الحشر
لقد سمعوا وقع الحديد فلا ترىلهم همّة نحو القتال ولا كرّ
وم التوجيه في الحكمة، قول الشيخ عبد علي الحويزي:
أثبتَّ بالوصل الرقاد لناظريوشفّعت ذاك له بهجر زائد
فنفيته والنفي والإثبات لايتواردان على محلّ واحد
وقوله أيضاً:
جمعت في طرف المحبّ الكرىوالسهد في وصلك والبين
وليس يرضاه أخو فطنةلأنّه جمع نقيضين
وقوله أيضاً من التوجيه في الرياضي:
قلت له كسرت قلبي ويديعندك ما قابلتها بنافله
فاجبر وقابل منعماً فقال ماقرأت علم الجبر والمقابله
وقوله أيضاً:
لا ترج تعريف الورى بصناعة التنصيف والتحذير والتضعيف
واجهد بجمع المال تضح معرَّفاًفالمال فيه آلة التعريف
وله أيضاً وهو من التوجيه في علم الهيئة:
كم قد شهدت الحرب مستلئماًسابغة تضمن وقع الحمام
كالفلك الأطلس في ذاتهلا يقبل الخرق ولا الإلتئام
وله ايضاً فيه:
قلت هل تقسم ليجوهر لفظ أشتهيه
قال ثغري الجوهر الفرد ولا قسمة فيه
وله أيضاً وهو من التوجيه في علم المنطق:
إن رمت نسلاً فتزوّج غادةًأصغر سنّاً منك في التعمّر
فأوّل الأشكال لا ينتج حتّى يدخل الأصغر تحت الأكبر
وله أيضاً وهو من التوجيه في علم الأُصول:
تقول أصلى نار حبّي بهوظاهرٌ إنّك لا تصلّى
فهذه مسألة عندنامعارض ظاهرها الأُصلاّ
وله فيه أيضاً:
وجهك لمّا قد غدا ظاهرامخبراً عن أصلك الطاهر
حقّقت من هذا الذي بان ليتطابق الأصل مع الظاهر
وله أيضاً قصيدة وهي تشتمل على عدّة توجيهات:
قلبي وطرفك منصوب ومكسوركلاهما مطلقٌ منّا ومأسور
ناديت دمع جفوني كي ترخمهيا مستغاثي حالي منك تحذير
حاكى فؤادي منك الوجه وافترقافذاك نارٌ لتعذيبي وذا نور
قدّي وقدّك مخفوض ومنتصبوالثغر والدمع منظوم ومنثور
بخفض قدري فيك الناس تعرفنيوهكذاالحب تعريف وتنكير
قد أعرب الحب نحواً بيننا حسناًفالشعر والشعر مرفوع ومجرور
يا طرف من نهبت قلبي محاسنهذكري كسيفك في الآفاق مشهور
ينجاب ذوالجهل عنّي حين يبصرنيكأنّما أنا صبح وهو ديجور
لو رمت فخراً على المحبوب قلت لهدمعي وثغرك ياقوتٌ وبلّور
استاف جونة عطّار بطلعتهفخاله عنبرٌ والخدُّ كافور
أقام سوق الهوى خدٌّ له أبداًلحبّة القلب فيه اليوم تسعير
لا ترج منّي امتناعاً عن محبّتهفطرفه قادر والقلب مقدور
لنا بمقلته النجلاء ذو شطبله على فلك المرّيخ تدوير
أبدى ضروب بديع طرفه فلهفي فتية العشق تصريع وتشطير
حمّت لواحظه معسول ريقتهيا كوثراً منعتنا ورده الحور
تقول إن صدقتنا القول مقلتهيا محرمي العشق إنّي كعبه زورور
قد أخلصت كيمياء الحب وجنتهكأنّها للهوى العذريّ أكسير
لو لم يكن كيمياء ما تييسّر للأنفاس والدمع تصعيدٌ وتقطير
يحيى بجعفر دمعي فيه فضل وفاًأنا الرشيد به والقلب مسرور
يا دمع مقلتي الكشاف أنت لِقرآن المحبّة تأويل وتفسير
وسمت بالدمع أشكالاً خلفت بهاأقليدساً وهي في خدَّيَّ تحرير
لله مجلسنا والغصن يعطفهمن نسمة الصبح تقديم وتأخير
والنهر جسم بثوب الزهر ملتحفوالزهر برد من الريحان مزرور
فصل الربيع إذا ماالعش وافقهللقلب فيه وللأشجار تفطير
ولسماء التباسٌ بالرياض لماحكت كواكبها منها التصاوير
فالزهرة الورد والسعد الشقائق والمجرة النهر والجوزاء منثور
تصرّفت بي أيّامي لتنقصنيفما تغيّرت والتصريف تغيير
لا ينفع المرء تأديب يهذّبهإلاّ إذا عضد التدبير تقدير
أقول: وإنّما ذكرت هذه القصيدة بتمامها لما اشتملت عليه من أنواع التوجيه مع حسن السبك وحلاوة الألفاظ وحسن المطلع والمقطع يعرف ذلك بالذوق السليم.
رجعٌ إلى ذكر ما نظمته سابقاً فيه على روي هذا الباب.
أقول: وبعثت إليه هذه المقطوعة المخمّسة مشفوعة بهذه الفقرات متعذراً إليه من إبطاء كتابنا هذا عليه، والفقرات هذه: ما عقد الحمد خنصره، ولا فتح المجد بصره، على أنضر عود مكارم، وأزهر طلعة لشائم، من أبلج بسام العشية في الزمن البهيم، سيماء الشرف الوضّاح على قسمات وجهه الكريم، يسفر للجود عن محيّا أنور من بدر تم، يقرأ الوافد عنوان صحيفته هذا قبلة الكرم.
وجهٌ كأنَّ البدر شاطره الضياء أو النجوما
لو قابل الليل البهيملمزَّق الليل البهيما
يجلو الهموم وربّ وجهإن بدا جلب الهموما
فبوركت طلعة ذلك الأغر، وحيّاه الله ما تعاقب الالبيضان الشمس والقمر، ماجدٌ ما اسودَّ ليل الظن لطامع، إلاّ ابيضّ من أشعّة وجهه بالقمر الطالع، وإنّي وإن أحكمت منّي يد الإخلاص عقد ودّه، وأحنت عليها أن تحلّ بيد هجرانه وصدّه، لمعتذر إليه من إبطائي عليه فلقد ساورني الدهر، بشواغل هي قيد الفكر، فأصبحت قليل الحظوه، ثقيل الخطوه، عاثراً بذيل التقصير، ناظراً منالخجل على البعد بطرف حسير، فبعثت العذر على لسان هذه الغادة الكعاب، التي ربّما وقف الحياء بها دون الباب، وعلمي بكرم أخلاقه، وشرف أعراقه، أن يعيرها سمع مسامح، وها هي الغادة:
إحدى الغواني إلى الزوراءجائتك تمشي على استحياء
جميلةٌ من بنات الفكرمكنونةٌ في حجاب الصدر
حيّتك تبدي جميل العذرفحيّ منها ألوف الخدر
يا ساكناً مثلها أحشائي
سيرتها في سماء الحمدزهرة مدح لبدر السعد
لمن أياديه جلت عنديقد خففت في ثقيل الرفد
عن كاهلي منة الأنواء
معشوقة أقبلت للوصللسانها ناطق بالفصل
تغنيك عن غيرها في النقلغناء كفيك لي في المحل
حتّى عن الديمة الوطفاء
كم رقَّ ديباج نظمي وشياوراق صوغي القوافي حليا
لجوهر زان نحر العلياذاك الذي لم تلد لي الدنيا
نظيره من بني حوّاء
ذو طلعة وهي أُمُّ البشرمن شامها قال بنت البدر
وراحة وهي أُخت البحركم قلّدت للورى من نحر
بجوهر الرفد والنعماء
سماؤها لم تزل منهلهبها رياض المنى مخضله
وغيرها ليس تشفي غلّهعن الندى لم تزل معتله
بالبخل لا أفرقت من داء
يا هل ترى مخلفاً للوعدمن لم يجد غير بذل الجهد
إن كنتُ أبطأَت عمّا عنديفأنت يا مسرعاً بالصدّ
أعجل بالعتب من إبطائي
لا تشمتنّ هجرنا بالوصلولا تسم عقدنا بالحلّ
فمثلك اليوم خلاًّ من ليومن لك اليوم خلاًّ مثلي
ونحن كالماء والصهباء
أتت على النفس منها أغلاوأنت في العين منها أحلا
وأنت أولى بقلبي كلاّذاك الهوى لا تخله ملا
فمال عنه مع الأهواء
ومن الشعر الأجنبي الّذي اتّفق لي في غيرهم على هذا الروي، قولي مقرضاً على تخميس فارس أهل العصر، في ميدان النظم والنثر، عبد الباقي أفندي العمري، للقصيدة الهمزية المعروفة ب "البويصيريّة" والتقريض هذا:
نسيت في عرفانك الحكماءفقبيح أن تذكر الشعراء
أيُّ فضل لهم يبين وهل للبدر نورٌ إذا استنارت ذكاء
جئت في النظم مبصر الفكر والدنيا جميعاً بصيرةٌ عمياء
فأزلت العمى بآيات نظمأذعنت طاعةً لها البلغاء
نشرت طيىء الفصاحة لكنطويت في انتشارها الفصحاء
حكم حلوة إلينا بيع عفواًسلسلتها رؤية سمحاء
يرشف السمع لفظها العذب راحاًلجميع العقول منها انتشاء
لو تلاها مردّداً لفظها المرءلما احتجن روحه الأعضاء
وكفى شاهداً بفضلك ما ترويه عنك الهمزية الغرّاء
بنت فكر مجلوة في قوافلم تلد قطُّ مثلها الآراء
ألفاتٌ مثل الغصون تلتهالك من كلّ همزة ورقاء
لبست من جمان نظمك عقداًما تحلّت بمثله عذراء
أين يابن الفاروق منك الذيأبدع في نظمها ولا إطراء
لو رأى ما أودعت فيها لأضحىوهو والنظم واصل والراء
زبرة قد أشعّت في المتن منهاجوهراً في فرنده يستضاء
فهي عادت منه كمثل عصا موسى وتخميسك اليد البيضاء
ومن ذلك أنّ عبد الباقي أفندي سألني تخميس مستهل هذه القصيدة التي خمسها والبيت الذي بعده وذلك حين عزم على تخميسها وأراد الشروع فيه، فأرسلت إليه قولي:
ما لحيث انتهى بك الأُسراءلمهب العشر العقول ارتقاء
وإذا لم يكن إليك انتهاءكيف ترقى رقيك الأنبياء
يا سماءً ما طاولتها سماءجزت إذ فتحت لك الحجب فتحاًلعلىً دونها علا الرسل تمحى
فلهم لو غدا ذرى العرش سطحاً ... لم يساووك في علاك وقدحا لسنىً منك دونهم وسناءومن ذلك ما قلته في غرض من الأغراض وهإيراده في فصل المديح أليق.
سعدت من عشية زار فيهاقمر المجد ربعنا فأضاء
وأظنّ الرياح قد حسدتنافهي وجداً تنفّس الصعداء
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع