من «العقد المفصل» لحيدر الحلي (ت ١٣٠٤هـ)
فصل في التهنية
قلت: وكتبت بها للماجد الصالح مهنياً له بزواج ولده المصطفى:
جائتك تبسّم والبنان نقابهافأرتك بدراً بالهلال منقّبا
وكأنّما هي حين زفّت كأسهاشمسٌ تزفُّ من المدامة كوكبا
عقدت على الوسط النطاق مفوَّقاًولوت على الخصر الوشاح مذهّبا
أحبب إليك بها عشيقة مغرمراض العواذل شوقه فتصعّبا
هي تلك لاعبة العشاء ومنْ لهاألفت بنات الشوق قلبك ملعبا
أمسيت منها ناعماً بغريرةبنسيم ربّاها تعطّرت الصبا
ونديمة لك لو تغنّى باسمهاحجرٌ لرقّصه غناها مطربا
سكبت بكاس حديثها من لفظهاراحاً ألذَّ من المدام وأعذبا
وترنّمت هزجاً فأطرب لحنهاقمريَّ مائسة الأراك فطرّبا
فكأنّها علمت بعرس المصطفىفشدت غناً لابن الأراكة أطربا
في ليلة طابت فساعة أنسهالم تلق عمر الدهر منها أطيبا
وفد السرور بها لمغنى أصيدكرماً يُحيّي الوافدين مرحّبا
للكرخ ناعمة الهبوب تحمّليمنّي سلاماً من نسيمك أطيبا
وصلي إلى بيت قد انتجع الورىمنه جناباً بالمكارم معشبا
بيت على الزوراء يقطر نعمةفكأنّه بالغيث كان مطنّبا
قولي إذا حيّيت فيه أبا الرضافسواك منه هيبةً لن يقربا
بشراك بسّام العشيّ بفرحةضحكت بها الدنيا إليك تطرّبا
وجلاً عليك اليمن فيها طلعةًغرّاء طالع سعدها لن يغربا
فاسعد بقرّة ناظريك فقد غدافي عرسه المجد الأثيل معجّبا
أمقيل من لبس الهجير تغرّباومعرّس السارين تنزع لغّبا
عجباً لهذا الدهر يصحب بخلهولجود كفّك ليس يبرح مصحبا
وترى جبينك كيف يشرق للندىكرماً ويغدو الوجه منه مقطّبا
أرحبت للأضياف دارة جفنةمن دارة القمر الوسيعة أرحبا
وحملت عبأ بني الزمان ولو بهيعني أبوهم لاستقالك متعبا
وأما ومجدك حلفة لو لم يكنللعالمين سجال جودك مشربا
نزف اغترافهم البحار وبعدهاترك اعتصارهم الغمائم خلّبا
فمتى تقوم بحارها وقطارهالهم مقامك ما جرت وتصبّبا
يفدي أناملك الرطيبة معجبفي يبس أنمله بعذلك أسهبا
لو مسَّ وجه الأرض يبس بنانهلرأيته حتّى القيامة مجدبا
عذبت مذاقة "لا" بفيه لبخلهوبفيك طعم "نعم" غدا مستعذبا
فازادد حتّى في معيشة نفسهضيقاً وللوفّاد زدت ترحّبا
تسع الزمان بجود كفّك باسماًويضيق صدر الدهر منك مقطّبا
لو رعت مهجة قلبه وزحمتهلفطرتها وحطمت منه المنكبا
ولقد جريت إلى العلاء بهمّةلم ترضَ عالية المجرّة منكبا
حلّقت حيث الطرف عنك مقصّرٌفصعدت حيث النجم عنك تصوّبا
ولقد تحقّقت اسم غادية الحيافودجت معناه نداك الصيّبا
وأجّلت فكري في اسم أنفاس الصبافإذا به خلق الرضا قد لقّبا
سيماء عزّك في أسرّة وجههلله أنت فهكذا من أنجبا
زيّنت أُفق الفخر منه بكوكبما كان أزهره بفخرك كوكبا
قد غاض فيض ابن الفرات لجودهإذ كان أغزر من نداه وأعذبا
لا تطر كعباً واطو حاتم طييّوانشر مكارمه تجدها أغربا
واترك له معناً على ما فيه منكرم فمعنٌ لو يراه تعجّبا
هو خير من ضمّت معاقد حبوةوأخوه فخراً خير من عقد الحبا
طلعا طلوع النيّرين فما رأىأُفق المكارم مذ أنارا غيبها
فعلاهما في المجد أبعد مرتقىًونداهما للوفد أقرب مطلبا
أبقيّة الكرم الذين سواهملم يتّخذ نهج المكارم مذهبا
لا زلتم في نعمة ومسرّةمادام ظهر الأرض يحمل كبّبا
قلت في تهنئة محمّد الرضا وقد عوفي من علّة عرضت له وكنت مغرماً بكرم شمائله وشرف فضائله:
يا نسيم الصبا وريح الجنوبروّحا مهجتي بنشر الحبيب
إنّ روح المحبوب روح لقلبيما لقلبي آس سوى المحبوب
وعلى البعد منه أن تحملاهفعَلَيّ أنفحا به من قريب
لو سوى نشر يوسف شمَّ يعقوب إذاً لم يزل جوى يعقوب
وعجيب بمية ذاب قلبيويرى طبّه بنشر المذيب
ليت يا عذبة اللمى من فؤاديفيه أطفأت بعض هذا اللهيب
أو على السفحُ للوداع حبست الركب مقدارها لفتة من مريب
منك لو نلت ساعةً ضمّة التوديع أدركت غاية المطلوب
وعلى المتن كان منك هلالاًحين شرّقتِ جانحاً للغروب
ما لطيف الخيال ضاعف شوقيحيث وافى بوعده المكذوب
فيه جائت من بعد تهويمة الركب حذراً من عاذل ورقيب
قلت إنّي وفت فعاد نصيبيوصلها والمطال كان نصيبي
بينما في العناق قد لفنا الشوق ضجيعين في رداء قشيب
وإذا الوصل في انتباهي أراهسرق الإفك من سراب كذوب
أين ميٌّ منّي وقد عوّذتهاغلمة الحيّ بالقنا المذروب
شمس خدر حجابها حين تبدوجنح ليل من فرعها الغربيب
وسوى البدر في الإنارة لولاكلف البدر مالها من ضريب
حسدتني حتّى عيوني عليهالو تذكّرتها لأضحت تشي بي
أو سرْت موهناً إليَّ فظنتكلّ نجم في الأُفق عين رقيب
بوركت ذاالطيب من كثيب حماهاحملته لنا الصبا في الهبوب
قال لي الصحب من نشير أتانامن حمى الكرخ لا الحمى والكثيب
مخبراً عن محمّد إن سرى الداء الذي فيه للحسود المريب
أيهذا البشير لي حبّذا أنتبشيراً يبرء داء الحبيب
لو سواه روحٌ لجسمي لأتحفتك فيه وقلَّ من موهوب
لي أهديت فرحةً ما سرت قبلُ ولا يعدُ مثلها في القلوب
غرس الدهر قبلها الذنب عنديفغدا مثمراً بعفو قريب
وغريب من الزمان وما زال لديه اختراع كلّ غريب
إن أراني وما أراني سواهحسنات تجنى بغرس الذنوب
عجباً كيف أولد النحس سعداًشقَّ في نوره ظلام الخطوب
فمحيا الدنيا غدا وهو طلقٌما بصافي بياضه من شحوب
فاحك من غضارة البشر أنساًوهو بالأمس موحش التقطيب
فأبق للمكرمات ما بدت الشمسومالت في أُفقها للغروب
بسرور صاف وطرف قريرونعيم باق وعيش رطيب
وقال عمّنا المهدي مهنّياً أباه محمّد الصالح بشفائه من مرض اعتراه:
إلى عداك سرى عن جسمك الوصبوأمَّ يسعى إلى أحبابك الطرب
وقمت منتعشاً في روح عافيةبها عرى شانئيك الهمُّ والنصب
هنّئت في صحّة الجسم الذي بعدتمن قبل عن مسّه الآثام والريب
وإنّ عصمته من كلّ مأثمةلبرء علّته كانت هي السبب
بيمنه تتجلّى كلُّ نائبةفكيف عنه به لا تنجلي النوب
فيالها فرحةً منّا تداركت النفوس من قبل أن يستلّها العطب
وافى البشير بها يسعى وأنفسناتسعى إليه لما فيها وتقترب
ودَّ الكرام له من فرط بشرهملو أنّهم ملكوا أعمارهم وهبوا
فأحضرَّ روض الهنا حتّى زهى لهممن بعد ما كان مصفرّاً به العشب
يا ذاالذي زين فيه المجد وهو بهتزيّنت للمعالي القادة النجب
ما كنت أحسب قوماً يفرحون إذاما اعتلّ من فيه صحَّ المجد والحسب
مع أنَّ أبياتهم لولاه ما رفعتأعمادهنّ ولم يمدد لها طنب
يا عترة المجد أمّت بيتكم فرحاًعذراء ما إن حكتها الخرّد العرب
جائت تهنّئكم في برء علّة منقد شاد بيت علىً من دونه الشهب
دام السرور لكم فيه ولا برح السرور عنكم ولا الأفراح والطرب
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع