تجاوز إلى المحتوى

من «العقد المفصل» لحيدر الحلي (ت ١٣٠٤هـ)

الفصل الأوّل في المديح

قلت فيه هذه المقطوعة:

قفا حييا بالكرخ عنّي ربيبهافياطيب ريّاه الغداة وطيبها
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
تفيّأ من تلك المقاصير ظلّهافعطّر فيهنّ الصبا وجنوبها
غزالٌ ولكن في الرصافة ناشىءٌوهل تألَف الغزلان إلاّ كثيبها
فوالله ما أدري أزرَّ جيوبهعلى الشمس أم زرّت عليه جيوبها
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
تعشّقته نشوان من خمرة الصبامنعم أطراف البنان خضيبها
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
لو أنّ النصارى عاينت نار خدّهإذاً أوقدت ناقوسها وصليبها
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
يرشفينها ريقةً عنبيّةًكخلق أبي الهادي روت عنه طيبها
فتىً كلّ فخر إن نظرنا قداحهوجدنا معلاّها له ورقيبها
تراه الورى في المحل فرّاج خطبهاندىً ولدى فصل الخطاب خطيبها
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
إلى الحسن اجتبنا الفلا بنزائعخفاف سيثقلن الحقائب نيبها
حلفت بأيديها لسوف أزيرهاعلى الكرخ وضّاح العشايا طروبها
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
إذا ما طرحتُ الرّحل عنها بربعهغفرت لأيّام الزمان ذنوبها

أقول: الكرخ: محلّة من محال بغداد، وبغداد تسمّى الزوراء، قيل: سمّيت بذلك لانحراف قبلتها، وتسمّى مدينة السلام، ويقال: إنّ السلام إسم الدجلة، وهي بلدة أحدثها المنصور سنة أربعين ومائة، ونزلها سنة ست وأربعين، وفي سنة تسع وأربعين تمّ بناؤها، وهي بغداد القديمة التي بالجانب الغربي على دجلة، وهي بين دجلة والفرات، وبغداد الثانية؛ وهي الجديدة، التي في جانب الشرقي، وفيها دور الخلفاء، وهي عبارة عن سبع محال لا تفتقر محلة منها إلى غيرها على شاطىء دجلة، فالذي في الجانب الشرقي الرصافة؛ بناها المنصور حين ضاقت بالرعية والجند سنة إحدى وخمسين وهي مدينة مسوّرة. الثانية: مدفن أبي حنيفة مسوّرة. والثالثة: جامع السلطان غير مسوّرة. والرابعة: مدينة المنصور في الجانب الغربي وتُسمّى باب البصرة، وكان بها ثلاثون ألف مسجد وخمسة آلاف حمّام. والخامسة: مشهد الإمام موسى بن جعفر ﵇ مسوّرة. والسادسة: الكرخ مسوّرة. والسابعة: دارالقز مسوّرة.

ويقال: إنّ المنصور سمّي بالدوانيقي لأنّه كان يحاسب العملة على الدانق لبخله.

والنصارى أُمّة المسيح عيسى بن مريم ﵇.

قال في كتاب الملل والنحل: أنّه أوحي إليه إبلاغاً عند الثلاثين، وكانت مدّة دعوته ثلاث سنين وثلاثة أشهر وثلاثة أيّام، فلمّا رفع إلى السماء اختلف فيه الحواريون وغيرهم، واختلافاتهم فيه تعود إلى أمرين: أحدهما: كيفيّة نزوله واتّصاله بأُمّه وتجسّد الكلمة.

والثاني: كيفيّة صعوده واتّصاله بالملائكة توحّد الكلمة.

أمّا الأوّل فمنهم من قال أشرق على الجسد إشراق النور على الجسم المشف، ومنهم من قال ظهر به ظهور الروحاني بالجسماني، ومنهم من قال تدرّع اللاهوت بالناسوت، ومنهم من قال مازجت الكلمة جسد المسيح ممازجة اللبن الماء. وأثبتوا لله ثلاثة أقانيم، قالوا: الباري تعالى جوهر واحد يعنون به القائم بالنفس لا التحيز والحجمية فهو واحد بالجوهر ثلاثة بالأقنومية، ويعنون بالأقانيم الصفات كالوجود والحياة والإبن وروح القدس، وإنّما تدرّع وتجسّد دون سائر الأقانيم. وقالوا في الصعود أنّه قتل وصلب، قتله اليهود حسداً وبغياً وإنكاراً لنبوّته ودرجته، ولكنّ القتل ما ورد على الجزء اللاهوتي وإنّما ورد على الجزء الناسوتي كما قالوا. وكمال الشخص ثلاثة أشياء: نبوّة وإمامة ومملكة، وغيره من الأنبياء موصوفين بهذه الخصال الثلاث أو بعضها والمسيح درجته فوق ذلك، لأنّه الابن الوحيد فلا نظير له ولا قياس له إلى غيره من الأنبياء، وهو الذي غفرت به زلّة آدم ﵇، وهو الذي يحاسب الخلق.

ولهم في النزول خلاف: فمنهم من يقول ينزل قبل يوم القيامة، ومنهم من يقول لا نزول له إلاّ يوم الحساب، وإنّه بعد أن قتل وصلب نزل فرأى شخصه شمعون الصفا، كلّمه وأوصى إليه ثمّ فارق الدنيا وصعد إلى السماء، ومعتقداتهم الفاسدة كثيرة لا داعي إلى الإطالة في ذكرها.

والناقوس هو الذي تضرب به النصارى لأوقات الصلواة.

قال جرير:

لمّا تذكّرت بالديرين أرَّقنيصوت الدجاج وضرب بالنواقيس
للشاعر جرير، من قصيدة «حي الهدملة من ذات المواعيس»

وما أحسن قول البحترى في هجائه قوماً من النصارى وذلك حيث يقول:

دارٌ بها جهل السماح وأنكر المعروف بين شماسمس وقسوس
للشاعر البحتري، من قصيدة «قل للأرند إذا أتى الروحين لا»
لم يسمعوا بالمكرمات ولم ينخفي دراهم ضيف سوى إبليس
للشاعر البحتري، من قصيدة «قل للأرند إذا أتى الروحين لا»
أسيافهم خشب وحلف نسائهمإمّا حلفن بفيشة القسّييس
آذانهم وقرٌ عن الداعي إلى الهيجاء مصغيةٌ إلى الناقوس
للشاعر البحتري، من قصيدة «قل للأرند إذا أتى الروحين لا»

والصليب، قال في مجمع البحرين هو للنصاري هيكل مربّع يدّعون أنّ عيسى ﵇ صلب على خشبة على تلك الصورة، وقيل هو شيء مثلّث كالتماثيل تعبده النصارى.

قال البحتري يهجو نصرانياً وذكر الناقوس والصليب، وذلك أنّ البحتري إدّعى على ذلك النصراني بدين فأنكره عليه، فقال له البحتري: أحلف بما أحلف به من شعري، ثمّ أنشأ قصيدته التي أوّلها:

تظنُّ همومي لم تعتلجوقد خلج البين من قد خلج
فخالفت مريم في دينهاوفارقت ناموسها المنتهج
للشاعر البحتري، من قصيدة «تظن شجوني لم تعتلج»

إلى أن يقول:

وخرقت غفورها كافراًبمن غزل الثوب أو من نسخ
للشاعر البحتري، من قصيدة «تظن شجوني لم تعتلج»
وأوقدت ناقوسها والصليبتحت عشائك حتّى نضج
وبكرت تخرؤ في المذبح الكبير وتلطخ تلك الدرج
وأعظمت ما أعظمته اليهودتصلّي لقبلتهم أو تحج
وأير طماس إذا ما أشضَّفي صدع امرأتك المنفرج
ونكت عجوزك حتّى تردفي وجهها داخلاً ما خرج

فقال النصراني: أنا لا أستحلّ أن أعود لسماع مثل هذا فكيف أحلف به، ثمّ خرج إليه من ذلك الدين الذي كان عليه.

وهجا مهيار الديلمي نصرانياً وذلك أنّه مدح بعض الرؤساء فأحاله في جائزته على عامل عنده وكان نصرانيّاً، ثمّ سافر ذلك الممدوح فمطله النصراني ولم يقضه، فكتب مهيار إلى الرئيس بهذه القصيدة ويذكر فيها قصّته مع النصراني، أوّلها:

إذا عارضٌ نحو أرض عدلوطاب الهواء له واعتدل
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «إذا عارض نحو أرض عدل»

إلى أن يقول منها:

فخالف أمرك فيما أمرتثقيل إذا خفّ رضوى ثقل
كأنّي أنا قلت في مريموحاشا لها من بغيّ الحبل
وهدّمت قبلة ماسرجسوأطفأت قنديلها المشتعل
وشاركت في دم عيسى اليهودكما عنده أنّ عيسى قتل
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «إذا عارض نحو أرض عدل»

فقولي في البيت الذي تعرّضت فيه لذكر النصارى وهو: لو أنّ النصارى عاينت نار خدّه الخ، معناه أنّ النصارى لو عاينت نار خدّه لانقلبت مجوساً، وأوقدت ناقوسها وصليبها بمعنى تركت معتقدات النصرانية ودانت بمعتقدات المجوسيّة من عبادة النّار.

قال أبو تمام:

وكذاك أهل النّار في الدنيا هميوم القيامة جلُّ أهل النّار
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «الحق أبلج والسيوف عوار»

وقال الصفي الحلّي من جملة موشّحه: فاسقنيها قهوة تكسو الكؤسبسنا الأنواروتميت العقل إذ تحيي النفوسراحة الأسراربنت كرم عتقت عند المجوسفي بيوت النّارغرست كرمتها بين القيانيد أفلاطونوبماء الصرح قد كان يطاندنّها المخزونوعلى ذكر المجوس حكاية أبي الهذيل مع المجوسي روى ذلك السيّد المرتضى في الدرر عن أبي الهذيل قال: قلت لمجوسي: ما تقول في النّار؟ قال: بنت الله، قلت: فما البقر؟ قال: ملائكة الله قصَّ أجنحتها وحطّها إلى الأرض يحرث عليها، قلت: فما الماء؟ قال: نور الله، قلت: فما الجوع والعطش؟ قال: فقر الشيطان وفاقته، قلت: فمن يحمل الأرض؟ قال: بهمن الملك أعظم ملائكة الله، فقلت: ما في الدنيا شرّ من المجوس، أخذوا ملائكة الله فذبحوها ثمّ غسلوها بنور الله ثمّ شووها ببنت الله ثمّ دفعوها إلى فقر الشيطان وفاقته ثمّ سلحوها على رأس بهمن أعزّ ملائكة الله، فانقطع المجوسي وخجل ما لزمه.

والقداح سهام الميسر وهي عشرة؛ ثالثها الرقيب وسابعها العلى، ومن ضرب بها فأحرز هذين السهمين فقد فاز بالإنصباء العشرة.

وعلى قولنا في هذه المقطوعة: ولدى فصل الخطاب خطيبها، ما روي عن السفّاح أنّه أراد أن يخطب يوماً فارتجّ عليه، كانت أوّل خطبة خطبها، فقال: أيّها النّاس! إنّما اللسان بضعة الإنسان، يكلُّ بكلاله إذا كلَّ، وينفسح بانفساحه إذا انفسح، ونحن أُمراء الكلام، منّا تفرّعت فروعه، وعلينا تهدّلت غصونه، ألا وإنّا لا نتكلّم هذراً، ولا نسكت حصراً، بل نتكلّم مؤيّدين، ونسكت معتبرين، ثمّ نزل، فبلغ ذلك أبا جعفر أخاه، فقال: لله هو لو خطب بمثل ما اعتذر به لكان من أخطب العرب، وهذا من أبلغ الإعتذار عند استغلاق الكلام وأحسنه.

وخطب آخر فلمّا بلغ إلى قوله أمّا بعد، أُرتجّ عليه فكرّرها ثمّ قال: أمّا بعد؛ فإمرأتي طالق ثلاثاً.

وخطب بعض الأُمراء فلمّا بلغ إلى قوله أمّا بعد، أُرتجّ عليه، فركل المنبر برجله وقال: فتى حروب لا فتى منابر.

وخطب ثابت مولى يزيد بن المهلّب فارتُجَّ عليه، فنزل وهو يقول:

فإلاّ أكن فيكم خطيباً فإنّنيبسيفي إذا جدّ الوغى لخطيب
للشاعر ثابت قُطنة، اقرأ القصيدة

وفي رواية أُخرى:

فإلاّ أكن فيكم خطيباً فإنّنيضروب بماضي الشفرتين صقيل

فبلغ ذلك يزيداً فقال: لو قاله على المنبر لكان من أخطب الناس، إنتهى.

واعلم أنّه ينبغي للمنشىء، شاعراً كان أو كاتباً، أن يتأنّق من قصيدته أو خطبته أو رسالته في ثلاثة مواضع: الإبتداء، والتخلّص، والإنتهاء، وإن كان ينبغي له التأنّق والمحافظة في جميع كلامه، إلاّ أنّ الإهتمام بشأن هذه المواضع الثلاثة ألزم، ورعايته أوجب، لأنّ الإبتداء أوّل ما يقرع السماع ويصافح الذهن، فإن وافق السمع ابتداءً مليحاً أصغى إليه، وربّما اغتفر لأجله بعض التقصير فيما بعد، وإن وافق ابتداءً قبيحاً نفره ومجّه، وربّما توجّه اللوم على صاحبه وإن أجاد فيما بعد. ولأنّ التلخّص؛ وهو الإنتقال ممّا يبقى منتظراً له السامع، مرتقباً كيف يكون، فإن كان حسناً متلايم الطرفين، حرّك من نشاط السامع وأعان على الإصغاء إلى ما بعده وإلاّ فبالعكس. ولأنّ الإنتهاء آخر ما يعيه السمع ويرتسم في النفس، فإن كان مختاراً حسناً تلقّاه السمع واستلذّه، وإن كان بخلاف ذلك كان العكس. ولا بأس بالكلام على هذه المواضع الثلاثة مفصّلاً، وذكر بعض المقابح التي اتّفقت للشعراء في أثناء قصائدهم. أقول: أمّا الإبتداء: فقد قال بعض علماء الفن أنّه يُسمّى حسن الإبتداء، ويُسمّى براعة المطلع، وحسن المطلع، وبراعة الإستهلال، وينبغي التأنّق فيه بأن تكون ألفاظه متقاربة في الرقّة والجزالة والعذوبة والسلاسة، وأن تكون متناسبة من غير أن يكتسي اللفظ الشريف المعنى السخيف، ولا اللفظ السخيف المعنى الشريف، بل يصاغان صياغة تلايم وتناسب، وبأن يكون سالماً من التناقض والإمتناع ومخالفة العرف والإبتذال وأمثال ذلك من التعقيد وغيره، وأن يستعمل الألفاظ الرقيقة في ذكر الأشواق ووصف أيّام البعاد وفي استجلاب المودّاة وملاينات الإستعطاف وأمثال ذلك، فمن حسن الإبتداء في تذكار الأحبّة والمنازل قول امرء القيس:

قفانيك من ذكري حبيب ومنزلبسقط اللوى بين الدخول فحومل

قالوا: إنّه أبدع فيه لأنّه وقف واستوقف وبكى واستبكى، وذكر الحبيب والمنزل في نصف بيت عذب عذب اللفظ حسن السبك، إلاّ أنّهم انتقدوا عليه عدم المناسبة في الشطر الثاني، وقالوا أحسن منه في تناسب القسمين قول النابغة:

كليني لهمٍّ يا أميمة ناصبوليل أُقاسيه بطيّ الكواكب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهم يا أميمة ناصب»

فإنّ قسميه متناسبان، وألفاظه متلائمة، وإن كان بيت امرء القيس أكثر معانياً منه، وما سمع أشدّ مباينة من قسمي بيت جميل:

ألا أيّها النوّام ويحكم هبواأُسائلكم هل يقتل الرّجل الحبّ
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «تذكر أنسا من بثينة ذا القلب»

ولقد قال الرشيد يوماً لبعض ندمائه: هل تعرف بيتاً نصفه بدوي في شملة وباقيه محتب بذلة، فأنشده البيت، فاستحسن ذكره.

ومن حسن الإبتداء قول أشجع السلمي:

قصرٌ عليه تحيّة وسلامخلعت عليه جمالها الأيّام

وقول أبي تمام:

لا أنت أنت ولا الديار ديارخفّ الهوى وتولّت الأوطار
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لا أنت أنت ولا الديار ديار»

وقول المتنبي:

أتراها لكثرة العشّاقتحسب الدمع خلقة في المئآقي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتراها لكثرة العشاق»

وقول الشريف أبي جعفر البياضي مشيراً إلى الإبل:

رفقاً بهنَّ فما خلقن حديداأوما تراها أعظماً وجلودا
للشاعر أبو جعفر البياضي، اقرأ القصيدة

وأحسنه ما ناسب المقصود، بأن يكون فيه إشارة إلى ما سيق الكلام لأجله، ليكون الإبتداء مشعراً بالمقصود، وهو بهذا الإعتبار يُسمّى براعة الإستهلال، من برع الرجل براعة إذا فاق أصحابه في العلم وغيره، فكأنّ هذا الإبتداء فاق غيره من الإبتداءات التي يستهلّ بها الشعراء فمنه قول أبي محمّد الخازن في تهنئة الصاحب بن عبّاد بمولود لابنته:

بشرى فقد أنجز الإقبال ما وعداوكوكب المجد في أُفق العلى صعدا
للشاعر أحمد القوصي، اقرأ القصيدة

وقول المتنبّي في التهنئة بزوال المرض:

المجد عوفي مذ عوفيت والكرموزال عنك إلى أعدائك الألم

وقول مهيار المشعر بالإعتذار:

أما وهواها عذرة وتنصّلالقد نقل الواشي إليها فأمحلا
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «أما وهواها عذرة وتنصلا»

وقول الباخرزي المشعر بالتهنئة في النصر على الأعداء:

وفت السعود بوعدها المضمونوتباشرت بالطائر الميمون
للشاعر الباخرزي، من قصيدة «وفت السعود بوعدها المضمون»
وعلا لواء المسلمين وشافهواتحقيق آمال لهم وظنون
للشاعر الباخرزي، من قصيدة «وفت السعود بوعدها المضمون»

وقول أبي الطيب المتنبي في الإعتذار والتهنئة:

لا خيل عندك تهديها ولا مالفليسعد النطق إن لم تسعد الحال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

ومن البديع الفائق قول أبي تمام يهنّي المعتصم بالله في فتح عمورية، وكان أهل التنجيم زعموا أنّها لا تفتح في ذلك الوقت:

السيف أصدق أنباء من الكتبفي حدِّه الحدُّ بين الجدِّ واللعب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
بيض الصفائح لا سود الصحائف فيمتونهنَّ جلاء الشك والريب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
والعلم في شهب الأرماح لامعةبين الخميسين لا في السبعة الشهب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»

ولولا خوف الخروج عمّا نحن فيه لذكرت هذه القصيدة برمّتها، لأنّها من خيار الشعر وأبلغه وأحسنه.

ولا بأس بذكر ما عيب على بعض الشعراء في ابتداء قصائدهم وفي أثنائها، من وقوع ما لا يليق أن يخاطب به الملوك، وما يتطيّر منه، وما يكون مستثقلاً بسبب تكرار اللّفظ الواحد في البيت لغير تجنيس، وما يتضمّن معنيين حسناً وقبيحاً إلى غير ذلك ممّا تجب المحافظة على اجتنابه، فلقد عيب على امرء القيس قوله:

غدائره مستشزرات إلى العلاتظلّ العقاص في مثنى ومرسل

لتنافر لفظة مستشزرات وثلها على اللسان وعسر النطق بها.

ورؤبة بن العجّاج في قوله:

وفاحماً ومرسنا مسرجاوكفلاً وعثا إذا ترجرجا

لفظة "مسرج" فيها الغرابة.

وأبي النجم الفضل بن قدامة بن عبيد الله العجلي في قوله: الحمد لله العليّ الأجلل قالوا: لفظة "أجلل" مخالفة للقياس اللغوي، إذا القياس الأجلّ بالإدغام.

والفرزدق في قوله:

وما مثله في الناس إلاّ مملكاأبو أُمّه حيٌّ أبوه يقاربه

عابوا عليه التعقيد، لأنّ بيته لم يكن ظاهر الدلالة على المراد لهذا الخلل الذي في نظمه.

وقيل: إنّ ذا الرمّة أنشد عبد الملك قوله: ما بال عينيك منها الماء ينسكب، وكانت عين عبد الملك دائماً تدمع، فتوهّم أنّه خاطبه وعرّض به، فقال له: وما سؤالك عن هذا يابن الفاعلة؟ وأمر بإخراجه.

وجرير الخطفي لمّا أنشد عبد الملك:

أتصحو أم فؤادك غير صاحيعشيّة همّ صحبك بالرواح

فقال له عبد الملك: بل فؤادك يابن الفاعلة.

والأخطل لمّا دخل على عبد الملك وأنشده: خف القطين فراحوا منك أو بكروا، فقال له: بل منك يابن الفاعلة.

وكذلك أبوالنجم لمّا أنشد هشاماً وكان أحولاً:

صعوآء قد كادت ولمّا تفعلكأنّها في الأُفق عين الأحول

ظنّ هشام أنّه عرّض به فأمر بضربه، فضُرِب، وقال: أدبه خير من جائزته.

وأبو عبداة البحتري لمّا أنشد يوسف بن محمّد قوله: لك الويل من ليل بطاءٌ أواخره فقال: بل لك الويل والحرب.

وابن مقاتل الضرير لمّا أنشد الداعي العلوي: موعد أحبابك بالفرقة غد، قال: بل موعد أحبابك ولك المثل السوء.

وأنشد أيضاً يوم المهرجان:

لا تقل بشرى ولكن بشريانغرّة الداعي ويوم المهرجان

فبطحه وضربه خمسين سوطاً وقال: إصلاح أدبه خير من ثوابه، وأمر بتغيير الإبتداء بأن يقال: إن تقل بشرى فهذي بشريان.

ويقال: إنّه اعترض عليه الداعي بعد ضربه وقال: كان ينبغي أن يؤخّر المصراع الأوّل ويفتتح بالثاني، فقال: أيّها الفاضل! أفضل الذكر لا إله إلاّ الله، فقال: أحسنت أحسنت، وأمر له بصلة.

وأبو تمام لمّا أنشد أبو دلف العجلي قصيدته البائية التي ابتداؤها: على مثلها من أربع وملاعب، وكان في المجلس رجل يشنؤه، فقال: لعنه الله والملائكة والناس أجمعين. وكان في أبي تمام حبسة شديدة فانقطع خجلاً.

ونقل صلاح الدين الصفدي أنّ شاعراً أنشد الشريف فخرالدولة ابن أبي الحسن نقيب الطالبيين قصيدة يهنّيه في شهر رمضان، وكان الشريف يتأذّى بالصوم لمرض يجده، فكان ابتداء قصيدته: أيّامنا بك كلّها رمضان، فقال الشريف: طوالٌ والله مشؤمة لديّ، مكروهة عندي، مبغضة إليّ، وحرمه ولم يعطه شيئا.

ودخل أبو إسحاق الموصلي على المعتصم وقد فرغ من بناء قصر، فأنشده:

يا دار غيرك البلى ومحاكياليت شعري ماالذي أبلاك
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة

فتطيّر المعتصم من هذا الإبتداء وأمر بهدم القصر على الفور.

وأبو نؤاس مدح الفضل في قوله:

أربع البلا إنّ الخشوع لباديعليك وإنّي لم أخنك ودادي

فتطيّر الفضل من هذا الإبتداء، فلمّا بلغ إلى قوله:

سلام على الدّنيا إذا ما فقدتموابني برمك من رائحين وغادي
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أربع البلى إن الخشوع لباد»

إستحكم تطيّره ولم يمض أُسبوع إلاّ ونزلت بهم النازلة.

وقال الثعالبي في يتيمة الدهر: إنّ لأبي الطيب المتنبّي إبتداآت ليست لعمري من أحرار الكلام وغرره، بل هي كما نعاها عليه العائبون مستشنعة لا يرفع السمع لها حجابه، ولا يفتح القلب لها بابه، كقوله في استفتاح قصيدة في مدح ملك يريد أن يلقاه بها أوّل لقية:

كفى بك داء أن ترى الموت شافياوحسب المنايا أن يكنّ أمانيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

وفي الإبتداء بذكر الداء والموت والمنايا ما فيه من الطيرة التي تنفر منها السوقة، فضلاً عن الملوك.

وقوله أيضاً: أوه بديلٌ من قولتي آها، وهو بحمة العقرب أشبه في افتتاح الكلام في مخاطبته ملكاً.

وقوله أيضاً:

آحاد في سداس في آحادليلتنا المنوطة بالتناد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

وهذا كلام الخطل، ورطانة الرطن، وما ظنّك بممدوح شمر للسماع من مادحه فسك سمعه بهذه الألفاظ الملفوظة، والمعاني المنبوذة، وأيّ هزّة تبقى لذاك؟ وأيّ أريحيّة تبقى لهذا؟ ومن ابتداآته المستبشعة التي تنكّرها بديهة السماع قوله:

ملثّ القطر أعطشها ربوعاوإلاّ فاسقها السمَّ النّقيعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

وقوله أيضاً:

هذي برزت لنا فهجّت رسيساثمّ انثنيت وما شفيت نسيسا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هذي برزت لنا فهجت رسيسا»

فإنّه لم يرض بحذف النداء من هذي، وهو غير جائز عند النحويين، حتّى ذكر الرسيس والنسيس، فأخذ بطرفي الثقل والبرودة.

قال الصاحب بن عبّاد: ذكر الأُستاذ الرئيس يوماً الشعر، فقال: أوّل ما يحتاج فيه حسن المطلع، فإنّ أبا دلباب أنشدني يوم نوروز قصيدة ابتداؤها: أقبر فما طلب النوال بطائل، فتطيّرت من افتتاحه بالقبر وتنغّصت باليوم والشعر.

قلت: كذا كانت حال ابن مقاتل لمّا مدح الداعي العلوي بقوله: لا تقل بشرى ولكن بشريان، فإنّه نفر من قوله: لا تقل بشرى وقال: أعمى وابتدأ بهذا في يوم المهرجان.

قال الصاحب: وهي من عيون قصائده التي تحيّر الأوهام.

وقال ابن ضافر: صنعت قصيدةً بالشام سنة تسع وثمانين ومائة في الملك الأفضل أبي الحسن علي ابن الملك الناصر نورالدين، أوّلها:

دعها ولا تحبس زمام المقودتطوي بأيديها بساط الفدفد

وأنشدتها لمّن كان بالعسكر من أصحابنا المنتسبين إلى الأدب، فما منهم إلاّ من بذل جهده في نقدها ورمى بأفلاذ كبده فيها فكره، ثمّ حملتها إلى حضرته فصادفت قبولاً واتّفق بعد ذلك أن أنشدتها لابن الأجلّ التكريتي، فلمّا أنشدته البيت الأوّل قال: ما يؤمنك إذا أخذ مدرجها في يده وفتحه فوجد أوّل ما فيها: دعها أن يلقيها من يده ويقول قد فعلت ألست كنت تفتضح؟ قلت: بلى والله ولكن قد وقى الله. قال: وهذا نقدٌ غريب.

وقال الصاحب بن عبّاد: ما زال الناس يستبشعون قول مسلم بن الوليد:

سلت وسلت ثمّ سل سليلهافأتى سليل سليلها مسلولا

حتّى جاء المبدع يعني أباالطيب المتنبي فقال:

وأفقد من فقدنا من وجدناقبيل الفقد مفقود المثال

قال: والمصيبة في الراثي أعظم منها في المرثي، وقوله أيضاً:

عظمت فلمّا لم تكلّم مهابةًتواضعت فهو العظم عظماً على عظم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

قال صلاح الدين الصفدي: لو سمّي هذا البيت جبانة لكان لائقاً به.

قال الصاحب بن عبّاد: ما أحسن ما قاله الأصمعي لمّن أنشده:

فما للنوى جدّ النوى قطع النوىكذاك النوى قطاعة لوصال

سلّط الله على هذا البيت شاةً تأكل هذا النوى كلّه. وقول أبي الطيب المتنبي أيضاً:

أُسدٌ فرائسها الأُسود يقودهاأُسدٌ تصير له الأُسود ثعالبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بأبي الشموس الجانحات غواربا»

قال ابن رشيق: لا أدري من أين تخلّص من هذه الغابة المملوّة أُسوداً.

وقوله أيضاً:

العارض الهتن ابن العارض الهتنابن العارض الهتن ابن العارض الهتن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

قال ابن وكيع: لولا انتهاء القافية لمضى في العارض الهتن إلى آدم، وبانتهاء القافية علمنا نهاية عدد آبائه المستحقّين للمدح وهم ثلاثة ويقف هذا الأمر.

وقوله أيضاً:

جواب مسائلي أله نظيرٌولا لك في سؤالك لا إلى لا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

قال الصاحب: إنّ مثل هذا البيت يلج سمعاً وقد سمعت بألفافا وما سمعت باللآلاء حتّى رأيت قائل هذا البيت المتكلّف المتعسّف الضعيف الذي لا يقف حيث يعرف.

وقوله أيضاً:

ومن جاهل بي وهو يجهل جهلهويجهل علمي أنّه بي جاهل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قفا تريا ودقي فهاتا المخايل»

وقوله أيضاً:

ولا ضعف حتّى يتبع الضعف ضعفهولا ضعف ضعف الضعف بل مثله ألف
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لجنية أم غادة رفع السجف»

وقوله أيضاً:

ولم أر مثل جيراني ومثليلمثلي عند مثلهم مقام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فؤاد ما تسليه المدام»

وقوله أيضاً:

وقلقلت بالهمّ الذي قلقل الحشاقلاقل عيس كلّهنّ قلاقل

وذكر صلاح الدين الصفدي قال: أنشد الصاحب أبوالقاسم ابن عبّاد عضدالدولة قصيدته الملقّبة باللاكنيّة لكثرة ما كرّر فيها "لكن" وأوّلها:

أشبب لكن بالمعالي أشببوانسب لكن بالمفاخر أنسب
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «أشبب لكن بالمعالي أشبب»
وبي صبوة لكن إلى حضرة العلىوبي ظمأ لكن من العزّ أشرب
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «أشبب لكن بالمعالي أشبب»

فلمّا بلغ إلى قوله فيها:

ضممت على أبناء تغلب تائهافتغلب ماكر الجديدان تغلب

قال عضدالدولة: يكفي الله تطيّراً من قوله تغلب.

وروى صاحب معاهد التنصيص قال: حدّث أبو دعامة أنّ سلم الخاسر دخل على الرشيد فأنشده قوله: حيّ الأحبّة بالسلام، فقال الرشيد: حيّاهم الله، فقال: أعلى وداع أم مقام؟ فقال الرشيد: حيّاهم الله على أيّ ذلك كان، فأنشده: لم يبق منك ومنهم، إلاّ الجلود على العظام، فقال الرشيد: بل منك ومن أحبابك، وأمر بإخراجه وتطيّر منه ومن قوله، فلم يسمع باقي قصيدته ولا أثابه بشيء.

ومثله في إسائة الأدب قول أبي الطيب المتنبي:

فغدا أسيراً قد بللت ثيابهبدم وبلَّ ببوله أفخاذا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمساور أم قرن شمس هذا»

وقوله أيضاً:

خف الله واستر ذا الجمال ببرقعفإن لحت حاضت في الخدور العوانق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هو البين حتى ما تأنى الحزائق»

قال الثعالبي: وذكر البول والحيض ممّا لا يحسن ذكره في مخاطبة الملوك.

وقول عامر بن شهيد:

ذكرٌ على ذكر يصولوصارمٌ يسطو بصارم
للشاعر ابن شُهَيد، من قصيدة «أما الرياح بجو عاصم»

قال ابن ظافر: قد غفل عامرٌ غفلة شديدة، وأساء من حيث ظنّ أنّه أحسن في قوله لممدوحه: ذكر على ذكر.

وقول أبي الفتوح ابن قلاقس على أنّه شمس علاء وعطارد ذكاء:

بطلاقة أبدت بصفحة وجههوضح الصباح لمن له عينان

قالوا: ما علمنا أنّه يجعل في وجهه وضحاً حتّى جاء هذا الفاضح ابن شهيد فجعله على ذكر.

وقول الصاحب بن عبّاد حين أنشد عضدالدولة ابن بويه الديلمي:

ولو كنت تأذن لي بالمسيرإذاً نهضت جملة الحاشيه
سبقت جوادك مدّ الطريقوسرت وفي يدي الغاشيه
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «أودع حضرتك العاليه»

فعتب عليه في قوله: في يدي الغاشيه.

وقول مهيار الديلمي:

وإنّك مذخور لإحياء دولةإذا هي ماتت كان في يدك النشر
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «أفاق بها من طول سكرته الدهر»

قال صلاح الدين الصفدي: إنّي لأعجب من مهيار الديلمي على جلالة قدره واتّقاد خاطره وحسن تخيّله كيف يقول لممدوحه في يدك النشر.

وقول أبي بكر الخالدي حين أنشد سيف الدولة قصيدة تأنّق فيها وأحكم ألفاظها بقوافيها، وكان المخنّث حاضراً، فلمّا انتهى فيها إلى قوله:

وأنكرت شيبة في الرأس واحدةفعاد يسخطها من كان يرضيها

فقال المخنّث: أما تستحي تخاطب الأمير بقولك: واحدة؟ فجنّ الخالدي تعجّباً منه فقال له: ما أقول؟ قال: قل: لائحة أو واضحة. وكان أبوبكر وأبو عثمان الخالديّان من خواص سيف الدولة، فبعث إليهما وصيفاً ووصيفة ومع كلّ منهما بدرة وتخت ثياب مصريّ، فقال أحدهما قصيدة طويلة يشكره على صنيعه، فيها:

لم يغد شكرك في الخلائق مطلقاإلاّ ومالك في النوال حبيس
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
خوّلتنا شمساً وبدراً أشرقتبهما لدينا الظلمة الحنديس
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
رشأ أتانا وهو حسناً يوسفٌوغزالةٌ هي بهجة بلقيس
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
هذا ولم تقنع بذاك وهذهحتّى بعثت المال وهو نفيس
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
أتت الوصيفة وهي تحمل بدرةًوأتى على ظهر الوصيف الكيس
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
وحبوتنا ممّا أجادت حوكهمصرٌ وزادت حسنه تنبيس
فغدا لنا من جودك المأكول والمشروب والمنكوح والملبوس
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة

فقال له سيف الدولة: أحسنت إلاّ في لفظة المنكوح فليس هو ممّا يخاطب به الملوك.

وقال أبوالطيب المتنبي:

علَّ الأمير يرى ذلّي فيشفع ليإلى التي تركتني في الهوى مثلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا»

عابوا عليه ذلك حيث جعل ممدوحه ساعياً بينه وبين محبوبته في الوصال، ولا خفاء في دنائة هذه الرتبة، وقد سبقه إلى ذلك أبو نؤاس مع أنّه أقلّ شناعة، وإن كان الكلّ شنيعاً، وذلك حيث يقول:

سأشكو إلى الفضل ابن يحيى بن خالدهواك لعلَّ الفضل يجمع بيننا

وقد سبقهما إلى ذلك قيس بن ذريح حين طلّق زوجته لبنى وتزوّجت غيره، فندم على ذلك وشبّب بها في كلّ معنى، فرحمه ابن أبي عتيق فسعى في طلاقها من زوجها وأعادها إليه، فقال يمدحه:

جزى الرحمن أفضل ما يجازيعلى الإحسان خيراً من صديق
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «جزى الرحمن أفضل ما يجازى»
وقد جرّبت إخواني جميعاًفما ألفيت كابن أبي عتيق
سعى في جمع شملي بعد صدعورأي حدت فيه عن الطريق
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «جَزَى الرَّحْمن أفْضَلَ ما يُجَازِي»
وأطفأ لوعةً كانت بقلبيأغصّتني حرارتها بريقي
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «جَزَى الرَّحْمن أفْضَلَ ما يُجَازِي»

فلمّا سمعها ابن أبي عتيق قال لقيس: أمسك يا حبيبي عن هذا المدح، فما يسمعه أحد إلاّ ويظنّني قوّاداً.

وقول أبي الطيب المتنبي من قصيدة يرثي أخت سيف الدولة ويعزّيه عنها:

وهل سمعت سلاماً لي ألمَّ بهافقد أطلتُ وما سلمتُ عن كثب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

عابوا عليه وقالوا: ما باله يسلّم على حرم الملوك ويذكر منهنّ ما يذكره المتغزّل.

وقوله أيضاً من هذه القصيدة:

يعلمن حين يحبي حسن مبسمهاوليس يعلم إلاّ الله في الشنب

قال أبوبكر الخوارزمي: لو عزّاني إنسان في حرم لي بمثل هذا لألحقته بها وضربت عنقه على قبره.

وقال الصاحب بن عبّاد: مررت لأبي الطيب على مرثية في أُمّ سيف الدولة تدلّ على فساد الحس في سوء أدب النفس، وما ظنّك فيمن يخاطب ملكاً في أُمّه فيقول:

بعيشك هل سلوت فإنّ قلبيوإن جانبت أرضك غير سالي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

فيتشوّق إليها ويخطي خطاً لم يسبق إليه وإنّما يقول هذا من يرثي بعض أهله فأمّا إستعماله إيّاه في هذه المواضع فدالٌّ على ضعف البصر بمواقع الكلام.

وفي هذه القصيدة يقول:

صلاة الله خالقنا حنوطاعلى الوجه المكفّن بالجمال

قال الصاحب بن عبّاد: لا أدري هذه الإستعارة أحسن أم وجه والدة الملك يرثيها بالجمال أم قوله في وصف قراباتها وجواريها:

أتتهنّ المصيبة غافلاتفدمع الحزن في كحل الدلال

وقول المتنبي أيضاً من قصيدة أُخرى:

فلا يحزن الله الأمير فإنّنيلآخذ من حالاته بنصيب

قال الصاحب بن عبّاد: لا أدري لم لا يحزن سيف الدولة إذا أخذ المتنبّي بنصيب من حالاته.

وقوله أيضاً:

تبلُّ خدّي كلّما ابتسمتمن مطر برقه ثناياها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

قالوا: هذه كانت تبصق في وجهه.

وقوله أيضاً:

يقلّبهم وجه كلّ سابحةأربعها قبل طرفها تصل

قيل: إنّ الجزار التغلبي قال عندما سمع هذا البيت: هذه كانت عينها في أُستها.

وقوله أيضاً:

كفّي بجسمي نحولاً إنّني رجلٌلولا مخاطبتي إيّاك لم ترني
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبلى الهوى أسفا يوم النوى بدني»

قالوا: فهو إذاً ضرطة تسمع ولا ترى.

وقول الحاجري:

ومااخضرّ ذاك الخدّ نبتاً وإنّمالكثرة ما شقّت عليه المرائر

فلمّا سمعه الناصر بن العزيز قال: عسى أن يكون الخدّ مسلخاً.

وقول مهيار:

في صدرها حجرٌ وتحت صدارهاماءٌ يشف وبنانة تتعطّف
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «سافر بطرفك واشترف هل تعرف»

قالوا: أُنظر إلى قوله: في صدرها حجر، ما أبشعه لما فيه من إيهام الدعاء.

هذا خلاصة ما أردنا إيراده من محاسن براعة المطلع ومقابح الإبتداء، وما وقع من الهفوات في أثناء قصائد الشعراء، وهي كثيرة يلزم من الوقوف على جميعها الخروج عمّا نحن فيه، وهذا القدر كاف في التنبيه لمن له لبّ وذهن.

وأمّا التخلّص ويُسمّى حسن التخلّص، وبراعة التخلّص وحقيقته: الخروج من كلام إلى كلام آخر غيره بلطيفة تلايم بين الكلام الذي خرج منه والكلام الذي خرج إليه، فإن كان الخروج بغير لطيفة وبغير مناسبة تربط بين الكلامين فهو الإقتضاب ويُسمّى الإقتطاع والإرتجال أيضاً وهو أن ينتقل الناثر والناظم ممّا ابتدء به الكلام إلى ما لا يالائمه، وهذا مذهب الجاهليين والمخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام مثل لبيد وحسّان، وبعض الإسلاميّين جرى على منهاجهم في ذلك كأبي تمام وغالب شعر البحتري وغالب شعر أبي نؤاس، فممّا جاء لأبي نؤاس قوله في مدح الأمين:

يا كثير النوح في الدمنلا عليها بل على السكن
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا كثير النوح في الدمن»
سنّة العشّاق واحدةفإذا أحببت فاستنن
للشاعر عبد الهادي السودي، اقرأ القصيدة
ظنَّ بي من قد كلّفت بهفهو يجفوني على الظنن
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا كثير النوح في الدمن»
نام لا يعنيه ما لقيتعين ممنوع من الوسن
رشأ لولا ملاحتهخلت الدنيا من الفتن
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا كثير النوح في الدمن»
ما بدا إلاّ استرقّ لهحسنه عبداً بلا ثمن
فاسقني كأساً على عذبكرهت مسموعه أُذني
من كميت اللون صافيةخير ما سلسلت في بدن
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا كثير النوح في الدمن»
ما استقرّت في فؤاد فتىقد رأى ما لوعة الحزن
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا كثير النوح في الدمن»
مزجت من صوب غاديةحلبته الريح من مزن
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا كثير النوح في الدمن»
تضحك الدنيا إلى ملكقام بالآثار والسنن

فهو كما ترى انتقل من وصف الخمرة إلى المديح من غير لطيفة ولا مناسبة تلايم بينهما.

ولأبي عبادة البحتري من قصيدة:

سقاني الفهوة السلسلشبيه الرشأ الأكحل
مزجت الراح من فيهبمثل الراح أو أفضل
للشاعر البحتري، من قصيدة «سقاني القهوة السلسل»

إلى أن قال فيها:

فلمّاسرّت الراحبه سمح واسترسل
وقطع التكّة الرأيإذا التكّة لم تحلل
للشاعر البحتري، من قصيدة «سقاني القهوة السلسل»
جزى الله أبا نوحجزاء المنعم المفضل
للشاعر البحتري، من قصيدة «سَقاني القَهْوَةَ السّلْسَلْ»

وهذا كما تراه قد انتقل من وصف محبوبه إلى الدعاء لممدوحه بغير لطيفة ولا مناسبة.

وأمّا حسن التخلّص الذي نحن بصدده فقد ولع به المتأخّرون فأبدعوا فيه وجاؤوا منه بكلّ غريب، ونحن نذكر من ذلك ما يدلّ على صدق الدعوى.

قال أبو نؤاس يمدح الخصيب صاحب مصر:

تقول التي من بيتها خفَّ محملييعزُّ علينا أن نراك تسير
أما دون مصر للغنا متطلّببلى إنّ أسباب الغنا لكثير
فقلت لها واستعجلتها بوادرٌجرت فجرى في أثرهنّ عبير
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أجارة بيتينا أبوك غيور»
دعيني أكثر حاسديك برحلةإلى بلد فيه الخصيب أمير
إذا لم تطأ أرض الخصيب ركائبيفأيُّ فتىً بعد الخصيب تزور
فتىً يشتري حسن الثناء بمالهويعلم أنّ الدائرات تدور
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أجارة بيتينا أبوك غيور»
فما جازه جود ولا حلَّ دونهولكن يسير الجود حيث يسير
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أجارة بيتينا أبوك غيور»

وهذه القصيدة من طنانات أبي نؤاس، وقد عارضها أحمد بن درّاج القصطلي بقصيدة إن لم تزد عليها في البلاغة فما تنقص عنها، وأمّا ابن فضل الله فقد حكم لها بالمزيّة على قصيدة أبي نؤاس، فمنها قوله:

ألم تعلمي أنّ الثواء هو التوىوإنّ بيوت العاجزين قبور
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «دعي عزمات المستضام تسير»
تخوّفني طول السفار وإنّهلتقبيل كفّ العامريّ سفير
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «دعي عزمات المستضام تسير»
دعيني أرد ماء المفاوز آجناًإلى حيث ماء المكرمات نمير
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «دعي عزمات المستضام تسير»
فإنّ خطيرات المهامة ضمّنٌلراكبها إنّ الجزاء خطير
ولمّا تدانت للوداع وقد هفابصبري منها أنّةٌ وزفير
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «دعي عزمات المستضام تسير»
تناشدني عقد المودّة في الهوىوفي المهد مبغوم النداء صغير
عييٌ بمرجوع الخطاب ولحظهبموقع أهواء النفوس خبير
فكلّ مفدات الترائب مرضعوكلّ محيّات المحاسن ضير
عصيت شفيع النفس فيه وقادنيرواح لتدءآب السرى وبكور
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «دعي عزمات المستضام تسير»
وطار جناح العيس بي وهفت بهاجوانح من ذعر الفراق تطير
لئن ودّعت منّي غيوراً فإنّنيعلى عزمتي من شجوها لغيور
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «دعي عزمات المستضام تسير»
ولو شاهدتني والهواجر تلتظيعَلَيَّ ورقراق السراب يمور
أُسلّط حرَّ الهاجرات إذا سطاعَلَيّ حرّ وجهي والأصيل هجير
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «دعي عزمات المستضام تسير»
واستنشق النكباء وهي لواقحواستوطىء الرمضاء وهي ثغور
وللموت في عين الجبان تلوّنٌوللذعر في سمع الجريّ صرير
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «دعي عزمات المستضام تسير»
لبان لها أنّي من الضيم جازعوأنّي على مضّ الخطوب صبور
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «دعي عزمات المستضام تسير»
ولو أبصرتني والسري جلُّ عزمتيوجرسي لجنيّ الفلات سمير
وأعتسف الموماة في غسق الدجىوللأسد في غيل الغياض زئير
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «دعي عزمات المستضام تسير»
وقد حوّمت زهر النجوم كأنّهاكواعب في خضر الحدائق حور
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «دعي عزمات المستضام تسير»
ودارت نجوم القطب حتّى كأنّهاكؤسٌ خوال ما لهنَّ مدير
وقد خيّلت طرق المجرّة أنّهاعلى مفرق الليل البهيم قتير
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «دعي عزمات المستضام تسير»
وثاقب عزمي والظلام مروَّعوغضي وأجفان النجوم فتور
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «دعي عزمات المستضام تسير»
لقد أيقنت أنّ المنى طوع همّتيوأنّي بعطف العامري جدير
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «دعي عزمات المستضام تسير»

وروي أنّ أبا نؤاس لمّا قدم على الخصيب صادف في مجلسه جماعة من الشعراء ينشدونه مدائح لهم فيه، فلمّا فرغوا قال الخصيب: ألا تنشدنا أبا عليّ؟ قال: أنشدك أيّها الأمير قصيدة هي بمنزلة عصا موسى تلقف ما يؤفكون، فأنشده قوله:

أجارة بيتينا أبوك غيوروميسور ما يرجى لديك عسير
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أجارة بيتينا أبوك غيور»

إلى آخر القصيدة وهي هذه التي تقدّمت، فاهتزّ لها وأمر له بجائزة.

وأقول: إنّ ما ابتدأ به أبو نؤاس وأحمد بن درّاج وافتتحا به قصيدتيهما وتنقّلا فيهما بتلك المعاني اللطيفة والمقاصد الظريفة من أبلغ تلطّفات الشعراء في التوصّل إلى استعطاف الملوك والأُمراء. وممّن تلطّف في التوصّل لاستعطاف ممدوحه في خطاب زوجته أبو سعيد الرستمي في مدح الصاحب بن عبّاد، وأحببت إيراد ذلك لما فيه من اللطف والظرافة وإن لم يكن ممّا نحن فيه، قال:

أمنجزتي وعدي فقد رحل الركبولم تتأنَّ العيس أم تقف الصحب
للشاعر أبو سعيد الرستمي، اقرأ القصيدة
خليلَيَّ لا تستنكرا طول عتبهاعَلَيَّ فإنّ الحبّ أكثره عتب
للشاعر أبو سعيد الرستمي، اقرأ القصيدة
بنفسي بيضاء العوارض أعرضتبوجه كان الشرق من حسنه غرب
للشاعر أبو سعيد الرستمي، اقرأ القصيدة
وبين الإزار المرتوي حقتُ رملةوبين الوشاح الملتوي غصنٌ رطب
وتحت لثام الخزّ أنفاسها لظىًوفوق رداء الكبر أدمعها سكب
للشاعر أبو سعيد الرستمي، اقرأ القصيدة
تبدّت مع الأتراب تدعو على النوىوإن لم يكن في الغانيات لها ترب
للشاعر أبو سعيد الرستمي، اقرأ القصيدة
تسيل على الخدّ الأسيل دموعهاوصبٌّ دموع العين يروى به الصبّ
للشاعر أبو سعيد الرستمي، اقرأ القصيدة
وقد وكلت إحدى يديها بقلبهامخافة أن يرفضَّ من صدرها القلب
للشاعر أبو سعيد الرستمي، اقرأ القصيدة
فلمّا أجزنَ الجسر قمن ورائهكسرب من الغزلان ليس لها سرب
للشاعر أبو سعيد الرستمي، اقرأ القصيدة
وعضّت بدرّ الثغر فضّة معصميكاد يثنيه من الذهب القلب
للشاعر أبو سعيد الرستمي، اقرأ القصيدة
وكادت تحطّ الرحل لولا عزيمتيوجيهية قب ومهريّة نجب
للشاعر أبو سعيد الرستمي، اقرأ القصيدة
وقائلة أذرت مع الكحل دمعهاإلى أيّ أرض ترحل العيس ظاعناً

وخلفك أفراخٌ بها ظمأ زغب

تقِ الله فينا لا تزدنا صبابةًببعد فما نلقاه من كثب حسب
للشاعر أبو سعيد الرستمي، اقرأ القصيدة
فقلت ثقي بالله يا أُمَّ معمرفبعض الصدى ريٌّوبعض النوى قرب
للشاعر أبو سعيد الرستمي، اقرأ القصيدة
إذا ماانخت العيس بالريّ سالماًفمشرعنا عذب ومرتعنا خصب
للشاعر أبو سعيد الرستمي، اقرأ القصيدة
دعيني وطيي نحوها البيد بالسرىيقع طائرانا حيث يلتقط الحَبّ
للشاعر أبو سعيد الرستمي، اقرأ القصيدة
ألم تعلمي أنّ الحيا من جنابهاتصوب عزاليه علينا فينصب
للشاعر أبو سعيد الرستمي، اقرأ القصيدة
فقالت وجالت في نواحي ردائهادموعٌ لها في كلّ ناحية غرب
للشاعر أبو سعيد الرستمي، اقرأ القصيدة
فتى رستم لا تذكر البين باسمهفديناك إنّ البين أيسره صعب
للشاعر أبو سعيد الرستمي، اقرأ القصيدة

إلى أن يقول فيها ويعرض بذكر أولاده وأُمّه ويخاطب ممدوحه:

إذا سار مشتاقٌ إليك فإنّنيبرأسي أخطو بل على هامتي أحبو
للشاعر أبو سعيد الرستمي، اقرأ القصيدة
وما عاقني إلاّ بنون كأنّهمفراخ الدَّبي في الجو حدثان مادبوا
للشاعر أبو سعيد الرستمي، اقرأ القصيدة
وقائلة من بعد سبعين حجّةشفيعي إليك الضعف والسنُّ والرب
للشاعر أبو سعيد الرستمي، اقرأ القصيدة
أتترك أُمّاً هامت اليوم أو غداًيضيق بها من بعدك البلد الرحب
للشاعر أبو سعيد الرستمي، اقرأ القصيدة

منها:

سأثني بما أوليتني من صنيعةعليك كما يثني على المطر العشب
للشاعر أبو سعيد الرستمي، اقرأ القصيدة
وأدررت لي أضعاف ما قد مريتهبشعري من نعماك فامتلأ القعب
للشاعر أبو سعيد الرستمي، اقرأ القصيدة
وعاد إنائي من نوالك فيهقايبل الثرى رشحاً وماانقطع الشخب
للشاعر أبو سعيد الرستمي، اقرأ القصيدة
وأسكر أشعاري نداك فرنحتبشكرك في الدنيا كما رنح الشرب
للشاعر أبو سعيد الرستمي، اقرأ القصيدة

ومنها:

وعمَّ جهات الأرض فيض نوالهفلم يخل واد من نداه ولا شعب
للشاعر أبو سعيد الرستمي، اقرأ القصيدة
جوادٌ له في كلّ أُفق غمامةوفي كلّ أرض للندى مشرع عذب
للشاعر أبو سعيد الرستمي، اقرأ القصيدة
إذا عدَّ كعب في السماح أبت لهيمينٌ لها في كلّ أنملة كعب
للشاعر أبو سعيد الرستمي، اقرأ القصيدة

وهي طويلة وكلّ أبياتها فرائد غرر.

وقال أبو محمّد الخازن من جملة قصيدة أوّلها:

بين المجرَّة والثريّا موقفيفتأمّلي ثمّ اعذري أو عنّفي
هو موقفٌ خفرته أطراف القناوحمته أشفار الحسام المرهف
واصطفت الأُمراء حول سريرهمثل الأهلّة والنجوم الوقّف
وتلألأت شرفاته عن طلعةيرتدّ عنا الطرف إن لم يخطف
ما قيل إجلالاً وتعظيماً لهكالبدر أو كالشمس أو كالمكتفي
نظمت ملوك بني بويه لتاجهخرزات ملكهم الأغرّ الأشرف
وبنوا له صعداء مجد طنّبتبشبا المهنّد والسنان المرهف
رمقت جبابرة الملوك يفاعهابنواظر من خوفه لم تطرف
من كلّ وضّاح الجبين متوّجعلق بلثم بساطه متشرّف
غصّت بهم عرصاته فكأنّماغصّت بهم عرصات يوم الموقف

منها في خطاب محبوبته وهو بالمعنى الذي أوردنا هذا الشعر لأجله، وذلك قوله:

يا هذه لو شمت برقك لم يكنهذا المقام محصّبي ومعرّفي
ولقد سبقت الدهر فيه منشداوكذا الجواد ببذّ شأو المقرف
لم تثن عبرتك التي غيّضتهاعزمي ولا نغمات قولك لي قف
هيهات لم ينقض زماعي لؤلؤأذراه نرجس طرفك المستعطف
مَنْ مبلغٌ سكني بنجد أنّنيقد ضقت ذرعاً بالخليل المنصف
وبلوت أطواد الزمان فلم أجدإلاّ الحسام المنتضى خلاًّ يفي
عرضت لألثمها بخدٍّ وردهيصفرُّ أحمره إذا لم يقطف
فنبا مناط وشاحها عن مخطفطاو ومهوى قرطها عن نفنف
واستحجبت أترابها ثمّ انثنتترنوا بطرف كالغزال الأهيف
ففرشنَ عرض طريقها بغدائرتناسب بين محلّق ومصفّف
ورمقنَ من حمر القباب بأعينرقعن خرق خصاصها المتكشّف
ونفرنَ من شيبي ولولا نورهلضللت في ظلم الشباب المسدف
شيبٌ يناسبه الربيع منوّراًبنهاره وبهاره المستظرف
لولا بياض النور لم تكن الربىوتلاعها إلاّ كقاع صفصف
كم منّة مشكورة ومبرَّةعند الحدائق للغمام الأوصف
لو لم يحلّ بصوبه عطل الربىما اهتزَّ بين مديح ومفوّف
كم دوحة لفّآء بين حديقةغنّاء في ظلّ الغمام المغدف

إلى أن يقول:

وتلثّمت شمس النهار ببرقعمن طرّتيه والسماء بمطرف
والأقحوان الغض يجلو مبسّمالولا مغازلة الحيا لم يرشف

حتّى انتهى إلى قوله:

في سدَّة للملك مدَّ رواقهاعلياء فخر الدولة العدل الوفي
ملكٌ حوى الدنيا ببأس عابسوتبسّم باد وتدبير خفي
فحمى قواصيها بعزم ثاقبولوى نواصيها برأي محصف

ولقد أجاد أبو تمام وأحسن ما شاء بقوله في هذا المقام:

خذي عبرات عينك عن زماعيوصوفني ما أذلت من القناع
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «خذي عبرات عينك عن زماعي»
أقلّي قد أضاق بكاك ذرعيوما ضاقت بنازلة ذراعي
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «خذي عبرات عينك عن زماعي»
ءألفة النحيب كم افتراقأطلَّ فكان داعية اجتماع
توجّع إنْ رأت جسمي نحيفاًكأنَّ المجد يدرك بالصراع
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «خذي عبرات عينك عن زماعي»
فتى النكبات من يأوي إذا مايطفن به إلى خلق وساع
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «خذي عبرات عينك عن زماعي»

حتّى قال:

يثير عجاجة في كلّ ثغريهيم به عديّ ابن الرّقاع
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «خذي عبرات عينك عن زماعي»
بمهديّ بن أصرم) عاد عوريإلي أيراقه وامتدَّ باعي

ثمّ نعود إلى ما كنّا في ذكره من التلخّصات البديعية: واعلم أنّ أكملها وأحسنها أن يكون الإنتقال في بيت واحد بحيث لا يفطن السامع إلاّ وهو يرى الشاعر قد انتقل ممّا ابتدأ به إلى ما قصده، وهذا أشبه شيء بالسحر، وما ورد من ذلك للمتقدّمين فقليل، فمن ذلك قول زهير بن أبي سلمى في هرم بن سنان:

وركب كأنَّ الريح تطلب عندهملها ترة من جذبها بالعصائب
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وركب كأن الريح تطلب عندهم»
سروا يخبطون الليل وهي تلفّهمإلى شعث الأكوار من كلّ جانب
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وركب كأن الريح تطلب عندهم»
إذا أبصروا ناراً يقولون ليتهاوقد خصرت أيديهم نار غالب

وقول ذي الرمّة:

سمعت النّاى ينتجعون غيثاًفقلت لصيدح انتجعي بلالا

وصيدح اسم ناقته، وبلال ممدوحه؛ وهو ابن أبي موسى الأشعري وكان يمدحه كثيراً.

وأمّا تخلّصات المتأخّرين من الشعراء فقد اعتنوا بها غاية الإعتناء. قال أبو تمام:

تقول في قومس صحبي وقد أخذتمنّا السرى وخطا المهريّة القود
أمطلع الشمس تبغي أن تؤمَّ بنافقلت كلاّ ولكن مطلع الجود

قال صلاح الدين الصفدي: والناس يستحسنون هذا من أبي تمام ويعدّونه من الجيد له، وقد أخذه بلفظه من مسلم بن الوليد واجترأ عليه اجتراء السادة على البعيد، لأنّ مسلم هو البادي وأبو تمام هو العادي، وذلك حيث يقول:

تقول صحبي وقد جدّوا على عجلوالخيل تستنُّ بالرّكبان في اللجم
أمطلع الشمس تبغي أن تؤمَّ بنافقلت كلاّ ولكن مطلع الكرم
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «يقول صحبي وقد جدوا على عجل»

وهذا في غاية الحسن التي تكبوا الفحول دون بلوغها، وتعجز الشعراء عن الظفر بمصوغها، فإنّ عين النهى تصل النظر إلى رفعتها وتتأمّل، ومطايا التخييل تكلُّ عن النهوض بعبئها فتتجمّل وما تتحمّل. وقد أخذه أبو إسحاق الغزي فسبكه فلكبه لمّا قال:

تقول إذا حثثناها وضلّتتناجينا بألسنة الكلال
إلى أُفق الهلال مسير ركبيفقلنا بل إلى أُفق النوال

فأين معالي الشمس ممّا يحاول؟ وأين الثريّا من يد المتناول؟ ولكن هذه الأشياء يتّفق لها سعادة، فما تعارض ولا تقارض.

وقال البحتري من جملة قصيدة فريدة:

إذا باكرته غاديات همومهأراح عليها الراح حمراء كالورد
للشاعر البحتري، من قصيدة «أراد سلوا عن سليمى وعن هند»
كأنَّ سناها بالعشيّ لشربهاتبلج عيسى حين يلفظ بالوعد
للشاعر البحتري، من قصيدة «أراد سلوا عن سليمى وعن هند»

وبديع قول بديع الزمان:

أبى المقام بدار الذلّ لي كرمٌوهمّةٌ تصل التوحيد والخببا
للشاعر بديع الزمان الهمذاني، من قصيدة «علي أن لا أريح العيش والقتبا»
وعزمةٌ لا تزال الدهر ضاربةدون الأمير وفوق المشتري طنبا
للشاعر بديع الزمان الهمذاني، من قصيدة «علي أن لا أريح العيش والقتبا»

وقال بعضهم:

ومدامع تجري فتحسب أنّ فيآماقهنَّ بنان إسماعيلا

وقول مهيار:

فكأنّ دمعي مدّ من أيدي بنيعبد الرحيم وجودها المستتبع
وكأنّ ليلي من تقارب طولهأسيافهم موصولة بالأذرع

وقوله أيضاً:

كأنّما قولنا للبابليّ أدرسلافة قولنا للمزيديّ هب
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «هب من زمانك بعض الجد للعب»

وقول الشابّ الظريف محمّد بن العفيف من قصيدة يمدح بها ابن عبد الظاهر، مطلعها:

أرح يمينك ممّا أنت معتقلأمضي الأسنّة ما فولاذه الكحل
للشاعر الشاب الظريف، من قصيدة «أرح يمينك مما أنت معتقل»
يا من ترينا المنايا واسمها نظرمن السيوف المواضي واسمها مقل
ما بال الحاظك المرضى تحاربنيكأنّما كلُّ لحظ فارسٌ يطل
للشاعر الشاب الظريف، من قصيدة «أرح يمينك مما أنت معتقل»
من دونها كثب من دونها حرسمن دونها قضب من دونها أسل
للشاعر الشاب الظريف، من قصيدة «أرح يمينك مما أنت معتقل»
ومعشر لم تزل في الحرب تنظرهمحمر الخدود وما من شأنها الخجل
يثني حديث الوغى أعطافهم طرباًكأنَّ ذكر المنايا بينهم غزل
للشاعر الشاب الظريف، من قصيدة «أرح يمينك مما أنت معتقل»
من كلّ ذي طرّة سوداء يلبسهاوشيبها من غبار الحرب منتصل
ضائت بحسنهم تلك الخيام كماضائت بوجه ابن عبد الظاهر الدول

وقول البهاء زهير من قصيدة يمدح بها الأمير نصيرالدين الملطي، مطلعها:

بها خفرٌ يوم اللقاء خفيرهافما بالها ضنّت بما لا يضيرها
أعادتها أن لا يعاد مريضهاوسيرتها أن لا يفك أسيرها
للشاعر بهاء الدين زهير، من قصيدة «لها خفر يوم اللقاء خفيرها»

يقول فيها:

فها أنذا كالطيف فيها صبابةلعلّي إذا نامت بليل أزورها
من الغيد لم توقد مع الليل نارهاولكنّها بين الظلوع سعيرها
للشاعر بهاء الدين زهير، من قصيدة «لها خفر يوم اللقاء خفيرها»
تقاضى غريم الشوق منّي صبابةمروعة لم يبق إلاّ يسيرها
وإنّ الّذي أبقته منّي يد الهوىفداء نصير يوم وافى نصيرها
للشاعر بهاء الدين زهير، من قصيدة «لها خفر يوم اللقاء خفيرها»

ومنها قول شيخ شيوخ حماة من قصيدة داليّة يمدح بها رسول الله ﵌:

ويلاه من نومي المشرّدوآه من شملي المبدّد

ولم يزل يدير على خصور هذه الألفاظ الرقيقة، وشاحات معاينة البديعة، إلى أن قال:

ألبسني نشوة بطرفسكرتُ من خمره فعربد
غصن نقاً حلَّ عقد صبريبلين خصر يكاد يعقد
للشاعر الصاحب شرف الدين، اقرأ القصيدة
فمن رأى ذلك الوشاح الصائم صلّى على محمّد
للشاعر الصاحب شرف الدين، اقرأ القصيدة

ومن التخلّصات البديعيّة قول القاضي الفاضل من قصيدة يمدح بها بعض الخلفاء المهديين، مطلعها:

ترى لحنيني أو حنين الحمائمجرت فحكت دمعي دموع الغمائم
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «ترى لحنيني أو حنين الحمائم»
وهل من طلوع أو ربوع ترحّلوافكلٌّ أراها دارسات المعالم
دعوا نفس المقروح تحمله الصباوإن كان يهفو بالغصون النواعم
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «ترى لحنيني أو حنين الحمائم»
تأخّرت في حمل السلام عليكملديها لما قد حمّلت بسلالم
فإنَّ فؤادي بعدكم قد فطمتهمن الشعر إلاّ مدحه لابن فاطم
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «ترى لحنيني أو حنين الحمائم»

ومن الجيّد قول بعضهم وفيه قلب الحروف:

قيل كلّ القلوب منرهب الحب تضطرب
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة
قلت هذا تخرّصٌقلب بهرام ما رهب
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة

وأمّا براعة الختام؛ وهو الذي سمّاه التيفاشي حسن المقطع، وسمّاه ابن أبي الأصبع الختام، وسمّاه صاحب التلخيص حسن الإنتهاء، فهو عندهم عبارة عن أن يختم المنشىء إنشائه بأحسن كلام يحسن السكوت عليه، ولا ينتظر المخاطب غيره، ولقد أحسن الحريري المحافظة على ذلك في مقاماته. وأمّا أواخر السور فممّا لا يجاري لأنّها وردت على أكمل الوجوه من الإبتداء والإنتهاء، وكيف لا وهو كلام ملهم الكلام.

وأمّا براعة الكلام في الشعر؛ فهي عبارة عن أن يختم القصيدة بأجود بيت يحسن السكوت عليه، لأنّه آخر ما يبقى في الأسماع، وربّما حفظه السامع دون غيره لقرب العهد به، والحذّاق النقّاد يحافظون عليه، قال السيّد الرضي في مدح أبيه:

أمعثّر الأحداث في أذيالهاوافاك مدحي والجدود عواثر
إنّي لأرضى أن تكون ممدّحاًوعلاك لا يرضى بأنّي شاعر

وقال مهيار:

فبقيتم والحاسدين علاكملا خير في مجد بغير حسود

وقال أبو نؤاس:

وإنّي جدير إذ بلغتك بالمنىوأنت بما أمّلتُ منك جدير
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أجارة بيتينا أبوك غيور»
فإن تولني منك الجميل فأهلهوإلاّ فإنّي عاذرٌ وشكور
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أجارة بيتينا أبوك غيور»

وقال بعضهم:

بقيت بقاء الدهر يا كهف أهلهوهذا دعاء للبريّة شامل
للشاعر أبو الحسن الجرجاني، اقرأ القصيدة

وقال الأرجاني:

بقيت ولا أبقى لك الدهر كاشحاًفإنّك في هذا الزمان فريد
علاك سوارٌ والممالك معصموجودك طوقٌ والبريّة جيد
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «من القاتلات الصب بالهجر في الهوى»

وقال إبراهيم الغزي:

بقيت بقاء الدهر ما ذرَّ شارقوغار جديد المكرمات وأنجدا

وقال ابن النبيه:

دمتم بني أيّوب في نعمةتحوز بالتخليد حدّ الزمان
للشاعر كمال الدين ابن النبيه، اقرأ القصيدة
والله لا زلتم ملوك الورىشرقاً وغرباً وعَلَيَّ الضمان
للشاعر كمال الدين ابن النبيه، اقرأ القصيدة

وقال ابن سنا الملك أيضاً:

بقيت حتّى تقول الناس قاطبةهذا أبو إلياس أم هذا أبوالخضر
للشاعر ابن سناء الملك، من قصيدة «لست الملوم بما تجني علي بصري»

وقال المتنبي:

وأعطيت الذي لم يعط خلقعليك صلاة ربّك والسلام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فؤاد ما تسليه المدام»

أقول: وقد أوقفناك على خلاصة القول في براعة المطلع وحسن التلخّص والمقطع. فأمّا قصيدتنا التي هي عنوان هذا الباب، فبراعة إستهلالها قولنا:

قفا حييا بالكرخ عنّي حبيبهافياطيب ريّاه الغداة وطيبها

فهو كما تراه سهل الألفاظ، حسن السبك، متناسب القسمين، مفرغ في قالب العذوبة، مشعر بأنّه في مدح ملك من ملوك بغداد، مقتبل الشبيبة، طيب الضريبة. وكذلك براعة إستهلال الخطبة من كتابنا هذا جائت دالّة على ما بني عليه هذا الكتاب، وذلك قولنا: الحمد لله الذي جعل محمّداً حسن الأخلاق، وهذا من أبرع الإستهلالات وأجودها. وكذلك اشتملت على تخلّص حسن وقع في بيت واحد، وهو قولنا فيها:

يرشفينها ريقة عنبيّةكخلق أبي الهادي روت عنه طيبها

فهذا كما تراه انتقال من وصف ريقة المحبوب وادّعاء كونها عنبيّة أي خمرة معتصرة من العنب إلى خلق أبي الهادي لأنّها تشبه في عذوبتها خلقه، وإنّ طيبها فائق لأنّها ترويه عن طيبة. وأمّا حسن المقطع فيها فهو هذا الذي يعزّ على الأفكار أن تلد مثله:

إذا ما طرحت الرحل عنها بربعهغفرت لأيّام الزمان ذنوبها

ولنورد ما كان لنا فيهم من النظم على رويّ هذا الباب تكميلاً للفصل.

أقول: وكتبت إليه معتذراً من تأخّر كتابي إليه:

قد جنى لي الزمان أعظم ذنبوغدا منه شاغلي أن أتوبا
بخطوب يقول من قد عنتههكذا تفحم الخطوب الخطيبا
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
ليت شعري بم اعتذار محبّقد بدا منه ما يسوء الحبيبا
فتأمّل في قصّتي وتعجّبأفهل هكذا يكون عجيبا
أنا مستغفرٌ وقد أذنب الدهر نأى معرضاً وجئت منيبا
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
فتجاوز بفضل صفحك عمّنلسوى الصفح لم يجيء مستثيبا
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
ثمّ هب لي جناية الدهر يا منلم يلد مثله الزمان وهوبا
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة

فلقد أقعدتني العلل، حيث أقامني الخجل، ومثلت بي الأمراض، في غيئة من غيره الصدود والأعراض، إلاّ أنّ أملي قبول العذر ممّن فقد بعض أفلاذ كبده، ونزل السقم منه منزلة الصحة من جسده، مع طوارق أُخر، كلّ طارقة منها تقول لا وزر، أيسرها ابتلاء الدهر له بحبسه، مع غير أبناء جنسه، فإنّي منذ فارقت ذلك النادي، وحللت لكن في غير بلادي، مقسم الفكر بين معالجة الأوصاف، ومعالجة انتساخ ذلك الكتاب، وبينا أنا كذلك إذ وردت إليّ تلك الرسائل، ورود الغيث على الجدب الماحل، فلولا أنّها تابعت طروقها، وشفعت برعدها بروقها، لما ألهاني تنسيق الجواب، عن تنميق الكتاب، وإنّها - يا عافاك الله ممّا أشتكيه - وإن كان ورودها إليّ منك، فإنّي قد آثرت الإشتغال بك حتّى عنك، وهذا عذري إليك، وأنا على ثقة من قبوله إذا نشر لديك، وقد جعلت معاني هذه الغادة السحّارة، لما سلف من الذنوب كفّارة.

يا من لويت به يد الخطبوبه ثنيت طلايع الكرب
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
ولقيت حدَّ الحادثات بهففللت ذا غرب بذي غرب
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
وأرحت آمالي بساحتهفطرحت ثقل الهم عن قلبي
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
بشرى لهاشم حيث سالمنيفيك الزمان وكان من حربي
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
فلتشهد الدنيا وساكنهاأنّي مخضت لخيرهم وطبي
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
وبحسبهم ذمّاً شهادتهاإنّي لغيرك لم أقل حسبي
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
أنت الي آبائه درجواوهم حليُّ عواطل الحقب
يتناقلون الفخر بينهمندبٌ له يرويه عن ندب
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
ما زال صبٌّ بالعلا لهميتورَّث العلياء عن صبّ
حتّى ورثت عظيم سؤددهمكرم الغيوث ورفعة الشهب
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
فقبضت عن شرف يد الجدبوبسطت عن سرف يدالخصب
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
ومرى مكارمك الثناء كمايمري النسيم حلائب السحب
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
طبٌّ بأدواء الأُمور لهاتضع الهناء مواضع النقب
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
يفديك كلّ أخي يد هي فيخصب السنين أليفة الجدب
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
لا بالولود ولا اللبون ولابروم غير الشحّ من سقب
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
من لو عصبت بنان راحتهبالسيف ما درّت على العصب
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
ماالريح ناعمة الهبوب سرتسحراً على نزه من العشب
بأرقّ منك خلائقاً كرمتممزوجة الصهباءِ بالعذب
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة

وقلت في أبيه محمّد الصالح هذه الأبيات معرضاً ببعض مناويه ومجاريه:

فيا نيّر الدنيا الذي في ضيائهجلى عن محيّاها ظلام الغياهب
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
عجبت لمن يبغي علاك بسعيهوما هو من أبناء هذي المطالب
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
وما هو إلاّ كالمناسم لوسعتمدى الدهر لا تسمو سموّ الغوارب
وأعجب منه من يجاريك في الندىوعندك يغدو باسطاً كفّ طالب
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
يهابك إذ تبدو ومرجلُ ظغنهمن الغيظ يغلي منه خلف الترائب
ويطرق إجلالاً بحيث تظنّهقد انعقدت أهدابه بالحواجب
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
فحسبك فخراً إنّ عرقك ينتميلعرق علىً في طينة العزّ ضارب
ولو بنداك البحر يقرن لم يكنبجنب نداك البحر نهلة شارب
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة

وقال عمّنا المهدي في أبيه الصالح أيضاً، وينحو فيها تفضيله على كرماء العرب:

لك الله إنْ كرماء العربأرت قومها في قراها العجب
وإنّ في ليالي الشتاء التيعلى أنفه الكلب لفَّ الذنب
أماجدها أوقدت نارهالعلّ لها طارق تجتلب
وإنْ ماجدٌ منهم قد رأىبإيقاده النّار ما قد طلب
فغاية ما عنده ناقةيعرقبها من خيار النجب
ويغدو بما صنعته يداهمن الخير مفتخراً في العرب
وربع أبي المصطفى دائم الزمان سنا فخره ملتهب
وطبّق في نوره الخافقينوقال هلمَّ لنهب النشب
فأين سنا نارها من سناأشعّة أنوار عالي الحسب
ونحرهم بدنات الجمالمن نحره بدرات الذهب
ويلبث طارقها ليلةًوفي الصبح للسير عنها وثب
ووفّاده اختلفت في حماهعلى مقتضى مالها من أدب
فهذا مقيم وذا قادموذا راحل في بطان الحقب
ويحبوهم بالجليل الخطيروينسى الخطير الذي قد وهب
وإن فخرت حيث راعي الهجانعلى نحره خيرهنَّ انتخب
على أنّ راعيها قد بكىعلى ذعلب كونها تحتلب
فموقده ودً حوبائهلنار القرى أن تكون الحطب
وليس التي هي بين الورىلإظهار ما صنعته تحب
كمَنْ لصنايعه الباهراتيرى سترهنَّ عليه يجب
فيكتمها وهي تبدو كمابدت في الدجى زاهرات الشهب

وقال أيضاً وينحو فيها تفضيله على ملوك الحضر:

أمَنْ تدخل الوفد من بابهولم تخش دفعة بوّابه
كمَنْ قد تعمّد في سدّهعن الوافدين بحجّابه
ومَنْ فرحاً يلتقي الوافدينالتقاء محب لأحبابه
ويغمره من نداه بمايفوت السحاب بتسكابه
كمنْ عن عطاياه أضحى يذبّبغرب اللسان وقرضابه
وصيّر من دونها أرقم المنايا يصرُّ بأنيابه
أَمَنْ دون أمواله عرضهتراه مباحاً لنهّابه
وغادر ألسنَ أعدائهثناها كألسن أحبابه
وخير الورى من بأموالهيصون كرائم أحسابه
سل الفخر إن شئت عن بيتهيقل لك إنّي أدرى به
لقد ودّت الشهب أن تغتديمدى الدهر أوتاد أطنابه
فما ابتهر الناس في غيرهولا زهت الأرض إلاّ به

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «العقد المفصل»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.