من «العقد المفصل» لحيدر الحلي (ت ١٣٠٤هـ)
الفصل الثالث في الرثاء (٢)
لمّا توفّي الماجد الصالح محمّد نظمت هذه القصيدة معزّياً بأبيها ولديه المصطفى والحسن وكانت قد ألمت أسباب قد اقتضت تأخّرها شهراً كاملاً فكتبت أمام القصيدة هذه المقدّمة الفريدة كالإعتذار عن التأخير وقرأتا معاً في محفل الرثاء، وهاهي المقدّمة:
وقفت على الزوراء وهي يتيمةتحنُّ لمن أبقى المعالي ثواكلا
فتنعاه طوراً للفواضل والنهىوطوراً له تنعى النهى والفواضلا
قد شقّت بيد المصاب جيبها وردائها، حين أخذت رجفة الحزن أحشائها، وجزت بمدية الجزع ناصيتها ولمتيها، وبادرت حثو التراب على رأسها بكلتا يديها، وغسل الدمع من عينها سوادها، فصبغت فيه أبرادها، وبرزت في محفل النياحة، معولة يا عظيم المناحة، موحشة العيوس والتقطيب، معلنةً بالبكاء والنحيب، ما ترائت للعيون ماثله، إلاّ وأنشأت قائلة:
بكائي بعيني لم يكفينيلمن قطع الدهر فيه وتيني
فليت توزع دمعي الأناملأبكي عليه بكلّ العيون
وهي في نعاء قلق الدهر من ضجّته، وبكاء غرق الصبر في لجّته، فحين رأيت خطبها عظيما، وشاهدت كربها جسيما، مسكت بكفّي رواجف صدري، وطفقت أسألها على سبيل تجاهل العارف كأنّني لست أدري:
فقلت على من رنّة النوح والبكافقالت عَلَى من لا نرى الدهر مثله
أليس أبي ذاك الذي تعهدونهطوت نوب الأيّام عنّي ظلله
فقلت وعندي من فؤادي بقيّةخذي بأيد الآخران قلبي كله
فما ينطبع في مرآة فكري، ولا يرتسم في لوح صدري، أن يروع قلبي ما بقيت صوت ناعيه، بعد أن ملأت سمعي رنّة هذه الواعة، التي ضرب فيها بازل الحزن بجرانه على صدر رباحة الكرم، وانقصمت من إلقاء كلكله عليها فقارة ظهر الشرف الأقدم، ورباع السؤدد أضحت فيها ثميلة الدمع محلولة الوكاء، بعد ما كانت مطلولة الربع بمخيلة السخاء، وعاد رواق المجد محفلاً للنوح والرثاء، بعد ما كان محلاًّ للمدح والثناء.
عادت مراث تهنيات العلىينصدع القلب بإنشادها
قد رحل اليوم سرور الورىفلتلتمسه يوم ميعادها
قد دفنت تحت الثرى عيدهاوأبقت النحر لأكبادها
فلا ازدهاها يوم نيروزهاولا أتى الفطر بأسعادها
وبمن تسر، أو تسعد مابقي الدهر، والذي كانت عيالاً عليه، وعين رجائها ممدودة إليه، قد أدرج والتقى في طاهر برده، ووسّد والصلاح في لحده، ولقد هممت أن أعقل لسان هذه الثاكلة، وأواري شخص هذه النائحة الماثلة، لتأخّر زمانها، وعدم مبادرتها كأمثالها من أترابها وأخدانها، ولقولهم "إذا قدمت المرزية سمجت التعزية" فقالت: لا واد معك الغزار، لا يقر لي قرار، دون أن أنوح عليه بما يكون كالمثل السائر، في نعوت فلك مصابه الدائر، أبتلك المراثي يناح دوني عليه، فتكون كفاءً لعظيم مصابه، وإن تقدّمتني إليه، فإليك عنّي إنّ الكلم رحيب، وما المصاب كمن يؤمّل أن يصيب، وربّ نائحة وسواها المستعبرة، "وليست الثكلى كالمستأجرة"، على أنّ كلّ يوم يمرّ من بعده، ولا يرى فيه فهو يوم فقده، وأمّا وأخلاقه الزاهرة، وتربة مرقده الطاهرة، التي لا يزال فيها نسيم الرحمة والرضوان، يهب أطيب مهب، فيحلب فيها سحائب الغفران، وإن لم يكن هناك ذنب لأن تركت لي عناني، وأطلقت في ميدان القول لساني، لأنوحنّ عليه نياحة ترجف منها الأرض بأوتادها، وتمزق عليها الدنيا أحشائها قبل أبرادها، ولأدعنَّ ساعة قيامي بها تشبه قيام الساعة، حتّى يحطم الدهر صدره وأضلاعه، وتقول للخنساء أين أنت منها، ويا بنة الأرا خلفك عنها، فخلعت عنها عذارها، وتركت لها مضمارها، وأوسعت لها من مجالها، فافتتحت في عتاب الدهر براعة استهلالها:
يا دهر ما شئت فاصنع هان ما عظماهذا الذي للرزايا لم يدع ألما
رزءٌ تلاقت رزايا الدهر فاجتمعتفيه فهوَّن ما يأتي وما قدما
ما بال أُمّ الليالي فيه قد حملتفليتها وأبا أيّامها عقما
لقد تحكّم في الدنيا فنال بهامن النواظر والأحشاء ما احتكما
عجّت ولا كعجيج الموقرات بهوهل تلام وهذا ظهرها انقصما
مضى الذي طبّقتها كفّه نعماًفطبّقتها الليالي بعده نقما
الآن غودرت الآمال حائمةوأين في الدهر منها من ببلُّ فما
وقبّة المجد قد مالت ولا عجبفإنَّ أثبت أركان العلى انهدما
فلينتظم مأتماً عمر الزمان لمنبالصالحات جميعاً عمره انتظما
ولتحتلب عينها الدنيا لمن يدهكانت حلوبة جود تقتل الأزما
وكيف تسئم من دمع تتابعهومن متابعة النعماء ما سئما
في الكفّ ما زرعت حسن الرجاء لهإلاّ وأمطرها من كفّه كرما
يا آخذاً كلّ قلبي في ملامتهدع الملام وشاطرني الدموع دما
واقرع بلومك سمع الدهر حيث أتىبرنّة تركته يشتكي الصمما
طويت من يستظلّ المعدمون بهفليت يا دهر قسراً ظلّك انهدما
هل يعلم الزمن الغدّار لا علماماذا به هجم المقدار لا هجما
فأيُّ رزء يايّ الناس يكبر فيصدر الأنام سوى هذا الذي دهما
أفي ذوي الحلم فالثاوي زعيمهمأم في بني فالعلم الثاوي أبوالعلما
أم في الأنام جميعاً فالذي افتقدواهو الذي جمعت أبراده الأُمما
بل كلّ ميّت له ثلم بحوزتهلكنَّ في موته الإسلام قد ثلما
قام النعيُّ على دار السلام لهفقلت بعدك ليت الكون لا سلما
مازال بشرك بالعافين ملتمعاًحتّى تحوَّل في أحشائهم ضرما
وإن بكتك فلا منٌّ عليك لهابمآء جودك جاري جفنه انسجما
هذي الدموع بقايا ماء عيشهممن فضل ما كنت توليهم عليك همى
إن لم تفظ بك عن وجد نفوسهمفسوف بعدك عن قرب تغيض ظما
يا راحلاً ولسان الحال ينشدهوللمقال لسان بالأسى انعجما
واهاً أباالمصطفى ماذا يقول فميوما البلى منك أبقى للجواب فما
الموت حتم وإن كان المنى لك أنتبقى ولو جاوزت أيّامك الهرما
وددت يومك لم يجر القضاء بهلو كان للوح أن يستوقف القلما
حتّى تفرّج غمّاء الجدوب كمافرّجت من قبلها أمثالها غمما
ماذا يراد بأهل الأرض فابتدرتدهياء يوشك أن تستأصل النسما
أشاءَ ربّك إرسال العذاب بهالما جنوها ذنوباً تهتك العصما
فغيض الماء من أنهارها وطوىبالموت شخصك عنها والحيا انعدما
مشت بنعشك أهل الأرض تحملهفخفَّ حتّى كأن لم يحملوا علما
وما دروا رفعته من كرامتهأهل السماء على أكتافها عظما
لم يرفعوا قدماً إلاّ وقد وضعتمن قبلهم غرُّ أملاك السما قدما
كأنَّ نعشك محمول به ملكوخلفه العالم الأعلى قد ازدحما
ساروا به وسماء الدمع ترسلهالك النواظر مدراراً ولا سئما
وعبَّ حين التقى ماء العيون علىأمر نزا منه قلب الدهر واضطرما
فكنت نوحاً وكان الفلك نعشك والطوفان فائر دمع أغرق الأُمما
إن يحملوك على علم فما حملواإلاّ الركانة والأخطار والهمما
أو يدفنوك على علم فما دفنواإلاّ المحاسن والأخلاق والشيما
أو ينفضوا الكفّ من ترب به دفنواميتاً فتربك بالأفواه قد لثما
كأنّ قبرك فوق الأرض نجم سماأو أنّه في ثراه حلَّ نجم سما
يا نازلاً حين لا صوتي يلمُّ بهعليك أُمّ المعالي جزت اللمما
وقفت بعدك في الزوراء أنشدهاأين الذي كان للاجين معتصما
وأين من يزهر النادي بطلعتهللزائرين ويجلو عنهم الغمما
ومن بنى لقرى الأضياف دار علىًعمادها الفخر فيه طاولت إرما
ومن تردُّ جميع المشكلات لهإذا القضيّة أعيى فصلها الحكما
وأين للشتوة الغبراء من كرماًما قطّب العام إلاّ ثغره ابتسما
وأين من كان للعافين يلحفهاجناح رحمته ما دهرها أزما
لا فرق مابين أقصاها إذاص نسباًعنه ومابين أدناها له رحما
وأين من ليتامى الناس كان أباًفي برّه قد تساوت كلّها قسما
في فقد آبائها لليتم ما عرفتلكنّها عرفت في فقدك اليتما
أحببت في الله كتمان الصنيع ولايزداد إلاّ ظهوراً كلّما كتما
من كان يحلف إن لم يعتلق أبداًإثمٌ بردك لم يحنث ولا أثما
إلاّ وقتك حشا العافين صائنةولا وقاء إذا رامي القضاء رمى
وهل توفيك شكر المنعمين وقدطوقت حيّاً وميتاً جيدها نعما
بالأمس وجهك تستسقى الغمام بهواليوم قبرك تستسقى به الديما
يا غائباً ما جرت في القلب ذكرتهإلاّ ترقرق دمع العين وانسجما
لا غرو إن يعقد الإسلام حوزتهجميعها مأتماً يوري الحشا ضرما
فالثاكل الدين والمثكول شخصك والناعي الهدى والمعزّى خاتم العلما
محمّد حسنٌ نظم الثناء لهفقلَّ في سلك تقواه من انتظما
سقت ضريحك من جدواك واكفةوطفاء ترضع داراً ما الحيا فطما
أُعيذ قلبك أن يهفو به حذرعلى المكارم أو يغدو لها وجما
طب في ثرى الأرض نفساً لا النديُّ خلامن الوفود ولا عهد الندى انصرما
وأنت يا حرم المجد المنيف علىًلا راعك الدهر واسلم للعلى حرما
إن يوحشنّك ما من بدرك انكتمافليؤنسنّك من نجميه ما نجما
لولا ابنه المصطفى للجود قلت شكتمن بعد إنسانها عين الرجاء عمى
ندب به فتح المعروف ثانيةًمن بعد ما بابيه أوّلاً ختما
من يلقه قال هذا في شمائلهمحمّد صالحٌ إن يغتدي علما
حلو الخلائق في جيل لهم خلقلو مازج الكوثر الخلديّ ما طعما
المشتري الحمد والأشراف أكسبهالجوهر الحمد أغلاها به قيما
لو قال قوم نرى في الجود مشبههلقلت هاتوا وعدّوا العرب والعجما
أستغفر الله إن شبّهت أنملهبالقطر منسجماً والبحر ملتطما
نعم حكاه أخوه من به ظهرتمخائل من أبيه تفضح الديما
محمّد وكفى أنّ الزمان لناعن منظر حسن منه قد ابتسما
إذا بدا سمت الألحاظ ترمقهتخاله بهلال العيد ملتثما
من لفظه العذب إن شئت ألتقط درراًأو فاقتطف زهراً أو فاقتبس حكما
فاهتف بمن مات من الأهل العلاء وقللولا الردى لافتضحتم فاشكروا الرجما
أمات نشرُ مساعيه مساعيكمحتّى انطوت مثلكم تحت الثرى رمما
فلو رآه زهيرٌ في شبيبتهإذاً لفداه واختار الفدى هرما
من دوحة ما نمت إلاّ غصون علىًوكلّ غصن بماء المكرمات نما
يا أسرة المجد لا زلتم بأسركمعقداً على نحر هذا الدهر منتظما
صبراً بني الحلم إنّ الصبر منزلةحتّى لمن منكم لم يبلغوا الحلما
وحسبكم مصطفى العلياء فهو لكمنعم الزعيم به شمل العلى التئما
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع