من «العقد المفصل» لحيدر الحلي (ت ١٣٠٤هـ)
الفصل الأوّل في المديح (١١)
قلت في مدحه:
قل لامّ العلى ولدت كريماًرقَّ خلقاً وراق خلقاً وسيما
بدر مجد مدحته فكأنّيمن مساعيه قدنظمت نجوما
ملك تلمح النواظر منهملكا في سما المعالي كريما
مجده في ارتفاعه ثامن الأفلاك من فوقها أطلَّ قديما
وإذا ما رأيت دار أبي الهاديومعروفها رأيت نعيما
إن رحلت ارتحل لربع نداهوأقم فيه إن ترد أن تقيما
فهو الجنّة التي استعذب الناس جميعاً رحيقها المختوما
سبر الدهر بالتجارب حتّىبالنهى والفخار صار زعيما
واستهلّت كلتا يديه إلى أنلم يدع في بني الزمان عديما
فبه ينزل الرجا وإليهكلّ ركب سرى ينصُّ الرسيما
هو من أيكة على أوّل الدهرزكت في ثرى المعالي أروما
أثمرت سؤدداً وفخراً وعزّاًونمتها غطارفاً وقروما
وقد اشتمل قولي:
وإذا ما رأيت ثمّ مغانيهومعروفها رأيت نعيما
على الإقتباس وهو على رأي بعضهم لا يكون إلاّ من الكتاب، وعلى رأي الآخرين أنّه لا يكون إلاّ من القرآن أو من الحديث. قال من لا يرى الإقتباس إلاّ من القرآن هو أن يضمن المتكلّم كلامه كلمة أو آية من الكتاب العزيز خاصّة، وهو على ثلاثة أقسام: محمود مقبول، ومباح مبذول، ومردود مرذول؛ فالأوّل ما كان في الخطب والعهود في مدح النبي ﵌، والثاني: ما كان في الغزل والصفات والرسائل ونحوها، والثاث على ضربين: أحدهما تضمين ما نسبه الله عزّوجلّ إلى نفسه، كما قيل عن أحد بني مروان أنّه وقّع على مطالبة فيها شكاية من عمّاله: (إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ، ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ) والآخر تضمين آية كريمة في معرض هزل وسخف، كقول بعضهم:
قالت وقد أعرضت عن غشيانهايا جاهلاً في حمقه يتباها
إن كان لا يرضيك قبلي قبلةًلأولينّك قبلةً ترضاها
والأحسن في الإقتباس من القرآن نقله عن معناه كما قال ابن الرومي:
لئن أخطأت في مدحكما أخطأت في منعي
لقد أنزلت حاجاتيبواد غير ذي زرع
فقوله: بواد غير ذي زرع معناه في القرآن واد لا ماء فيه، ونقله إلى جناب لا خير فيه ولا نفع. ومثله قول الخبّاز البلدي:
ألا إنّ إخواني الذين عهدتهمأفاعي رمال لا تقصّر في اللسع
ظننت بهم خيراً فلمّا بلوتهمنزلت بواد منهم غير ذي زرع
وقال آخر في هجاء بعضهم:
جميع ما يفعله كلفةإلاّ أذاه فهو بالطبع
من حلَّ منّا بفناء لهحلّ بواد غير ذي زرع
وقال الأخوص في الإقتباس:
إذا رمت عنها سلوةً قال شافعمن الحب ميعاد السلوّ المقابر
ستبقى لها في مضمر القلب والحشاسريرة ودٍّ يوم تبلى السرائر
وقال الأبيوردي في هجاء بعضهم:
وقصائد مثل الرياض أضعتهافي باخل ضاعت به الأحساب
فإذا تناشدها الرواة وأبصرواالممدوح قالوا ساحرٌ كذّاب
وقال القاضي المنصور الهروي:
ومنثقب بالورد قبّلت خدّهوما لفؤآدي من هواه خلاص
فأعرض عنّي مغضباً قلت لا تجروقبّل فمي إنّ الجروح قصاص
وقول أبي منصور عبد الله بن سعيد:
حلّة الغانيات حلّة سوءفاتّقوا الله يا أولى الألباب
وإذا ما سئلتموهنّ شيئاًفاسئلوهنّ من وراء حجاب
وروي ما هذا مضمونه أنّ بعض الشعراء كان ينشد بعض الأُمراء وبينهما الحجاب، فلمّا بلغ قوله:
أُنظرونا نقتبس من نوركمإنّه من نور ربّ العالمين
أمر برفع الحجاب حتّى أتمّ إنشاده ثمّ أجازه.
والغاية في القبح قول بعضهم:
أقبل والعشّاق من خلفهكأنّهم من حدب ينسلون
تقول عيناه لعشّاقههيهات هيهات لما توعدون
وردفه يقرؤ من خلفهلمثل ذا فليعمل العاملون
وقال بعضهم في الإقتباس من الحديث:
قال لي إنّ رقيبيسيّىء الخلق فداره
قلت دعني وجهك الجنّةحفّت بالمكاره
ولعمّنا المهدي هذه القصيدة في مدح ديمة المنايح الماجد محمّد الصالح وذلك أنّا حللنا في ربعه فأنشدت وكان ابتداؤها موافقاً للحال التي ذكرها:
قد حملتك النجائب الرسملمن على الكرخ بيتهم علم
قد كنت تهوى لقاء من سكنوافيه ويهوون ملتقاك هم
فقر عيناً فيه برؤيتهمففيك قرّت فيه عيونهم
وانظر إلى ما سمعت عنه تجدما يقصرون دون وصفه الكلم
بيت جميع الدنيا بساحتهوتحت أبراد ربّه الأُمم
من احترام الورى لساحتهتخال في الكرخ أودع الحرم
على التقى أُسّست قواعدهوكلّ أيّام دهره حُرم
كأنّ على الأرض ساحة قمربها على الخلق تكشف الظلم
تحسبها المدلجون إن سطعتنار قراها في الليل تضطرم
فيه أُناس تخال أنّهمالأملاك من كلّ مأثم عصموا
شعارها الصمت وهي إن نطقتتفجّرت من كلامها الحكم
تبيت تبكي من خشية الواحد الفرد وتضحي للوفد تبتسم
تحنوا على الأبعدين مشفقةحنّو من فيه أطت الرحم
في الله تمسي خمص الحشا وعلىبذل قراها الأنام تزدحم
يسأم أرفادها الوفود ولافي بذله يعتريهم سأم
للشرف الباذخ الرفيع سمتمن قبل أن يفطموا بها الهمم
لو قيل للمجد من هم سمكواوانبعثت من أكفّها الديم
تعتمُّ حين الرضاع سؤددهاوترتدي الفخر حين تنفطم
أوّل ما ينطقن رضيعهمحيّ على الجود أيّها الأُمم
أو قد أطاق القيام تسرع للعلياء فيه بخطوها القدم
أو سابقته لها الكرام ولومشى الهوينا بفوت طرفهم
أماجد زيّنت سماء على المجد بشهب منها كهولهم
عقد طلاها هم وواسطةالعقد على نحرها زعيمهم
تشمُّ من عطفه عبير شذافخار آبائهم ومجدهم
قوم على الأرض غيث نائلهمقبل نزول السحاب منسجم
صفوة بيت العلى وطينتهقد عركتها قدماً أكفّهم
من قبل أن تنصب الجبال علىالأرض عماد العلياء قد دعموا
دلّ على طيب أصله شرفتورّثته منهم فروعهم
فمن آرها قدماً وينظر ابناها فما يفرقنّ بينهم
غرُّ مساعيهم العظام ومامنها اصطفتها النفوس والشيم
بين ذراريهم إن اقتسمتفقد حواها طرّاً زعيمهم
منطهيقاً في الخصام حيث فلمالمنطيق منه اللسان ينعجم
إن هدرت منه فيه شقشقةفألسن الإختصام تنحسم
لا يرجع اللفظ في مقالتهكي يتأتّى برجعه الكلم
وإنّما اللفظ في تتابعهسيل ولكن سيله عرم
تصفرُّ من قرعه المسامع منمخاصميه رعباً وجوههم
كأنّ من لونها لصفرتهلم يك فيهنّ قبل ذاك دم
لقد تحاماه أن يناضلهمن هو في العلم عيلم علم
فالفصحا لم تطق تجادلهأنّى ومنه مهابة وجموا
تخال من صمتهم وجوههملم يتصوّر في خلقهنّ فم
ذب عن الدين في سنان فمكم فيه عنه تكشّفت غمم
وثلَّ فيه عرش الضلال وقدهدم منه ماليس ينهدم
بني المعالي إليكم مدحاًيسمعها من بإذنه صمم
تلبس عرض الكريم سابغةفي الطعن منها الرماح تنحطم
كأنّها سرمد الزمان علىأفواه حسّاد مجدكم لجم
وإن غدوتم وما لشانئكمبين بني الدهر مهمز بكم
سيّارة تقطع البسيطة لاغور عداها منكم ولا أكم
وفي قلوب الورى لآخرهمجيلاً فجيلاً بالحفظ ترتسم
قد غودرت عندكم كفاتحة الكتاب لم تنسها قلوبهم
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع