من «العقد المفصل» لحيدر الحلي (ت ١٣٠٤هـ)
الفصل الثاني في التهنية (٣)
نظمت في تهنية الماجد محمّد الصالح بقدوم ولديه محمّد الرضا وأخيه المصطفى من الحج هذه الموشّحة البديعة:
اجتل الكاس فذي كفّ الصباحدرت عن مبسم الصبح اللثاما
واصطبحها من يدي عضّ الصباأغيد يجلو محيّاه الظلاما
بنت كرم زوّجت بابن السحبفتحلّت في لئالي من حبب
مذ جلاه الشرب في نادي الطربضحكت في الكاس حتّى قطبا
كلّمن كان لها بيدي ابتساماوانثنى الزامر يشدو مطربا
غرقوا بالراح كسرى يا ندامى
هي نار في إناء من بردعجباً ذابت به وهو جمد
أبداً تحرق نمرود الكمدوإذا منها الخليل اقتربا
غودرت برداً عليه وسلامافاحتسى أعذب من ماء الزبى
خمرةً أطيب من نشر الخزامى
أشبهت صافية في الأكؤسدمعة الهجر بخدّي العس
إن أديرت مثّلت للمحتسيوجنة الساقي بها فاستلبا
عقله حتّى تراه مستهاماليس بدري وجنة قد شربا
أم سلاف عتقت عاماً فعالا
تنشي الخفة في روح النسموتروض الصعب منهم للكرم
لو حساها وهو في اللؤم علممادرٌ منه إذاً لانقلبا
ذلك اللؤم سماحاً مستداماودعا خذ مع عقلي النشيا
آخر الدهر ودعني والمداما
كم على ذات الفضا من مجلسقد كساء الروض أبهى ملبس
فيه بتنا تحت برد الحندسنتعاطى من كؤس شهبا
تطرد الهمّ وإن كان لزاماإذ به نامت عيون الرقبا
ليتها تبقى إلى الحشر نياما
ونديمي من بني الترك أغنشهدة النحل بفيه تختزن
هبّ يثني عطفه سكر الوسنبمدام خلت منها خضبا
أنملا أبدى بها الحسن وشاماوكأنّ خداه منها أشربا
حمرة إذ زفّها جاماً فجاما
رشأ جسد صافي جسمهمن شعاع الخمر لا من جرمه
خفيت صهباؤه من كتمهلسناها مذ عليه غلبا
نور خدّيه فما تدري الندامىأسنا خدّيه أبدى لهبا
أم سنا الكأس لهم أبدى ضراما
إن يقل لليل عسعس شعرهقال للصبح تنفّس ثغره
أو من الردف تشكى خصرهقال يا زادك من زان الظبا
بالحصور الهيف ضعفا وانهضاماولكاسيك الوشاح المذهبا
زاد جفنيه فتوراً وسقاما
يا أليفي صبوتي بشراكماجاء ما قرّت به عيناكما
ذا جديد الأنس قد حيّاكماوخلاصاً لكما قد جلبا
ناقلا عن صفة الراح الكلامافاجعلاه للتهاني سببا
فعل من يرعي لذي الود الذماما
خلّيا ذكر أحاديث الغضاواطويا من عهد حزوى ما مضى
وانشرا فرحة إقبال "الرضا"وأخيه "المصطفى" ابن المجتبى
إنّ إقبالهما سرّ الأناماوكذا الدنيا استهلّت طربا
إذ معاً آبا وقد نالا المراما
بوركا في الكرخ من بدري علىشعّ أوج المجد لمّا أقبلا
ومحيّا الفخر بالبشر انجلىوغدا زهواً ينادي مرحبا
بمنيري أبرج المجد القدامىبكما قرّت عيون النجبا
آل بيت المصطفى السامي دعاما
رجع السعد إلى مطلعهوألبها رد إلى موضعه
والندى عاد إلى منبعهبسراجي شرف قد أذهبا
بالسنا عن أُفق الكرخ الظلاماوخضمي كرم قد عذبا
مورداً يروي من الضامي الأواما
هل بنات السير في تلك الفلاعلمت غاربها ما حملا
وبماذا من وقار وعلىرحلت بالأمس تطوي السبسبا
جدداً تهبط أو تعلوا أكاماوأريحت بالمصلّى لغبا
قد برت أقتابها منها السناما
كم لأيدي العيس يا سعد يدأبداً مشكورة لا تجحد
فعليها ليس ينأى بلدوبها وخداً سرت أو خببا
يدرك الساري أمانيه الجساماويرى أوطأ شيء مركبا
ظهرها من طلب العزّ وراما
أطلعت في الكرخ من حجب السرىقمري سعد بها قد أزهرا
وغراماً بهما أُمّ القرىلو أطاقت لهما إن تصحبا
حين آبا لأتت تسعى غراماوأقامت لا ترى منقلبا
عن حمى الزوراء ما دامت وداما
أوبةٌ جائت ينيل المنحذهبت فرحتها بالترح
فبهذا العام أُمّ الفرحولدتها فاجدّت طربا
بعدما حالت بها من قبلُ عاماولها الإقبال قد كان أبا
سعده أخدمه اليمن غلاما
فاهن والبشرى أبا المهدي لكتلك علياك لبدريك فلك
قد بدا كلٌّ بها يجلو الحللكفترى الأقطار شرقاً مغربا
لم يدع ضوئهما فيه ظلاماوالورى أبعدها والأقربا
بهما تقتسم الزهو اقتساما
ملّت القلب سروراً مثلماقد ملئت الكفّ منها كرما
واحتبت زهوا تهنّيك بماخصّك الرحمن من هذا الحبا
حيث لا زلت لها تعرى الذماماجالياً إن وجه عام قطبا
للورى وجهاً به تسقي الغماما
ففداء لك يا أندى يدامن بني الدهر وأزكى محتدا
معشر ما خلقوا إلاّ فدالبسوا الفخر معاراً فنبا
عن أُناس تلبس الفخر حراماكلّما فيهم علا الحظُّ أبى
قدرهم من ضعة إلاّ الرغاما
تشتكي من مسّ أبدانهمحللٌ ترفع من شانهم
وإذا صرَّ بإيمانهمقلمٌ فهو ينادي عجبا
صرت في أنملة اللؤم مضامامن بها قرّ مقيما عذبا
إنّها سائت مقرّاً ومقاما
هب لهم درهمهم أصبح أبفسما فيهم إلى تلك الرتب
أكرام هم لدى نصّ النسبإن يعدّوا نسباً مقتضبا
لا عريقاً في المعالي أو قدامىعدموا الجود معاً والحسبا
فبماذا يتسمون كراما
عبدوا فلسهم دهرهموعليه قصروا شكرهم
فاطرح بين الورى ذكرهموأعد ذكر كرام نجبا
قصّروا الوفر على الجود دواماوبنوا للضيف قدماً قببا
رفعت منها يد الفخر الدعاما
معشر بيت علاهم عامربهم للضيف زاه زاهر
فيه ما أمُّ الأماني عاقرتلد النجح فتكفي الطلبا
وأبو الآمال لا يشكو العقاماوعلى أبوابه مثل الدبا
نعم الوفد لها تلقي ازدحاما
صفوة المعروف قرّوا أعيناواهنأوا بالصفو من هذا الهنا
لكم السعد جلا وجه المنىبيد اليمن ومنه قربا
لكم الإقبال ما ينأى مرامافالبسوا أبراد زهو قشبا
عنكم لا نزعت ما الدهر داما
وإليكم غادة وشحتهاوبريا ذكركم عطّرتها
وإلى عليائكم أزففتهافلها جاء افتتاحا طيّبا
نشر راح الأُنس منكم لا الخزامىولها تشهد أنفاس الصبا
من ثناكم مسكه كان ختاما
وقلت مهنّياً للفاضل الصالح حين قدم من الحج أخوه عبد الكريم وولده محمّد الأمين، وكانت قد هبت على الحاج تلك السنة في الموقف ريح شديدة أهلت الأكثر منهم وقد أشرقت إلى ذلك أثناء القصيدة، وهي هذه:
فقت يا أيّتها الدار نجومافي السنا فخراًوفي الجود الغيوما
ونعم أنت بآل المصطفىمعدن الفخر حديثاً وقديما
لم تلد أُمُّ المعالي منهمفيك إلاّ واضح الوجه كريما
معشر طابوا فروعاً في العلىوزكوا في طينة العزّ أروما
وكفاهم بأبي المهدي فخراًحيث أضحى لهم اليوم زعيما
المحيّا عند بذل الجود وجهاًصاحياً والمرتجى كفّاً مغيما
تخجل المزن إذا ساجلهابيد أرطب منهنّ أديما
وتموت الشهب إن قابلهابمحيّاً يكشف الليل الهبيما
ليم في الجود ولا جود لمن لايغتدي بين الورى فيه ملوما
وكريم الطبع من لم يتغيّرطبعه في عذل من أضحى لئيما
ليس يثني الغيم عذل فمتىينثني من علم الجود الغيوما
همم لو عن مدىً زاحمهامنكب الدهر لردّته حطيما
عاد مرعي الفضل مخضرّاً بهوهو لولا جوده كان هشيما
تحمد النّاس فإن جئنا بهلم نجد أحمدهم إلاّ ذميما
من أُناس ركبوا ظهر العلىوجروا في حلبة الفخر قديما
ذهبوا بيض المجالي طيّبيعقد الأزر مصاعيباً قروما
وتبقوا من بينهم لعلالهمزينةً في نحرها عقد نظيما
كرماء لا تباري كرماًحلماء تزن الشمّ حلوما
كم دعتهم للقوافي ألسنتركت قلب أعاديهم كليما
يا نجوماً في سما المجد زهتويسرُّ المجد قولي يا نجوما
للعلى أنتم مصابيح كمالشياطين العدى كنتم رجوما
قد أقرّ الله منكم أعيناًكم لحظتم بالغنا فيها عديما
وحباكم فرحةً تشملكموالمحبّين خصوصاً وعموما
ذهب الروع الذي غمَّ وقدجائت البشرى التي تنفي الغموما
بالفتى عبد الكريم المجتبىوأمين الفضل من طاب أروما
قد لعمري سنن الحج لهاما رأت مثلهما أمس مقيما
خيف يدنو منهما الكرب الذيلذوي الأحلام ما أبقى حلوما
قلت كلاّ لا أراه أبداًمنهما يدنو وإن كان عظيما
فهما من أُسرة في برّهميدرؤ الخطب وإن كان جسيما
آل بيت المصطفى حيتكمغادة تجلو لكم وجهاً وسيما
أقبلت زهواً تهنّيكم بمازاد من يحسد علياكم وجوما
فبقيتم في سرور دائمولكم لا برح السعد نديما
وقال عمّنا المهدي في تهنية الحاج محمّد صالح كبّه وقد عوفي من مرض كان قد عراه:
لصحّة جسمك صحَّ الكرموعنك سرى لعداك السقم
وثغر المعالي غداة انتعشتلفرحتها في شفاك ابتسم
ووجه الزمان غدا مشرقاًوعنه تجلّت غواشي الظلم
وأيّامه عدن للنّاس بيضابمن زانها بجسام النعم
همام ملي الدهر فخراً علىًعطاءً كصوب الحيا المنسجم
به فتح المجد باب الندىبعصر به سدَّ باب الكرم
كريم أعاد لهذا الزمانشبيبته بعد ما قد هرم
به فرح الدهر إذ لم يجدنظيراً له في كرام الأُمم
إذا رمت مدح أبي المصطفىلأحصي ما فيه يفنى الكلم
وتبقى معان من اللفظ قدخلت وعلى الطرس لم ترتسم
أما من بيان لهذي المعانيفعنها لساني عجزاً إرم
وهل حيلة حيث لا حيلةلحصر معاني كريم الشيم
فتىً كلّ أعماله حسبمابه أمر الله باري النسم
له الله من ناسك في تقاهمن كلّ مأثمة قد عصم
ويأخذه فزع التائبينولم يك مثلهم قد أثم
فيحسبه من يراه سقيماوما فيه سقم ولا من ألم
وإنَّ معائب أفعالهمحاسن أفعال أهل الشيم
وما مرَّ يوم من الدهر إلاّبأعماله الصالحات انتظم
فذا نجم خلّص أهل التقىبعصر خلا منهم قد نجم
وجاء بآخر هذا الزمانبمالم يجيئوا به في القدم
ومن بعد نسّاكه الصالحينصدع الهداية فيه التئم
طليق المحيّا إذا وفدهعلى باب بيت علاه ازدحم
فيلقاه مستبشراً ضاحكاًوتغمره كفّه بالنعم
فما هو إلاّ حياً للندىبتسكابه فاضح للديم
وبدر علىً يتجلّى بهظلام الخطوب إذا ماادلهَم
سما لعلىً دون إدراكهاقد انقطعت عاليات الهمم
وقام بأعباء مجد سواهمن الماجدين بها لم يقم
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع